الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مصداقاً لما سفح لك، وأريتك مثالاً شاهداً، وجعلت وجهي بمنزلة الدنيا، فكما أنه ليس في الوجه إلا أنف واحد، فكذلك ليس في مملكة الهند غيري، قال له الإسكندر: ما أحسن ما تأتي لك، فما بالك حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غزرت فيه إبراً ورددته إلي؟ فقال الفيلسوف: علمت أنك تقول: إن قلبي امتلأ علماً مثل هذا الإناء من السمن، فليس لأحد من الحكماء فيه مزيد، فأخبرت الملك أن علمي سيزيد فيه، ويدخل كما دخلت هذه الإبر في هذا السمن، قال: فأخبرني، ما بالك حين علمت من الإبر كرة، وبعثتها إليك صنعت منها مرآة صقيلة ورددت إلي؟ قال: علمت أنك تريد أن قلبك قد قسا من سفك الدماء، والشغل بسياسة الملك بقساوة هذه الكرة، فلا يقبل العلم، فأخبرتك بسبكي هذه الكرة، والحيلة في أمرها، حتى جعلت منها مرآة ترى الصور عند المقابلة، فكذلك أفعل بقلبك، قال الإسكندر: صدقت، فأخبرني أيها الفيلسوف حين جعلت المرآة في الطست، وجعلت عليها الماء حتى رسبت، لم صنعت منها إناء يطفو فوق الماء ثم رددتها إلي؟ قال: علمت أنك تريد أن الأيام قد قصرت، والأجل قريب، ولا يدرك العلم الكثير في الأمد القليل، فأجبتك ممثلاً أني سأعمل الحيلة في إيراد العلم الكثير في الأمد القليل إلى قلبك، بتقريبه من فهمك، كاحتيالي للمرآة من بعد كونها راسبة في الماء، جعلت طافية عليه، قال الإسكندر: صدقت، فأخبرني، ما بالك حين ملأت لك الإناء تراباً رددته إلي، ولم تحدث فيه شيئاً كفعلك فيما سلف؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تريد بالتراب الموت، وأنه لابد منه، ومن لحوق هذه البنية بهذا العنصر البارد الذي هو الأرض، ومفارقة النفس الناطقة الشريفة لهذا الجسد، فأعلمتك حين لم أحدث فيه شيئاً ألا حيلة في ذلك ولا عمل، قال له الإسكندر: صدقت، ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة، فقال له الفيلسوف، لست أحتاج شيئاً يلهيني عن عملي، ولا أدخل عليه ما ينافيه، وخيره الإسكندر بين الإقامة عنده، أو الرجوع إلى وطنه، فاختار الرجوع إلى وطنه، فخلى عنه، وأما القدح فأدهقه بالماء، ثم أورد عليه الناس، فلم ينقص منه شيء، وكان فيما يقال معمولاً بمضروب من خواص الهند، وقد قيل: إنه كان لآدم عليه السلام بأرض سرنديب من أرض الهند، مما نزل في الجنة، فورث عنه، وتوارثه الملوك إلى أن انتهى إلى هذا الملك من ملوك الهند، وأما الطبيب، فإنه كان له معه أخبار طويلة، ومناظرة عجيبة في صنعة الطب.
الباب الثاني في الحكايات والأخبار ذوات الأشعار
كان أحمد بن المدبر، إذا مدحه أحد، ولم يرض بشعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد، ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خله، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون، فجاءه الحسين بن عبد السلام الضرير المعروف بالجمل، فاستأذنه في الإنشاد فقال له: أعرفت الشرط؟ قال: نعم، وأنشد:
أردنا في أبي حسن مديحا
…
كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا: أكرم الثقلين طراً
…
ومن كفاه دجلة والفرات
فقالوا: يقبل المدحات لكن
…
جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي
…
عيالي، إنما الشأن الزكاة
فأما إذ أبى إلا صلاتي
…
وعاقتني الهموم الشاغلات
فيأمر لي بكسر الصاد منها
…
لعلي أن تنشطني الصلات
وحضر أبو نواس مجلس منصور بن عمار، فرآه الناس يبكي، فظنوا أنه تاب، وجعلوا يهنئونه، ويقولون: نرجو لك الله، فقال: أنا أهون على الله من ذلك، وليس كما تظنون، ولكن أبكي لبكاء ذلك الغزال، ونظر إلى غلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور، ثم قال:
لم أبك في مجلس منصور
…
شوقاً إلى الجنة والحور
لكن بكائي، لبكا شادن
…
تقيه نفسي كل محذور
تنتسب الألسن في وصفه
…
إلى مدى عجز وتقصير
وحضر مجلس بعض القصاص أيضاً، فقالوا له: لعل الله تعالى قد أقبل عليك، فقال: إنما حضرت لأجل هذا الغزال، ثم قال:
خلياني والمعاصي
…
ودعا ذكر القصاص
واسقياني الخمر صرفا
…
في أباريق الرصاص
وعلى وجه غزال
…
طائع ليس بعاصصي
بين فتيان كرام
…
قد تواصوا بالمعاصي
إن لي رباً غفوراً
…
وعلى الله خلاصي
ونظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة، وقد تلففت على صدره وإذا هو خاضب، فقال: إنك من لحيتك في مئونة، فقال: أجل، ولذلك أقول:
لعمرك لو يعطي الأمير على اللحى
…
لأصبحت قد أيسرت منه زماني
لها درهم للدهن في كل جمعة
…
وآخر للحناء، يبتدران
ولولا نوال من يزيد بن مزيد
…
لصوت في حافاتها الجلمان
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وحكى أبو جعفر الشيباني قال: أتانا يوماً أبو شاش الشاعر، ونحن في جماعة فقال: ما أنتم فيه؟ فقالوا: نذكر الزمان وفساده، قال: كلا، الزمان وعاء ما ألقي فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول:
رأيت حلى تصان على أناس
…
وأخلاقاً تزال، ولا تصان
يقولون الزمان به فساد
…
وهم فسدوا، وما فسد الزمان
ودخل ابن عبدل على بشر بن مروان لما ولي الكوفة، فقال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا، فأذن لي أقصها، قال: قل، فقال:
أغفيت قبل الصبح، نوم مسهد
…
في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة
…
ممشوقة، حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي، وبغلة
…
شهباء ناجية، يصل لجامها
فقال: أبشر بكل شيء قلته أو سمعته عندي، إلا البغلة، فليس عندي إلا دهماء، قال: امرأته طالق ثلاثاً، إن كنت رأيتها إلا دهماء، لكني غلطت.
وقال بعض الشعراء، قدمت على علي بن يحيى، فكتبت له:
رأيت في النوم أني راكب فرساً
…
ولي وصيف، وفي كفي دنانير
فجئت مستبشراً، مستشعراً فرحاً
…
وعند مثلك لي بالفعل تبشير
فوقع في آخر كتابي: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) ثم أمر لي بكل ما رأيت في منامي.
ومن ملح الصاحب بن عباد، ما يحكى عنه أن بعض الشعراء كتب إليه:
أبا من عطاياه تدني الغنى
…
إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين
…
كساً، لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في
…
ثياب من الخز، إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة، أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوباً غير ما أمرت لك به لحملتك عليه، وقد أمرنا لك بجبة وقميص ودراعة، وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف، ورداء وكساء، وجورب وكيس، ولو علمت لباساً غير هذا لأعطيناك، ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة.
وقال المفضل: دخلت على الرشيد، وبين يديه جارية مليحة شاعرة وورد قد أهديت إليه، فقال: يا مفضل قل في هذا الورد شيئاً تشبهه به، فقلت:
كأنه خد معشوق يقبله
…
فم الحبيب وقد أبقى به خجلا
فقالت الجارية:
كأنه لون خدي، حين تدفعني
…
كف الرشيد، لأمر يوجب الغسلا
فقال: قم يا مفضل؛ فإن هذه الماجنة قد هيجتنا، فقمت، وأرخيت الستور.
