الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول في الحكايات المستطرفة والأخبار المستظرفة
كان الحجاج قد استعمل مالك بن أسماء بن خارجة، على الجزيرة، وكانت أخته هند تحت الحجاج، فبلغه عنه شيء، فعزله، وبعث إلى أهل الجزيرة، وأمرهم أن يقولوا: ظلمنا، وأخذ أموالنا، فقال بعضهم لبعض: حتى الأمير يغضب عليه اليوم، ويرضى غداً، لا تتعرضوا لذلك، ولما دخلوا على الحجاج، قدموا شيخاً لهم، فسأله الحجاج عن سيرته فيهم، فأثنى عليه الشيخ خيراً، فأمر به الحجاج فضرب مائة سوط، فقال الباقون: كذب الشيخ، بل كان يظلمنا ويأخذ أموالنا فقال مالك: أيها الأمير، مثلي ومثلك، قال: قل، فقال: زعموا أنه كان أسد وذئب وثعلب، اشتركت مرة فيما تصيد، فصادت حمار وحش، وظبياً، وأرنباً، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا واعدل، فقال الذئب: لك الحمار، ولي الظبي، وللثعلب الأرنب، فضربه الأسد، وقطع رأسه، ووضعه بين يديه، وقال للثعلب: اقسم بيننا واعدل، فقال: الحمار لك تتغدى به، والظبي تتعشى به، والأرنب تتفكه بها فيما بين الغداء والعشاء، قال الأسد: ما أعدلك في القسمة، من علمك هذا؟ قال: الرأس الذي بين يديك، فضحك الحجاج، ورده إلى موضعه.
وصعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير الوليد بن عبد الملك، فأثنى على الحجاج خيراً، فلما كان في الجمعة الثانية، وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان، فأمر بشتم الحجاج، وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان يظهر من طاعة الله عز وجل، ما كانت الملائكة ترى به فضلاً، وكان الله قد علم من غشه، ما كانت الملائكة قد خفي عنها، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه السجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه، وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له فضلاً، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين على غله وغشه، على خلاف ما أخفي عنا، فلما أراد الله فضيحته، أجرى الله ذلك على يدي أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله، ثم نزل.
ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر، بنهر أم عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل البصرة، فقال غيلان: أجل، يا أمير المؤمنين، يتعلم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقيهم، ويأتيهم بميرهم، ثم عاد غيلان، فساير زياداً عليه، فقال زياد: ما أضر هذا النهر لأهل هذا المصر، فقال غيلان: أجل يا أمير المؤمنين، تتهدم به دورهم، وتغرق به صبيانهم، وتكثر لأجله بعوضهم.
ويحكى أن حاتماً نزل به أعرابي، فبات عنده جائعاً، فلما كان في السحر ركب وانصرف، فتقدمه حاتم، فلما خرج من بيت البيوت لقيه حاتم متنكراً، فقال له: أين كان بيتك البارحة؟ فقال: عند حاتم، فقال: فكيف كان؟ فقال: خير مبيت، نحر لي ناقة، فأطعمني اللحم، وسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال، فقال له: أنا حاتم، والله، لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فرده، وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له الأعرابي: إن الناس كلهم يثنون عليك بالجود، فلو قلت شراً، لكذبوني، فرجعت مضطراً إلى قولهم؛ إبقاء على نفسي، لا عليك.
وأمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شراعة من الكوفة، فلما قدم عليه قال: يا ابن شراعة، والله، ما أرسلت من الكوفة إليك؛ لأسألك عن كتاب الله، وسنة نبيه، قال: يا أمير المؤمنين، لو سألتني عنهما لوجدتني حماراً، قال: أرسلت إليك؛ لأسألك عن الفتوة، قال: أنا دهقانها الحكيم، وطبيها العليم فسل عما بدا لك، قال: أخبرني عن الماء، قال: لابد لي منه، والكلب والجمل يشاركاني فيه، قال: فما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته إلا استحيت من أمي لطول ما أرضعتني إياه، قال: فالسويق؟ قال: شراب المحرور، والمسافر العجلان، قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: مرعى، ولا كالسعدان، قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش، ضراط كله، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي، جلت عن المثل، تلك التي تزيد الدم إشراقاً، قال: وأنت يا ابن شراعة صديقي، إجلس، أي الطعام أحب إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير أن أنفعه أدسمه.
وكان أعرابي قد تعشق جارية، فقيل له: ما كنت صانعاً، لو ظفرت بها، ولا يراكما غير الله؟ قال: إذن، والله، لا أجعله أهون الناظرين، لكني كنت أفعل بها ما كنت أفعله بحضرة أهلها، شكوى، وحديث عذب، وأعراض عما يسخط الرب، ويقطع وصل المحبوب، إذا سمح لمثال هذا، فعصيان النصيح واجب.
وحكي عن بشار الطفيلي أنه قال: رحلت إلى البصرة، فلما دخلتها، قيل لي: إن هنا عريفاً للطفيليين، يبرهم ويكسوهم، ويرشدهم إلى الأعمال، ويقاسمهم، فسرت إليه فبرني وكساني، وأقمت معه ثلاثة أيام، وله خلق يأتونه بما يأخذون، فيأخذ النصف ويعطيهم النصف، فوجهني معهم في اليوم الرابع، فحصلت في وليمة، فأكلت وأخذت شيئاً كثيراً، فجئته به، فأخذ النصف وأعطاني النصف، فبعت ما وقع لي بدراهم، فلم أزل على هذا أياماً، ثم دخلت يوماً على عرس جليل، فأكلت، وخرجت بشيء كثير، فجئته به وأعطاني النصف، فلقيني إنسان، فاشتراه مني بدينار، فأخذته وكتمت أمره، وأخذ جماعة الطفيليين وقال: إن هذا الطفيلي البغدادي خان، وظن أني لا أعلم ما فعل، فاصفعوه وعرفوه ما كتمنا، فأجلسوني شئت أم أبيت، فما زالوا يصفعوني واحداً بعد واحد، يصفعني الأول منهم ويشتم يدي ويقول: أكلت مصيرة، ويصفعني الآخر ويشم يدي ويقول: أكلت بقيلة، حتى ذكروا كل شيء أكلته، ما غلطوا بزيادة ولا بنقصان، ثم صفعني شيخ منهم صفعة عظيمة وقال: بعت ما أخذت بدينار، وصفعني آخر وقال: هات الدينار، فدفعته إليه، وجردوني الثياب التي أعطانيها، وقال: أخرج يا خائن في غير حفظ الله، فخرجت إلى بغداد، وحلفت ألا أقيم ببلد، طفيليوها يعلمون الغيب.
