المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

من الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها: - حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء

[سليمان اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌وجوب حفظ أموال اليتامى وإيتائهم إياها

- ‌قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌الفوائد والأحكام:

- ‌إباحة تعدد الزوجات ووجوب العدل بين النساء

- ‌قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى

- ‌سبب النزول:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌الفوائد والأحكام:

- ‌الحكمة التشريعية في إباحة الإسلام تعدد الزوجات

- ‌الحكمة كلها في كونه صلى الله عليه وسلم جمع في عصمته بين تسع زوجات

- ‌من لطائف التفسير

- ‌الحجر على السفهاء في أموالهم

- ‌قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا

- ‌صله الآيتين بما قبلهما:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌قال الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى

- ‌صله الآية بما قبلها:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌الفوائد والأحكام:

- ‌تذكير أولياء الأمور اليتامى بأن المرء كما يدين يدان والوعيد الشديد لمن يأكلون أموال اليتامى ظلماً

- ‌قال الله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا

- ‌صلة الآية بما قبلها:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا

- ‌صله الآية بما قبلها:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌الفوائد والأحكام:

- ‌نكاح اليتامىووجوب الإقساط فيهن

- ‌سبب النزول:

- ‌معاني المفردات والجمل:

- ‌الفوائد والأحكام:

- ‌المراجع

الفصل: من الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها:

من الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ، فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعاً، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن، فقال:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، ثو أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور، وهذا صريح في المقصود المهم ..».

والخلاصة في معنى الآية كما دل عليه سبب النزول: وإن خفتم ألاتعدلوا مع اليتامى إذا نكحتموهن فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن (مثنى وثلاث ورباع)، فإن خفتم ألا تعدلوا مع الزوجات إذا تعددن فاكتفوا بنكاح واحدة ذلك أي ترك نكاح اليتامى وترك التعدد إذا خفتم عدم العدل أقرب ألا تجوروا وتظلموا (1).

‌الفوائد والأحكام:

1 -

يجب على أولياء اليتامى إذا خافوا عدم العدل معهن في أداء حقوقهن ترك الزواج بهن، وأن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، لقوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} (2) الآية.

(1) وقيل: إن المعنى: إن خفتم عدم العدل مع اليتامى والجنوح على أموالهم فاكتفوا بنكاح ما أباحه الله لكم في حدود أربع إلى واحدة، ولا تزيدوا على ذلك، فتضطروا إلى أكل أموال اليتامى بسبب كثرة الزوجات، وقيل: كانوا يتحرجون من عدم العدل مع اليتامى خوفًا من الظلم والجور. فقال الله لهم: وأيضًا خافوا من الوقوع في المحرم وهو الزنا واكتفوا بنكاح ما أحل الله لكم. انظر «جامع البيان» 7/ 534 - 539، «النكت والعيون» 1/ 360 - 361، «معالم التنزيل» 1/ 390 - 391 «المحرر الوجيز» 4/ 14، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 12، «الفوائد المشوق» لابن القيم175، «بدائع التفسير» 2/ 10.

(2)

سورة النساء، آية:3.

ص: 27

فإذا خاف الولي عدم العدل مع اليتيمة في المهر والنفقة، أو في وطئها (1)، أو في غير ذلك من حقوقها فليتركها إلى سواها، وفي هذا سلامه اليتامى من الظلم، والأولياء من الإثم، ولهذا قال في آخر الآية {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} .

2 -

يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} (2).

فإذا كان فعل الشيء قد يؤدي إلى الوقوع في المحرم وجب ترك ذلك الفعل درءاً للمفسدة وإيثاراً للسلامة والعافية (3).

3 -

أنه يجوز لأولياء اليتامى الزواج بهن إذا لم يخافوا عدم العدل معهن لمفهوم قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} ، فإذا لم يخافوا اجاز لهم الزواج بهن (4).

4 -

جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها لقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} الآية، وجه ذلك ان الله نهى الأولياء عن نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، ومفهوم ذلك جواز نكاحهن وهن يتامى إذا لم يخافوا عدم العدل فيهن، وقد سماهن في الآية يتامى، ولا يسمين يتامى إلا قبل البلوغ. ولو أراد البالغات لما نهى عن حطهن عن صداق مثلهن، لأن البالغة لها الخيار في أن تسقط من مهرها ما شاءت، وترضى بدون صداق المثل (5).

ويدل على هذا ما جاء في حديث عائشة في سبب نزول الآية: «وإن الناس

(1) كما دل على هذا سبب النزول، واختلف في الواجب في الوطء. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في «الفتاوى» 32/ 271:«قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل بقدر حاجتها وقدرته، كما يطعمها بقدلر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين» وانظر28 - 383 - 384.

(2)

سورة النساء، آية3.

(3)

انظر «تيسير الكريم الرحمن» 1/ 9.

(4)

انظر «أضواء البيان» 1/ 306.

(5)

انظر «أحكام القرآن» «لابن العربي» 1/ 311، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 13، «مجمع الفتاوى» 32/ 46.

ص: 28

استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} الآية.

وبهذا قال أبو حنيفة (1)، ومالك (2)، وأحمد (3) رحمهم الله، وأكثر السلف والفقهاء (4) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذة ابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (5): «اليتيمة يجوز تزويجهابكفء لها عند أكثر السلف والفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وغيرهما. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..} الآية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (6) بعد ما ذكر دلالة قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..} على جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها، وأشار إلى حديث عائشة في تفسيرها، قال:«وهو دليل في اليتيمة وزوجها من يعدل عليها في المهر» .