وقال بعض الرواة: دخلت على أبي العشائر، أعوده من علة، فقلت: ما يجد الأمير؟ فأشار إلى غلام قائم بين يديه، ثم أنشد:
أسقم هذا الغلام جسمي
…
بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال
…
أهدى فتوراً إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي
…
تمازج الماء بالمدام
وشرب المأمون وعبيد الله بن طاهر ويحيى بن أكثم القاضي، فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى، فغمزا به الساقي فأسكره، وكان بين أيديهم ردم من ورد وريحان، فأمر المأمون فشق له قبر في الردم، وصيراه فيه كأنه ميت، وعمل بيتي شعر وقال لمغنية: عن بهما على رأسه، فجلست عند رأسه وغنت بهما:
ناديته وهو حي لا حراك به
…
مكفن في ثياب من رياحين
فقلت: قم، قال: رجلي لا تطاوعني
…
فقلت: خذ، قال: كفي لا تواتيني
فانتبه يحيى لرنة العود والجارية بالبيتين فقال:
يا سيدي، وأمير الناس كلهم
…
قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي، فصيرني
…
كما تراني سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضاً؛ قد ذوى بدني
…
ولا أجيب لداع حين يدعوني
وخرج الحسن بن هانئ، وهو أبو نواس، ومعه مطيط حاجبه، حتى أتيا دار خمار، فقال أبو نواس لمطيط: ادخل بنا نتماجن على هذا الخمار، فدخلا، فلما سلما رد عليهما السلام، فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة؟ قال: عندي منها أجناس، فأي جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:
حجبت حقبة وصينت فجاءت
…
كجلاء العروس بعد الصيان
وكأن الأكف تصبغ من ضوء
…
سناها، بالورس والزعفران
فملأ الخمار قدحاً من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول، فشربه الحسن وقال: أريد أحسن من هذا، فقال الخمار: أي نوع تريد؟ فقال: التي يقول فيها الشاعر:
رققتها أيدي الهواجر، حتى
…
صيرت جسمها كجسم الهواء
فهي كالنور في الإناء، وكا
…
لنار، إذ ما تصير في الأحشاء
فملأ الخمار قدحاً من قهوة، كأنها العقيق، فشربه، وقال: أرفع من هذه أريد قال: أي جنس؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:
فإذا حسا منها الوضيع ثلاثة
…
سمح الوضيع بفعل ذي القدر
في لون ماء الغيث، إلا أنها
…
بين الضلوع، كواقد الجمر
فملأ له القدح من خمرة بيضاء، كأنها ماء المزن، فشربه الحسن، فقال للخمار: أتعرفني قال: إي والله، يا سيدي، أنا أعرف الناس بك، قال: فمن أنا؟ قال: أنت الذي سكر من غير ثمن فضحك، وقال لمطيط: ادفع له ما معك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وكان بالبصرة رجل ذو ضياع، فأنفق ماله في الشراب، فباع ضيعة يوماً، فلما وقع البيع، قال المشتري: تأتي بالعشي أدفع ذلك المال وأشاهدك، قال له: لو كنت ممن يظهر بالعشي، ما بعت الضيعة، ثم أنشأ يقول:
أتلفت مالي في العقار
…
وخرجت فيها عن عقار
حتى إذا كتب الكتاب،
…
وجاءني رسل التجار
قالوا: الشهادة بالعشي،
…
ونحن في صدر النهار
فأجبتهم؛ ردوا الكتاب،
…
ولا تعيروا بانتظاري
لو كنت أظهر بالعشي،
…
لما سمحت ببيع داري
وحكى الأصبهاني أن موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج وقال لأبي دلامة: أحجج معي، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: هاتها، فدفعها إليه، قال: فأخذها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر، فطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوات الحج وخرج، فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجاً من قرية إلى قرية أخرى، وهو سكران، فأمر بأخذه وتقييده، وطرح في محمل بين يديه، فلما سار غير بعيد، أقبل على موسى فناداه:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معي
…
صلى الإله على موسى بن داود
كأن ديباجتي خديه من ذهب
…
إذا بدا لك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود، وأعظمه
…
من أن أكلف حجاً يا ابن داود
خبرت أن طريق الحج معطشة
…
من الشراب، وما شربي بتصريد
والله ما في من أجر، فتطلبه
…
ولا الثناء ولا ديني بمحمود
فقال موسى: ألقوه من المحمل، لعنه الله، فألقي فعاد إلى موضعه بالسواد، حتى أنفق المال.
وكان الحكم بن عبدل أعرج أحدب، هجاء خبيث الهجاء، وكان الشعراء يقفون بباب الملوك، فلا يؤذن لهم، وكان يكتب حاجته على عصاه ويدفعها، فلا تؤخر له حاجة، فقال يحيى بن نوفل:
عصا حكم بالباب أول داخل
…
ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آية
…
وهذي
لعمر الله
أدهى وأعجب
وجلس المأمون يوماً للمظالم، فكان آخر من تقدم إليه امرأة، وقد هم بالقيام، وعليه أهبة السفر، وثياب رثة، فوقفت بين يديه وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم القاضي، فقال يحيى: وعليك السلام يا أمة الله ورحمة الله وبركاته، تكلمي في حاجتك فقالت:
يا خير منتصب يرجى له الرشد
…
ويا إماماً به قد أشرق البلد
تشكو إليك
…
عميد الملك
أرملة
عدا عليها، فلم يترك لها لبد
وابتز مني ضياعاً بعد منعتها
…
ظلماً وفرق مني الأهل والولد
فأطرق المأمون حيناً ثم رفع رأسه وقال:
في دون ما قلت، زال الصبر والجلد
…
عني وأقرح مني القلب والكبد
هذا أوان صلاة العصر، فانصرفي
…
وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا
…
ننصفك منه، وإلا المجلس الأحد
فجلس يوم الأحد، فكانت أول من تقدم إليه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ قالت: واقف على رأسك، وأشارت إلى ابنه العباس، فقال: يا أحمد بن أبي خالد، أجلسه معها للخصومة، فجعل كلامها يعلو كلامه فقال لها أحمد: يا أمة الله، أنت بين يدي أمير المؤمنين وتكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال المأمون: دعها يا أحمد؛ فالحق أنطقها، والباطل أخرسه، ثم قضى لها برد ضياعها، وأمر لها بنفقة، وكتاب إلى عامل بلدها؛ بحسن معاملتها.
وحكى الأصمعي قال: كان أعرابيان متآخيين بالبادية، ثم إن أحدهما استوطن الريف، واختلف إلى باب الحجاج، فولاه أصبهان، فسمع أخوه خبره، فسار إليه فأقام ببابه حيناً لا يصل إليه، ثم أذن له في الدخول، فأخذه الحاجب، فمشى به وهو يقول: سلم على الأمير، فلم يلتفت إليه، ثم أنشأ يقول:
فلست مسلماً ما دمت حياً
…
على زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابي:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة
…
وإذ نعلاك من جلد البعير
قال: نعم، فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكاً
…
وعلمك القعود على السرير
وقدم أعرابي البصرة، فنزل على ابن عم له، فلما رأى البصري شعث الأعرابي، فأراد أن ينظفه، فقال: أن الناس يتطهرون للجمعة، وينتظفون، ويلبسون أحسن الثياب، فتعال: أدخلك الحمام؛ لتتنظف، وتتطهر للصلاة، فدخل معه الحمام، فلما وطئ الأعرابي فرش أول بيت في الحمام، ولم يحسن المشي عليه لشدة ملامسته فزلق وسقط على وجهه، فشج شجة منكرة، فخرج وهو ينشد:
وقالوا: تطهر؛ إنه يوم جمعة
…
فأبت من الحمام غير مطهر
تزودت منه شجة فوق حاجبي
…
بغير جهاد، بئس ما كان متجري
وما تعرف الأعراب مشياً بأرضها
…
فكيف ببيت ذي رخام ومرمر
وقال محمد بن سكرة: دخلت حماماً، فخرجت وقد سرقت نعلي، فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول:
إليك أزف حمام ابن موسى
…
وإن فاق المنى طيباً وحراً
تكاثرت اللصوص عليه، حتى
…
ليحفى من يطيب به ويعرى
ولم أفقد به ثوباً، ولكن
…
دخلت "محمداً" وخرجت "بشرا"
يريد: بشر الحافي، وكان من كباد الزهاد، لزم المشي حافياً، فلقب: الحافي.