وكان إبراهيم بن المدبر عاملاً على البصرة، وكان له ندماء، لا يأنس بغيرهم، وكل واحد منهم منفرد بنوع من العلم، وكان طفيلي يعرف بابن الدراج، من أكمل الناس أدباً وأخفهم روحاً، فاحتال ودخل في جملة الندماء، ودخل إبراهيم فرآه، فقال لحاجبه: قل لذلك الرجل: ألك حاجة؟ فسقط في يد الحاجب، وعلم أن الحيلة تمت عليه، وأنه لا يرضى ابن المدبر من عقوبته إلا بقتله، فمر يجرر رجليه، فقال له: يقول لك الأستاذ: ألك حاجة؟ فقال: قل له: لا، فأدخله عليهم، فقال له: أنت طفيلي؟ فقال: نعم، أصلحك الله، فقال: إن الطفيلي يحتمل في دخوله بخصال، منها أن يكون لاعباً بالشطرنج، أو بالنرد، أو ضارباً بالعود، أو بالطنبور، فقال: أيدك الله، أنا لما ذكرته في الطبقة العليا، فقال لبعض الندماء: لاعبه بالشطرنج، قال: أعزك الله فإن غلبت؟ قال: أخرجناك، قال: وإن غلبت، قال: أعطيناك ألف درهم قال: أحضرها؛ فإن في حضورها قوة للنفس، فلعبا، فغلب الطفيلي، ومد يده لأخذ الدراهم، فقال الحاجب: أعزك الله، ذكر أنه في الطبقة العليا، وإن غلامك فلاناً يغلبه، فحضر الغلام فغلبه، فقيل له: انصرف، فقال: أحضروا النرد، فلوعب به فغلب الطفيلي، فقال الحاجب: لكن فلاناً بوابنا يغلبه، فأحضر البواب فغلبه فقيل له: أخرج. فقال: علي بالعود، فأعطى عوداً، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب، فقال الحاجب: يا سيدي، إن في جوارنا شيخاً يعلم القيان، هو أحسن منه، فأحضر، فكان أطيب منه، فقيل له: أخرج، فقال: فالطنبور، فأحضر، فضرب ضرباً لم ير أحسن منه، فقال الحاجب: إن فلاناً أطيب منه، فأحضر، فكان أحذق منه، فقال ابن المدبر: قد تقصينا لك بكل جهد، فأبت حرفتك إلا طرحك، قال: يا سيدي، بقيت معي فائدة حسنة، قال: وما هي؟ قال: تأمر أن تحضر قوس بندق، مع خمسين بندقة من رصاص، ويقام هذا الحاجب، فأرميه في دبره، فإن أخطأته بواحدة، فاضرب عنقي، فضج الحاجب، ووجد ابن المدبر شفاه نفسه في عقوبته، فأمر بخشبتين، وشد الحاجب فوقهما، وأعطى الطفيلي القوس، فرماه بخمسين بندقة، فما أخطأ دبره بواحدة، وخلا الحاجب يتأوه لما به، فقال له الطفيلي: يا قرنان هل على باب الأستاذ من يحسن شيئاً من هذا؟ فقال له الحاجب: أما ما دام الغرض استي، فلا، وذهب الضحك بابن المدبر وأصحابه كل مذهب، ثم أعطاه ألف درهم، وانصرف.
وصاحب طفيلي رجلاً في السفر، فلما نزلوا ببعض المنازل، قال له الرجل: خذ درهماً، وامض اشتر لنا لحماً، فقال الطفيلي: إني متعب، والله، ما أقدر، فمضى الرجل واشتراه، ثم قال للطفيلي: قم فاطبخه، قال: لا أحسن، فطبخ الرجل ثم قال له: قم فأثرد، فقال: أنا والله كسلان، فثرد الرجل، ثم قال له: قم الآن، فاغرفه، قال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل حتى ارتوى الثريد، ثم قال له: قم الآن فكل، فقال: نعم، إلى متى هذا الخلاف، قد، والله، استحييت من كثرة خلافي عليك، وتقدم فأكل.
ووجه المأمون في جماعة من زنادقة البصرة، فجمعوا، فرآهم طفيلي، فمضى معهم، فأدخلوا في سفينة، فمضى معهم، وجيء بالقيود فقيد معهم، فقال: هذا آخر تطفيلي وأقبل عليهم فقال: فديتكم، أي شيء أنتم؟ قالوا له: بل من أنت، وهل أنت من أصحابنا؟ قال: والله، ما أعرفكم، غير أني طفيلي، خرجت من منزلي، فرأيت منظراً جميلاً، ونعمة ظاهرة، فقلت: شيوخ وكهول وشبان، ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخلت وسطكم، كأني أحدكم إلى هذا الزورق، فرأيته قد فرش ومهد، ورأيت سفراً مملوءة، فقلت: نزهة إلى بعض البساتين، إن هذا اليوم يوم مبارك، فزدت ابتهاجاً، إلى أن جاء هذا الموكل بكم، فقيدكم فطار عقلي، فما الخبر؟ فضحكوا وفرحوا به، وقالوا له: قد حصلت في الإحصاء، ونحن مانية على مذهب ماني القائل بالنور والظلمة، نسير إلى المأمون، فيسألنا عن مذهبنا، ويدعونا إلى التوبة، ويظهر لنا صورة ماني، ويأمرنا أن نبصق عليها، ونتبرأ منها، فمن أجابه نجا، ومن لم يجبه قتل، فإذا دعيت فأخبره باعتقادك، وللطفيلي مداخلات وأخبار، فاقطع سفرنا بها، فكان كذلك، فلما دخلوا على المأمون دعاهم بأسمائهم وامتحنهم، فأمر عليهم بالسيف، وبقي الطفيلي، وقد استوعب العدة، فسأل الموكلين بهم، فقالوا: وجدناه معهم، فجئنا به، فقال له: ما خبرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق، إن كنت أعرف من أقوالهم شيئاً، وإ، ما أنا رجل طفيلي، ثم قص قصته معهم، فضحك المأمون كثيراً، ثم أظهر له الصورة فلعنها، وتبرأ منها، وقال: أعطوها لي؛ حتى أسلح عليها، والله، ما أدري ما ماني، أيهودي هو أم مسلم؟ فقال المأمون: يؤدب على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه، فقال: يا أمير المؤمنين، بحياتك، إن كنت ولابد عازماً، فاجعل السياط كلها على بطني، فهي التي حملتني على هذا الغرر، فعاد إلى الضحك، وكان إبراهيم بن المدبر واقفاً على رأسه، فاستوهبه منه بحديث في تطفيله، يذكر في باب الحكايات ذوات الأشعار.
