المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي الكلام على القضاء والقدر - حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌فصلفي الكلام على القضاء والقدر

‌فصل

في الكلام على القضاء والقدر

وكل ما قدر أو قضاه

فواقع حتما كما قضاه (1)

وليس واجبًا على العبد الرضا

بكل مقضي ولكن بالقضا (2)

(1) أي: وكل شيء قدره الله وقضاه من سائر الأشياء فهو واقع حتما لازما، كما قضاه، أي: كما حكم به وقدره وسبق به علمه، وجرى به القلم، وفي الحديث القدسي:«وإذا قضيت قضاء فإنه لا يرد» . وموسى إنما لام آدم عليهما السلام على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لكونه أذنب، فتضمن وجوب التسليم للقدر عند المصائب، لا عند الذنوب.

(2)

قضاء الله - وهو فعل قائم بذاته - كله خير وعدل وحكمة، يجب الرضا به كله، والرضا هو التسليم، وسكون القلب وطمأنينته، والمقضي وهو: المفعول المنفصل عنه لا يجب الرضا به كله، فإنه إنما شرع الرضا بما يرضى الله به، والمقضي نوعان:

شرعي ديني: فيجب الرضا به كقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}

[الإسراء: 23] . وهو أساس الإسلام.

والنوع الثاني: كوني قدري: ومنه ما لا يسخطه الله، كالمصائب التي يبتلي عبده بها فلا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ومنه ما لا يحبه الله ولا يرضاه كالذنوب، فالعبد مأمور بسخطه، منهي عن الرضا به.

ص: 62

لأنه من فعله تعالى (1)

وذاك من فعل الذي تقالى (2)

(1) أي: لأن القضاء من فعل الله تعالى، فيجب الرضا به، واعتقاد أنه عدل منه سبحانه في عبده، لا بمعنى كونه متصرفا فيه بمجرد القدرة والمشيئة بل بوضع القضاء في موضعه، وإصابة محله، فكل ما قضاه

على عبده فقد وضعه موضعه اللائق به وأصاب محله الذي هو أولى به من غيره.

(2)

قلاه: أبغضه أي: وذلك المقضي من فعل الشخص الذي أتى بما يبغضه الله، وفعله الأشياء المبغوضة لله، لا يجوز الرضا بها إجماعا، بل الرضا بالقدر الجاري على العبد باختياره وفعله من أنواع الظلم والفسوق مما يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه، ويعاقب عليه، ولله سبحانه في ظهور المعاصي وترتب آثارها من الحكم ما يشهده أولو الأبصار.

وأما الرضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد كالفقر والمرض فمستحب، ومن أجل الأمور، وأشرف أنواع العبودية، ولم يطالب به العموم لعجزهم ومشقته عليهم، وقيل: يجب، فتستوي النعمة والبلية عنده في الرضا بها وهو من مقامات الصديقين واختار شيخ الإسلام استحبابه، وقال: لم يجئ الأمر به كما جاء بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.

والرضا بالقدر الكوني الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من

الصحة والغنى ونحو ذلك فأمر لازم بمقتضى الطبيعة وليس

الرضا به عبودية، وعلى العبد أن يوافق ربه، فيبغض الذنوب

ويمقتها، لأن الله يبغضها، ويرضى بالحكمة التي خلقها الله

لأجله، فهي من جهة فعل العبد لها مكروهة مسخوطة، ومن جهة خلق الرب لها محبوبة مرضية.

لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارة له، موجبة له العذاب، فنحن نكرهها وننهى عنها، كما أمرنا الله بذلك، ونعلم أن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، فنرضى بقضائه وقدره، لأنا إذا نظرنا إلى إحداث الرب لذلك، للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضينا لله بما رضية لنفسه، فنرضاه ونحبه مفعولا لله مخلوقا له، ونبغضه ونكرهه فعلًا للمذنب المخالف لأمر الله.

ص: 63