الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفوائد والأحكام:
1 -
تحذير الذين يأكلون أموال اليتامى ويظلمونهم، وتذكيرهم بما يحرك مشاعر الأحاسيس في نفوسهم بأنه قد يحصل مثل ذلك لأولادهم لقوله:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} .
2 -
يجب على الإنسان أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فكما يحب أن يعامل أولاده بعد موته معاملة طيبة، فكذلك يجب عليه هو أن يعامل أولاد الناس معاملة طيبة، وفي الحديث:«وليأت إلى الناس الذي يحب أن يوتى إليه» (3).
3 -
أن الجزاء من جنس العمل، وأنه كما تدين تدان، وما عملت مع الناس يعمل معك مثله (4)، كما قال تعالى:{مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (5)، وقال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} (6).
وفي الأثر: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا عن نساء المسلمين يعفَّ عن نسائكم» (7).
(1) في «جامع البيان» 8/ 30، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 54.
(2)
سورة التكوير، آية:12.
(3)
أخرجه مسلم في الإمارة 1844، وأبو داود في الفتن والملاحم 4248، والنسائي في البيعة 4191، وابن ماجه في الفتن 3956 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
(4)
انظر «تفسير ابن كثير» 2/ 194.
(5)
سورة النساء، آية:123.
(6)
سورة الشورى، آية:40.
(7)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 154، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي سنده سويد بن إبراهيم الجحدري ضعفه أكثر الأئمة. وأخرجه أيضاً الحاكم 4/ 154 من حديث جابر رضي الله عنه. وفي سنده علي بن قتيبة الرفاعي، قال ابن عدي «حدث عن مالك بأحاديث باطلة» ثم ذكر هذا الحديث. انظر «الكامل» لابن عدي 5/ 207، «تهذيب التهذيب» 4/ 245. وقد ضعفه الألباني في «الجامع الصغير» رقم 2330.
وهذا - وإن كان ضعيفاً- إلا أن معناه صحيح.
قال الشافعي (1) في هذا المعنى:
عفّوا تعفّ نساؤكم في المحرم
…
وتجنبوا مالا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته
…
كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
من يزن في بيت بألفي درهم
…
في بيته يزنى بغير الدرهم
من يزن يزن به ولو بجداره
…
إن كنت يا هذا لبيباً فافهم
وقال صالح بن عبد القدوس (2):
احفظ لسانك أن تقول فتبتلى
…
إن البلاء موكل بالمنطق
4 -
الإشارة إلى ضعف الإنسان، وأنه وإن كان مؤمنًا بالله متوكلًا عليه قد ترد عليه بعض الخواطر كالتخوف على أولاده من بعده، وخاصة عندما يصل الإنسان إلى حالة شديدة من الضعف، فإنه قد ترد عليه هذه الخواطر اضطراراً ولا يستطيع لها دفعاً، وقد قال الله تعالى مخاطباً المؤمنين في سورة الأحزاب:{إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (3). ولهذا قال بعض المفسرين: «ظن المؤمنون كل ظن» (4) ولكن المؤمنين سرعان ما قالوا كما ذكر الله تعالى عنهم: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانا وَتَسْلِيمًا} (5).
(1) انظر «ديوانه» ص76.
(2)
انظر «ديوانه» ص147.
(3)
سورة الأحزاب، الآيتان:10، 11.
(4)
انظر «تفسير ابن كثير» 6/ 388 - 389.
(5)
سورة الأحزاب، آية:22.
وهكذا المؤمن المتوكل على الله حقًّا، حتى وإن عرضت له في ساعات الضعف بعض الخواطر التي قد لا يسلم منها البشر (1)،
فإنه يثق بوعد الله، ولهذا لما اشتكى بعض الصحابة رضي الله عنهم ما يجدون في أنفسهم من الوسوسة مما يتعاظمون الكلام به كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: «وقد وجدتموه» ؟ قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان» ، وفي لفظ:«ذاك محض الإيمان» (2).
(1) كما روي عن تميم بن جميل لما جيء به ليقتل وقال له الخليفة إن كان لك حجة فأدل بها، فأنشد قائلًا:
أرى الموت بين السيف والنطع كامناً
…
يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
…
وأي امرئ عمّا قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة
…
وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن تغلب موقف
…
يهزّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني
…
لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية إن تركتهم
…
وأكبادهم من حسرة تتفتت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة
…
أذود الأذى عنهم وإن مت موتوا
فكم قائل لا يبعد الله داره
…
وآخر جذلان يسر ويشمت
ديوان تميم بن جميل» ص35، وانظر «الفرج بعد الشدة» 4/ 89 - 90، «المستجاد من فعلات الأجواد» ص117 - 119.
وقال الآخر:
وإنما حزني في صبية درجوا
…
غفل عن الشر لم توقد لهم نار
قد كنت أرجو زمانا أن أقودهم
…
للمكرمات فلا ظلم ولا عار
والآن قد سارعت دربي إلى كفن
…
يوماً سيلبسه بر وفجار
بالله يا صبيتي لا تهلكوا جزعاً
…
على أبيكم طريق الموت أقدار
تركتم في حمى الرحمن يكلؤكم
…
من يحمه الله لا تدركه أوزار
وأنتم يا أهيل الحي صبيتكم
…
أمانة عندكم هل يهمل الجار
هذه القصيدة لمصطفى السباعي رحمه الله ضمن قصيدة له بعنوان «وداع راحل» نشرت في مجلة حضارة الإسلام، السنة الخامسة الأعداد: 4، 5، 6 ص 51 وهي موجودة في كتاب «شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث» 2/ 46.