وقال أيضاً (7): «فهذا يدل على أن الله أذن لهم أن يزوجوهن إذا فرض لهن صداق المثل، ولم يأذن لهم في تزويجهن بدونه، لأنها ليست من أهل التبرع» .

وهكذا استدل ابن القيم رحمه الله بالآية وحديث عائشة وغيرهما على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ (8).

واستدل أصحاب هذا القول أيضاً بما يلي:

ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإذا

(1) ذكره أبو تيمية في «مجموع الفتاوى» 32/ 42، 44 - 45.

(2)

ذكره أبو تيمية في «مجموع الفتاوى» 32/ 43.

(3)

انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 43، 44 - 45.

(4)

انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 43.

(5)

«مجموع الفتاوى» 32/ 43.

(6)

«مجموع الفتاوى» 32/ 43.

(7)

في «مجموع الفتاوى» 32/ 44 - 45.

(8)

انظر «زاد المعاد» 5/ 100.

ص: 29

صمتت فهو إذنها، وان أبت فلا جواز عليها» (1).

ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: زوَّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ورغّبها في المال وخطبها إليه، فرفع شأنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها، ولم أقصِّر بها، زوَّجتها من قد علمت فضله وقرابته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنها يتيمة، واليتيمة أولى بأمرها» وفي رواية «لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإذا سكتت فهو إذنهن» فنزعت منه وزوجها المغيرة بن شعبة (2).

فعل هذا يجوز نكاح اليتيمة قبل ان تبلغ بإذنها، لكن قال بعضهم كأبي حنيفة: لها الخيار إذا بلغت (3). والراجح أنه لا خيار لها إذا نكحت بإذنها للأدلة السابقة. وهو الظاهر المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله (4).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (5): «وقد دل على ذلك الكتاب والسنة» .

وقيل: لا تزوج اليتيمة إذا لم يكن لها أب ولاجد إلا بعد بلوغها وإذنها، وبه قال مالك (6)، والشافعي (7)، وأحمد في رواية (8) ونسب إلى

(1) أخرجه أبو دأود في النكاح2093، والنسائي في النكاح3270، والترمذي في النكاح1170 وابن ماجه في النكاح1871، والدارمي في النكاح2186.

وقد حسن هذا الحديث الترمذي، وصححه ابن حبان 1239، والحاكم2/ 166 ووافقه الذهبي وصححه الألباني.

وأخرجه أحمد4/ 394، 408، 411 من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه وصححه ابن حبان 1138، والحاكم 2/ 162 ووافقه الذهبي. وانظر «زاد المعاد» 5/ 100.

(2)

أخرجه أحمد2/ 130، والبيهقي 7/ 113، 120، 121.

قال الألباني: «الحديث حسن «انظر «إرواء الغليل» 6/ 233.

(3)

انظر «أحكام القرآن» للجصاص2/ 50 - 53.

(4)

انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 43، «زاد المعاد» 5/ 100.

(5)

في «مجموع الفتاوى» 32/ 43، 48.

(6)

انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 310 - 311، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 13.

(7)

انظر «أحكام القرآن» للهراساي 1/ 312 - 314، «مجموع الفتاوى» 32/ 47.

(8)

انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 47.

ص: 30

الجمهور (1).

قالوا: لأنه ليس لها ولي يجبرها في نفسها، ولا إذن لهاقبل البلوغ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها.

واستدلوا بقوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} الآية (2).

قالوا: فأطلق عليهن اسم النساء، وهو يطلق على الإناث البالغات، فدل على أن المراد باليتامى في قوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} هن البالغات لأن المراد باليتامى في قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} هو المراد بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} (3).

فالمراد بهذه الآية اليتيمة البالغة. فلا تنكح إلا بإذنها ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها حتى تبلغ (4).

كما استدلوا بحديث ابن عمر المتقدم: «ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن» قالوا لأنه لا إذن لها معتبر إلا بعد البلوغ (5).

والصحيح القول الأول وهو جواز تزويج اليتيمة بإذنها (6)

قبل البلوغ، لدلالة

(1) انظر «البحر المحيط» 3/ 162.

(2)

سورة النساء، آية:127.

(3)

انظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/ 312 - 314.

(4)

انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 310 - 311، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 13.

(5)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 14.

(6)

كما لا تتزوج البكر البالغة إلا بإذنها رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» : قالوا: يا رسول الله. وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت» أخرجه البخاري في النكاح- الحديث 5136 ومسلم في النكاح1419، وأخرجه مسلم أيضاً بنحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما1421. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجاريه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم» أخرجه أبو داود في النكاح2096 وابن ماجه في النكاح1875، وأحمد 1/ 173وصححه الألباني وعن عائشة نحوة أخرجه أحمد 6/ 136.

وانظر «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم3/ 40.

قال ابن القيم: «وموجب هذا الحكم الا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به ولا نعاقد سواه، وهو المرافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته ..» «زاد المعاد» 5/ 96 - 98.

ص: 31

الآيتين والأحاديث السابقة، ولمصلحة اليتيمة نفسها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1): «أما تخصيص لفظ اليتيم بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بالحال، ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء، كما دل على ذلك القران بقوله: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ} الآية. فامر بالابتلاء قبل البلوغ» .

5 -

إذا وقع الظلم لليتيمة بالنقص من مهرها يرجع إلى مهر المثل، لقوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} فالقسط فيهن بإتيائهن مهور أمثالهن من النساء، كما جاء في سبب نزول الآية (2).