وقال بشار لراويته: أنشدني ما قال حماد في، فقال:
دعيت إلى برد، وأنت لغيره
…
وهبك ابن برد
نكت أمك
من برد؟
فقال بشار: أها هنا أحد؟ قال: لا، قال: أحسن، والله، ابن الزانية، ولقد تبين له علي في بيت واحد خمسة معان في الهجو وهي: دعيت إلى برد معي، وأنت لغيره. ثان، وهبك ابن برد معنى ثالث، ونكت أمك، شتم واستخفاف مجرد وهو معنى رابع، ثم ختمها بقوله: من برد؟ فأتى بالطامة الكبرى.
وكان الحطيئة قبيح المنظر، كثير الشر، فالتمس يوماً إنساناً يهجوه، فلم يجده، فوقف على ماء، وجعل يقول:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما
…
بشر ولا أدري لمن أنا قائله
ثم نظر إلى الماء، فرأى وجهه، فقال:
أرى لي وجهاً قبح الله خلقه
…
فقبح من وجه، وقبح حامله
وقال أبو القاسم بن الأزرق: دخلت على الشافعي رحمه الله فقلت: يا أبا عبد الله، ما تنصفنا، لك هذا الفقه تفوز بفوائده. ولنا هذا الشعر، وقد جئت تداخلنا فيه، فإما أفردتنا بالشعر، أو أشركتنا في الفقه، وقد جئت بأبيات إن أجزتنا بمثلها تبت من الشعر، وإن أعجزت عنها تبت، فقال لي: إيه يا هذا، فأنشدته:
ما همتي إلا مقارعة العدا
…
خلق الزمان، وهمتي لم تخلق
والناس أعينهم إلى سلب الفتى
…
لا يسألون عن الحجى والأولق
لكن من رزق الحجى حرم الغنى
…
ضدان مفترقان، أي تفرق
لو كان بالحيل الغنى، لوجدتني
…
بنجوم أقطار السماء تعلقي
فقال الشافعي: ألا قلت، كما أقول، ارتجالاً:
إن الذي رزق اليسار، فلم يصب
…
حمداً ولا أجراً، لغير موفق
فالجد يدني كل شيء شاسع
…
والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى
…
عوداً، فأثمر في يديه، فحقق
وإذا سمعت بأن محروماً أتى
…
ماء ليشربه، ففاض، فصدق
وأحق خلق الله بالهم امرؤ
…
ذو همة يبلى برزق ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه
…
بؤس اللبيب، وطيب عيش الأحمق
ولربما عرضت لنفسي فكرة
…
فأود منها أنني لم أخلق
فقلت: تالله، لا قلت شعراً بعدها.
وقيل للمنصور: إن أبا دلامة لا يحضر الصلاة، وأنه معتكف على الخمر، وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك لأصلحته وغيره، فلما دخل عليه قال أبو دلامة الماجن، قال: يا أمير المؤمنين، ما لنا والمجون؟ فقال: دعني من اشتكائك وتضرعك، وإياك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي، فإن فاتتك لأحسنن أدبك، ولأطيلن حبسك، فوقع في أمر عظيم، فلزم المسجد أياماً، ثم كتب رقعة، ودفعها إلى المهدي، فأوصلها إلى أبيه، وفيها:
ألم تعلما أن الخليفة لزني
…
بمسجده والقصر، ما لي وللقصر؟
أصلي بها الأولى جميعاً وعصرها
…
فويلي من الأولى، وويلي من العصر
أصليهما بالكره من غير مسجدي
…
فما لي في الأولى، وفي العصر، من أجر
يكلفني من بعد ما شبت توبة
…
يحط بها عني الثقيل من الوزر
ووالله، ما لي نية في صلاتها
…
ولا البر والإحسان والخير من أمري
لقد كان في قومي مساجد جمعة
…
ولم ينشرح يوماً لغشيانها صدري
وما ضره، والله يغفر ذنبه
…
لو أن ذنوب العالمين على ظهري
فقال: صدق، وما يضرني ذلك، والله، لا يصلح هذا أبداً، دعوه يفعل ما يشاء.
وحكى إسحاق الموصلي قال: دخلت على الرشيد، وهو مستلق على قفاه، وهو يقول: أحسن والله، فتى قريش وظريفها وشاعرها، قلت: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله:
لا أسأل الله تغييراً لما فعلت
…
نامت، وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها
…
والليل أقصر شيء حين ألقاها
ثم قال: أتعرفه؟ قلت بصوت ضعيف: لا، فقال: بحقي عليك؟ فقلت: نعم، هو الوليد بن يزيد، قال: استر ما سمعت مني، وإنه ليستحق أكثر مما وصفته به.
ولما بنى المأمون على بوران، وأراد غشيانها حاضت، فقالت:(أتى أمر الله فلا تستعجلوه) ، فنام في فراش آخر، فلما أصبح دخل عليه أفاضل ندمائه يهنئونه، ويدعون له، فأنشدهم بديهاً:
فارس في الحرب منغمس
…
عارف بالطعن في الظلم
رام أن يدمي فريسته
…
فاتقته من دم بدم
وجاء رجل إلى خياط؛ ليصنع له قميصاً، فقال: والله، لأفصلنه لك تفصيلاً لا يدرى أقميص هو أم قباء، ففعل ذلك، قال صاحب الثوب: أنا - والله، لأدعون، لك دعاء لا يدرى أهو لك أم عليك، وكان الخياط أعور يسمى بشراً فقال:
خاط لي بشر قباء
…
ليت عينيه سواء
وروي أن المنصور أنشده أبو دلامة ما أعجب به، فكساه طيلساناً، وأمر له بمال، وعاهده ألا يشرب الخمر، فحلف له، وخرج إلى بني داود بن علي، فضحكوا به، وقص عليهم الخبر، فسقوه حتى أسكروه وأخرجوه، فأعلم المنصور الخبر، فأرسل فيه، وأمر المنصور بسجنه، وتمزيق ساجه، وألا يمكن من قرطاس ولا مداد، ففعل به الرسول ذلك، فانتبه في جوف الليل، فنادى جاريته، فقال له السجان: أطعنه في كبدك؟ فقال له: ويلك، من أنت؟ وأين أنا؟ فقال: سل نفسك، أين كنت عشاء أمس؟ فاستحلفه من أنت؟ فقال: أنا السجان، بعث بك أمير المؤمنين، وأنت سكران، فأمرني أن أحبسك مع الدجاج، فقال له: أحب أن تسرج لي سراجاً، وتأتيني بدواة وقرطاس، ولك عندي صلة، فقال له: أما السراج فنعم، وأما القرطاس والدواة فما أمرت أن أمكنك منهما، فلما أتاه بالسراج وجد ساجه ممزقاً، متلطخاً بأزبال الدجاج، ورأى نفسه جالساً بينها، فقال له: ادع لي أبو دلامة، فدعاه، فأمره أن يجيد حلق رأسه، وأن يأتيه بفحمة، فتب على رأس ابنه:
أمن صهباء صافية المزاج
…
كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها القلوب، وتشتهيها
…
إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم
…
كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست، لكان خيراً
…
ولكني حبست مع الدجاج
أمير المؤمنين، فدتك نفسي
…
ففيم حبستني وخرقت ساجي
على أني، وإن لاقيت شرا،
…
لخيرك بعد ذاك الشر راج
ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه أمانة، فإذا قرأت، فمزق الرقعة، ثم أمر دلامة أن يدخل على أمير المؤمنين، ويقرئه ما في رأسه، فأتى الباب وصاح: دعوة مظلوم، فأعلم المنصور بذلك، فأقر بإدخاله، فكشف رأسه وقال: إن ظلامتي مكتوبة في رأسي، فأدنى منه حتى قرأها، فاشتد ضحكه، وعجب من حيلته وأمر بإخراجه وقال: ما أحوج هذه الرقعة أن تمزق، ثم وصله بصلة، ونهاه أن يوجد وهو سكران.
