الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في ذكر الخلاف في صحة إيمان المقلد
وكل ما يطلب فيه الجزم
…
فمنع تقليد بذاك حتم (1)
(1) أي: وكل حكم أو مطلوب مما أنبأ عنه الكلام الخبري، يطلب: يجزم فيه جزما، فمنع التقليد وهو قبول قول الغير بغير دليل عقلي بما يطلب فيه الجزم حتم لازم واجب عند طوائف المتكلمة والفلاسفة.
قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيميه: وإن كانوا يظنون أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما بني عليه صدق المخبر معقولات محضة، فضلوا في ظنهم، أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، مع أن العقل يدل على صدق الرسول دلالة مطلقة.
بل الذي عليه السلف: أن الله بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، كالأمثال المضروبة، والبراهين القاطعة، والاعتقاد الصحيح، لا يثبت بمجرد الأدلة العقلية، بل بالأدلة الشرعية التي يفرق بها بين المؤمن والكافر.
لأنه لا يكتفى بالظن
…
لذي الحجى في قول أهل الفن (1)
وقيل يكفي الجزم إجماعًا بما
…
يطلب فيه عند بعض العلما (2)
(1) علل منع التقليد لأنه لا يكتفى بالظن، الذي هو ترجيح أحد الطرفين على الآخر في أصول الدين، لصاحب الحجى بكسر الحاء، أي: العقل، والفطنة في قول علماء العقول.
قال شيخ الإسلام: وقولهم: إن المسائل الخبرية التي يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعا، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين من العلوم العقلية يعلم كل من تدبره: أنه مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم متضمن لتجهيل الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه لم يبين أصول الدين، مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها.
(2)
أي وقيل: يكفي في أصول الدين الجزم ولو تقليداً، إجماعا بكل حكم يطلب فيه ذلك المطلوب من أصول الدين عند بعض العلماء من الحنابلة والشافعية وغيرهم، لأنه صلى الله عليه وسلم يكتفي في الإيمان من الأعراب وغيرهم بالتلفظ بالشهادة، وما جاءت به الشريعة من نوعي النظر، هو ما يفيد وينفع، ويحصل به الهدى، وهو بذكر الله، وما نزل من الحق، وليس الرجوع إلى قوله صلى الله عليه وسلم تقليداً، بل هو النظر المفيد للعلم.
فالجازمون من عوام البشر
…
فمسلمون عند أهل الأثر (1)
(1) أي: فالجازمون حينئذ ولو تقليدا، وهو الرجوع عندهم إلى الكتاب والسنة من عوام البشر، الذين ليسوا أهلا للنظر والاستدلال، فعلى الصواب: هم مسلمون عند أكثر أهل الأثر وأكثر النظار.
قال النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقا، وإن كان مقلدا على مذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح، التي يحصل بمجموعها التواتر، والعلم القطعي. اهـ.
ولو كان النظر العقلي واجبا - كما زعمه النظار - لما أهمله المهاجرون والأنصار، وسائر الوفود الذين دخلوا في الدين، وعرفوا الله بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وأعلام الرسالة، ودلائلها، وهم ومن اتبعهم من السلف أعظم الناس علما، ويقينا وطمأنينة، وسكينة. وطوائف المتكلمين والمتفلسفة وأضرابهم هم أهل الشك والاضطراب وتشريع دين لم يأذن به الله، غاية ما يقول أحدهم: أنهم جزموا بغير علم وصححوا بغير حجة، حتى اعترف حذاق أهل الكلام الأشعري وغيره: أن طريقتهم ليست طريقة الرسل وأتباعهم، وأنها طريقة باطلة، وأهل السنة والجماعة يعلمون، ويعلمون أنهم يعلمون.
الباب الثاني
في الأفعال المخلوقة
وسائر الأشياء غير الذات
…
وغير ما الأسماء والصفات
مخلوقة لربنا من العدم (1)
…
وضل من أثنى عليها بالقدم (2)
(1) أي: وسائر الأشياء مخلوقة، الله أوجدها من العدم، غير الذات المقدسة، والأسماء الحسنى، والصفات العلى، فإن الله تعالى قديم بجميع صفاته، وقدمه ضروري، وصفات كماله لازمة لذاته، يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة، وكل ما سوى الله محدث، مسبوق بالعدم، باتفاق السلف، فالله خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما دلت عليه الكتب المنزلة، وأخبرت به الرسل، وأقرت به الفطر، وأجمع عليه المسلمون.