6 -

استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} مع سبب النزول على أن للولي أن يزوج اليتيمة التي تحت ولايته من نفسه، بمعنى أن يكون هو الناكح والمنكح.

وممن ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم (3)، أبو حنيفة (4)، ومالك (5)، وأحمد في رواية عنه (6).

واستدلوا بما رواه البخاري معلقاً (7) أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت

(1) انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 48، وانظر «أضواء البيان» 1/ 305.

(2)

انظر «أحكام القرآن» لابن العربي1/ 311، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 14.

(3)

وهو مروى عن الحسن وابن سيرين والأوزاعى والثورى وأبي ثور وربيعه والليث بن سعد.

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 14.

(4)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 14.

(5)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 1/ 312 «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 14.

(6)

انظر «زاد المعاد» 5/ 104.

(7)

في كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب «فتح الباري» 9/ 188. وقد وصله ابن سعد في الطبقات 8/ 346 وصحح الألباني إسناده. انظر «إرواء الغليل» 6/ 256حديث 1854.

ص: 32

قارظ: «أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت نعم، فقال: قد تزوجتك» .

ووجه الدلالة منه أنه وجد الإيجاب من ولي هو من أهل ذلك، والقبول من زوج هو من أهل لذلك.

كما استدلوا أيضاً بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم «اعتق صفية، وجعل عتقها صداقها» (1).

وقد أجيب عن هذا بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس ظاهراً بأنه بدون ولي.

وذهب بعض العلماء منهم الإمام الشافعي (2)، وأحمد في رواية له (3)، إلى أنه لا يجوز للولي أن يعقد لنفسه، وإنما يتولى العقد السلطان، أو أحد أقاربها الذين هم أقرب إليها منه.

وفي رواية لأحمد: أو تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه (4).

واستدلوا بحديث «لا نكاح إلا بولي» (5) قالوا: فالولاية شرط في النكاح (6).

كما استدلوا بما رُوي أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة هو أولى الناس بها، فأمر

(1) أخرجه البخاري في النكاح 5086 ومسلم في الحج وفي الجهاد والسير1365، وأبو داود في النكاح الحديث2054، والنسائي في النكاح3342 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 15.

(3)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 15.

(4)

ذكره «القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 15نقلًا عن ابن المنذر.

(5)

أخرجه أبو داود في النكاح 2085، والترمذي في النكاح 1101، 1102، وابن ماجه في النكاح 1881، وأحمد 4/ 398، 413، 418، والدارمي في النكاح 2182 والبيهقي في سنته 7/ 107 - كلهم من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه ابن حبان 1243 - 1245، والحاكم في المستدرك 2/ 169 وأطال في تخريج طرقه، وقد اختلف في وصله وإرساله، وقال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ..» وقال الترمذي: «وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس» وانظر «نصب الراية» 3/ 183، 190وصححه الألباني. انظر «إرواء الغليل» 6/ 238 «1839» .

(6)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 15.

ص: 33

رجلًا فزوجه (1).

وأجيب عن هذا بأن في إسناده عبد الملك بن عمير وهو مدلس (2).

كما أجيب عن حديث «لا نكاح إلا بولي» بأن الذي تزوجها هو وليها.

قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر القولين: «الأول أصح دليلًا (3) والثاني أبعد عن التهمة» .

وقد يجاب عن هذا بأن التهمة تزول بالإشهاد على النكاح وإعلانه.

وعلى هذا فيجوز للولي أن يعقد لنفسه فيأتي بشاهدين ويقول أشهدكما أني زوجت نفسي مثلًا ابنه عمي فلانه بالولاية الشرعية. وهذا إيجاب منه يتضمن القبول، فلا يحتاج أن يقول: قبلت. وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفية: «إني اعتقتك، وجعلت عتقك صداقك» (4) ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول لظهور المعنى.

لكن دلالة الآية على هذه المسألة ليست ظاهرة، وقد فرَّع بعض من استدل بالآية على الجواز مسألة أخرى، وهي جواز بيع الوكيل والوصي لنفسه والشراء منها (5).

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للوكيل والوصي الشراء من نفسه أو البيع لها، لأن متهم كما لا يجوز له أن يعطي الزكاة لنفسه إذا وكل في إخراجها - وهذا هو

(1) أخرجه البيهقي وذكره البخاري معلقًا انظر «فتح الباري» 9/ 188قال الحافظ بن حجرفي «فتح الباري» 9/ 188 «هذا الأثر وصله وكيع في مصنفه والبيهقي من طريقه عن الثوري عن عبد الملك بن عمير، وأخرجه عبد الرازق عن الثوري وسعيد بن منصور من طريق الشعبي ..» وصححه الألباني، انظر «إرواء الغليل» 6/ 256 حديث1855.

(2)

قال في «التقريب» 1/ 521 ترجمة 1331: «عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي: ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلس، مات سنه236هجرية.

(3)

يعني ما جاء في البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

(4)

سبق تخريجه ص33 وانظر «سنن البيهقي» 7/ 56.

(5)

ذكر القرطبي عن ابن خويز منداد أنه قال: «ولهذا قلنا: أنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه ويبيع من نفسه من غير محاباه وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها، وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك، فأما الأب فليس لأحد عليه نظر مالم تظهر عليه المحاباه فيعترض عليه السلطان «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 11 - 12.