وضلت ناقة لأعرابي في ليلة مظلمة، فأكثر طلبها، فلم يجدها، فلما طلع القمر وانبسط نوره وجدها إلى جانبه ببعض الأودية، وكان قد اجتاز بموضعها مراراً، فلم يرها؛ لشدة الظلام، فرفع رأسه إلى القمر وقال:
ماذا أقول، وقولي فيك حصر
…
وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت: لا زلت مرفوعاً، فأنت كذا
…
أو قلت: زانك ربي، فهو قد فعلا
وكان أبو هرمة أبخل الناس على ادعائه الكرم في شعره، فأتاه يوماً جماعة، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: شعرك، حيث تقول:
أغشى الطريق بقبتي ورواقها
…
وأحل في قلل الربى، وأقيم
إن امرءاً جعل الطريق لبيته
…
طبناً، وأنكر حقه للئيم
فنظر إلينا، وقال: ما على الأرض عصبة أسخف منكم عقولاً، أما سمعتم قول الله سبحانه:(وأنهم يقولون ما لا يفعلون) في الشعراء؟ والله، إني لأقول ما لا أفعل، وأنتم تريدون أن أفعل ما أقول، والله، لا عصيت ربي في رضاكم.
وكان عبد الصمت مؤدب الوليد لوطياً زنديقاً، وكان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت جميل الوجه شاعراً، فدخل على عبد الصمد، فأراده في نفسه، فسبه وخرج مغضباً، فدخل على هشام بن عبد الملك وهو يقول:
إنه والله، لولا أنت، لم
…
ينج مني سالماً عبد الصمد
قال هشام: ولم؟ قال:
إنه قد رام مني حطة
…
لم يرمها قبله مني أحد
قال: وما هي؟ قال:
رام جهلاً بي، وجهلاً بأبي
…
يدخل الأفعى إلى غيل الأسد
فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئاً لم أنكر عليك، وهذا من أبدع الكناية، وقد أحسن التعبير حيث رقق هذا المنكر الأكبر، وعبر عنه بلفظ يليق أن يقابل به خليفة.
وقال أبو بكر الصولي: اجتمعت الشعراء بباب المعتصم، فبعث إليه محمد بن عبد الملك الزيات، وقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: من كان يحسن أن يقول مثل قول النمري في الرشيد فليدخل، وأنشد له:
إن المكارم والمعروف أودية
…
أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بك، يا هارون معتصما
…
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
فقال ابن وهب الحميري: فينا من يقول مثله، وأحسن منه، وأنشد له:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم
…
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
تحكي أنامله في كل نائبة
…
الغيث والصمصامة الذكر
وقال الزبير بن بكار: ذكر عبد الله بن مالك الخزاعي قال: كنا بالرقة، مع هارون الرشيد، فأتى موت الكسائي وإبراهيم الموصلي والعباس بن الأحنف في وقت واحد، فقال لابنه المأمون: أخرج فصل عليهم، فخرج في وجوه قواده وخاصته، وقد ذهبوا له، فقالوا له: من تقدم منهم؟ فقال: الذي يقول:
يا بعيد الدار من وطنه
…
مفرراً يبكي على شجنه
كلما هاجت صبابته
…
زادت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجاً
…
هاتف يبكي على فننه
شفه ما شفني، فبكى
…
كلنا يبكي على شجنه
فقالوا: هذا، وأشاروا إلى نعش العباس بن الأحنف، فقدمه عليهم.
وقال أيضاً الزبير بن بكار: أنشد منشد أبا العباس المخزومي:
بيناهم سكن بجيرتهم
…
ذكروا الفراق، فأصبحوا سفرا
فبكى أبو السائب وقال: ويحهم، أما علقوا سفره، أو أوكوا قربة، أو ودعوا صديقاً؟ قال الزبير: رحم الله أبا السائب، كيف لو سمع قول العباس بن الأحنف:
سألونا عن حالنا: كيف أنتم
…
وقرنا وداعهم بالسؤال
ما نزلنا حتى رحلنا، فما نفرق
…
بين النزول والترحال
وقال أحمد بن إبراهيم: وقع بين أحمد بن حامد وامرأته شر، كادا يخرجان معه إلى القطيعة، وكان يحبها، فلقيته يوماً، فسألته عن حاله. فأومأ أنه استراح، إذ هجرها، فقالت له: ذهب عنك قول العباس بن الأحنف:
تعب يكون به الرجاء مع الهوى
…
خير له من راحة في الياس
لولا كرامتكم لما عاتبتكم
…
ولكنتم عندي كبعض الناس
ثم غنت فيه لحناً، وغنته إياه، واصطلحا.
وعن إسحاق الموصلي قال: غضب الفضل بن الربيع على جارية له، كانت أحب الناس إليه، وتأخرت عن استرضائه، فوجه إلي يعلمني بذلك، ويشكوها إلي، فكتبت إليه: لك العز والشرف، ولأعدائك الذل والتلف، استعمل قول العباس بن الأحنف:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه
…
وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى
…
تفارق من تهوى، وأنفك راغم
ففعل ذلك فاصطلحا، ووصلني بجائزة.
وغضب الرشيد مرة على زبيدة أم جعفر وترضاها، فأبت أن ترضى، وأرق ليلة وقال: افرشوا لي على دجلة ففعلوا، وقعد ينظر إلى الماء، فسمع غناء في هذا الشعر:
جرى السيل، فاستبكاني السيل إذا جرى
…
وفاضت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا أن تيقنت أنه
…
يمر بواد أنت منه قريب
يكون أجاجاً دونكم، فإذا انتهى
…
إليكم، تلقى طيبكم فطيب
فيا ساكني أكناف دجلة، كلكم
…
إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء وعن المغني، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأله عن الشعر، فقال: هو للعباس بن الأحنف يا أمير المؤمنين، فأمر بإحضاره، واستنشده، وجعل الزبير يغنيه، والعباس ينشده حتى أصبح، ودخل إلى أم جعفر، فسألت عن دخوله إليها فعرفت، فوجهت إلى العباس بألف دينار، وإلى الزبير بخمسمائة دينار.
وكان لمخارق من الكلف بجارية أم جعفر بهار ما لا غاية بعده، وعلمت بذلك أم جعفر، فشق على مخارق علم أم جعفر بحبه، فاستعمل الجفاء بينه وبينها؛ إجلالاً لأم جعفر، وطمعاً للسلو عنها، فبينما هو منصرف ليلة من الليالي من دار المأمون، وأم جعفر مشرفة على دجلة، فلما حاذى دارها رفع عقيرته، فتغنى بشعر العباس بن الأحنف:
إن تمنعوني ممري قرب داركم
…
فسوف أنظر من بعد إلى الدار
لا يقدرون على منعي وإن جهدوا
…
إذا مررت فتسليمي بإضماري
سيما الهوى عرفت، حتى شهرت بها
…
إني محب، وما بالحب من عار
فسمعته أم جعفر، وأمرت خدمها، وصاحوا بالملاح: قدم، فقدم الزورق حتى حاذى باب الدار، ونزل مخارق، وطلع إلى أم جعفر، ودعت له بكرسي، وكأس فيه نبيذ، فشرب وخلعت عليه وأجازته، وقالت لجواريها: اضربن عليه، فكان أول ما غنى به قول العباس بن الأحنف:
أغيب عنك بود، لا يغيره
…
نأي المحل، ولا صرف من الزمن
فإن أعش، فلعل الدهر يجمعنا
…
وإن أمت، فقتيل الهم والحزن
قد حسن الله في عيني ما صنعت
…
حتى أرى حسناً، ما ليس بالحسن
فاندفعت بهار تغني جواب ما غنى به مخارق فقالت:
تعتل بالشغل عنا ما تكلمنا
…
والشغل للقلب ليس الشغل للبدن
فضحكت أم جعفر وقالت: ما سمعت بألطف من مخاطبتكما، خذها مخارق، وقد وهبتها لك فحملها مخارق من وقته إلى داره.
