الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اضطهاد الدعاة إلى التوحيد بدعوى "الوهابية
"
لقد تركت الحملات الإعلامية المناهضة أثرًا لا يُستهان به في العامة والخاصة، وشكَّلت موقفهم العدائي المتعجل من الشيخ ودعوته، في وقت كان خصومه يملكون الآلة الإعلامية الفعالة، والآلة العسكرية القتَّالة، وكان مجرد التلويح بتهمة "الوهابية" كافيًا في قمع من يُشَم منه رائحة السلفية، لا في البلاد العربية وحدها، بل في سائر أرجاء العالم الإسلامي.
- ففي ولاية "قازان" الروسية كان الشيخ العلامة المحقق عبد النصير أبو النصر بن إبراهيم القورصاوي (ت 1227 هـ) متبعًا لمذهب السلف، مجافيًا لما أحدثه الخلف، يظهر عقيدته ومذهبه دون مبالاة منه لكثرة الجُهال والمقلدين والجامدين.
وعندما سافر إلى بخارى سنة (1223هـ)، وجاهر بمخالفة البدع، ودعا إلى العمل بالكتاب والسنة، قام عليه علماء بخارى وكفَّروه، ورفعوا أمره إلى الأمير حيدر بن معصوم البخاري، وحرَّضوه على قتله، فدعاه الأمير، وجمع العلماء المذكورين، فحصلت المناظرة بينهم فحكموا بابتداعه، بل بكفره، ووجوب قتله إن
= وقال بدون تردد: " إنه وهابي، ولكنه يسمي نفسه حنبليًّا،، فالمسكين لا يعرف أن اصطلاح الوهابية ما عُرِف إلا بعد ابن القيم بأكثر من أربعة قرون.
لم يرجع عن مذهبه، فلما رأى أن لا خلاص منه ولا مناص إلا بالتوبة والرجوع عن مذهبه، أظهر التوبة في الظاهر عن مذهبه -وفي الحقيقة تاب عما يجب منه التوبة- وقرأ متن "العقائد النسفية" من أوله إلى آخره، وقال إن معتقده هو هذا، فأطلقوا سبيله، وأمروا بإحراق كتبه الموجودة، وأمروا مناديًا ينادي بصورة الحادثة، وبأن من يوجد عنده شيء من كتبه المؤلفة، ولم يأت به لدار القضاء والإمارة؛ يكون دمه هَدَرًا، ومع ذلك قيل إن الأمير حيدر كان يندم على عدم قتله (1).
- وفي الهند "بلغ كثيرًا من علماء السنة كلُّ ما قيل في حق الشيخ ودعوته، فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهُم في عصره، وبعد عصره، وعَدُّوه من أئمة المصلحين المجددين للإسلام، ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم"(2).
- وقال الحربَ على الدعوة السلفية في الهند أحمد رضا البريلوي، الذي ألف كتابًا أسماه:"الكواكب الشهابية في كفريات الوهابية" وكان مما قاله فيه: "إن الطائفة الوهابية ثبت كفرهم بآلاف الوجوه والأسباب"، وقال أيضًا:"إن الوهابين مرتدون ومنافقون لأنهم يتظاهرون بالإسلام وبالشهادة".
وقال: "إن الوهابيين أرذل من إبليس، وأفسد منه وأضل، لأن الشيطان لا يكذب، وهؤلاء يكذبون".
(1)"الانحرافات العقدية"(1/ 235)، والمقصود من إثبات هذه القصة هنا عموم اضطهاد الدعاة إلى التوحيد والسنة، وليس خصوص الوهابية.
(2)
"مقدمة صيانة الإنسان" للشيخ محمد رشيد رضا ص (9، 10).
وقال: "إن الوهابيين أخبث وأضر من الكفرة الحقيقيين من اليهود والوثنيين وغيرهم".
وقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ابن تيمية كان يهذي جِزافًا وأفسد نظام الشريعة، وإنه مبتدع ضال".
وقال: إن الشوكاني عقله ناقص مثل متأخري الوهابية وكان فاسد المذهب.
إلى غير تلك الهراءات والسخافات التي أخذ ينفثها هذا المصدور ضد دعاة أهل السنة والجماعة.
ولعل ذروة هذه المقاومة العنيفة التي شنها الطرقية والمبتدعة ضد الحركة السلفية في الهند هي التآمر والخيانة ضد رجالها وحملتها هناك.
