الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تذكير أولياء الأمور اليتامى بأن المرء كما يدين يدان والوعيد الشديد لمن يأكلون أموال اليتامى ظلماً
قال الله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا
خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.
صلة الآية بما قبلها:
لما ذكر عز وجل في الآيات السابقة وجوب حفظ أموال اليتامى ورعايتها وتوريثهم إذا كانوا ممن يرث، وإعطائهم إذا حضروا القسمة وكانوا غير وارثين. ذكّر الأولياء والأوصياء وغيرهم ممن يدخل تحت هذه الآية بما يحملهم على أداء الحقوق المذكورة لليتامى، وذلك بتذكيرهم بأنهم قد يموتون وأولادهم صغار يخافون عليهم من الملمات والشدائد والجور والظلم والضياع، وفي هذا تحريك لمشاعرهم تجاه حقوق اليتامى، فمن أحسن إلى اليتامى وأولاد الناس يسر الله لأولاده من يحسن إليهم بعد وفاته، وكما تدين تدان.
معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} .
قوله: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ} .
الواو مستأنفة واللام في قوله {وَلْيَخْشَ} لام الأمر (1). وهي كذلك في قوله: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} وفي قوله: {وَلْيَقُولُوا} . ولام الأمر الأصل فيها الكسر كلام التعليل، وإنما سكنت لأنها جاءت بعد الواو والفاء، ولام الأمر تسكن بعد الواو والفاء، كما تسكن بعد ثم (2)، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (3).
(1) انظر «المحرر الوجيز» 4/ 29.
(2)
انظر «معاني القرآن» للفراء1/ 284.
(3)
سورة الحج، آية:29.
قال الفراء (1): «كل لام أمر إذا استؤنفت، ولم يكن قبلها واو ولا فاء ولا ثم كسرت، فإذا كان معها شيء من هذه الحروف سكنت» .
أما لام التعليل، وهي لام «كي» فهي مكسورة دائماً، كما في قوله تعالى:{لِيَكْفُرُوا بِمَا ءاتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا} (2)، وقوله تعالى:{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} (3)، ولو سكنت لام التعليل لاختلف المعنى. والفعل «يخش» مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمة حذف الألف (4)، أصله «يخشى» و «الذين» اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل «يخشى» ومفعول «يخشى» محذوف.
والخطاب في قوله {وليخش} والأفعال المعطوفة عليه للناس جميعاً، ويدخل تحته من باب أولى الأوصياء والأولياء على اليتامى، ومن يحضر الميت حال احتضاره، ومن يتولون قسمة الميراث، وغيرهم (5).
والخشية بمعنى الخوف، بل هي أخص من الخوف.
قال ابن فارس (6): «الخاء والشين والياء تدل على خوف وذعر» .
والخشية لا تكون غالباً إلا مع العلم، ومع عظم المخشي قال تعالى:{إنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (7).
قال الراغب (8):
«الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما
(1) انظر «معاني القرآن» للفراء 1/ 284.
(2)
سورة العنكبوت، آية:66.
(3)
سورة الروم، لآية:46.
(4)
انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 51.
(5)
انظر «جامع البيان» 8/ 19 - 25، «النكت والعيون» 1/ 367، «أحكام القرآن» للهراسي 1/ 335 - 336، «معالم التنزيل» 1/ 398، «أحكام القرآن» لابن العربي1/ 330، «المحرر الوجيز» 4/ 30 - 31، «التفسير الكبير» 9/ 161 - 162، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 51 - 53، «تفسير ابن كثير» 2/ 193.
(6)
في «مقاييس اللغة» 2/ 184 مادة «خشي» .
(7)
سورة فاطر، آية:28.
(8)
في «المفردات في غريب القرآن» مادة «خشي» .
قال في «تفسير المنار» 4/ 393 بعد أن ذكر قول الراغب: «وهذا القيد لا يظهر على كل الحروف التي وردت في القرآن وكلام العرب، فلم يكن عند عنترة خوف قوي بتعظيم ولا علم في قوله:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر
…
للحرب دائرة على ابني ضمضم
قال: والأقرب عندي: أن تكون الخشية هي الخوف في محل الأمل.
يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله {إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} . وحذف مفعول «يخشى» ليكون أعم. والمعنى وليخش هؤلاء من ظلم اليتامى وأكل أموالهم، ومن الجور في الوصيه وظلم الورثة، ومن ترك الوصية للمساكين، ومن عدم إعطاء من حضر القسمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين، أو ليخش هؤلاء العاقبة، أو ليخش الله (1). إن ظلموا اليتامى وأكلوا أموالهم. إلى غير ذلك، لأن المفعول إنما حذف ليذهب الفكر في تصوره كل مذهب.
قوله: {لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} .
لو: أداة شرط غير جازمة، وهي حرف امتناع لا متناع (2).
تركوا: فعل الشرط.
من خلفهم: أي بعد موتهم.
ذريه ضعافاً: «ذرية» مفعول تركوا. والذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وإن نزلوا دون أولاد البنات.
قال شيخنا (3): «فإن قال قائل هذا القول ينتقص بعيسى ابن مريم، لأن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت، فيقال في الجواب عن ذلك: إنه لا أب له، فأمه أبوه، ولهذا قال العلماء- رحمهم الله: إن ولد الزنا أمه ترثه بالفرض والتعصيب، لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعاً.
قوله: {ضِعَافاً} قرأ حمزة وخلف في رواية {ضِعَافاً} بكسر العين قليلًا، أي: بالإمالة، وقرأ بقية العشرة بدون إمالة (4)، وهي: صفة لـ «ذرية» أي لا يستطيعون
(1) انظر «تفسير المنار» 4/ 393.
(2)
انظر «البحر المحيط» 3/ 177، «البرهان في علوم القرآن» 4/ 363 - 373.
(3)
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في كلامه على هذه الآية في دروس التفسير.
(4)
انظر «المبسوط» ص 153، «الكشف عن وجوه القراءات» 1/ 377، «العنوان» ص 83، «النشر» 2/ 247.
التكسب وجلب المنفعة لأنفسهم أو دفع الضرر عنها لصغرهم أو لعدم رشدهم ونحو ذلك (1).
قوله: {خَافُوا عَلَيْهِمْ} قرأ حمزة (خافوا) بالإمالة، وقرأ بقية العشرة بدون إمالة (2).
خافوا: جواب «لو» (3) أي: لو تركوهم خافوا عليهم.
ولم يقترن جوابها هنا باللام مع أنه فعل ماض مثبت (4).
كما في قوله تعالى: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} (5).
والأكثر إذا كان جوابها مثبتاً أن تقترن به اللام كقوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ} (6)، وقوله {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} (7).
أما إذا كان جوابها منفياً بما فعلى العكس، الأكثر، بل الأفصح ألا يقترن جوابها باللام، تقول: لو جاء زيد ما كلمتك. وقد يقترن أحياناً فتقول: لو جاء زيد لما كلمتك (8). ومنه قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا
…
ولكن لا خيار مع الليالي (9)
وذلك لأن اللام تفيد التوكيد، والنفي يضاد التوكيد.
(1) انظر «جامع البيان» 8/ 20.
(2)
انظر «العنوان» ص 83.
(3)
انظر «البحر المحيط» 3/ 177.
(4)
انظر «المحرر الوجيز» 4/ 29.
(5)
سورة الواقعة، آية:70.
(6)
سورة محمد، آية:30.
(7)
سورة الواقعة، أية:65.
(8)
انظر «شرح ابن عقيل بحاشية الخضري» 2/ 139، «شرح التصريح» 2/ 256.
(9)
البيت بلا نسبة في «الدرر» 2/ 82، و «الهمع» 2/ 66، «السيوطي» 228، و «شرح التصريح» 2/ 260، «الأشموني» 4/ 43، و «أوضح المسالك» 4/ 231، «خزانة الأدب» 4/ 145، 10/ 82، و «شرح شواهد المغني» 2/ 665، و «مغني اللبيب» 1/ 271.
قوله (عليهم) متعلق بـ «خافوا» .
والمعنى خافوا عليهم من الجور والظلم، وأن تؤكل أموالهم وتهضم حقوقهم وتساء معاملتهم وغير ذلك، وحذف مفعوا «خافوا» ليذهب الفكر في تصوره كل مذهب.