ص: 34

الأظهر لأنه الأحوط وأبعد عن التهمة، وليس في الآية دليل على حواز ذلك.

7 -

سعة فضل الله تعالى ورحمته وتيسيره على الأمة المحمدية، فإذا سدّ باب حرام فتح في المقابل أبواباً كثيرة من الحلال، لقوله:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أي في مقابل ترك نكاح اليتامى إذا خفتم عدم العدل معهن.

8 -

أن القرآن الكريم جاء بأحسن الأساليب وأجودها في مخاطباته وأوامره ونواهيه، مما يكون له الأثر في نفوس المخاطبين، ويحملهم على الإذعان والقبول، لقوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} الآية.

حيث جاء الأمر للأولياء بنكاح ما طاب لهم من النساء، وكان المتوقع كما يوحي به السياق أن يأتي الأمر بترك نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، أو النهي عن نكاحهن في هذه الحال. والغرض من هذا إرشاد المخاطبين وتوجيههم إلى أن الأمر واسع، ولم يضيق الله عليهم، فلهم إذا خافوا عدم العدل مع اليتامى أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء (1) كيفية وكمية إلى حد الأربع.

9 -

ينبغي للرجل أن يتزوج من تطيب له من النساء ويرغب فيها وتميل نفسه إليها، فهذا أحرى أن يؤدم بينهما قال تعالى:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} أي: ما رغبتم فيه منهن من ذوات الصفات الطيبة من الدين والخلق والجمال ونحو ذلك، وفي الحديث:«تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (2).

10 -

الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يرى من مخطوبته ما يرغبه في نكاحها من

(1) انظر «تفسير ابن كثير» 2/ 181.

(2)

أخرجه البخاري في النكاح5090، ومسلم في الرضاع1466، وأبو داود في النكاح2047، والنسائي في النكاح3230، وابن ماجه في النكاح1858، والدارمي في النكاح2170 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ومعنى تربت يداك: التصقت يداك بالتراب، وهي كلمه تقولها العرب، وليس معناها الدعاء، وقيل معناه لله درك. انظر «النهاية» مادة «ترب» .

ص: 35

الصفات الطيبه، لقوله {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} .

وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انظر اليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما (1)» .

أي أقرب بأن يؤلف بينكما، فتستمر العشرة بينكما ويحصن كل منكما صاحبه (2).

11 -

أنه لا ينبغي أن يكره الإنسان على الزواج بامرأة لم تطب بها نفسه (3)، ولا أن يتزوجها وهو كاره لها، لمفهوم قوله:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} ومثل هذا الزواج في الغالب نهايته الفشل (4).

12 -

أن نكاح الخبيثة منهي عنه: كالمشركة والفاجرة، لقوله:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} فيفهم من هذا أن غير الطيب لا يجوز نكاحه، كما قال تعالى:{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (5) وقال تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (6).

13 -

جواز نكاح زوجتين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، لقوله:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . لأن الله ذكر هذا مقابل النهي عن نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن (7).

(1) أخرجه النسائي في النكاح3235، والترمذي في النكاح 1087، وابن ماجه في النكاح1866، والدارمي في النكاح 2172 قال الترمذي:«هو حديث حسن وفي الباب عن محمد بن سلمه وجابر وأبي حميد وأنس وأبي هريرة» صححه الألباني.

(2)

الناس في هذا والله المستعان بين الغالي والجافي، فمنهم من يمنع رؤيه المخطوبة البتة، ومنهم من يتركها تذهب مع خطيبها حيث تشاء. ودين الله وسط بين الغالي والجافي.

(3)

كما يحصل هذا في بعض القبائل يجبر الرجل على نكاح ابنة عمه وإن كان لا يريدها.

(4)

ومثل هذا إكراه الفتاه على الزواج من رجل لا تريده، مع أن هذا محرم لا يجوز. والعقد باطل على الصحيح من أقوال أهل العلم.

(5)

سورة البقرة، آية:221.

(6)

سورة النور، آية:3.

(7)

لكنه يجوز للرجل أن يعدد الزوجات وإن لم يخف عدم الإقساط مع اليتيمات باتفاق أهل العلم، لأن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك وحكمها اعم، وعل هذا فالشرط في قوله {وإن خفتم} لا مفهوم له. انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 310، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 13، «فتح القدير» 1/ 421، «أضواء البيان» 1/ 306.

ص: 36

فالأمر في قوله {فانكحوا} محمول على الجواز (1) والإباحة، لأنه في مقابل المنع من نكاح اليتامى. والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة (2).

وعلى هذا فليس في الآية هنا ما يدل على فضل تعدد الزوحات (3)، وإنما استفيد ذلك من أدلة أخرى، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما:«فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء» (4).

وكقوله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (5) ولا يقدح في جوازه، بل ولا في فضله كون كثير ممن يعددون الزوجات لا يعدلون بينهن أو لا يستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد، فإن هؤلاء لا يجوز التعدد في حقهم، أما من سواهم ممن يعدلون بين الزوجات ويستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد فالتعدد في حقهم أفضل، ولا يجوز تحريم ما أحل الله أو القول بأنه إنما يباح للضرورة فقط، لأجل أن فئاماً من الناس لا يقومون بما شرطه الله من العدل بين الزوجات (6).

(1) انظر «جامع البيان» 7/ 547، «تفسير ابن كثير» 2/ 182.