ويروى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف والحسين الخليع، وصريع الغواني خرجوا إلى متنزه لهم، ومعهم رجل يقال له: يحيى بن المعلي، فحضرت الصلاة فقدموه يصلي بهم، فنسي:(الحمد)، وقرأ:(قل هو الله أحد) وأرتج عليه في نصفها فقال أبو نواس:
أكثر يحيى غلطاً
…
في قل هو الله أحد
وقال العباس بن الأحنف:
ونسي الحمد، وما
…
مرت له على خلد
وقال صريع الغواني:
قام طويلاً راكعاً
…
حتى إذا أعيا سجد
وقال الحسين الخليع:
كأنما لسانه
…
شد بحبل من مسد
وقال أبو العتاهية: سبقني أبو نواس إلى ثلاثة أبيات، وددت أني سبقته إليها بكل ما قلت من الشعر، منها قوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
…
له عن عدو في ثياب صديق
وقوله:
فإن يك باق إفك فرعون فيكم
…
فإن عصا موسى بلف خصيب
وقوله:
يا كثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
ولله دره، ما أكثر إنصافه.
وقال أبو عمر الشيباني: دخلت على المأمون، فقال لي: يا أبا عمر، من أشعر الناس؟ قلت: يا أمير المؤمنين، اختلف العلماء في ذلك، وهم القدوة، ونحن المقتدون، وقد قالوا: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب، قال المأمون: من الذي يقول:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى
…
دعا همه من صدره برحيل
قلت: أبو نواس: قال: فمن الذي يقول:
فتشمت في مفاصلهم
…
كتمشي البرء في السقم
قلت: أبو نواس، قال: فمن الذي يقول:
هي الخمر لا زالت تذيع فضائحي
…
وتفعل ما شاءت بي الخمر من أمر
متى أكتسب مالاً، فللخمر شطره
…
ويحكم رب الخرد العين في الشطر
قلت: هذا من ديباج قول أبي نواس، قال: فمن الذي يقول:
أقل ما فيه من فضائله
…
أمنك من طمثه ومن حبله
قلت: هو أبو نواس، قال: هو أشعر الأولين والآخرين من الإنس والجن، قال: فعجبت من المأمون، وعنايته بأبي نواس، وحفظه لشعره.
وقال الأصمعي: قلت يوماً لبشار: رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك التي في المشورة، وهي قولك:
إذا بلغ الرأي المشورة، فاستعن
…
بقول نصيح، أو مشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
…
فإن الخوافي عدة للقوادم
وخل الهوينى للضعيف، ولا تكن
…
نئوماً؛ فإن الحزم ليس بنائم
وما خير كف أمسك الغل أختها
…
وما خير سيف لم يقيد بقائم
فقال بشار: أما علمت أن المشاورة على إحدى الحسنيين، صواب يفوز به، وبثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، قال الأصمعي: أنت، والله، في قولك أشعر منك في شعرك.
ودخل على الحجاج سليك بن سلكة فقال: أصلح الله الأمير، أعرني سمعك واغضض عني بصرك، واكفف عني عزك، فإن سمعت خطأ أو زللاً فدونك والعقوبة، قال: قل، قال: عصى عاص من العشيرة، فخلق على اسمي، وحرمت عطائي، وهدم منزلي، فقال الحجاج: هيهات، أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك، وربما
…
تفدي الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب عشيرة
…
ونجا المقارب صاحب الذنب
قال: أصلح الله الأمير: إني سمعت الله يقول غير هذا، قال: وما ذاك؟ قال الله: (يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذَ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنا إذاً لظالمون) قال الحجاج: علي بيزيد بن مسلم، فوقف بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، ومر منادياً ينادي في الناس: صدق الله، وكذب الشاعر.
ولما هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر بالشعر الذي يقول فيه:
دع المكارم، لا ترحل لبغيها
…
واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي
استعدى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنشده البيت، فقال: ما أرى به بأساً، قال الزبرقان: والله، يا أمير المؤمنين، ما هجيت ببيت قط أشد علي منه، فبعث إلى حسان بن ثابت فقال: انظر إن كان هجاه، فقال: ما هجاه ولكن سلح عليه، ولم يكن عمر رضي الله عنه يجهل موضع الهجاء، ولكن كره أن يتعرض لشأنه، فبعث إلى شاعر مثله، وأمر بالحطيئة إلى السجن، وقال: يا خبيث، لأشغلنك عن أعراض المسلمين، فكتب إليه من السجن:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
…
حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
…
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه
…
ألقت إليك مقاليد النهى البشر
ما آثروك بها، إذا قدموك لها
…
لكن لأنفسهم كانت بها الأثر
ولما هجا النجاشي رهط تميم بن مقبل، استعدوا عليه عمر بن الخطاب، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه هجانا، قال: فما قال فيكم؟ قالوا: إنه قال:
إذا الله عادى أهل لؤم وذلة
…
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر: رجل دعا، فإن كان مظلوماً استجيب له، وإن لم يكن مظلوماً لم يستجب له، قالوا: فقد قال بعد هذا:
قبيلتهم لا يخفرون بذمة
…
ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر رضي الله عنه: لبيت آل بني الخطاب مثل هؤلاء، قالوا: فإنه يقول بعد هذا:
ولا يردون الماء إلا عشية
…
إذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال عمر: ذلك أجم لهم وأمكن قالوا: فإنه يقول بعد هذا:
وما سمي العجلان إلا لقوله
…
خذ العقب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: سيد القوم خادمهم، فما أرى بهذا بأساً، ولم يكن عمر رضي الله عنه ينكر أن ذلك هجو، ولكنه أراد أن يدرأ الحد بالشبهات.
وكان بنو عبد المدان الحارثيون يفخرون بطول أجسامهم، حتى قال فيهم حسان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ
…
جسم البغال وأحلام العصافير
فقالوا له: يا أبا الوليد، والله، لقد تركتنا ونحن نستحي من ذكر أجسامنا، بعد أن كنا نفخر بذلك.
وكان بنو نمير أشراف قيس وذؤابتها، وكان الرجل منهم يفخر بذلك ويقول: النميري، ويمد صوته حتى قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير
…
فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فانكسرت شوكتهم من يومئذ، ولم تعرف لهم علامة بعد ذلك.
وكان بنو أنف الناقة يسمون بهذا الاسم، يسأل الرجل منهم عن نسبه فيخفيه، ولا ينتسب لأنف الناقة، حتى قال فيهم الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
…
ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا
وجاء أعرابي إلى أبي داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاسمع مني، قال: قف قليلاً، ثم دخل بيته وتقلد سيفه، وخرج فقال: قل، فإن أحسنت حكمناك، وإن لم تحسن قتلناك، فقال:
أمنت بداود وجود يمينه
…
من المحدث المخشي والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة
…
من الحدثان، إذا شددت به أزري
له حلم لقمان، وصورة يوسف
…
وحكم سليمان، وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفه
…
كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال له: قل، فقد حكمناك، فإن شئت على قدرنا، وإن شئت على قدرك، قال: بل على قدري، فأعطاه خمسين ألفاً، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير؟ قال: لم يكن في ماله ما يفي بقدره، فقال له داود: أنت في هذا أشعر منك في شعرك، وأمر له بمثل ما أعطاه.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد، إذ دخل عليه إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري
…
فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالي فعال المكثرين تجملاً
…
ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر، أو أحرم الغنى
…
ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال له الرشيد: لله أبيات، تأتينا بها، ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها، يا غلام: أعطه عشرين ألفاً، قال: والله، لا أخذت منها درهماً، قال: ولم؟ قال: لأن كلامك، والله، يا أمير المؤمنين، خير من شعري، قال: أعطوه أربعين ألفاً، قال الأصمعي: فعرفت أنه أصيد الدراهم الملوك مني.