- فعندما قام الشيخ أحمد بن عرفان الشهيد (1)(المتوفى سنة 1246هـ) بحركته المعروفة، ودعا إلى نبذ البدع والخرافات، وأقام دولة على هذا الأساس، وأعلن الجهاد في سبيل الله، وحقق عدة انتصارات، وبينما كان الشيخ رحمه الله وجيشه يخوضون معركة حامية مع جموع السيخ المتآمرة مع المحتلين الإنجليز في تلال بالاكوت عام 1246هـ انخذل عدد من القبائل السلمة عن أرض المعركة، وخانوا الشهيد رحمه الله في أحرج الأوقات، نتيجة لتواطئهم مع السيخ، كل ذلك وقع لاتهامه بالوهابية.
(1) اشتهر رحمه الله بهذا اللقب حتى صار كالعلم عليه، مع أنه لا يجوز القطع بالشهادة لأحدٍ إلا بالوحي، فاستصحب هذا فيما يأتي، وانظر:"فتح الباري"(7/ 175) ط. دار طيبة- 1426هـ
وأسفرت المعركة الغادرة عن مقتل الشيخ وكثير من أنصاره، لينتصر الوثنيون السيخ، ويجثم الاحتلال الإنجليزي بعد ذلك قرابة قرن وربع قرن على أرض الهند.
يقول الشيخ عبد الحي الحسني عن الشيخ أحمد عرفان: "فأحيا كثيرًا من السنن المماتة، وأمات عظيمًا من الإشراك والمحدثات (1)، فتعصب أعداء الله ورسوله في شأنه وشأن أتباعه حتى نسبوا طريقته إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي ولقبوهم بالوهابية، ورغبوا إلى الكفار وصاروا أولياءهم في السر حتى انحازوا عنه في معركة "بالاكوت" فنال درجة الشهادة العليا، وفاز بين أقرانهم بالقدح المعلى، وبلغ منتهى أمله وانقضى أجله في الرابع والعشرين من ذي القَعدة سنة ست وأربعين ومائتين وألف".
وقبل ذلك دس بعض هؤلاء المبتدعة السم للشيخ المجاهد في عشائه، ولكن الله نجاه منه بعد أن أغمي عليه بضعة أيام.
وكان دعاة الشيخ أحمد بن عرفان قد كفرهم العلماء المبتدعون في عصرهم كما فُعل بالشيخ محمد علي الرامبوري (المتوفى سنة 1258 هـ) حيث كفروه وأحرقوا "تقوية الإيمان" للشهيد إسماعيل الدهلوي، وسعوا به إلى الحكام فأمروا بجلائه عن مِدْراس (2).
(1) وله مآثر إصلاحية وتجديدية عظيمة، حتى عدَّه الكثيرون مجدد القرن الثالث عشر الهجري، انظر:"رجال الفكر والدعوة" للندوي (4/ 334).
(2)
انظر: "الانحرافات العقدية"(1/ 235 - 237).
- وهذا ملك العلماء، وعالم الملوك، العلامة "السيد صديق حسن القنوجي البخاري"(ت 1307 هـ) بقي في الحكم أربع عشرة سنة ملأها عدلًا ونورًا وعلمًا، ثم عُزل عنها بسب الوشاة والنمامين من أعداء السنة والتوحيد، واتُّهم لدى الحكومة الإنكليزية الستعمِرة بأنه يحرِّض الناس على الجهاد، وينشر المذهب الوهابي (1).
وقال الشيخ محمد السنوسي: إنه اجتمع بالشيخ رحمة الله الهندي (المتوفى سنة 1306 هـ) في مكة المكرمة في 29 من ذي القعدة عام 1299 هـ وقال: "وبالمناسبة سألته عن السلطان صديق حسن صاحب التفسير والتآليف الأخيرة التي نشرت بالمطابع الهندية والشرقية على ما يتراءى في أثنائها من خرق سياجات المجتهدين، والاقتصار على ما يصل من الحديث، ونحو ذلك مما يدل على عقلية الرجل، فأخبر ني أنه (رئيس الوهابية، ولا يجلس في مجلسه إلا من يشتم الأئمة الأربعة.
