المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌موقف "الجبرتي" فخر المؤرخين المصريين - خواطر حول الوهابية

[محمد إسماعيل المقدم]

فهرس الكتاب

- ‌الوهابية زلزال نفسي بنَّاء

- ‌من ثمارهم تعرفونهم

- ‌الوهابية ثورة "ثقافية

- ‌أسباب نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التجديدية

- ‌الرجل الأمة

- ‌حول مصطلح "الوهابية

- ‌التضليل الإعلامي والصد عن سبيل الله

- ‌شاهد من أهلها

- ‌تدليس رخيص

- ‌اضطهاد الدعاة إلى التوحيد بدعوى "الوهابية

- ‌المصريون والوهابيون

- ‌شخصية محمد علي باشا

- ‌حملة طوسون باشا

- ‌مقارنة بين جيشين

- ‌موقف بعض العلماء الأزهريين

- ‌نهاية طوسون باشا

- ‌حملة إبراهيم باشا

- ‌تدمير الدرعية ووحشية إبراهيم باشا

- ‌من فظائع حملات (محمد علي)

- ‌موقف "الجبرتي" فخر المؤرخين المصريين

- ‌الجبرتي داعية محمد بن عبد الوهاب في مصر

- ‌لم يكن لدى السعودين إعلام مكافئ:

- ‌الجبرتي يدفع ثمن صدعه بالحق

- ‌تبرئة المصريين من دماء الوهابيين

- ‌تعقيب:

- ‌هل احتفل المصريون بانتصارات "محمد علي

- ‌تعاطف المصرين مع الوهابيين

- ‌جاء "المضايفي" أسيرًا في 15 ذي القعدة 1228:

- ‌مع من يجب أن نكون

- ‌صدقت وبررت يا شيخنا:

- ‌نبأ سقط من ذاكرة التاريخ:

- ‌الوهابيون يعبرون البحر الأحمر لنصرة المصريين ضد حَمْلَتَيْ نابليون وفريزر

- ‌قمة التعاطف المصري الوهابي

- ‌موقف الشيخ محمد رشيد رضا من الوهابية

- ‌الألباني" حسنة من حسنات "رشيد رضا

- ‌الألباني ومدرسة محمد رشيد رضا

الفصل: ‌موقف "الجبرتي" فخر المؤرخين المصريين

‌موقف "الجبرتي" فخر المؤرخين المصريين

كان "عبد الرحمن الجبرتي" -وهو أحد مشاهير علماء الأزهر- يطالع، ويدون -في حذر- ما يأتيه من أخبار الحركة الوهابية.

وكان -أحيانًا- يقتصر على ذكر ما يترامى إليه من أخبار، وما يجيء في المعلومات الرسمية، ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى على كل الناس كل الوقت، إذ انقشع الضاب، وأسفر الصبح عن وجه الحقيقة.

يقول الجبرتي:

"وحضر صحبة الحجاج، كثير من أهل مكة هروبًا من الوهابي، ولغط الناس في خبر الوهابي، واختلفوا فيه، فمنهم من يجعله خارجيًّا وكافرًا، وهم المكِّيون ومن تابعهم، وصَدَّق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه".

يعلق الأستاذ أحمد رائف قائلًا:

واضح أن الجبرتي قد اختار معسكره، لا لسبب إلا لأن المعلومات قد توافرت، فقد زوَّد الوهابيون الحجاج ببعض المنشورات التي تشرح فكرهم، وقرأها الجبرتي، كما ناقشها مع الحجاج العائدين، وسمع منهم وسألهم، ثم سلك سلوك المؤرخين الشرفاء، أو الصحفين المخلصين لشرف المهنة؛ فقد أثبت منشور الوهابي حرفيًّا، قال:

وأرسل الوهابي إلى شيخ الركب المغربي كتابًا، ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته، وصورتها (1):-

(1)"عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للجبرتي- حوادث (1218) هـ.

ص: 69

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضرَّ الله شيئًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فقد قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].

وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف.

وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

ص: 70

والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقذةِ، حَتى لَوْ دَخَلُوا جُحرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه" قَالوا: يَا رَسُولَ الله: الْيَهُود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ".

وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

إذا عُرِف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الشرك بالله والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات.

وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله، وصرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 2 - 3].

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه. وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار.

ص: 71

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18].

فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسايط يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك به، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].

وقال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم: 57].

وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].

وهو سبحانه وتعالى لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].

فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، كما قال تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن: 18].

وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106].

فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداءً بل يأتي فيخر لله ساجدًا، فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال:"ارفع رأسك وسل تعط واشفع تُشَفَّعْ"، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع

ص: 72

عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم، ودرج على منهاجهم، وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها، واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وحذَّر منها، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى أن يُجصَّصَ القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت عنه أيضًا أنه بعث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وأمره ألا يدع قبرًا مُشْرِفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه، ولهذا قال غير واحد من العلماء:"يجب هدم القباب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم".

فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبن الناس، حتى آل الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم.

وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه بعد أن نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف الصالح ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان.

كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

ص: 73

وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال الله تعالى:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ونعتقد أيضًا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين للسنة لا يجتمعون على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

يقول الأستاذ أحمد رائف:

أثبت الجبرتي منشور الأعداء ليس في أوراقه الخاصة، أو يومياته فحسب، بل وفي تاريخه الذي وضعه بعد ما هُزِم الوهابيون، فهو أثبته إذن عن اقتناع وإيمان.

وكيف لا يتأثر الجبرتي بهذه المفاهيم التي يعرف صحتها وصدق استلهامها من روح الإسلام وأحكامه؟ وكيف لا يُعْجَبُ بدعاتها، وهو يعيش في عالم مخيف تتحكم فيه عناصر بلا عقيدة، وتستمتع بإهدار العرف والشريعة؟

ولو اكتفى الجبرتي بإثبات نص النشور في كتابه المعد للتداول في دولة الباشا المحارب للوهابين، لكفاه فخرًا، وشهادة له بالأمانة التاريخية، والشجاعة الأدبية التي نفتقر إليها اليوم، ولكن نرى الجبرتي، وقد تكونت لديه صورة واضحة للموقف يسجل لأول مرة رأيه بصراحة معلقًا على المنشور بقوله:

"أقول: إن كان الحال كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضاً، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلامَ في ذلك ابنُ القيم في كتابه "إغاثة اللهفان"، والحافظ المقريزي في "تجريد التوحيد"، والإمام

ص: 74