وحكى المبرد قال: كان بالبصرة طفيلي مشهور، وكان ذا أدب، فمر على قوم عندهم وليمة، فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المنزل، فقالوا له: لو صبرت يا هذا حتى يؤذن لك، لكان أحسن لأدبك، وأجمل لمروءتك، فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، والحشمة قطيعة، واطرحها صلة، وقد جاء في بعض الآثار: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك.
وكان ملك من ملوك فارس، له وزير مجرب حازم، فكان يتعرف اليمن في مشورته، فهلك الملك، وأقام ابنه بعده، فلم يرفع له رأساً، فذكر له مكانته من أبيه، فقال: كان أبي يغلط فيه، وسأريكم ذلك، فأحضره، وقال له: أيهما أغلب، الأدب أو الطبيعة؟ فقال: الطبيعة؛ لأنها أصل، والأدب فرع، وكل فرع يرجع إلى أصله، فدعا الملك بسفرة، فوضعت، وأقبلت سنافير معلمة، بأيديها الشمع، فوقفت حول السفرة، فقال له: اعتبر خطأك، وضعف مذهبك، حتى كان أبو هذه السنانير شماعاً؟ فقال له: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة، قال: ذلك لك، وخرج الوزير، وأمر غلامه أن يسوق له فأرة، فساقها له حية، فربطت بخيط، فلما راح إلى الملك وضعها في كمه ودخل، فأحضرت السفرة والسنانير بالشمع، فألقى لها الوزير الفأرة، فاستقبلت إليها، فتطايرت الشمع، حتى كاد البيت يضطرم عليهم ناراً، فقال للملك: كيف رأيت، غلبت الطبيعة الأدب؟ قال: صدقت، ورجع إلى ما كان عليه أبوه.
وخرج فتيان في صيد لهم، فأثاروا ضبعاً فنفرت ومرت، واتبعوها فلجأت إلى خباء لهم، فخرج لهم بالسيف منصلتا، فقالوا له: يا أبا عباد الله، لم تمنعنا من صيدنا؟ فقال: إنها استجارت بي، فخلوا بيني وبينها، فخلوا بينه وبينها، فنظر إليها مهزولة مضرورة، فجعل يسقيها اللبن صباحاً ومساء، حتى سمنت وحسن حالها، فبينا هو ذات يوم متجرد، إذ عدت عليه فشقت بطنه وشربت دمه.
وحكى الفنجديهي بسنده إلى أبي محمد الحسن بن إسماعيل قال: كنت قاعداً أنسخ وبين يدي قدح فيه ماء، وطبق فيه كعك وزبيب ولوز، فجاءت فأرة، فأخذت لوزة ومضت، ثم عادت فأخذت أخرى، ففرغت الماء الذي في القدح، فعادت الفأرة فكببت القدح عليها، واشتغلت بشغلي بساعة، فإذا فأرة أخرى قد جاءت فدارت حول القدح، فشقشقت وبقيت ساعة على ذلك، والفأرة الأخرى تشقشق من داخل القدح، فلم تجد حيلة في خلاصها فمضت وأتت بدينار فوضعته ووقفت، ولم أرفع القداح عن الفأرة فمضت وأتت بدينار آخر ووقفت، فلم أرفع القدح ففعلت ذلك إلى أن أتت بسبعة دنانير، ووقفت ساعة فلم أرفع القدح عن الفأرة فمضت، واتت بقرطاس فارغ فعلمت أنها لم يبق عندها شيء، فخليت عن الفأرة.
ودخل أبو يوسف القاضي على الرشيد ومعه الكسائي، وهما في مذاكرة وممازحة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الكوفي قد غلب عليك، فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء، يشتمل عليها قلبي، ويأخذ بمجامعه، فقال الكسائي: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ فقال: في نحو أو فقه؟ فقال: بل في فقه، فضحك الرشيد، وقال: تلقي على أبي يوسف الفقه؟ قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لزوجه: أنت طالق إن دخلت الدار؟ قال: إذا دخلت طلقت، قال: أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ فقال: إذا قال: أن وجب الفعل ووقع الطلاق، دخلت الدار بعد أو لم تدخل؟ وإن قال: إن بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق، حتى تدخل الدار.
وكان لرجل عند الحجاج حاجة، فوصف له بالجهل والحمق، فأراد أن يختبره، فقال له: أعصامي أنت أم عظامي؟ فقال له الرجل: عصامي عظامي، فظن الحجاج أنه يريد: أفتخر بنفسي بفضلي، وبآبائي لشرفهم، فقال: هذا من أفضل الناس وقضى حاجته، ثم جربه بعد ذلك، فوجده أجهل الناس وأحمقهم فقال له: لم أصدقني، وإلا قتلتك، كيف أجبتني لما سألتك بعصامي وعظامي؟ فقال له الرجل: لم أعلم معناهما، فخشيت أن أقول أحدهما، فأخطئ، فقلت في نفسي: أقول بهما معاً، فإن ضرني أحدهما، نفعني الآخر، فقال الحجاج: المنابر تصير الغبي خطيباً، فذهبت مثلاً. والعصامي هو الذي يسود بنفسه، والعظامي هو الذي يفتخر بآبائه الذين صاروا عظاماً.