وقد تصدى كثير من سنيي علماء بلاده، وغيرها من البلاد الهندية للرد عليه بتآليف نشرف في المطابع الهندية)، فكشف لي بذلك عن الضمير المستكن" (2).
- وهذا الإمام "السيد نذير حسين بن جواد علي بن السيد أحمد شاه الدِّهْلَوي"(ت 1320 هـ- 1902 م عن مائة سنة) مجدد السنة النبوية في القارة
(1)"مصلح مظلوم ومفترى عليه" ص (84)، وانظره أيضًا ص (211 - 213) لتقفَ على موقف الشيخ صديق حسن خان من الدعوة الوهابية.
(2)
"الانحرافات العقدية"(1/ 237، 238)، وانظره: ص (81 - 83).
الهندية، والملقب بشيخ الكل، وهو شيخ السهسواني صاحب "صيانة الإنسان" (1):
عذِّب كثيرًا في سبيل نشر التوحيد، والدعوة إلى السنة النبوية، فسُجن في روالبندي سنة 1864 م بتهمة الوهابية، وبقى في السجن مدة سنة كاملة، وسافر إلى الحج سنة 1300هـ، فسعى النمامون إلى الباشا في مكة المكرمة، فاتهمه أعداء التوحيد بأنه وهابي، ومعتزلي، ويبيح شحم الخنزير، ونكاح العمة والخالة، وقدَّموا إليه رسالة باسم:"جامع الشواهد في إخراج الوهابيين من المساجد"، ولكن الباشا لما علم بحقيقة الحال أكرمه إيَّما تكريم، ورجع الأعداء خائبين (2).
وبلغ الاضطهاد والقهر أن كل من كان يرفع يديه في الصلاة من الهنود أو جَهَر بآمين يتعرض لأشد أنواع الأذى لأنه "وهابي"(3).
وإليك هذه القصة العجيبة التي وقعت -أيضًا- في الهند:
كان أحد العلماء الفضلاء في الهند يستقبل أبناءه الطلاب ويلقى عليهم دروس التفسير والحديث، وكان هذا الشيخ يبدأ درسه بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على رسوله بالدعاء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعته، ويسأل الله أن يطهر الأرض من شرورهم وآثامهم.
(1) وهذا الكتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان" لما طبع أول مرة لم ينشر باسم مؤلفه فرارًا من الاضطهاد الذي كان يعانيه السلفيون، انظر:"مصلح مظلوم" ص (211).
(2)
"مصلح مظلوم" ص (82)، وانظره: ص (81 - 83).
(3)
"نفسه" ص (211).
وكان أحد أبناء نجد تلميذًا لهذا الشيخ، وكان من المستحيل عليه أن يرد الشيخ إلى الصواب، وسط هذه الأجواء من الادعاءات والافتراءات التي يشنها الأعداء، وتحرص دولة كبرى كدولة الخلافة العثمانية، ومن ورائها الاستعمار وأذنابه، وكل أصحاب المذاهب والنحل الباطلة على النيل من هذه الجماعة وصاحبها.
وذات يوم فكر الطالب في أمرٍ يرد به شيخه إلى جادة الصواب، ويعرِّفه بحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته السلفية، فما كان منه إلا أن نزع غلاف كتاب "التوحيد"(1) للشيخ، وقدَّمه لأستاذه طالبًا منه قراءته وإبداء حكمه عليه.
واستجاب الأستاذ لطلب تلميذه، وقرأ الكتاب، فأثنى عليه ثناء منقطع النظير، بل أضاف أنه من أحسن الكتب التي قرأها في هذا الباب، ومن أكثرها فائدة، وهنا كشف الطالب لأستاذه عن مؤلِّفه الذي يتقرب الشيخ إلى ربه بالنيل منه كل صباح.
فاستغفر الشيخ عما بدر منه في حق هذه الجماعة وصاحبها- وصار من أكثر المدافعين عنها، الداعين لها (2).
- وفي بغداد أوذي الشيخ "علي علاء الدين الألوسي"(ت 1340هـ)، وكان الجامدون من فريق المقلدة يشنعون عليه، وينبذونه "بالوهابية"(3).
(1) وقد أحسن فيه وأجاد، وبلغ الغاية والمراد، فأوسعه العلماء شرحًا واعتناءً وانظر:"عناية العلماء بكتاب التوحيد" للشيخ عبد الله بن عثمان الشايع، طبعة دار طيبة -الرياض- (1422هـ).
