المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ النقول عن المذهب المالكي - أبحاث هيئة كبار العلماء - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر

- ‌ ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا:

- ‌ ضابط المثلة الممنوعة

- ‌ مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه

- ‌ شارات الطيارين

- ‌أولا: استعمال آيات القرآن في غير ما أنزلت من أجله:

- ‌ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك:

- ‌ثالثا: امتهان آيات القرآن بحمل الجنب للشعار الذي كتب فيه وقضاء الحاجة به في حمام أو غيره

- ‌بيان ما يسمى معجزة محمدالخالدة والمعجزة القرآنية

- ‌تمهيد:

- ‌مناقشة المحاضرة:

- ‌كلمة تحذيرية حول إنكار رشاد خليفة للسنة المطهرة

- ‌خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى أمين عام المجلس الإسلامي الأوربي

- ‌ التقادم في مسألة وضع اليد

- ‌أولا: الأسباب الشرعية لنقل الملكية مع الأدلة إجمالا:

- ‌ثانيا: أدلة تحريم الاعتداء على أموال الناس:

- ‌ثالثا: تعريف الحيازة:

- ‌رابعا: موضوع البحث:

- ‌خامسا: ذكر آراء الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وشروط ذلك مع الأدلة والتعليل والمناقشة

- ‌تمهيد:

- ‌ النقول عن المذهب الحنفي:

- ‌ النقول عن المذهب المالكي

- ‌ النقول عن المذهب الشافعي

- ‌ النقول من مذهب الحنابلة:

- ‌ كتابه المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌أولا: التمهيد

- ‌ بيان نوع الكتابة التي كانت معهودة عند العرب وقت نزول القرآن الكريم

- ‌ أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث من كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌ثانيا: نقول عن العلماء يتبين منها رأيهم في كتابة المصحف بغير الرسم العثماني:

- ‌ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول عن كتابة المصحف بالرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء:

- ‌رابعا: بيان ما يوجب بقاء كتابة المصاحف بالرسم العثماني

- ‌خلاصة القول:

- ‌وجهة نظرلفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير

- ‌ كتابة المصحف باللاتينية

- ‌أولا: مقدمة في تكييف الموضوع وتصويره:

- ‌ثانيا: مبررات كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية في نظر من فعل ذلك ومناقشتها:

- ‌ثالثا: بيان الموانع التي تمنع شرعا كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر:

- ‌رابعا: الخلاصة:

- ‌ حكم طواف الوداع

- ‌ المالكية:

- ‌ الشافعية:

- ‌ الحنابلة:

- ‌الخلاصة:

- ‌ الحاجز بين المصلي والمقبرة

- ‌ سد الذرائع

- ‌ الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه:

- ‌ نقول عن بعض شراح الحديث

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء:

- ‌بحث في نقل لحوم الهداياوالجزاءات خارج الحرم

- ‌حكم دخول الكافر المساجدوالاستعانة به في عمارتها

- ‌ إقامة المسافرالتي تقطع حكم السفر

الفصل: ‌ النقول عن المذهب المالكي

غير شريك- فلا تعتبر الحيازة إلا إذا طال تصرف الحائز بالهدم والبناء ونحوهما مدة طويلة نحو ستين سنة وتختلف الحيازة في المنقول باختلاف حالته، ففي دابة الركوب وفي نحو أثاث المنزل ثلاث سنين وفي نحو ثوب سنة.

وأما الديون الثابتة في الذمة فقيل: تسقط بمضي عشرين سنة بدون عذر. وقيل: لا تسقط إلا بمضي ثلاثين سنة، واختار ابن رشد: أنها متى كانت ثابتة لا تسقط وإن طال الزمان وكان ربه حاضرا ساكتا قادرا على الطلب لخبر «لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم» ، وفوض بعضهم الأمر لاجتهاد القاضي لينظر في حال الزمن وحال الناس وهو ظاهر. اهـ. من [الشرح الكبير](4\ 217، 218)(1) .

(1)[مرشد الحيران وشرحه] ص (114) وما بعدها.

ص: 213

2 -

‌ النقول عن المذهب المالكي

تمهيد: بنى الإمام مالك القول بإثبات الحكم بالتقادم على اجتهاد الحاكم، ولم يحدد له مدة معينة، وذكر بعضهم عنه تحديده بعشر سنوات، ومن المالكية من بنى قوله في ذلك على حديثين أحدهما:«لا يبطل حق امرئ وإن قدم» ، والثاني:«من حاز شيئا عشر سنين فهو له» .