ويحكى أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الثمل، فأعرض عن كلامه، فقال: ما لنا وهذه المسألة، فخجل حامد منه، ثم التفت إلى القاضي أبي عمرو، فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإضلاح صوت، ثم قال: قال سبحانه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال الرسول عليه السلام:"استعينوا في الصناعات بأهلها" والأعشى هو المشهور بالخمر في الجاهلية، وقد قال:
وكأس شربت على لذة
…
وأخرى تداويت منها بها
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال:
دع عنك لومي؛ فإن اللوم إغراء
…
وداوني بالتي كانت هي الداء
فأسفر وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد، أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في المسألة بقول الله أولاً، ثم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثانياً، وبين الفتيا وأدى المعنى، فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه، لما ابتدأه بالمسألة.
ويحكى عن أمية بن أبي الصلت، أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف، إذ سقط غراب على شرفات القصر، فصاح صيحة، فقال له أمية: بغيك التراب، فقال له أصحابه: ما يقول؟ قال: يقول: إذا شربت الكأس التي بيدك مت، ثم صاح صيحة، فال أمية مثل ذلك، فقالوا له: ما يقول؟ قال: زعم أن علامة ذلك أن يقع غراب على تلك المزبلة أسفل القصر، فيأخذ عظماً، فيجش به فيموت، فبينما هم يتكلمون إذ وقع الغراب على المزبلة ليلتقط، فأخذ عظماً، فأراد أن يبتلعه، فجشي به فمات، فانتكس أمية، ووضع الكأس من يده وتغير لونه، فجعلوا يغيرون عليه ويقولون: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا، وكان باطلاً، فألحوا عليه حتى يشرب الكأس، فمال فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم فاضت نفسه.
وحكى الأصمعي قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى بعض ملوك الروم في بعض الأمر، فاستكبر الشعبي، فقال له: من بيت عبد الملك أنت؟ قال: لا، فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمله رقعة لطيفة، وقال له: إذا بلغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا، فادفع له هذه الرقعة، فلما رجع إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره ونهض، فلما خرج ذكر الرقعة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه حملني إليك رقعة أنسيتها فدفعها إليه ونهض، فقرأها عبد الملك وأمر برده، فقال له: أعلمت ما في الرقعة؟ قال: لا، قال: قد عجبت من العرب كيف لم تملك مثل هذا؟ أفتدري لم كتب إلي بمثل هذا؟ قال: لا، قال: حسدني فيك فأراد أن يغريني بقتلك، فقال: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني، فبلغ ذلك ملك الروم وما قال عبد الملك، فقال: لله أبوه، والله، ما أردت إلا ذلك.
وقال الأصمعي: أتي عبد الملك بن مروان برجل، كان مع بعض من خرج عليه فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله، ما خرجت مع فلان إلا بالتطير لك، وذلك أني رجل مشئوم، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيراً من مائة ألف معك فضحك، وخلى سبيله.
وقال دعبل: كنا يوماً عند سهل بن هارون وأطلنا الحديث، حتى أضر بنا الجوع، فدعا بغدائه، فإذا بصحفة فيها مرق ولحم ديك قد هرم، حتى ما يقطع فيه سكين ولا تؤثر فيه ضرس، فأخذ قطعة من خبز، وحرك المرق بها، ففقد الرأس، فبقي مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال: ظننتك أنك لا تأكله، قال: ولم ظننت ذلك؟ فوالله إني لأمقت من يرمي برجله فضلاً عن رأسه، والرأس رئيس الأعضاء، وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه، وبهما يضرب المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، فإن كان قد بلغ من جهلك أني لا آكله، فإن عندنا من يأكله، انظر: أين هو؟ قال: والله، ما أدري أين رميت به؟ قال: أنا والله، أدري، رميت به في بطنك.
وروي أن رجلاً كان جاراً لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة وركبه دين حتى احتاج إلى بيع داره، فساموه فيها، فسألهم ألف دينار، فقالوا: إن دارك تساوي خمسمائة دينار، فقال: أبيع داري بخمسمائة دينار، وجوار أبي دلف بخمسمائة دينار، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر بقضاء دينه ووصله، وقال: لا تنتقل من جوارنا.
وكان الأعمش كثير الضجر والتبرم، فكثر عليه الشعر، فقال له تلامذته: لو أخذت من شعرك، فقال: لا نجد حجاماً يسكت، قالوا: نأتيك به، ونأخذ عليه أن يسكت حتى يفرغ، قال: افعلوا، فأتي بحجام، ووصي ألا يكلمه، فبدأ بحلقه فلما أمعن سأله عن مسألة، فنفض ثيابه، وقام بنصف رأسه محلوقاً حتى دخل بيته، فأخرج الحجام وأتي بغيره، فقال: والله، لا أخرج حتى تحلفوه، فحلف ألا يسأله، وحينئذ خرج.
وقال سهل بن سعد الساعدي: دخلت على جميل بمصر أعوده في مرضه الذي مات منه، فقال: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراً قط، ولم يقتل نفساً قط، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فقلت: أظنه قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: إني أرجو أن أكونه، فتضاحكت وقلت: أبعد عشرين سنة تأتي بثينة وتقول فيها الأشعار؟ والله، ما سلمت من قول الناس، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن كنت حدثت نفسي بحرام قط، فضلاً عما وراء ذلك.
