الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة:
أردنا هذا الكتاب ليكون مرآة للغة العرب، بوجهها الصريح دون طلاء، وملامحها المعبرة دون اصطناع، فلم يكذب القلم ما أردناه، وكان كتابنا حقًّا كالمرآة!
وفي مرآة هذه الكتاب رأينا لغة العرب مرنة مطواعًا، لها من خصائصها في الاشتقاق، ومزاياها في التوليد، وأسرارها في الصياغة، وطرائقها في التعبير، ما يفي بترجمة روائع الفكر، ومبتكرات العلم، وبدائع الفن، وما يلبي مطالب الحياة والأحياء في الأنفس والآفاق.
ولم نزعم في هذا كله أن العربية كانت بدعًا من اللغات، ولم نذهب إلى تفضيلها عليهن أو على كثير منهن انسياقًا وراء عاطفتنا الدينية أو شعورنا القومي، ولم نصدق الأسطورة الخيالية التي تحيط العربية بشيء يسمو على الفكر، ويعلو عن السحر، ويكاد يلحقها بالمعجزات، ويراها لغة العبقرية أو يرى فيها عبقرية اللغات!
ذلك بأنه لا سبيل إلى تفضيل لغة على أخرى، وإنما يكون التفاضل بين الوسائل المتبعة لتنمية اللغات وإغناء تراثها التعبيري.
ولقد رأينا -في أكثر مباحث الكتاب- أن وسائل التنمية في العربية -على تنوعها وتعددها- آخذة في الزيادة والاتساع يومًا بعد يوم.
إننا آمنا بأن المنهج الصالح في دراسة فقة اللغة هو المنهج الاستقرائي الوصفي الذي يعترف بأن اللغة ظاهرة إنسانية اجتماعية بها تستقصي الملامح المميزة لكل مجتمع، فلم نحاول أن نفرض معايير اللغويين العرب المتقدمين ولا آراء الباحثين المعاصرين كما تفرض أحكام القانون، بل قمنا أو رغبنا في القيام بوظيفة اللغوي في وصف الحقائق، ونقد الوثائق، وتمحيص النصوص، والموازنة بين الآراء قديمها وحديثها، ومعتدلها ومغاليها، واستخلصنا بعد ذلك أحكامنا بتأنٍّ وروية، ثم لممنا شتات هذه الأحكام فكانت ضربة قاصمة للشعوبية.
إن الباحث المنصف قد وجد في كتابنا هذا -وهو في معزل عن المنطق الصوري، وبمفازة من عدواه- أهم خصائص العربية الفصحى، لا من خلال الزاوية التي تعبجه أو تعجبنا، بل من خلال مقارنة الخصائص في اللغة الفصحى بما يقابلها في اللهجات الأخرى أو في اللغات التي تربطها بها أواصر القربى.
وفي ضوء هذا المقياس العلمي الدقيق، لم يكُ من ضرورة لتعليل كل صوت لغوي أو رمز دلالي في العربية بأنه على وجه الحكمة كيف وقع. ولم يكُ من مسوغ للظن بأن خصائص العريبة تميز لهجة قريش لذاتها، فإنما ميزتها هاتيك الخصائص لتمثلها خير ما في اللهجات العربية الصحيحة بالتوليد والاشتقاق، وخير ما في اللغات الأجنبية بالنقل والتعريب.
وفي دراستنا لخصائص العربية، برز في كل فصل من فصول الكتاب وجه عربي أصيل؛ فالإعراب ليس قصة، ولقد ورث فصحاء العرب لغتهم آيات معربات بينات. ولمح بعض العلماء في كل حرف
عربي قيمة تعبيرية موحية يسرت لهم القول بالمناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله. والثنائية واضحة في نشأة العربية وأخواتها الساميات، خلافًا لما يفترضه المذهب اللغوي الجديد من ابتداء الكلمات طويلة في أصل بنائها، ثم ميلها نحو التقصير. والاشتقاق في ظلال دلالته الوضعية وسيلة رائعة للتمييز بين الأصيل والدخيل، والحسي فيه أسبق في الوجود من المعنوي المجرد، لكن في الاشتقاق الكبير تجوزًا في التعبير، وفي الاشتقاق الأكبر تعسفًا في التأويل. والنحت أيضًا وسيلة من الاشتقاق نادرة لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى، ولا بد من تنزيل المنحوت على أحكام العربية وصياغته على وزن من أوزانها.
وفي فصل "الأصوات العربية" لاحظنا أن علماءنا المتقدمين عرفوا لكل حرف صوته صفة ومخرجًا، مثلما عرفوا له إيحاءه دلالة ومعنى، وأن وصفهم لجهاز النطق ووظائف أعضائه اتسم بالدقة والاستقصاء، وأن علم الأصوات اللغوية إنما بني على مباحثهم في التجويد. وفي العربية ظاهرة مدهشة تتعلق بأصواتها، فقد ظلت محتفظة بها ثابتة الأصول، ومعروفة الأنساب. ولها محصول لغوي ضخم من المترادفات والمشتركات والأضداد أتاحه لها تنوع الاستعمال. وليست العربية باللغة الجامدة، فهي تقترض من اللغات كما تقرضها، وتتأثر بها مثلما تؤثر فيها، وتدخل في ثروتها الكثير من ألفاظ الحضارة الإنسانية، ومن مصطلحات العلوم والفنون، بعد أن تسبكها على قوالبها سبكًا. وتنزلها على أوزانها تنزيلًا.
تلك لغة العرب بوجهها الصريح دون طلاء، وملامحها المعبرة دون اصطناع، كما برزت بوضوح في مرآتها: هذا الكتاب.