وقال الشيباني: ولد لأبي دلامة ابنة ليلاً، فأوقد السراج، وجعل يخيط خريطة شقق، فلما أصبح طواها بين أصابعه، وغدا بها إلى المهدي، فاستأذن عليه، فأذن له، وكان لا يحجب عنه، فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
…
قوم، لقيل: اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج
…
إلى السماء، فأنتم أكرم الناس
فقال المهدي: أحسنت، والله، يا أبا دلامة، فما الذي غدا بك إلينا؟ فقال: ولدت لي جارية، يا أمير المؤمنين، قال: فهل قلت فيها شعراً؟ قال: قلت:
بللت علي
…
لا حييت
ثوبي
فبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أم عيسى
…
ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء
…
إلى لباتها، وأب لئيم
قال: فضحك المهدي وقال: فيم تريد أن أعينك في تربيتها؟ قال: تملأ لي هذه يا أمير المؤمنين، وأشار إليه بالخريطة بين أصابعه، قال له المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل، لم يقنع بالكثير، فأمر أن تملأ له، فلما نشرت بلغت صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم.
وكتب أبو دلامة إلى عيسى بن موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام
…
عليك ورحمة الرب الرحيم
فأما بعد ذاك فلي غريم
…
من الأنصار قبح من غريم
لزوم ما علمت لباب داري
…
لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة علي ونصف أخرى
…
ونصف النصف من صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن
…
حبوت بها شيوخ بني تميم
فبعث إليه بمائة ألف.
ولقي أبو دلامة أبا دلف في صيد له، وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه، وأنشد:
إني حلفت لئن رأيتك سالماً
…
بقرى العراق، وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد
…
ولتملأن دراهماً حجري
فقال: أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فنعم، وأما الدراهم، فلما نرجع إن شاء الله، فقال: جعلت فداك، لا تفرق بينهما، فاستسلفها له، وصبت في حجره، حتى أثقلته.
ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده:
سألت الندى: هل أنت حر؟ فقال: لا
…
ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت: شراء؟ قال: لا، بل وراثة
…
توارثني عن والد بعد والد
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وصنع بعض الناس وليمة، وكان فيها المبرد، وكانوا يسمعون غناء مغنية من وراء ستر، فاندفعت تغني:
وقالوا لها: هذا حبيبك معرض
…
فقلت لهم: إعراضه أيسر الخطب
وما هي إلا نظرة ثم حسرة
…
فتصطك رجلاه، ويسقط للجنب
فطرب كل من حضر طرباً شديداً، إلا المبرد، فأخذ صاحب الوليمة يعاتبه على عدم طربه، فقالت له المغنية: دعه يا سيدي، فلعله توهم أني لحنت في قولي؛ هذا حبيبك معرض، ولم يعلم أن ابن مسعود قرأ:(وهذا بعلى شيخاً) ، فبلغ الطرب بالمبرد أن شد في ثيابه، وهذا من أحسن ما يوجد من طرب النساء وكمالهن.
وأهدى رجل من الثقلاء إلى رجل من الظرفاء جملاً، ثم نزل عليه حتى أبرمه، فقال فيه:
يا مبرماً أهدى جمل
…
خذ وارتحل ألفي جمل
قال: وما أوقرها
…
قلت: زبيب وعسل
قال: ومن يقودها
…
قلت: له ألفا بطل
قال: وما لباسهم
…
قلت: حلي وحلل
قال: وما سلاحهم
…
قلت: سيوف وأسل
قال: عبيد لي إذن
…
قلت: نعم، ثم خول
قال: وقد أضجرتكم
…
قلت: أجل، ثم أجل
قال: وقد أبرمتكم
…
قلت له: الأمر جلل
قال: وقد أثقلتكم
…
قلت له: فوق الثقل
قال: فإني راحل
…
قلت: العجل، ثم العجل
يا جبلاً من جبل
…
في جبل فوق الجبل
وبينما خالد بن الله القسري جالس في مظلة، إذ نظر إلى أعرابي يخب إليه بعيره، مقبلاً نحوه، فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تحجبه، فلما دخل عليه سلم وقال:
أصلحك الله، قل ما بيدي
…
فما أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهر، ألقى بكلكله
…
فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا، والله لا تنزل حتى تنصرف إليهم بما يسرهم، وأمر له بجائزة عظيمة، وكسوة شريفة.
ووقف رجل من الشعراء إلى عبد الله بن طاهر، فأنشده:
إذا قيل: أي فتى تعلمون
…
أهش إلى البأس والنائل؟
وأضرب للهام يوم الوغى
…
وأطعم في الزمن الماحل؟
أشار إليك جميع الأنام
…
إشارة غرقى إلى ساحل
فأمر له بخمسين ألف درهم.
وقال أحمد بن مطير: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتاً، كنت مدحت بها بعض الولاة، وهي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس
…
ويوم نعيم، فيه للناس أنعم
فيقطر يوم الجود من كفه الندى
…
ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس خلى عقابه
…
على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود خلى نواله
…
على الأرض لم يصبح على الأرض معدم
فقال: كم أعطاك عليها؟ قلت: خمسة آلاف، قال: فقبلتها؟ قلت: نعم، قال: أخطأت، ما ثمن هذه إلا مائة ألف.
وحدث أحمد بن زهير قال: كان أحمد بن زيدان الكاتب قاعداً بين يدي يحيى بن أكثم يكتب، وكان شاباً جميلاً، فقرص يحيى خده، فاستحى ابن زيدان، واحمر وجهه، ورمى القلم من يده، فقال له: خذ القلم واكتب، فأخذ القلم وكتب:
أيا قمراً جمشته فتغضبا
…
وأصبح من تيه به متجنبا
إذا كنت للتخميش والقرص كارهاً
…
فكن أبداً يا مينتي متنقبا
ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة
…
وتجعلها من فوق خدك عقربا
فتقتل مشتاقاً، وتفتن نكاسا
…
وتترك قاضي المسلمين معذبا
ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري، فرأى عنده شعراء وهم ينشدونه فسكت الأعرابي يسمع المدائح، وينظر إلى الجوائز تفرق، فقام ثم قال: جعلت فداك، يا أمير المؤمنين، ما يمنعني من إنشادي إلا قلة ما معي مما قلته فيك من الشعر، فأمر أن يكتب ما معه فكتب:
تبرعت لي بالجود، حتى ملكتني
…
وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى
…
وحلف الندى، ما للندى عنك مذهب
قال: وما حاجتك؟ قال: علي دين، قال: كم؟ قال: خمسون ألف درهم، فقضاها عنه، وأمر له بمثلها.
وزار إسماعيل بن خارجة صديق له، فلما كان بباب الدار وثب كلب فانصرف، وكتب إليه:
لو كنت أحمل خمراً حين زرتكم
…
لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت، وريح المسك يقدمني
…
وعنبر الهند مصبوب على الساري
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني
…
وكان يعرف ريح الزق والنار
وكان جد خارجة خماراً.
ودخل أعرابي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل عن الفقهاء، فدل على ابن أبي ذيب، فأتى خلقته، فقال: أيكم الذيب؟ فقال: ما تريد؟ قال: أنت هو؟ قال: نعم، فسأله عن مسألة في الطلاق، فقال: ما أراك خانثاً، فولى الأعرابي وهو يقول:
أتيت ابن ذيب، أطلب الفقه عنده
…
فطلق ليلى البت، بتت أنامله
أتترك في فقه ابن ذيب حليلتي
…
وعند ابن ذيب أهله، وحلائله؟
وقدم عمر بن أبي ربيعة، فأقبل إليه الأحوص ونصيب، فجعلوا يتحدثون، ثم سألهما عن كثير عزة، فقال له نصيب: هو ها هنا قريب، فلو أرسلنا إليه، قال: هو أشد باساً من ذلك، قال: فاذهب بنا إليه، فألفوه في خيمة له، فوالله ما قام للقرش، ولا وسع له، فجلسوا إليه وتحدثوا ساعة، فالتفت كثير إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له: إنك لشاعر، لولا أنك تشبب بالمرأة وتدعها، وتشبب بنفسك، أخبرني عن قولك:
ثم اسبطرت تشتد في أثري
…
تسأل أهل الطواف عن عمر
والله، لو وصفت بهذا هرة أهلك لكان كثيراً، ألا قلت كما قال هذا، يعني الأحوص:
أدور، ولولا أن أرى أم جعفر
…
بأبياتكم، ما درت حيث أدور
وما كنت زواراً، ولكن ذا الهوى
…
إذا لم يزر، لابد أن سيزور
قال: فانكسر عمر بن أبي ربيعة، ودخلت الأحوص زهوة، ثم التفت إلى الأحوص وقال له: أخبرني عن قولك:
فإن تصلي أصلك، وإن تبيني
…
بهجر بعد وصلك ما أبالي
والله، لو كنت حراً لباليت، ولو كسر أنفك، ألا قلت كما قال هذا الأسود وأشار إلى نصيب:
بزينب ألمم قبل أن ينزل الركب
…
وقل: إن تملينا، فما ملك القلب
فانكسر الأحوص، ودخلت نصيباً زهوة، ثم التفت إلى نصيب، فقال: أخبرني عن قولك:
أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت
…
فوا كبدي من ذا يهيم بها بعدي
أهمك ويحك، من يفعل بها بعدك؟ فقال القوم: الله أكبر، استوت الفرق، قوموا بنا من عند هذا.