ويروى أن امرأة معن بن زائدة عاتبت معناً في يزيد بن مزيد، وقالت له: إنه لتقدمه وتؤخر بنيك، ولو رفعتهم لارتفعوا، فقال لها معن: لم تبعد رحمة ولي حكم الوالد، إذ كنت عمه، وبعد، فإنهم أعلق بقلبي وأدنى من نفسي، بقدر ما توجبه الولادة، ولكني لا أجد عندهم ما أجده عنده، يا غلام: ادع جساساً وعبد الله وزائدة، فلم يلبث أن جاءوا في القلائد والغلائل المطيبة والنعال السندية، بعد هدأه من الليل فسلموا وجلسوا، وقال: يا غلام ادع يزيد، وقد أسبل ستراً بينه وبين المرأة، وإذا بيزيد قد دخل عجلاً، عليه السلاح كله، ووضع رمحه بباب المجلس، ثم دخل يتبختر، فلما رآه معن قال: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير؟ قال: جاءني رسول الأمير، فسبق لنفسي أنه يريدني لوجه، وقلت: إن كان ذلك مضيت، ولم أعرج، وإن كان خلافه فنزع هذه الآلة أيسر الخطب، قال له معن: وريت بك زندي، انصرف في حفظ الله، فقالت امرأة معن: قد بان لي اختيارك.
ولما بعث عبد الملك الحجاج والياً على العراق، أتى الكوفة، وصعد المنبر، وهو متلثم متنكب قوسه، فقال: يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئاً، فقال الحجاج: اسكت، يا غلام، هذا أدب ابن بهية، والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المجلس إلا وقال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل.
وقال الشيباني: كان رجل من أهل الكوفة قد بلغه عن رجل من عمال السلطان أنه يعرض صنيعة له بواسط للبيع، في مغرم لزمه للخليفة، فحمل وكيلاً له على بغل، وأعطاه خرجاً بدنانير، وقال له: اذهب إلى واسط؛ فاشتر هذه الصنيعة المعروضة، فلما خرج عن البيوت لحق به أعرابي، على حمار له، معه قوس وكنانة، فقال له: إلى أين تتوجه؟ قال: إلى واسط، قال: فهل لك في الصحبة؟ قال: نعم، فسارا حتى رأوا ظباء عنت لهما، فقال الأعرابي: أي الظباء أحب إليك، المتقدم منها أم المتأخر فأذكيه لك؟ قال: المتقدم، فرماه بالسهم فاقتضه، فاشتويا وأكلا، واغتبط الرجل بصحبته، ثم عرض لهما سرب قطاة، فقال: أيها تريد؟ فأشار إلى واحدة منها، فرماها فلم يخطئها ثم اشتويا وأكلا، فلما انقضى أكلهما، فجعل الأعرابي سهماً على القوس، ثم قال: أين تريد أن أصيبك؟ قال: اتق الله، واحفظ ذمام الصحبة، قال: لابد من ذلك، قال: اتق الله واستبقني، ودونك البغل والخرج فإنه مترع مالاً، قال: فاخلع ثيابك، فانسلخ من ثيابه ثوباً ثوباً، حتى بقي مجرداً فقال له: اخلع خفيك، قال له: اتق الله، ودع لي الخفين؛ فإن الرمضاء تحرق قدمي، قال: لابد من ذلك، قال: فدونك الخف فاخلعه، فوضع القوس وتناول الخف، وذكر الرجل خنجراً كان معه في الخف الآخر، فاستخرجه، فضرب به صدره، فشقه إلى عانته وقال: الاستقصاء فرقة، فذهبت مثلاً.
ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتاً أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة، واحتكم ما شئت، قال: كلب، يا أمير المؤمنين أصطاد به، قال: قد أمرنا لك بكلب، وها هنا بغلت همتك، وإلى ها هنا انتهت أمنيتك؟ قال: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي، قال: وما بقي عليك؟ قال: فرس أركبه، قال: قد أمرنا لك بفرس تركبه، قال: وغلام يقود الكلب، قال: وغلام يقود الكلب، قال: وخادم يطبخ لنا الصيد، قال: وخادم يطبخ لك الصيد، قال: ودار نسكنها، قال: ودار تسكنها قال: وجارية آوي إليها، قال: وجارية تأوي إليها، قال: بقي الآن المعاش، قال: قد أقطعناك ألف جريب عامرة، وألف جريب غامرة، قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر، قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد، قال: قد جعلناها لك عامرة كلها، قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها، قال: ما نفعتني شيئاً أيسر على أم عيالي من هذا.
وحكي أن سائلاً أتى عبد الله بن عباس، وهو لا يعرفه، فقال له: تصدق فإني نبئت أن عبد الله بن عباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبد الله؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبد الله فأنت خير منه، وإن تكن إياه فأنت اليوم خير منك أمس، فأعطاه ألفاً آخر، فقال السائل هذه هزة حسب كريم.
وبعث ملك الهند إلى هارون الرشيد بسيوف قلعية وكلاب وثياب من ثياب الهند، فلما أتاه الرسل بالمدينة، أمر الأتراك فصفوا صفين، ولبسوا الحديد حتى لا يرى منهم إلا الحدق، وأذن للرسل فدخلوا عليه، فقال لهم: ما جئتم به؟ فقالوا له: هذه أشرف كسوة بلادنا، فأمر الرشيد أن يقطع منها أجلالاً لخيله فصلب الرسل على وجوههم ونكسوا رءوسهم، ثم قال لهم: ما عندكم غير هذا؟ قالوا: هذه سيوف قلعية لا نظير لها، فدعا الرشيد أن يؤتى بالصمصامة سيف عمرو بن معدي كرب، فقطعت به السيوف بين يديه سيفاً سيفاً كما يقطع الفجل، ثم عرضت عليهم الصمصامة، فإذا هي لا فل فيها، فنكس القوم رءوسهم، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: هذه كلاب، لا يبقى لها سبع إلا عقرته، قال لهم الرشيد: إن عندي سبعاً، فإن عقرته، فهي كما ذكرتهم، ثم أمر بالأسد فأخرج، فلما نظروا إليهم هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل هذا السبع، قال: هذه سباع بلادنا، قالوا: فنرسلها عليه، وكانت الأكلب ثلاثة، فأرسلت عليه فمزقته، فأعجب الرشيد بها، وقال لهم: تمنوا في هذه الكلاب ما شئتم، قالوا: ما نتمنى إلا السيف الذي قطعت به سيوفنا، قال لهم: هذا ما لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح، ولولا ذلك ما بخلنا به عليكم، ثم أمر لهم بتحف كثيرة، وأحسن جائزتهم.
