المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عائشه في العلم مع خديجه…في السبق - حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌عائشه في العلم مع خديجه…في السبق

و‌

‌عائشه في العلم مع خديجه

في السبق

فافهم نكتَةَ النتيجه (1)

(1) أي: وعائشة الصديقة، بنت الصديق، أم المؤمنين، وحبيبة رسول رب العالمين عقد عليها بنت ست أو سبع، وبنى بها وهي بنت تسع، وتوفيت بالمدينة، سنة ثمان وخمسين، رضي الله عنها وأرضاها -، أفضل نسائه صلى الله عليه وسلم في العلم، والفقه، وحمل الدين، وتبليغه إلى

الأمة، فلها من الفضل في ذلك، ما ليس لغيرها من سائر

أزواجه؛ مع أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى،

تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين، وآمنت به وصدقته ونصرته، وكانت له وزير صدق؛ وتأثيرها في أول الإسلام، وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين؛ فهي أفضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم في السبق في الإسلام، وموازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فافهم: فهم تحقيق وإذعان، نكتة النتيجة؛ أي: أثر فائدة الخلاف؛ والناتج: أن خديجة أفضل بحسب السبق، والموازرة؛ وعائشة: بالعلم ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفضيلها على سائر أزواجه؛ وفي الصحيحين:«إن الله بعث إلى خديجة بالسلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» .

وعائشة: سلم عليها جبرائيل، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج بكرًا غيرها، وقال:«فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .

وأنزل في برائتها آيات تتلى إلى يوم القيامة، وشهد بأنها من الطيبات ومناقبهما، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة شهيرة.

ص: 121

فصل

في ذكر الصحابة الكرام بطريق الإجمال

وبيان مزاياهم على غيرهم والتعريف بما يجب لهم

وليس في الأمة كالصحابه

في الفضل والمعروف والإصابه (1)

(1) أي: وليس في الأمة المحمدية، المفضلة على سائر الأمم، كالصحابة الكرام العدول، بنص الكتاب العزيز، والسنة المتواترة، وإجماع الأئمة، وسائر السلف، فهم الذين فازوا بصحبة خير البرية، قال تعالى خطابًا لهم:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] . وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ الآية} [الفتح: 29] .

فليس في سائر الأمة مثل الصحابة في الفضل، لما في الصحيحين:«لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . وفيهما: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .

وليس في الأمة كالصحابة في المعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف، من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس؛ وليس في الأمة أيضًا: كالصحابة في الإصابة للحكم المشروع، فهم أحق الأمة بإصابة الحق والصواب.

فهم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب الله، وسنة نبيه، شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل. قال ابن مسعود: من كان متأسيًا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ ومن نظر في سيرتهم، بعلم وبصيرة، وما من الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا: أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله.

ص: 123

فإنهم قد شاهدوا المختارا

وعاينوا الأسرار والأنوارا (1)

وجاهدوا في الله حتى بانا

دين الهدى وقد سما الأديان (2)

(1) أي: فإن الصحابة رضي الله عنهم، قد شاهدوا المختار من سائر الأنام، محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام، وصحبوه، وعاينوا في صحبتهم له الأسرار القرآنية، وعلموا التنزيل وأسبابه، وعاينوا الأنوار المشرقة، من الكتاب والسنة؛ فهم أسعد الأمة بالفضل، وإصابة الصواب؛ وأجدر بفقه السنة والكتاب.

(2)

أي: وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، حتى ظهر دين الإسلام، الذي به الهدى والدلالة، والفوز والفلاح، وقد علا على سائر الأديان؛ فسائر الأديان غيره منسوخة، وكل عبادة لم يأت بها فباطل،

قال تعالى. {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] .

ص: 124

وقد أتى في محكم التنزيل

من فضلهم ما يشفي من غليل (1)

وفي الأحاديث وفي الآثار

وفي كلام القوم والأشعار

ما قد ربا من أن يحيط نظمي

عن بعضه فاقنع وخذ عن علم (2)

واحذر من الخوض الذي

قد يزري بفضلهم مما جرى لو تدري

فإنه عن اجتهاد قد صدر (3)

...................................

(1) أي: يطفئ حرارة الجهل، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي: عدلًا خيارًا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] . وقال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج: 78] . وغير ذلك من الآيات.

(2)

أي: وقد أتى في الأحاديث النبوية، وفي الآثار السلفية، وفي كلام الأئمة، من المحدثين والفقهاء، وسائر أهل العلوم الشرعية، وفي الأشعار المرضية، من العرب والمولدين، من مدحهم، والثناء عليهم، ما قد زاد أن يحيط نظمه، في هذه الأرجوزة الوجيزة عن بعضه، فضلًا عن غالبه وكله، فاقنع بما أشير إليه، وما أوردناه من الأدلة، وخذ ذلك واعتمد عليه، من علم ويقين؛ والقنوع: الرضا باليسير.

(3)

أي: واحذر، أمر من الحذر، الذي هو التحرز من الخوض،

المفضي إلى التأبين، الذي قد يزري، ويحط من فضلهم

المعلوم، بالكتاب والسنة، من الاختلاف الذي جرى بينهم،

لو كنت تدري غب ذلك الخوض، المفضي إلى الحقد، على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك ما ينتفع به في الدين، وإنما لك من

أعظم الذنوب، فإنهم خير القرون، وهم السابقون الأولون؛ وذلك فيما جرى بين علي ومعاوية وقبلهما وبعدهما، فإن النزاع والقتال الذي جرى بينهم، كان عن اجتهاد قد صار من كل من الفريقين، كما تقدم.