(2)
أخرجه مسلم في الإيمان 132، وأبو داود في الأدب 5111، وأحمد 2/ 441.
5 -
وجوب تقوى الله لقوله: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} .
6 -
وجوب تقوى الله، بأداء حقوق اليتامى وغيرهم من الضعفاء والمساكين، وخصوصاً من له عليهم ولاية، وأن من لم يؤد حقوقهم أو ظلمهم فقد أخل بما يجب عليه من تقوى الله فيهم. لقوله {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} .
7 -
عظم حق هؤلاء الضعفاء من اليتامى وغيرهم، لأنه من تقوى الله لقوله:{فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} . ولهذا قرن عز وجل حقهم بحقه سبحانه فقال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (1)، أي: بنعمة الله عليك بالنبوة فحدث، أي: ادع إلى الله عز وجل.
8 -
يجب على المرء أن يختار في كلامه القول السديد الصواب، الموافق للشرع، المشتمل على الحكمة، المناسب للحال والمقام، لقوله {وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} فبالقول السديد صلاح الأعمال والحال والمال.
قال تعالى: {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (2).
9 -
يجب الحذر من القول غير السديد الذي قد يضر المتكلم به ويضر غيره، قال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (3).
10 -
تحريم أكل أموال اليتامى ظلماً، لقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْماً إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} الآية. وقد أكد ذلك بعده مؤكدات: منها هذه الآية، ومها قوله قبل هذا {وَءاتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ إِلَى أموالكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} ، وقوله:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} الآية (4).
(1) سورة الضحى، الآيات: 9 - 11.
(2)
سورة الأحزاب، الآيتان: 70 - 71.
(3)
أخرجه البخاري في الأدب 6018، ومسلم في الإيمان 47، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
انظر «التفسير الكبير» 9/ 162.
11 -
أن من أكل من مال اليتيم بحق فلا إثم عليه: كالولي الفقير يأكل بالمعروف لمفهوم قوله تعالى {ظلماً} فمفهوم هذا أن الكل بحق جائز، كما قال تعالى:{وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} (1).
12 -
التوكيد والمبالغة في القرآن الكريم لقوله: {إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} فذكر الله البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها من باب التوكيد والمبالغة للتشنيع عليهم، كقوله تعالى:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (2)، وقوله:{ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} (3).
13 -
أن الجزاء من جنس العمل، فالذين يأكلون أموال اليتامى بغير حق، {إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} .
14 -
الوعيد الشديد للذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، لقوله {إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} .
فهم يقاسون حرارة النار داخل أجسادهم وخارجها، وهذا الوعيد إن لم يعف الله عنهم وليس فيه ما يوجب خلودهم - كما تقول المعتزلة والخوارج (4) - لأنه لا يخلد في النار إلا من مات على الشرك والكفر.
15 -
إثبات البعث والجزاء على الأعمال، لأن الله توعد الذين يأكلون أموال اليتامى بغير حق بالنار، يأكلونها في بطونهم، ويصلونها خارج أجسامهم، وهذا بعد البعث.
16 -
أن أكل أموال اليتامى ظلماً من كبائر الذنوب، لأن الله توعد عليه بالنار بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (5).
(1) انظر «التفسير الكبير» 9/ 162.
(2)
سورة الحج، آية:46.
(3)
سورة الأحزاب، آية:4.
(4)
انظر «التفسير الكبير» 9/ 163.
(5)
انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 53.
وفي الحديث (1): «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منهن «أكل مال اليتيم» وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر «يا أبا ذر إنك إنسان ضعيف، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم» (2)، إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من النصوص التي فيها التوكيد على وجوب رعاية اليتامى وحفظ حقوقهم والنهي عن قربان أموالهم إلا بالتي هي أحسن، لهذا عدّ بعض العلماء أكل أموال اليتامى أكبر الكبائر بعد الشرك بالله (3).
17 -
عناية الله عز وجل العظيمة باليتامى، لأنهم بلغوا الغاية في الضعف لفقد آبائهم، الذين يحوطونهم، ويكتسبون لهم، وينفقون عليهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويعطفون عليهم، ويرحمونهم. لهذا أنزل الله في شأنهم تسع آيات متوالية في مطلع هذه السورة عناية بهم ورحمة (4).
****
(1) أخرجه البخاري في الوصايا ومسلم في الإيمان 89، وأبو داود في الوصايا 2874، والنسائي في الوصايا 3671 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
سبق تخريجه ص81.
(3)
اختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من عدّ أكبرالكبائر الربا.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومنهم من قال أكبر الكبائر أكل مال اليتيم.
ومنهم من قال أكبر الكبائر القتل بغير حق وهو قول الجمهور.
وهذا مبني على الاختلاف في أعظم وعيد ورد في القرآن في الكبائر فمنهم من قال هو قول الله تعالى في الربا {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} سورة البقرة الآيات (278، 279).
ومنهم من قال قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} سورة النساء، آية (10).
ومهم من قال هو قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} سورة النساء الآية (93).
ومذهب أهل السنة والجماعة أن ما عدا الشرك بالله من الذنوب فهو تحت مشيئته إن شاء عذب به وإن شاء عفا عنه. فلا حجة في هذه الآيات ولا غيرها من آيات الوعيد لمن يكفّر بالذنوب. انظر «الجامع الحاكم لأحكام القرآن» 5/ 54.
(4)
انظر «التفسير الكبير» 9/ 162، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية 31/ 108 - 110.