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؛ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيته قاعداً بفناء داره، متحبياً بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال: يا ابن أخي، أثمت بربك، ورميت بسهمك، وقتلت ابن عمك، ثم قال لابن آخر: قم يا بني، فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها؛ فإنها فينا غريبة.
وقال الشيباني: خرج أمير المؤمنين أبو العباس متنزهاً، فأمعن في نزهته، وانتبذ من أصحابه، فوافى خباء لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة، قال: من أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: فأنت إذن من قريش، قال: نعم، قال: فمن أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش؟ قال: فأنت إذن من ولد عبد المطلب، قال: نعم، قال: فمن أي ولد عبد المطلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى عبد المطلب، قال: فأنت إذن أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فاستحسن ما رأى منه، وأمر له بجائزة عظيمة.
وكان ابن الرومي الشاعر كثير التطير، فقرع البحتري يوماً عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقال البحتري: سخط الحي القيوم، والمهل والغسلين والزقوم، يأخذ جميع الردم، وكل بلاء كان أو يكون إلى يوم الدين، فأغلق ابن الرومي بابه ولزم داره، فسأل عنه الموفق، فقيل له: في سجن البحتري وحده القصة.
وقيل لأبي أيوب صاحب المنصور: إنا نراك إذا دعاك أمير المؤمنين يتغير وجهك، ويضطرب حالك، فقال: مثلي معكم كباز قال لديك: ما رأيت أشر منك، تكون عند قوم من صغرك إلى كبرك، يطعمونك ويسقونك. فإذا أرادوا في وقت من الأوقات ينتقلون من دار إلى دار، وطلبوا أن ينقلوك معهم لم تمكنهم من نفسك إلا بعد جهد شديد، وأنا يرسلونني في الصحارى التي فيها ربيت والمواضع التي فيها نشأت، فأرجع إليهم، وأصيد طعمهم ولا أحتاج إليهم، قال له الديك: أنت لم تر قط بازاً في سفود، وأنا قد رأيت عشرين ديكاً في سفود مراراً كثيرة.
وحكى بعضهم قال: كانت أعرابية تحاجي الرجال، فلا يكاد أحد يغلبها، فأتاها جني في صورة إنسان، فقال لها: أحاجيك؟ قالت: قل، قال: كاد العروس أن يكون أميراً، قال: كاد، قالت: كاد المنتعل يكون راكباً، قال: كاد، قالت: كاد النعام يكون طائراً، قال: كاد، قالت: كاد الفقر يكون كفراً، قال: كاد، قالت: كاد المريب يقول خذوني، ثم أمسك، فقالت له: جاوبتك، فأين جوابي؟ فقال لها: قولي، فقالت: عجبت، قال: عجبت للسبخة كيف لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت، قال: عجبت للحصى، كيف لا يكبر صغيره، ولا يهرم كبيره، فقالت: عجيب، قال: عجبت لحفرة بين فخذيك، كيف لا يدرك قعرها، ولا يمل حفرها، قال: فخجلت من جوابه، ولم تعد إلى ما كانت عليه.
ودخل سارق دار تاجر، وكان التاجر غائباً، واستخفى، ثم دخل آخر واستخفى، ولا يعلم الأول بالثاني، فلما جن الليل خرج السارق الأول، فذبح الخادم، ودخل على المرأة، وقال لها: هات ما عندك، فأحضرت له جميع مالها وحليها وحلفت له أن ذلك جميع ما على ملكها، فأراد ذبحها، فقالت: ولأي شيء تفعل هذا؟ وقد أعطيتك جميع ما عندي، فقال لها: لا يؤكل مال حي، وعزم على قتلها فبكت وخضعت، فأشفق عليها السارق الثاني، وخرج عليه بسرعة، فقتله، فدهشت منه، فقال لها: لا خوف عليك، والله، لا آخذ لك شيئاً، فناوليني فأساً أو مسحاة، فناولته، فحفر في الدار، ودفن السارق والخادم، وأراد الخروج، فرغبت إليه في معرفة موضعه، فعرفها لما جاء زوجها عرفته بما كان في غيبته، فمضى إليه وقاسمه ماله، وكان صديقه إلى الموت.
وحكى الحسن بن خضر عن أبيه قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس، اختفى رجل من بني أمية يقال له: إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك حتى أخذ له أمان من بني العباس، فقال له أبو العباس يوماً: حدثني عما مر بك في اختفائك، فقال: كنت يا أمير المؤمنين متخفياً بالحيرة في منزل على الصحراء، فبينا أنا ذات يوم على باب بيتي، إذ نظرت إلى أعلام سود، قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في نفسي أنها تريدني، فخرجت متنكراً، حتى دخلت الكوفة، ولا أعرف بها أحداً، فبقيت متحيراً، فإذا أنا بباب ورحبة واسعة، فدخلت الرحبة فجلست فيها فإذا رجل وسيم الوجه، حسن الهيئة على فرس، فدخل ومعه جماعة من أصحابه وأتباعه، فقال: من أنت وما حاجتك؟ فقلت: رجل يخاف على دمه، واستجار بمنزلك، قال: فصيرني في حجرة تلي حرمه، فمكثت عنده حولاً كاملاً في كل ما أحببت من مطعوم ومشروب وملبوس، لا يسألني عن شيء من مال ويركب في كل يوم، فقلت له يوماً: أراك تدمن الركوب، ففيم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبراً، وقد بلغني عنه أنه مختف، فأنا أطلبه، فقلت: يا هذا، قد وجب حقك علي، ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة، قال: وما ذلك؟ قال: أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك، فخذ بثأرك، فأطرق ملياً، ثم قال: أما أنت فستلقى أبي، فيأخذ بحقه منك، وأما أنا فغير مخفر ذمني، فاخرج عني؛ فلست آمن نفسي عليك، فأعطاني ألف دينار، فلم أقبلها منه، وخرجت عنه، فهذا أكرم رجل رأيت.