ودخل كثير على سكينة بنت الحسين فقالت له: يا ابن جمعة، أخبرني عن قولك في عزة:
وما روضة بالحزن طيبة الثرى
…
يحج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهناً
…
وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
ويحك، وهل في الأرض زنجية منتنة الإبطين، توقد بالمندل الرطب نارها، إلا طاب ريحها؟ ألا قلت كما قال عمك امرؤ القيس؟
ألم ترياني كلما جئت طارقاً
…
وجدت بها طيباً؛ وإن لم تطيب
وسهر عبد الملك بن مروان ذات ليلة، وعنده كثير عزة، فقال له: أنشدني بعض ما قلت في عزة، فأنشده حتى انتهى إلى هذا البيت:
هممت وهمت، ثم هابت وهبتها
…
حياء، ومثلي بالحياء خليق
فقال له عبد الملك: أما والله، لولا بيت أنشدتنيه قبل هذا لحرمتك جائزتك قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنك أشركتها في الهيبة ثم استأثرت بالحياء دونها، قال: فأي بيت عفوت به عني يا أمير المؤمنين؟ قال: قولك:
دعوتني، لا أريد بها سواها
…
دعوني هائماً، فيمن يهيم
ودعا الأعور بن سنان التغلبي الأخطل الشاعر إلى منزله، فأدخله بيتاً قد فرش بالفرش الشريفة، والوطاء العجيبة، وله امرأة تسمى برة، في غاية الحسن والجمال، فقال له: يا أبا مالك، إنك تدخل على الملوك في مجالسهم، فهل ترى في بيتي عيباً؟ قال: ما أرى في بيتك عيباً غيرك، قال: إنما ألوم نفسي؛ إذ كنت أدخل مثلك بيتي، اخرج عليك لعنة الله، فخرج الأخطل، وهو يقول:
وكيف يداويني الطبيب من الجوى
…
وبرة عند الأعور بن سنان
ويلصق بطناً منتن الريح دائماً
…
إلى بطن خود دائم الخفقان
ودخل الشعبي على بشر بن مروان، وهو والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان وعنده جارية، في حجرها عود، فلما دخل الشعبي، أمرها فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للأمير أن يستحي من عبده، قال: صدقت، ثم قال للجارية: هات ما عندك، فأخذت عودها وغنت:
ومما شجاني أنها يوم ودعت
…
تولت، وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرة
…
إلي التفاتاً، أسلمته المحاجر
فقال الشعبي الصغير أكيسهما يريد الزير، ثم قال لها: يا هذه، أرخي من فمك، واشددي في زيرك، قال له بشر: وما علمك؟ قال: أظن العمل فيهما، قال: صدقت، ومن لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.
وقال الأصمعي: قدم أعرابي بعدل من خمر العراق إلى المدينة، فباعها إلا السود، فشكى ذلك إلى الدرامي، وكان قد تنسك، وترك الشعر، ولزم المسجد، فقال له: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها؟ قال: حكمك، فعمد الدرامي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه، وعاد إلى مثل شأنه الأول، وقال شعراً ودفعه إلى صديق له من المغنين، وقال له: تغن بهذا الشعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود
…
ماذا أردت بزاهد متعبد
قد كان شمر للصلاة رداءه
…
حتى وقفت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه
…
لا تفتنيه بحق دين محمد
فشاع هذا الغناء بالمدينة، وقالوا: قد رجع الدرامي، وتعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق مليحة بالمدينة إلا اشترت خماراً أسود، وباع التاجر ما كان معه، فكان إخوان الدرامي من النساك يلقون الدرامي فيقولون له: ما صنعت؟ فيقول: ستعلمون نبأه بعد حين، فلما أنفذ العراقي ما كان معه، رجع الدرامي إلى نسكه وثيابه فلبسها.
وقال الأحوص يوماً لمعبد: امض بنا إلى عقيلة نتحدث معها، ونستمع من غنائها، وغناء جواريها، فمضيا، فألفيا على بابها معاذ الأنصاري وابن صياد، فاستأذنوا عليها، فأذنت لهم إلا الأحوص، فقالت: نحن على الأحوص غضاب فانصرف الأحوص وهو يلوم أصحابه على استبدادهم بها، وقال:
ضنت عقيلة عنك اليوم بالزاد
…
وآثرت حاجة الثاوي على الغادي
قولا لمنزلها: حييت من طلل
…
وللعقيق، ألا حييت من وادي
إني وهبت نصيبي من مودتها
…
لمعبد ومعاذ، وابن صياد
وخرج أبو السائب مع عمر بن أبي ربيعة متنزهاً إلى بعض نواحي مكة، فذهب أبو السائب ليبول، وعليه طويلة، فرجع دونها، فقال له ابن أبي عتيق؛ ما فعلت طويلتك؟ قال: ذكرت قول كثير عزة:
أرى الإزار على لبنى فأحسده
…
إن الإزار على ما ضم محسود
فتصدقت بها على الشيطان الذي أجرى هذا البيت على لساني، فأخذ ابن أبي عتيق طويلته، ورمى بها وقال: إلى من تقدمته أنت إلى بر الشيطان.
وقال الأصمعي: كان أبو الطمحان شاعراً مجيداً، وكان يطلب الإذن على يزيد بن عبد الملك، فلم يصل إليه، فقال لبعض المغنين: ألا أعطيك بيتين من الشعر تغني بهما أمير المؤمنين، فإن سألك من قالها، فأخبره أني بالباب، فما رزقني الله منه فهو بيني وبينك، قال: هات، فأعطاه هذين البيتين:
يكاد الغمام الحر يرعد أن رأى
…
محيا ابن مروان، وينهل بارقه
يظل فتيت المسك في رونق الضحى
…
تسيل به أصداغه ومفارقه
قال: فغناه بهما في وقت أريحيته، وطرب لهما طرباً شديداً وقال: لله قائلهما، من هو؟ قال: أبو الطمحان، وهو بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ما أعرفه، فقال بعض جلسائه: هو صاحب الدير يا أمير المؤمنين، قال: وما قصة الدير؟ قال: قيل لأبي الطمحان: ما أيسر ذنوبك؟ قال: ليلة الدير قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت ليلة دير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وسرقت كساءها ومضيت، فضحك يزيد، وأمر له بألفي درهم، وقال: لا يدخل علينا، فأخذ أبو الطمحان الألفين، وانسل بهما وخيب المغني.
وقال إبراهيم الموصلي: دخلت على هارون الرشيد، فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهن على الرجال، غنيته بأبياته التي يقول فيها:
ملك الثلاث الآنسات عناني
…
وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها
…
وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى
…
وبه قوين
أعز من سلطاني
فارتاح وطرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
وقال أبو العباس: حدثت أن أبا العباس عمر الوادي قال: أقبلت من مكة أريد المدينة، فسمعت غناء من القرى لم أر مثله، فقلت: والله لأتوصلن إليه، فإذا هو عبد أسود، فقلت: أعد علي ما سمعت، فقال: والله، لو كان عندي قرى أقريكه لفعلت، ولكني أجعله قراك، فإني، والله، ربما غنيت هذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط، وربما غنيته وأنا عطشان فأروى، ثم اندفع يغني:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها
…
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض، ود جليسها
…
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
قال عمر: فحفظته عنه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فهو كما ذكر.