وعقيدة أهل السنة والجماعة: الإمساك عما شجر بينهم؛ ويقولون: إن الآثار المروية، في مساوي بعضهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص؛ والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، والخطأ مغفور لهم، ولهم من السوابق والفضائل، ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لا يغفر لمن بعدهم. وإذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء كفر به عنه، والذي ينكر من فعل بعضهم، قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم، فإنهم صفوة هذه الأمة، وأكرمها على الله.

ص: 125

..................................

فاسلم أذل الله من لهم هجر (1)

(1) أي: فاسلم من الخوض، أذل الله كل مبتدع، من الرافضة وغيرهم للصحابة، أو لبعضهم، هجر، وعادى، ولم يوال ويحب؛

والسلف رضى الله عنهم: تبرءوا من طريقة الروافض، الذين

يبغضونهم، ويسبونهم؛ ومن طريقة النواصب: الذين يؤذون أهل

البيت، بقول أو عمل؛ ومن أصول سلامة قلوبهم، وألسنتهم

لهم، عملاً بقوله:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] .

وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تسبوا أصحابي» .

وأجمعوا على أنه يجب على كل أحد، تزكية جميع الصحابة، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، ولا يعاديهم إلا عدو لله ورسوله؛ وروى الترمذي وغيره: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «الله، الله في أصحابي، لا تتخذوهم بعدي غرضًا؛ من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، يوشك أن يأخذه» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتفصيل القول في سبهم، أن من اقترن بسبه دعوى: أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره؛ وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره.

أما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمرين: لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد؛ وأما من جاوز ذلك، إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلاً، لا يبلغون بضعة عشر، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن؛ من الرضا عنهم، والثناء عليهم.

ص: 126

وبعدهم فالتابعون أحرى

بالفضل ثم تابعوهم طرا (1)

(1) أي: وبعد الصحابة، المخصوصين بالفضل والعدالة: التابعون لهم بإحسان، فهم أحق وأجدر بالفضل والتقديم، على غيرهم من سائر أهل الإسلام؛ والتابعي: كل من صحب الصحابي؛ والبرهان على أفضليتهم، ما ثبت في الصحيحين:«خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وغيره، وكون الصحابة ألقوا إلى التابعين، ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالصًا صافياً، وقالوا: هذا عهده إلينا، وقد عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم؛ فجرى التابعون لهم بإحسان، على منهاجهم القويم، واقتفوا آثار صراطهم المستقيم.

وقوله: ثم تابعوهم، أي: ثم الأفضل بعد التابعين، تابعوهم؛ أي: أتباع التابعين، لما ثبت من الأحاديث في ذلك.

وقوله طرا أي: جميعاً، لأنهم سلكوا مسلكهم، وبعدهم كثرت البدع.

ص: 128

فصل

في ذكر كرامات الأولياء وإثباتها

وكل خارق أتى عن صالح

من تابع لشرعنا وناصح

فإنها من الكرامات

التي بها نقول فاقف للأدلة (1)

(1) أي: وكل خارق للعادة من الخوارق، ومراده الكرامة، وهي: أمر خارق للعادة، غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة؛ يظهر الخارق على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم المتابعة، مصحوب بصحة الاعتقاد، والعمل الصالح، علم بها أو لم يعلم، ولا تدل على صدق من ظهرت على يديه ولايته، ولا فضله على غيره، لجواز سلبها، وأن تكون استدراجاً، ومكراً، ومن ظهر على يديه خارق، مما يسمونه (كرامات الأولياء) ممن يدعي مع الله، فهو من الأحوال الشيطانية، وخدعها.

فإن الكرامة: لا بد أن تكون أمرًا خارقًا للعادة، أتى ذلك الخارق عن امرئ صالح، ولي لله عارف به، مواظب على الطاعة، تارك للمعاصي، تابع لشرعنا معشر المسلمين، وناصح لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فإذا صدر الخارق عن أحد، ممن اتصف بهذه الصفات فإنها تكون من الكرامات التي بها، وبوقوعها نقول.

فإن التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم،

من خوارق العادات، في العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، من أصول أهل السنة والجماعة؛ فاقف للأدلة

الشرعية الدالة على كرامات الأولياء، كقصة أصحاب الكهف، ومريم، وآصف؛ وعن صدر هذه الأمة، من الصحابة والتابعين، وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.

ص: 129

ومن نفاها من ذوي الضلال

فقد أتى في ذاك بالمحال

لأنها شهيرة ولم تزل

في كل عصر يا شقا أهل الزلل (1)

(1) أي: وأي إنسان نفى كرامات الأولياء، من أصحاب الضلال والزيغ عن نهج السلف، فقد أتى في ذلك النفي بالمحال، المنابذ للبرهان والعيان؛ فقد ثبت بها الكتاب والسنة والحس والمشاهدة؛ وأجمع على ثبوتها أهل السنة والجماعة؛ وعلل بما ارتكبوه في نفيها بالمحال، لأنها شهيرة للعيان ثابتة بالبرهان، ولم تزل تظهر على يد الأولياء والصالحين، في كل عصر من الأعصار الماضية، إلى الآن؛ ثم قال لمن انتحل المحال: يا شقاء أهل الزلل بما ارتكبوه، ويا خسارتهم لما انتحلوه، من رد المحسوس الثابت بالبرهان، وإجماع أهل السنة والإيمان.

ص: 130