(2)
أي: وضل عن الصراط المستقيم كل شخص أثنى على سائر الأشياء بالقدم سوى الذات، والأسماء والصفات، وأخطأ المنهج القويم، كأرسطو وأتباعه، وأخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض، وما فيهما، وما بينهما، وقدر مقادير الخلائق، قبل ذلك بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء.
قال شيخ الإسلام: ليس لأرسطو وأتباعه ولا غيرهم حجة واحدة تدل على قدم شيء من العالم أصلاً.
وربنا يخلق باختيار
…
من غير حاجة ولا اضطرار (1)
لكنه لا يخلق الخلق سدى
…
كما أتى في النص فاتبع الهدى (2)
أفعالنا مخلوقة لله
…
لكنها كسب لنا يا لاهي (3)
(1) أي: ربنا تبارك وتعالى يخلق ما شاء باختيار منه، قال تعالى:{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] . ولم يزل سبحانه فاعلا لما يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، أوجد المخلوقات بعد أن لم تكن على غير مثال سابق، لا لحاجة إليها، ولا اضطرار ألجأ إليها، بل خلقها بمحض مشيئته لحكمة عظيمة.
(2)
أي: لكنه - تعالى وتقدس - لا يخلق الخلق سدى هملا، بلا أمر ولا نهي، ولا حكمة، بل خلقهم لذلك، كما قال:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . أي: يوحدون وقال بعض السلف: إلا لآمرهم، وأنهاهم كما أتي في النص، أي: القرآني، كقوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ} [النساء: 36] . {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة: 5] والسنة النبوية كقوله: «وحق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» . وغير ذلك، فاتبع الهدى باقتفاء المأثور وإتباع السلف.
وهل يخلق تعالى لعلة، أو لا؟ رجح الأول شيخ الإسلام، وابن قاضي الجبل، وغيرهما، وحكاه عن إجماع السلف، واحتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وغير ذلك، والإجماع واقع على اشتماله على الحكم والمصالح.
(3)
أي: أفعالنا معشر الخلق جميعها مخلوقة مصنوعة لله تعالى، هو
الذي أوجدها من العدم، قال تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] أي: خلقكم والذي تعملونه، فدلت على أن أعمال العباد مخلوقة لله، وفي حديث حذيفة: «إن الله خلق كل صانع وصنعته. وأيضا: نفس حركاته تدخل في قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فإن أعراضهم داخلة في مسمى أسمائهم، فالله خلق الإنسان بجيمع أعراضه وحركاته، والآيات والأحاديث الدالة على خلق أفعال العباد كثيرة. وجمهور أهل السنة: على أن فعل العبد فعل له حقيقة، لكنه مخلوق لله، مفعول للعبد، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، لكنها أي: لكن أفعالنا التي تصدر عنا كسب لنا معشر الخلق، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]
قال شيخ الإسلام: والفعل هو الكسب، ولا يعقل شيئان في المحل: أحدهما فعل والآخر كسب، والذين جعلوا العبد كاسبا غير فاعل من أتباع جهم، وأبي الحسن وكلامهم متناقض، وقوله يا لا هي، تكملة للبيت.
فكل ما يفعله العباد
…
من طاعة أو ضدها مراد
لربنا من غير ما اضطرار
…
من لنا فافهم ولا تُمَار (1)
(1) أي: فكل فعل يفعله العباد من طاعة، وهي ما تعلق بها المدح في العاجل، والثواب في الآجل وما يفعل من معصية وهي ما فيها ذم في العاجل والعقاب أو الذم في الأجل داخل تحت إرادة الله الكونية ومشيئته وقدرته، فإن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه ما
شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وإرادة
ما يفعله العباد من غير اضطرار منه لنا ولا حاجة بل لحكمة باهرة.
فافهم ولا تمار في علمك وكن مع الحق حيث كان. والمراء: الجدال ويقال للمناظرة، مماراة لأن كل واحد يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، وقد كثر المراء في القدر، وقيل: أول من تكلم فيه معبد الجهني.