(2)

وهذا يدل على ضعف قول من قال بوجوب النكاح استدلالًا بقوله {فانكحوا} والنكاح مندوب إليه وسنه من سنن المرسلين ومستحب من حيث العموم، وقد يجب وخاصة إذا خاف على نفسه من الوقوع في الفاحشة ويكون تاره مباحًا أو محرمًا أو مكروه أوانظر «التفسير الكبير» 9/ 140.

(3)

وقد استدل بعض أهل العلم بالآية على أفضلية التعدد، وأنه هو الأصل منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. انظر «فضل تعدد الزوجات» ص 17، 18.

(4)

أخرجه البخاري في النكاح5069.

(5)

سيأتي تخريجه ص49.

(6)

تعصب لهذا القول وهو أن التعدد إنما يباح للضروره فقط صاحب «تفسير المنار» معللاً أو متأثراً بواقع كثير ممن يعددون الزوجات ولا يعدلون بينهم ولا يؤدون حقوقهن وحقوق أولادهن وما يحصل بين الضرائر وبين أولادهن من العداوات والمفاسد. وهذا كله لا يبيح قصر التعدد في حدود الضرورة، وقد دلت الأدلة على جوازه بل على فضله. انظر «تفسير المنار» 4/ 366 - 370.

ص: 37

14 -

عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمه الرجل، لقوله تعالى:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ، لأنه لو كان يجوز الزيادة على أربع لذكره الله تعالى في هذا المقام، لأنه مقام توسعه وامتنان وفتح للباب إلى أعلى حد يجوز ذلك في مقابل المنع من نكاح اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن.

قال الحافظ ابن كثير (1): «قصر الله الرجال على أربع في هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز أكثر من ذلك لذكره» .

وعلى هذا دلت السنة وأجمعت الأمة.

فعن ابن عمر- رضي الله عنهما.

أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اختر منهن أربعاً، وفارق سائرهن» (2).

قال الحافظ ابن كثير (3) بعد ذكر روايات حديث غيلان: «فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع، وفارق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام ففي الإستئناف بطريق الأولى

(1) في «تفسيره» 2/ 182.

(2)

أخرجه الترمذي في النكاح1128، وابن ماجه في النكاح1953، والشافعي في مسنده2/ 351، وأحمد2/ 14، 83، ومالك في الطلاق1243وصححه ابن حبان 1277، وأخرجه النحاس في «الناسخ والمنسوخ» 2/ 240 - الأثر309 وإسناده صحيح، والحاكم2/ 192قال ابن كثير في «تفسيره» 2/ 183 - عن إسناده الإمام أحمد:«رجاله ثقات على شرط الصحيحين» وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» 3/ 169: «رجال إسناده ثقات» وصححه الألباني انظر «إرواء الغليل» 6/ 291، وانظر في بسط الكلام في تخريج الحديث والحكم عليه في تخريج كتاب «الناسخ والمنسوخ» للنحاس2/ 140 - 144.

(3)

في «تفسيره» 2/ 184. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعًا، لأنه عقد عليهن قبل التحريم. أما لو حصل العقد على زياده عن أربع بعد التحريم فعقد الخامسة وما بعدها باطل.

ص: 38

والأحرى».

وعن الحارث بن قيس، أو قيس بن الحارث، أسلمت وعندى ثمان نسوه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ذلك له، فقال:«اختر منهن أربعاً» (1).

وقد أجمع المسلمون على هذا.

قال أبو جعفر النحاس (2): «ولم يزل المسلمون من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت يحرمون ما فوق الأربع بالقرآن والسنة» .

وقال البغوي (3): «وهذا أجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له الزيادة عل أربع نسوة» .

وقال ابن كثير (4): «وعلى هذا أجمعت الأمة» .

وقال أيضاً: «قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي- رحمه الله-مجمع عليه من العلماء» .

وشذ الرافضة فأباحوا نكاح تسع زوجات (5)، واحتجوا بالآية، وقالوا إن الواو فيها للجمع، وأن معنى {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ، أي اثنتين وثلاثًا وأربعاً (6).

(1) أخرجه أبو دأود في الطلاق2241، 2242، وابن ماجه في النكاح1925.

قال ابن كثير في «تفسيره» 2/ 184 بعد أن ساق هذا الحديث وبإسناده أبي داود «وهذا الإسناد حسن» وصححه الألباني. وقال ابن كثير أيضًا 2/ 184 بعد أن ذكر حديث الحارث بن قيس: «ونحوه» من حديث نوفل بن معاويه الديلي أنه أسلم وعنده خمس نسوة فخيره الرسول في أربع، كما أخرجه الشافعي في مسنده». قال ابن كثير:«فهذه كلها شواهد لصحة حديث غيلان، كما قال الحافظ أبو بكر البيهقي» .

(2)

في «الناسخ والمنسوخ» 2/ 139 - 140.

(3)

في «معالم التنزيل» 1/ 391، وانظر «التفسير الكبير» 9/ 143.

(4)

في «تفسيره» 2/ 182.

(5)

انظر «بحر العلوم» للسرقنداي 1/ 332، «أحكام القرآن» لابن العربيي 1/ 312، «تفسير ابن كثير 2/ 182.

(6)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 17، 18.

ص: 39

كما احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع في عصمته تسع نسوة (1).

وقولهم هذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبدلالة اللغة. لأنه لو كان المراد بالآية-كما يقولون - جواز الجمع بين تسع زوجات، لقال: انكحوا تسع زوجات، إذ لم يكن معروفاً عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إذا أراد أحدهم أن يقول لصاحبه خذ تسعاً أن يقول: خذ اثنتين وثلاثاً وأربعًا (2).