(2)
"سلفية لا وهابية"ص (388)، وانظر:"حرمة أهل العلم" ص (353).
(3)
"أعلام العراق" ص (72).
وقال الشيخ محمد بهجت الأثري:
- ولما جهر العلامة "محمود شكري الألوسي" بضرورة تطهير الدين من أوضار البدع ونبذ التقليد، غاظ ذلك أصحابَ العمائم المكورة، (وصاروا يشنعون في مجالسهم، وينبذونه بوهابي، وهي كلمة ينفر منها السواد الجاهل، حيث توحي إليهم أبالستهم زخرف القول زورًا، ويذكرون لهم عن الوهابي أنه منكر للرسل، وعدو لجميع المسلمين، يريق الدماء، ويستحل الحرمات)(1) اهـ. بتصرف.
ولما ألف العلامة "محمود شكري الألوسي" كتابه "غاية الأماني في الرد على المنبهاني"(2)، وأراد أن يطبعه في مصر، لم يتمكن من وضع اسمه على الكتاب، بل كتب: تأليف أبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي، وذلك لما كان يتعرض له العلماء السلفيون من اضطهاد وتضييق.
(1)"نفسه" ص (100).
(2)
وهو مصنف بديع في الدفاع عن دعوة التوحيد، وعن شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، ألفه ردًّا على كتاب:"شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" للنبهاني، وفيه مالاً يُحصى من الفوائد العلمية، قال فيه الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله:"فيه من المتعة والفوائد ما يقل نظيره في الكتب، والمثل الإنكليزي يقول: (ينبغي أن يكون الأصدقاء والكتب قليلين، ولكن طيبين)، وهذا المثل ينطبق على هذا الكتاب"اهـ. من حاشية "مصلح مظلوم" للندوي ص (253).
وكذلك فعل صاحب المطبعة فرج الله زكي، فقد رمز لاسمه بالحروف (ف، ج، ز)، وأغفل إثبات اسم مطبعته، وبلد الطباعة. ومع ذلك لم يتمكنوا من توزيعه إلا عندما أخذت الدولة العثمانية بالقوانين الوضعية الأوربية، وأعلنت الدستور، وكان الدستور يقضي بحرية العقائد والأديان (1).
- وفي بلاد الشام أوذي الشيخ عبد القادر بن مصطفى الشهير بابن بدران الحنبلي (ت 1346 هـ)(2)، لما أنكر على الصوفية ما يبثونه في الناس من خرافات وسخافات، ورموه بأنه زنديق وأنه وهابي.
- وفي مكة أوذي الشيخ أبو بكر بن محمد خوقير مفتي الحنابلة (ت 1349 هـ) ونكب في أيام الشريف حسين بن علي، فحبس ثمانية عشر شهرًا، ثم نحوًا من سبعين شهرًا (أي سبع سنين وثلاثة أشهر) لمعتقده السلفي، وإنكاره على عباد القبور والأضرحة، ولم يزل مسجونًا حتى دخل الملك عبد العزيز مكة فاتحًا، وأخرجه من سجنه (3).
(1)"الانحرافات العقدية"(1/ 233).
(2)
"منتخبات تواريخ دمشق" ص (763)، وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن (الوهابية) كانت تهمة مخيفة في الشام، وقال:"ولقد عوقبت مرة في المدرسة، لأنهم أمسكوني بالجرم المشهود في حلقة الشيخ عبد القادر بدران صاحب المدخل "اهـ من "ذكريات"(1/ 78).
(3)
"الأعلام"(2/ 190).
وقال العلامة السلفي أبو الفدائيين العرب عز الدين القسام (توفي 1935م) في كتابه: "النقد والبيان" وهو يرد على بعض أهل البدع: "وكنا نود أن نرشده وتلميذَه إلى الاستفادة من هذا الكتاب الذي لا ند له في بابه- يعني: "الاعتصام" للشاطبي -ولكنا خشينا أن يرميا مؤلفه بالنزعة الوهابية، التي هي حجة العاجز لترويج الباطل، وإضاعة الدين- التي رميانا بها" اهـ (1).
…
(1) انظر: "السلفيون وقضية فلسطين" ص (61 - 63).