وحكى الشيباني قال: كان بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، فكانت تظهر له أنها لا تحب غيره، وكان كلما جاءها وجد عندها فتى يجلس إليها ويتحدث معها، فقال فيها:
ومظهرة لخلق الله وداً
…
وتلقى بالتحية والسلام
أتيت فؤادها أشكو إليها
…
فلم أخلص إليه من الزحام
فيا من ليس يكفيه خليل
…
ولا خمسون ألفاً كل عام
أراك بقية من قوم موسى
…
فهم لا يصبرون على طعام
وأبخل البخلاء حميد الأرقط الذي يقال له: هجاء الأضياف، وهو القائل في ضيف له:
تجهز كفاه، ويحدر حلقه
…
إلى الزور، ما ضمت عليه الأنامل
أتانا، وما ساواه سحبان وائل
…
بياناً وعلماً، ما الذي هو قائل
فما زال عنه اللقم، حتى كأنه
…
من العي، لما أن تكلم باقل
وحكى ابن عدي قال: نزل على أبي حفصة الشاعر رجل باليمامة، فأخلى له المنزل، ثم هرب؛ مخافة أن يلزمه قراه تلك الليلة، فخرج الضيف، فاشترى ما احتاج إليه، ثم رجع وكتب إليه:
يا أيها الخارج من بيته
…
وهارباً من شدة الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له
…
فارجع وكن ضيفاً على الضيف
وصلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة الصبح ثلاث ركعات، وهو سكران، ثم التفت إليهم وقال: وإن شئتم زدتكم، فشهدوا عليه وجلده علي بن أبي طالب بين يدي عثمان رضي الله عنهما، وهو أخو عثمان لأمه، فقال فيه الحطيئة، وكان نديمه:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه
…
أن الوليد أحق بالعذر
نادى، وقد تمت صلاتهم
…
ليزيدهم خيراً على خير
ليريدهم خيراً، ولو قبلوا
…
لقرنت بين الشفع والوتر
كبحوا عنانك إذ جريت، ولو
…
تركوا عنانك لم تكن تجري
وكان بعض الظرفاء ينادم رجلاً من الرؤساء، فكان يكسوه إذ سكر قميصاً، فإذا صحا نزعه عنه، فقال في ذلك:
كساني قميصاً مرتين، إذا انتشى
…
وينزعه مني إذا كان صاحيا
فلي فرحة في سكره بقميصه
…
وفي الصحو روعات تشيب النواصيا
فيا ليت حظي من سروري وترحتي
…
بكسوته أن لا علي ولا ليا
وحدث أبو جعفر قال: بينما الأمين في قصر له، إذ مر بجارية سكرى، وعليها كساء خز، تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن إذا كان في غد إن شاء الله، فلما كان من الغد، سار إليها، فقال لها: الميعاد، فقالت: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك، وخرج من مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب والبرقاش وأبو نواس، فأمر فأدخلوا عليه، فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعراً، يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار: فقال الرقاشي:
متى تصحو، وقلبك مستطار
…
وقد منع القرار، فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاما
…
فتاة، لا تزور ولا تزار
إذا استنجزت منها الوعد، قالت:
…
كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب:
أتعزلني، وقلبي مستطار
…
كئيب، لا يقر به قرار
بحب مليحة صادت فؤادي
…
بألحاظ، يخالطها احورار
ولما أن مددت يدي إليها
…
لألمسها بدا منها نفار
ولما جئت مقتضياً، أجابت
…
كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وليلى أقبلت في القصر سكرى
…
ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالا
…
وغصناً، فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها
…
من التكريه، وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي، فقالت
…
كلام الليل يمحوه النهار
فقال: أخزاك الله، يا حسن، أكنت معنا، أم مطلعاً علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ما في نفسك، فأعربت عما في ضميرك، فأمر له بأربعة آلاف درهم، ولصاحبيه بمثلها.
وحدث حماد بن إسحاق الموصلي قال: حدثني أبي قال: غدوت يوماً وأنا ضجر من ملازمة دار الخلافة، فركبت عازماً على أن أطوف في الصحراء وقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني ركبت في مهم لي، ومضيت وطفت ما بدا لي، وعدت وقد حمى النهار، فوقفت في ظل شارع لأستريح فلم ألبث أن جاء خادم يقود حماراً فارهاً، عليه جارية، عليها لباس فاخر، فرأيت لها شمائل ظريفة، وطرفاً فاتراً، فحدست أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفاً عليها، فعلقها قلبي، ولم أستطع براحاً، وأقبل رجلان يتماشيان، لهما هيئة تدل على قدرهما، وهما راكبا، فحملني حب الجارية، وحسن حالهما أن توسلت بهما، فدخلت معهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن هو أني معهما، فجلسنا ودعا بالطعام فأكلنا وجيء بالشراب، فخرجت الجارية، وفي يدها عود، فرأيت جارية حسناء، فغنت غناء صالحاً، فتمكنت من قلبي وشربنا، ثم قمت للبول، فسألهما صاحب الدار عني، فأنكراني، فقال: هذا طفيلي، ولكن ظريف، فأجملوا عشرته، فجئت وجلست، فغنت في لحن لي:
ذكرتك، أم مرت بنا أم شادن
…
أمام المطايا تستريب وتسنح
من المؤلفات الرمل، إذ ماء خدها
…
شعاع الضحى في لونه يتوضح
فأدته صالحاً، ثم غنت من صنعتي في شعري:
قل لمن صد عاتبا
…
ونأى عنك جانبا
قد بلغت الذي أردت،
…
وإن كنت لاعبا
واعترفنا بما ادعيت،
…
وإن كنت كاذبا
فغنته أصلح من الأول، فاستعدته منها، فأقبل علي أحد الرجلين وقال: ما رأيت طفيلياً أصفق وجهاً منك، لم ترض التطفيل حتى اقترحت؟ وهذا تصديق المثل: طفيلي ويقترح، فلم أجبه، وكفه عني صاحبه، فلم ينكف، ثم قالوا: للصلاة، فأخذت عود الجارية وأصلحته إصلاحاً محكماً، وعدت إلى موضعي فصليت، ثم عادوا، فعاد ذلك الرجل في عربدته علي، وأنا صامت، فأخذت الجارية عدوها وجسته وقالت: من مس عودي؟ فقالوا: ما مسه أحد، فقالت: والله، لقد مسه حاذق ومتقدم، وشد طبقته، فقلت لها: أنا أصلحته، فقالت: بالله عليك خذه واضرب به، فأخذته منها وضربت، فبدا ظريفاً عجيباً، فيه نقرات محكمات، فما بقي منهم أحد إلا وثب فجلس بين يدي وقالوا: بالله، يا سيدنا، أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم بنفسي، أنا إسحاق الموصلي والله، إن لأتيه على الخليفة، وأنتم تشتمونني اليوم؛ لأني تملحت معكم بسبب هذه الجارية، والله، إني لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا المعربد، ونهضت لأخرج، فتعلقوا بي، وتعلقت الجارية، فقلت: والله، لا أجلس إلا أن يخرج، فقال له صاحبه: من شبه هذا حذرت عليه، فأخرجوه، فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فطرب رب الدار طرباً شديداً وقال لي: هل لك في أمر أعرضه عليك؟ قلت: ما هو؟ قال: تقيم عندي شهراً، والحمار والجارية مع ما عليها لك، قلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين يوماً لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني، فجئت بذلك منزلي بعد شهر، وركبت إلى المأمون، فقال لي: إسحاق، ويحك، أين كنت؟ فعرفته الخبر، فقال: علي بالرجل الساعة، فعرفتهم موضعه، فأحضر، وقال له: أنت رجل ذو مروءة، وسبيلك أن تعاون عليها، ثم أمر له بمائة ألف درهم، ونهاه أن يعاشر ذلك المعربد الرذيل، وأمر لي بخمسين ألفاً، وقال: أحضروا الجارية فأحضرت فغنته، فقال: قد جعلت لها نوبة في كل يوم ثلاثاء، تغني مع الجواري، وأمر لها بخمسين ألفاً.