قال القرطبي (3) رحمه الله: «اعلم أن هذا العدد «مثنى وثلاث ورباع» لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع، وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فحعل مثنى: بمعنى اثنتين اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع.

وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع ..» وقال أيضًا (4):«وأما قولهم: إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وتقول اثنتين وثلاثه وأربعة، وكذلك تستقبح من يقول أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية ولا يقول: ثمانية عشر» .

وأما ما أحتجوا به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع في عصمته تسع نسوة فلا حجة فيه، لأن هذا من خصائصه (5) صلى الله عليه وسلم. فقد خصه الله تعالى بذلك، ومنعه من الزواج عليهن أو

(1) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 313، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 17.

(2)

انظر «الوسيط» 2/ 8، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 17.

(3)

في «تفسيره» 5/ 17.

(4)

في «تفسيره» 5/ 17.

(5)

انظر «معالم التنزيل» 1/ 391، «أحكام القرآن» لابن العربي1/ 312، 4/ 212.

ص: 40

أن يتبدل بهن، فقصره على العدد تسع وعلى المعدود وهن هؤلاء الزوجات، قال تعالى:{لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ} (1)، بينما الأمة قصرت على العدد وهو أربع، ولم تقتصر في المعدود فللرجل أن ينكح ما طاب له من النساء، وله أن يستبدل منهن ما شاء. كما حرم الله الزواج بزوجاته صلى الله عليه وسلم بعده، قال تعالى:{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} (2)، كما أباح له أن يتزوج بهبة، كما قال تعالى:{وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (3).

قال ابن كثير (4): «وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري، وقد علقه البخاري. وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع، وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع» ثم ساق رحمه الله حديث غيلان وغيره.

وأيضاً فزواجه صلى الله عليه وسلم بهن لحكم دينية وسياسية واجتماعية (5).

وأيضًا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوَّاة الله على العدل بين أكثر من أربع على القول بوجوب القسم عليه، كما هو المشهور، بينما الذي يطيقه عامة الناس من العدل ينتهي غالبًا إلى أربع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (6) -: «فالعدل الذي يطيقه عامة الناس

(1) سورة الأحزاب، آية:52.

(2)

سورة الأحزاب، آية:53.

(3)

سورة الأحزاب، آية:50.

(4)

في «تفسيره» 2/ 182.

(5)

سيأتي قريبًا ذكرها بشيء من التفصيل.

(6)

في «مجموع الفتاوى» 32/ 71.

ص: 41

ينتهي إلى الأربعة. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قوّاه على العدل فيما هو أكثر من ذلك - على القول المشهور- وهو وجوب القسم عليه، وسقوط القسم عنه على القول الآخر، كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج، بلا مهر».

وعلى هذا فالقول بجواز الزيادة على أربع زوجات باطل بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، واللغة.

لكن اختلف العلماء في حكم من تزوج خامسة بعد إتفاقهم على أنه يفرق بينهما. فذهب طائفة من أهل العلم منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور والزهري (1)، إلى أنه يرجم وقيل: عليه التعزيز.

والصحيح الأول، لأنه أقدم على هذا النكاح وهو يعلم أنه محرم.

15 -

إذا طلق الرجل امراته طلاقًا رجعيًّا فلا يجوز له أن يتزوج رابعة ما دامت في العدة بالإجماع (2) لأن الرجعية بحكم الزوجة ما دامت في العدة، وقد قال الله تعالى:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} ، فلو تزوج والرابعة مازالت في عدتها من طلاق رجعي فالنكاح باطل.

فإذا كان الفراق بائنًا كفرقه لعانٍ أو طلاق ثلاثٍ، أو فسخٍ أو طلاقٍ على عوض فذهب أكثر أهل العلم منهم مالك، والشافعي (3)، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر (4)، وغيرهم إلى أن له أن يتزوج رابعه وإن كانت المفارقة ما زالت في العدة، لأنها قد بانت منه فليست بزوجة له الآن.

وذهب طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة (5)، وأحمد (6)، والثوري (7)،

(1) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 18.

(2)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 119، «مجموع الفتاوى» 32/ 72.

(3)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 119.

(4)

انظر «أحكام القرآن» للجصاص2/ 132.

(5)

انظر «أحكام القرآن للجصاص2/ 132.

(6)

انظر «مجموع الفتاوى» 32/ 83.

(7)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 119.

ص: 42

وغيرهم إلى أنه لا يجوز أن يتزوج رابعة ما دامت المفارقة في العدة، وإن كان الفراق بائناً لأن المفارقة مازالت مشغولة بحق الزوج، وقد قال تعالى {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} (1).

16 -

بعد القرآن الكريم في تعبيره عما يوجب الإيهام، لقوله {مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} حيث جاء بصيغة العدل، لأنه لو قال:(اثنتين وثلاثًا وأربعاً) لأوهم جواز الجمع بين هذه الأعداد، وحيث جاء العطف بالواو بدل «أو» لئلا يتوهم أنه لا يجوز إلا أحد هذه الأعداد.

17 -

وجوب العدل بين الزوجات في حقوق النكاح من القسم والمبيت (2)

والنفقة والمسكن والعشرة ونحو ذلك (3) مما يدخل تحت الاستطاعة، لقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} دون مالا يقدر عليه كالمحبة القلبية والجماع قال تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (4).

وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (5). قال

(1) سورة البقرة، آية:235.