وقال أبو الربيع البغدادي: كان في جوار أبي عمر القاضي رجل ظهر في يده مال جليل بعد فقر طويل، قال: فسألته عن أمره، فقال: ورثت مالاً جليلاً، فأسرعت في إتلافه، حتى أفضيت إلى بيع أثاث داري، ولم يبق لي حيلة، وبقيت لا قوت عندي إلا من غزل أم أولادي، فتمنيت الموت، فرأيت ليلة من الليالي كأن قائلاً يقول لي: غناؤك بمصر فاخرج إليه، فبكرت إلى أبي عمر القاضي وتوسلت إليه بالجواب في كتب إلى مصر ففعل وخرجت، فلما وصلت مصر، ودفعت الكتب وسألت التعريف، فسد الله علي الوجوه، ونفدت نفقتي، وبقيت متحيراً، وتفكرت في أن أسأل الناس بين العشاءين، فخرجت أمشي في الطريق، ونفسي تأبى المسألة، إلى أن مضى من الليل كثير، فلقيني الطائف، فقبض علي، ووجدني غريباً، فأنكر حالي وسألني فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني، وضربني بمقارع فصحت وقلت: أنا أصدقك، فقالت: هات، فقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها وحديث المنام، فقال لي: أنت أحمق، والله، لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم قائلاً لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية مال، فذكر شارعي ومحلتي، ثم قال: دار يقال لها دار فلان، فذكر داري واسمي، وفيها بستان فيه سدرة، تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض فخذها، فما فكرت في هذا الحديث ولا التفت إليه، قال: فقوي قلبي بذلك الحديث، فأطلق عني، فخرجت من مصر إلى بغداد، وقلعت السدرة، فوجدت تحتها ثلاثين ألف دينار، فأنا أعيش فيها.
وقال أبو المثنى: كنت أمشي يوماً بين يدي رجل على رأسه قفص زجاج وهو مضطرب المشي، فما زلت أرتقب وقوعه، فزلق وتكسر القفص، وتلف جميع ما فيه، فبهت الرجل وأخذ يبكي، ويقول: هذا والله، جميع بضاعتي، ووالله، لقد أصابتني بمكة مصيبة أخرى، وما دخل على قلبي مثل هذا، فاجتمع حوله جماعة يرثون لحاله، فقالوا: ما الذي أصابك بمكة؟ قال: دخلت قبة زمزم، وتجردت للاغتسال، وكان في يدي دملج وزنه ثمانون مثقالاً، فخلعته واغتسلت، فخرجت ونسيته، فقال رجل من الجماعة: هذا دملجك له معي منذ سنتين.
وحكى بعضهم أن شيخاً أتى سعيد بن مسلم، فكلمه في حاجة، فوضع زج عصاه على إصبع سعيد، حتى أدماه، فما تأوه سعيد لذلك ولا نهاه، فلما فارقه قيل لسعيد: لم صبرت على هذا ولم تعلمه؟ قال: خفت أن يعلم جنايته، فينقطع عن طلبه الذي جاء فيه.
وقال آخر: صاح رجل بيحيى بن خالد: يا أبا علي، متوسل بالله إليك أقعدني في دهليزك، وأحبر علي كل يوم ألف درهم، فقال: نعم، فأقعده وأجرى عليه النفقة كما ذكر ثلاثين يوماً، ثم انصرف، فقيل ليحيى: إنه انصرف، فقال: بمن توسل به، لو أقام حتى يموت لكان له كل يوم ألف درهم.
ودخل عمارة بن حمزة على المنصور، فجلس في مجلسه فقال رجل للمنصور: مظلوم، يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة ظلمني، وأخذ صنيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة؛ فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لي بخصم، قال: وكيف ذلك؟ قال عمارة: إن كانت الصنيعة له فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من موضع شرفني به أمير المؤمنين.
وحكى أبو سهل الداري عمن حدثه عن الواقدي أنه قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، فكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت لي امرأتي: أما نحن في أنفسنا، فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فلا صبر لهم، فقال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما حضر، فوجه لي كيساً مختوماً، وذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إلي حاله فوجهت إليه الكيس بما فيه وخرجت إلى المسجد، فأقمت به الليل مختفياً من امرأتي، فبينا أنا كذلك إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، وقال: أخبرني عما فعلته فيما وجهت إليه به، فعرفته الخبر، فقال: إنك وجهت إلي، وما أملك إلا ما بعثت إليك، ثم كتب إلى صديقي أسأله المواساة، فوجه إلي الكيس بخاتمي، قال: فاقتسمنا ألف درهم فيما بيننا ثلاثاً، فوصل الخبر إلى المأمون فدعاني، فشرحت له ما كان فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، ألفين لكل واحد، وللمرأة ألف.
وكان رجل له مال كثير، وكان لا يقدر أحد على أن يأتي عليه في أمر؛ لشدة حزمه، وكان يقول لمن عليه أمر: ضيعت الحزم، فاتفق جماعة على أن يفعلوا معه أمراً يقولون له بسببه: ضيعت الحزم، فأتوا داره ليلاً، وأخذوا خادمه وربطوها، وقالوا لها: إن لم تصيحي على سيدك، وتقولي له: أصابني وجع، وأنا أجد الموت فاخرج لي، وإلا قتلناك، ففعلت الخادم وجعلت تصيح به، فقالت له زوجته: اخرج إليها، وانظر ما دهاها، فقال: لا أفعل، فقالت: دعني أنا أخرج إليها، قال: لا يفتح بابي بالليل، قالت: فدعني أناولها معجوناً من تحت الباب، قال: افعلي، فأخرجت يدها من تحت الباب بالمعجون، فقبضوا على يدها، وأوثقوها بشريط، فاستغاثت بزوجها، فقال لها: ألم أقل لك: ضيعت الحزم، فقالوا له: إن لم تعطنا كذا وكذا، وإلا قطعنا يدها، فقال لهم: إن أعطيتكم ما طلبتم وزيادة، والله أنكم تطلقونها؟ قالوا: نعم، قال: فاذهبوا إلى الموضع الفلاني فاحفروا، فذهب بعضهم وحفر، فوجد إناء فيه ألف دينار كما طبعت، فأخذوها، وأطلقوا يد المرأة، واقتسموا الدنانير وانصرفوا، وكان هو قد صنع تلك الدنانير مدلسة، وأعدها لمثل ما جرى له، فلما أصبح الصباح انتظروه يعلم الناس بما جرى له، فيقولون له: ضيعت الحزم، فلم يعلم أحد بذلك، ثم ذهبوا، وتصرفوا في تلك الدراهم، واشتروا بها أسباباً وحوائج، ووقع الناس على دلسها، فرفعوا إلى الحاكم، ودخلت ديارهم، فوجدوا باقي الدراهم بها، فضربوا وطوفوا فلقيهم، وقال لهم: ضيعتم الحزم، فلا حملتم الميلق معكم؟ فعلموا أنه لا يقدر ليه أحد؛ لشدة حزمه.