وأهل السنة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، وتقدم: أن الإرادة إرادتان: فما ذكر هي الإرادة الكونية القدرية المتعلقة بالخلق، والإرادة الثانية هي: الإرادة الشرعية المتعلقة بالأمر وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة.
والمراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا للمريد، ولا مصلحة له فيه بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضائه، وإيصاله إلى مراده، فيجتمع الأمران بغضه وإرادته لا يتنافيان لاختلاف متعلقهما.
وجمهور أهل السنة من جميع الطوائف: يفرقون بين الإرادة، والمحبة، والرضا، فيقولون: إنه إن كان يريد المعاصي فهو سبحانه لا يحبها، ولا يرضاها، بل يبغضها، ويسخطها، وينهى عنها.
وجاز للمولى يعذب الورى
…
من غير ما ذنب ولا جرم جرى (1)
(1) أي: وجاز للرب تعالى يعذب الخلق من غير ذنب، أي: إثم، ولا
جرم، هو: الذنب عطفه عليه للإيضاح، جرى، أي: من العبد، ولا صدر عنه، وليس هذا من قول السلف، ولا من الثناء على الله، والنصوص النافية للظلم، تثبت العدل في الجزاء وأنه لا يبخس عاملا عمله، كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، وقال:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35-36] ويجب تنزيهه عن الظلم، كما نزه نفسه عنه، ومعلوم بالضرورة أن الله حكم عدل، يضع الأشياء في مواضعها، وإن كان وضعها في غير مواضعها غير ممتنع لذاته، لكنه لا يفعله لأنه لا يريده بل يكرهه ويبغضه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس من أهل السنة من يقول: إن الله يعذب نبيا، ولا مطيعا، ولا من يقول: إن الله يثيب إبليس وفرعون، بل: ولا يثيب عاصيًا على معصيته؛ وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، مجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الصادق الذي لا يخلف الميعاد، العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلما، باتفاق جميع الكتب والرسل.
فكل ما منه تعالى يجمل
…
لأنه عن فعله لا يسأل (1)
(1) أي: فكل شيء يحسن من الله، وكل ما خلقه فهو نعمة، وإحسان إلى عباده، يستحق عليه الشكر، وله سبحانه فيه حكمة تعود عليه، يستحق أن يحمد عليها لذاته، لا يسأل عما يفعل، لتمام حكمته وحمده، وهم يسألون؛ بل هو محسن عدل، كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، محسن إلى العبد بلا سبب منه، ولا يعاقبه إلا بذنبه، وإن كان قد خلق الأفعال كلها لحكمة له في ذلك.
فهو أحكم الحاكمين، لا يظلم مثقال حبة من خردل، وإن تك حسنة يضاعفها، فإذا ابتلى أحدا بالذنوب، فهي عقوبة على عدم فعل ما خلق لأجله وفطر عليه: فإنه خلق الخلق لعبادته وحده ودلهم عليه بالفطرة، وجعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، وبعث الرسل لقيام الحجة، فمن لم يفعل ما أمر به بأن زين له الشيطان المعاصي عاقبه.
فإن يثب فإنه من فضله
…
وإن يعذب فبمحض عدله (1)
(1) أي: فإن يثب عباده المطيعين - والثواب: الجزاء - فإن إثابته من فضله وكرمه، وإن كان واجبا بحكم وعده، باتفاق المسلمين، وبما كتبه على نفسه من الرحمة وإن يعذب عباده لعتوهم وعصيانهم فبمحض عدله الخالص من شائبة الظلم باتفاق المسلمين، وهو أرحم الرحمين، فلا يلوم العبد إلا نفسه، ولولا فرط عتوهم وإبائهم عن طاعته، واستحقاقهم للعذاب لما عذبهم، وهو الحكم العدل، وكما أنه منزه عن صفات النقص والعيب فهو منزه عن أفعال النقص والعيب، وأي نقص أفظع من الظلم.
وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه، وإن كان بالنسبة إلى الإنسان هو ظلم، فهو ظلم من الفاعل، الذي قام به الفعل، لا من الخالق - جل وعلا - فإن أفعال عباده نوع آخر، والله تعالى لا تقوم به أفعال
العباد، ولا يتصف بها، ولا تعود إليه أحكامها، التي تعود إلى موصوفاتها، وقد فرق السلف بين فعله سبحانه وبين ما هو
مفعول مخلوق له، فحركات المخلوقات ليست حركات له، ولا
أفعالا له بهذا الاعتبار، لكونها مفعولات هو خلقها، وإنما الظالم من فعل الظلم.
وأجمع السلف: أن العبد مأمور بطاعة الله، منهي عن معصيته، فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه، وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان ظالما لنفسه، مستحقا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته، لكنه تعالى يحب الطاعة، ويأمر بها، ويثيب عليها، ويبغض المعصية، وينهى عنها، ويعاقب عليها، وإن شاء عفا عن المذنب من المؤمنين.
فلم يجب عليه فعل الأصلح
…
ولا الصلاح ويح من لم يفلح (1)
(1) أي: فلم يجب على الله فعل الأصلح، أي: الأنفع، ولا فعل الصلاح لعباده وهذا قول المرجئة الجهمية، والذي عليه أهل السنة والجماعة: أنه سبحانه إنما يأمر عباده بما فيه صلاحهم، وينهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور مصلحة عامة لمن فعله، وترك المنهي عنه مصلحة لمن تركه، ونفس الأمر وإرسال الرسل مصلحة عامة، وإن تضمن شرا للبعض.
ويثبتون الحكمة في أفعال الله، وأنه يفعل لنفع عباده ومصالحهم،
فقد أمر الخلق على ألسن رسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم،
ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد هو سبحانه أن
يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلا له: ومنهم من لم يرد أن
يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها غير أمره للعبد على وجه بيان ظاهر مصلحة للعبد أو مفسدة، فإذا أمر العبد بالإيمان، كان قد بين له ما ينفعه ويصلحه إذا فعله، ولا يلزمه تعالى إذا أمره أن يعينه، بل قد يكون في خلقه ذلك الفعل وإعانته عليه نوع مفسدة من حيث هو فعل له، فإنه يخلق سبحانه ما يخلق لحكمة. ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعل أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلا له، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك فإن الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا معنى من المعاني، إلا وهو شاهد لله بتمام العدل والرحمة، وكمال الحكمة.
وما خلق سبحانه الخلق باطلا، ولا فعل شيئا عبثا، بل هو الحكيم في أقواله وأفعاله، يفعل ويخلق ما يشاء لحكمة باهرة، وقد وقع الإجماع عند أهل السنة والجماعة على اشتمال أفعال الله على الحكم والمصالح، كما تقدم.
فكل من شاء هداه يهتدي (1)
…
...................................
(1) أي: فكل من شاء الله هداه من خلقه يهتدي إلى الصراط المستقيم، والمراد هنا الهداية الخاصة، وهي هداية التوفيق والإلهام، المستلزمة للاهتداء. وأما الهداية العامة، كقوله:{أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
فإنها لا تستلزم الاهتداء التام، وكذا هداية البيان العام، كقوله:{حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] لا تستلزم الاهتداء التام، وكذا الهدى بالبيان والدلالة إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم يحصل به الاهتداء، الذي هو هدى التوفيق والإلهام، كقوله:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] . وهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى، وإضلال من ضل، فلم يطرد عن بابه من يليق به التقريب، بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد.
..................................
…
وإن يرد ضلال عبد يعتدي (1)
(1) أي: وإن يرد سبحانه ضلال عبد من خلقه، بترك المأمور، وارتكاب المحظور، يعتد، بارتكاب ذلك، واقتحام المحارم، وهذه هي الإرادة القدرية الكونية، وليست هي الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي، فإنها مستلزمة للمحبة والرضا، وقد فرق الله بينهما في كتابه، فقال في الأولى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] . وفي الثانية: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]
فيريد سبحانه الخير، ويأمر به، ولم يأمر بالشر، بل نهى عنه، ولم يرضه دينا وشرعا، وإن كان مريدا له خلقا وقدرا، وما يصيب العبد من النعم، فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر، فبذنوبه ومعاصيه، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله، وقدرته وخلقه، ولا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله، وقدره، وبشرعه، وأمره هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.