(2)

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل للبكر سبعًا وللثيب ثلاثًا» أخرجه البخاري في النكاح 5213، ومسلم في النكاح1451، وابن ماجه في النكاح1124، والدارمي في النكاح2209.

وأخرجه مسلم من حديث أم سلمة 1461، وعن عائشة رضى الله عنها قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومًا وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رِضا رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

أخرجه البخاري في الهبة 2594، ومسلم في فضائل الصحابة 2445وأبو داود في النكاح 2138، وابن ماجه في النكاح1970، والدارمي في النكاح 2208، والبغوي في «معالم التنزيل» 1/ 488.

(3)

انظر «معالم التنزيل» 1/ 487 - 488، «أحكام القرآن» لابن العربي1/ 313، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 20، «مجموع الفتاوى» 32/ 269.

(4)

سورة النساء، آية:129.

(5)

أخرجه أبو داود في النكاح2134، والنسائي في عشرة النساء 3943، والترمذي في النكاح 1140وابن ماجه في النكاح1971، والدارمي في النكاح 2207، والطبري 10637، 10656، والبيهقي في سنته 7/ 298، والحاكم2/ 187 وصححه ووافقه الذهبي. وقد قال الترمذي «رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا. قال: وهذا أصح» قال ابن كثير في «تفسيره» 2/ 382 بعدما ذكر لفظ أبي داود لهذا الحديث: «وهذا إسناد صحيح ووافقه الذهبي. وقد قال الترمذي في «تفسيره» 2/ 382 بعد ما ذكر أبي داود لهذا الحديث: «وهذا اسناد صحيح» ثم ذكر قول الترمذي وقد ضعفه الألباني وانظر «مجموع الفتاوى» 32/ 269، «إرواء الغليل» 7/ 81.

ص: 43

أبو داود: «يعني القلب» . وهذا الحديث وإن تكلم فيه وضعف، فمعناه صحيح، فإن القسم واجب فيما يملك الإنسان، أم مالا يملك فلا مؤاخذة فيه: كالمحبة والجماع، لكن لا يجوز أن يجمع نفسه لزوجة دون أخرى كما قال الفقهاء رحمهم الله.

قال ابن القيم (1) أثناء ذكره لفوائد أحاديث قسمه صلى الله عليه وسلم بين زوجاته فيما يملك، قال:«ومنها أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لاتملك، وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، وأخذ من هذا أنه لا تجب التسويه بينهن في الوطء، لأنه موقوف على المحبة والميل، وهو بيد مقلب القلوب. وفي هذا تفصيل وهو: أن تركه لعدم الداعي إليه، وعدم الانتشار فيه معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرة أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به» .

18 -

وجوب الاقتصار على زوجه واحدة، وترك التعدد، إذا خاف ألا يعدل بين الزوجات لقوله:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} .

19 -

إباحة الاستمتاع بما شاء من ملك اليمين، وأنه لا يجب القسم بينهن، وليس لهن من الحقوق مثل ما للحرائر (2)، ولهذا جعلهن الله بمثابة الواحدة فقال:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (3):

«أباح مما ملكت اليمين ما شاء

(1) في «زاد المعاد» 5/ 151.

(2)

لكن يستحب العدل بينهن، ولهن من الحقوق ما يجب مراعاته من حسن الملكية والرفق بالرقيق.

انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 314. «تفسير ابن كثي» 2/ 184.

(3)

في «مجموع الفتاوى» 32/ 71 وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 314. لكن لو تزوج حرة على أمه فقد قضى عمر بن الخطاب وعلى ابن أبي طالب رضي الله عنهما للأمة ليلة وللحرة ليلتين، وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله. انظر «زاد المعاد» 5/ 150.

قال ابن القيم: «وقد احتج الإمام أحمد بهذا القضاء عن علي رضي الله عنه، ولا يعرف لعلي مخالف من الصحابة وهو قول جمهور الفقهاء إلا رواية عن مالك: أنهما سواء، وبه قال أهل الظاهر. قال ابن القيم: وقول الجمهور هو الذي يقتضيه العدل، فإن الله سبحانه لم يسو بين الحرة والأمة، لا في الطلاق، ولا في العدة، ولا في الحد، ولا في الملك، ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلًا أو نهاراً أو لا في أصل النكاح، بل جعل نكاحها بمنزله الضرورة، ولا في عدد المنكوحات، فإن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين، هذا قول الجمهور وروى الإمام أحمد بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: ويتزوج العبد اثنتين ويطلق اثنتين، وتعتد امرأته حيضتين واحتج به أحمد ورواه أبو بكر عبد العزيزعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لا يحل للعبد من النساء إلا اثنتان وروى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر رضي الله عنه الناس كم يتزوج العبد؟ قال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين وطلاقه ثنتين، فهذا عمر، وعلى، وعبد الرحمن رضى الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابه مع انتشار هذا القول وظهوره، وموافقته للقياس «زاد المعاد» 5/ 150، 153 - 154.

ص: 44

الإنسان بغير عدد، لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ولا يستحققن على الرجل وطئاً ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها، وأخته وابنته من الرضاع».

20 -

جواز وطء الأمة كتابية أو مجوسية أو وثنية، لقوله {أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهذا مطلق.

وقد اختلف أهل العلم إلى وطء الأمة الكتابية لعموم قوله {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (1)، ولأن الله أباح حرائرهم بقوله:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (2). وأما إن كانت الأمة مجوسية أو عابدة وثن فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين، وظاهر الكتاب والسنة جواز ذلك، قال ابن القيم في ذكر فوائد حديث أبي سعيد في سبي أوطاس.