فكل من حضرته الوفاه وله أولاد صغار قد ترد عليه مثل هذه الخواطر، من التخوف على أولاده والتفكير في حالهم، ومن يتولاهم بعده، وبقدر إيمان العبد وإستقامته تقل هذه المخاوف. قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أولِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} (1)، أي لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على على ما خلفتم (2).
وقد ذكر أهل العلم أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قالوا له: يا أمير المؤمنين أفغرت أفواه بنيك من هذا المال وتركته فقراء، لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال: أدخلوا عليَّ. فأدخلوهم، وهم بضعه عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بنَّي والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح: فالله يتولى الصالحين (4)، وإما غير صالح، فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله،
(1) سورة فصلت، الآيات: 30 - 32.
(2)
انظر «تفسير ابن كثير» 4/ 99 - الطبعة الحلبية.
(3)
سورة يونس، الآيات: 62 - 64.
(4)
أخذاً من قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} سورة الأعراف الآية (196).
قوموا عني».
قال راوي القصة: «فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزوا عليها» ، أي: أن الله أغناهم من فضله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لهذه القصة (1): «قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئاً يسيراً. يقال: أقل من عشرين درهماً قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس- أي: يسألهم بكفه» .
قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُوا اللهَ} معطوف على {وَلْيَخْشَ} توكيد للأمر بالخشية، لأن الخشية من التقوى.
أي: فليتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وأداء ما يجب عليهم من حقوق لليتامى والمساكين والورثه وغيرهم من أصحاب الحقوق، وأن يحذروا من الجور والظلم.
قوله تعالى: {وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} معطوف على ما سبق.
قولاً: مفعول مطلق، وبينه وبين «يقولوا» جناس اشتقاق.
سديدًا: صفة ل «قولًا» .
والقول السديد: هو الصواب، العدل (2)، الموافق للشرع، وللحكمة.
وسمِّي سديداً لأنه يسد مكانه، فيناسب الحال والمقام، لأن لكل حال ما يناسبها من القول، ولكل مقام مقال، ولكل شخص ما يناسبه. فأحياناً يكون
(1) انظر «السياسة الشرعية» ص15، «مجموع الفتاوى» 28/ 249 - 250، وانظر «العقد الفريد» 5/ 174 - 175، «سير أعلام النبلاء» 5/ 140 - 141.
(2)
انظر «جامع البيان» 8/ 26.
المناسب القول اللين، وهو السداد في موضعه، وأحيانًا يكون المناسب القول الشديد وهو السداد في موضعه، وهكذا.
فالقول السديد هو الذي يسد موضعه، أي يفي بالغرض الذي قيل من أجله فهو عام في كل قول.
فمن القول السديد أن يقال لليتامى قول معروف طيب لا غلظة فيه، وأن يعلموا ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
ومن القول السديد أن يوصى من حضره الموت بالعدل بالوصية وعدم الإضرار بالورثة وعدم ترك الوصية.
ومن القول السديد أن يقال لمن حضروا عند قسمة الميراث من غير الوارثين قول لين طيب يجبر قلوبهم (1).
ومن القول السديد أن يتحرى الإنسان في كلامه كله الصواب والحق والعدل والإنصاف والحكمة، حتى لا يضر نفسه وغيره.
قال النابغة الجعدي (2):
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
…
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
…
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
وخلاصة معنى الآية أنه كما يجب الإنسان أن تعامل ذريته معاملة طيبة من بعده فليعامل الناس في ذرياتهم معاملة طيبة (3)، وليتق الله فيما يقول ويفعل، وليتحر الصواب والعدل والحكمة في ذلك كله.
قال ابن العربي (4): «والصحيح أن الآية عامة في كل ضرر يعود عليهم، بأي
(1) راجع المصادر المذكورة عند ذكر المخاطب في قوله (وليخش) ص86.
(2)
انظر ديوانه ص69.
(3)
انظر «تفسير ابن كثير» 2/ 194.
(4)
في «أحكام القرآن» 1/ 330.