وكتب الإسكندر كتاباً إلى بعض ملوك الهند، يقول له فيه: أما بعد، إذا أتاك كتابي هذا، فإن كنت قائماً فلا تقعد، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت، وإلا مزقت ملكك، وألحقتك بمن مضى من الملوك قبلك، فلما ورد الكتاب عليه أجاب بأحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه اجتمع عنده أشياء، لم تجتمع عند غيره، فمن ذلك ابنة لم تطلع الشمس على أحسن منها، وفيلسوف يخبرك بمرادك، قبل أن تسأله؛ لحدة ذهنه وحسن قريحته، واعتدال مزاجه، واتساع علمه، وطبيب لا تخشى معه دواء ولا شيئاً من العوارض، إلا ما يطرأ من الفناء والدثور. وقدح إذا ملئ بالماء شرب منه عسكر له بجمعه، ولا ينقص منه شيء، وأنا منفذ جميع ذلك إلى الملك، فلما قرأ الإسكندر الكتاب، ووقف على ما فيه، قال: كون هذه الأشياء عندي، ونجاة هذا الملك الحكيم من صولتي أحب إلي من ألا تكون عندي ويهلك، فأنقذ إليه الإسكندر جماعة من حكماء اليونانيين والروم وعدة من الرجال، وقال لهم: إن كان صادقاً فيما كتب، فسوقوا تلك الأشياء، ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبين لكم أن الأمر على خلاف ذلك، فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى مملكة ذلك الرجل، فتلقاهم بأحسن قبول، وأنزلهم أحسن منزلة، فلما كان اليوم الثالث، جلس لهم مجلساً خاصاً، للحكماء منهم، دون من كان معهم من المقاتلة، وتكلم معهم في أصول الفلسفة، ثم أخرج الجارية، فلما ظهرت لأبصارهم، ورمقوها بأعينهم لم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها إلا وقف عنده، ولم يمكنه أن يتعدى إلى غيره، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به وصرفهم، وصير الفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم، فلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الطبيب والفيلسوف، ونظر إلى الجارية، فحار عند مشاهدتها، وبهرت عقله، وأمر بقية جواريه بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف، وإلى علم ما عند الطبيب، وقص عليه الحكماء ما جرى لهم من المباحثة مع الملك الهندي فأعجبه ذلك، ثم أراد مباحثة الفيلسوف على ما خبر عنه فخلى بنفسه وأجال فكره فيما يختبره به، فسنح له سانح من الفكر بإيقاع شيء يختبره به، فدعا بقدح، فملأه سمناً، وبعثه إليه، فلما ورد الرسول بالقدح على الفيلسوف، نظر الفيلسوف بصحة فهمه، فقال: لأمر ما بعث هذا الملك الحكيم هذا السمن إلي، فأجال فكره فيه، حتى ميز المراد به فدعا بنحو من ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن ثم رد القدح إلى الإسكندر، فأمر الإسكندر أن يعمل من الإبر كرة مدورة، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما وصلت إليه أمر ببسطها وأن يتخذ معها مرآة ترى صورة من قابلها من الأشخاص لصفائها، وأمر بردها إلى الإسكندر، فلما نظر إليها ورأى أحسن صورته فيها، دعا بطست، فحمل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء عليها حتى ترسب وأمر بحملها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها أمر بالمرآة، فصنع منها إناء، وجعله في الطست طافياً فوق الماء، وأمر برد ذلك إلى الإسكندر، فلما وصل إليه أمر أن يملأ ذلك الإناء من تراب ناعم، وأمر برده إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغير لونه، وجرت دموعه، وأمر برده إلى الإسكندر، من غير أن يحدث فيه شيئاً، فلما ورد الرسول على الإسكندر، وأخبر بفعله وحاله، تعجب منه، فلما كان في صبيحة تلك الليلة، جلس له الإسكندر جلوساً خاصاً، ودعا بالفيلسوف، ولم يكن رآه قبل ذلك، فلما أقبل، ونظر إليه الإسكندر، وتأمل قامته وصورته، رأى رجلاً معتدل البنية، حسن الخلقة، فقال في نفسه: إذا اجتمع حسن الصورة وحسن الفهم، كان صاحب ذلك واحد زمانه، ولست أشك أن هذا الفيلسوف قد اجتمع له الأمران، فإن كان هذا الفيلسوف علم كل ما راسلته به وأجابني عنه من غير مباحثة، فليس في زمانه أحد يدانيه في حكمته، وتأمل الفيلسوف الإسكندر عند دخوله عليه، والإسكندر ينظر إليه، فأدار الفيلسوف أصبعه السبابة حول وجهه ووضعها على طرف أنفه، وأسرع نحو الإسكندر وهو جالس على سرير ملكه، فحياه بتحية الملوك، فأشار إليه الإسكندر بالجلوس، فجلس حيث أمره، فقال له الإسكندر: ما بالك حين نظرت إلي أدرت أصبعك حول وجهك، ووضعتها على طرف أنفك؟ قال: تأملتك أيها الملك بنور عقلي، وصفاء مزاجي، فتبينت فكرك، وتأملك لحسن صورتي، فقلت في نفسي: إنه قد قال: إن هذه الصفة قل ما تجتمع مع الحكمة، فإذا كان هذا فصاحبها واحد زمانه، فأدرت أصبعي