«ودل هذا القضاء النبوى على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين فإن سبايا

(1) سورة المؤمنون، آية:5.

(2)

سورة المائدة، آية:5.

ص: 45

أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وهذا مذهب طاوس، وقوّاه صاحب المغني ورجّح أدلته».

وقال الشنقيطي: «والذي يظهر من جهة الدليل- والله تعالى أعلم-جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية ..» (1).

21 -

إثبات ملك اليمين وهو «الرق» لقوله: {أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، وهو كما قال الفقهاء «عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر» فإذا وجد سببه بأن قاتل المسلمن الكفار، وسبوا منهم سبايا فهؤلاء السبايا أرقاء وملك للمسلمين حتى يعتقوا. أما ما يوجد الآن في بعض البلاد من سرقة بعض الولاد وبيعهم، أو بيع بعض الناس أولادهم بسبب الحاجة، فهذا كله ليس من ملك اليمين في شيء، وإنما هؤلاء أحرار. وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي:«ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (2).

22 -

إثبات الملكية الفردية الخاصة (3) للإنسان. وأنه يملك وله التصرف في ملكه حسب ما أذن به الشرع، لقوله:{أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وفي هذا رد على الشيوعية الاشتراكية الملحدة.

23 -

فضل اليمين على الشمال لأن الله أضاف الملك إلى اليمين، فقال:{أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وفي الحديث: «أنه كان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله

(1) انظر «زاد المعاد» 5/ 132، «أضواء البياان» 1/ 326.

(2)

أخرجه البخاري في الإجارة2270، وابن ماجه في الأحكام2442، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل.

(3)

أما الملك العام فهو لله عز وجل فهو سبحانه يملك الناس وما ملكوا ويملك الكون كله يتصرف فيه كيف يشاء {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} .

ص: 46

وطهوره وفي شأنه كله» (1).

24 -

إطلاق البعض على الكل لقوله {أيمانكم} ، لأن الأيمان جمع يمين وهي اليد والملك إنما للإنسان كله، وإنما يعبر باليمين لأن الأخذ والإعطاء بها.

25 -

أن الخطاب في قوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} للأحرار لقوله: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهم الذين يملكون، وهم الذين يجوز للواحد منهم الزواج بأربع زوجات. وعليه جمهور أهل العلم (2).

وقد قيل: إن الخطاب في الآية عام للأحرار والعبيد، فيجوز للعبد أن يتزوج أربع زوجات بهذا قال مالك في المشهور عنه (3)، والظاهرية (4).

والصحيح أن الخطاب في الآية خاص بالأحرار. وأن العبد له أن يتزوج اثنتين فقط لما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين» (5).

وهو قول جمهور أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهما وعبد الرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم من الصحابة.

قال ابن القيم (6): «بعد ذكر الرواية عن عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف:

(1) أخرجه البخاري في الوضوء 168، ومسلم في الطهارة 268، وابو داود في اللباس4140، والنسائي في الغسل والتيمم 421، والترمذي في الطهارة 608، وابن ماجه في الطهارة وسننها 401من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

انظر «أحكام القرآن» للشافعي1/ 180، «أحكام القرآن» للجصاص2/ 54، «التفسير الكبير» 9/ 141 - 142، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 23.

(3)

انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 313، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 22 - 23.

(4)

انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 22.

(5)

أخرجه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي7/ 425. والبغوي في «تفسيره» 1/ 391 - 392 قال ابن القيم في «زاد المعاد» 5/ 153: «واحتج به الامام أحمد».وقد صححه الألباني في «إرواء الغليل» 7/ 150 الحديث 2067وانظر «نصب الراية» 3/ 227.

(6)

في «زاد المعاد» 5/ 153، 154، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص2/ 54، «معالم التنزيل» 1/ 391، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 313، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 22 - 23.

ص: 47

«ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره، وموافقته للقياس» .

26 -

أن ترك تعدد الزوجات إذا خاف عدم العدل معهن والاقتصار على نكاح واحدة والاستمتاع بملك اليمين أقرب ألا يقع المرء في الجور والظلم، لقوله:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» (1) وفي بعض الروايات «وشقه ساقط» (2).

27 -

الإشارة إلى أن الإنسان قد لايسلم من الظلم والجور حتى لو ترك نكاح اليتامى، ولو لم يعدد الزوجات، لقوله:{ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} ولم يقل: ذلك ألا تعولوا. لكن حنانيك بعض الشر أهون من بعض.

28 -

تحريم الوسائل المؤدية إلى فعل المحرم، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد (3) وقد دلت الآية على هذا المعنى في موضعين منها: الأول في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النساء} ، فأوجبت الآية العدول عن اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن، ووجهت إلى نكاح ما طاب لهم من النساء سواهن. والثاني في قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُو} .

فأوجبت الآية ترك تعدد الزوجات إذا خيف عدم العدل معهن، ووجهت إلى الاقتصار على واحدة والاستمتاع بملك اليمين.

****

(1) أخرجه أبو داود في النكاح2133، والنسائي في عشرة النساء3942، والدارمي في النكاح2206 وصححه الألباني.

(2)

أخرجه الترمذي في النكاح1141، وابن ماجه في النكاح1969 وصححها الألباني.

(3)

وهذه قاعدة أصولية فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يكون وسيلة المحرم فهو محرم.

انظر «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي 1/ 157 - 160 ..

ص: 48