ولقد اعتنى المالكية في تفصيل الكلام على هذه النقطة في [مدونة الإمام مالك] رحمه الله، وفي [تبصرة الحكام] لابن فرحون، و [مختصر خليل وشرحه] للحطاب وغيرها، وقد رأت اللجنة الاقتصار على النقول الثلاثة المشار إليها فقط وتركت البقية اختصارا.

ص: 213

وفيما يلي ذكر هذه النقول:

أ- شهادة السماع في الدور المتقادم حيازتها:

قلت (1) : أرأيت إن كانت الدار في يدي رجل قد أنسئ له في العمر أقام فيها خمسين سنة أو ستين سنة ثم قدم رجل فأعادها وأثبت الأصل؟ فقال الذي الدار في يده: اشتريتها من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة، وجاء بقوم يشهدون على السماع أنه اشتراها (قال) : سمعت مالكا يقول: إذا جاء بقوم يشهدون على السماع أنه اشترى ولم يقل لي مالك من صاحبه الذي ادعاها كان أو من غيره وقد أخبرتك بالذي سمعت منه وليس وجه السماع الذي يجوز على المدعي، والذي حملنا عن مالك إلا أن يشهدوا على سماع شراء من أهل هذا المدعي الذي يدعي الدار بسببهم أو يكون في ذلك قطع لدعوى هذا المدعي بمنزلة السماع في الأحباس فيما فسر لنا مالك (قال) : ومعنى قول مالك: حتى يشهدوا على سماع يكون فيه قطعا لدعوى هذا المدعي إنما هو أن يشهدوا أنا سمعنا أن هذا الذي الدار في يديه أو أباه أو جده اشترى هذه الدار من هذا المدعي أو من أبيه أو من جده أو من رجل يدعي هذا المدعي أنه ورث هذه الدار من قبله (قال) : نعم، أو أشتري ممن اشترى من جد هذا المدعي، وقد بينا لك ذلك من قول مالك (قال) : وقال مالك: هاهنا دور تعرف لمن أولها بالمدينة قد تداولها قوم بعد قوم في الاشتراء وهي اليوم لغير أهلها فإذا كان على مثل هذا فالسماع جائز على ما وصفت لك وإن لم تكن شهادة قاطعة (قال) ابن القاسم: وكان مالك يرى

(1)[المدونة الكبرى](4\ 89) .

ص: 214

الشهادة على السماع أمرا قويا (قلت) : أرأيت إن أتى الذي الدار في يده ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن هذا الرجل الذي في يديه الدار اشترى هذه الدار، أو اشتراها جده، أو اشتراها والده إلا أنهم قالوا: سمعنا أنه اشتراها ولكنا لم نسمع بالذي اشتراها منه من هو؟ (قال) : لم أسمع من مالك فيه شيئا ولا أرى ذلك يجوز حتى يشهدوا على سماع صحة أنه اشتراها من فلان أب هذا المدعي أو جده.

ب- في الشهادة على السماع في الدار القريبة حيازتها:

قلت (1) : أرأيت إن أتى رجل فادعى دارا في يدي رجل وثبت ذلك فقال الذي في يديه الدار: أنا آتي بقوم يشهدون على السماع أن أبي اشتراها من خمس سنين أو ما أشبه ذلك أتقبل البينة في تقارب مثل هذا على السماع؟ (قال) : لا أرى أن ينفع السماع في مثل هذا ولا تنفعه شهادة السماع إلا أن يقيم بينة تقطع على الشراء وإنما تكون شهادة السماع جائزة فيما كثر من السنين وتطاول من الزمن ولقد قال مالك في الرجل يقر لقوم أن أباهم كان أسلفه مالا وأنه قد قضاه والدهم - (قال) مالك: وكان الذي من ذلك أمرا حديثا من الزمان والسنين لم يتطاول ذلك لم ينفعه قوله: قد قضيت إلا ببينة قاطعة على القضاء، وإن كان تطاول زمان ذلك أحلف المقر وكان القول قوله فهذا يدلك أيضا على تطاول الزمان في شهادة السماع أنها جائزة وما قرب الزمان أنها ليست على الغائب؛ لأنه غائب لم يجز عليه شيء دونه فتكون الحيازة دونه إلا أن مالكا قال في الذي يقر بالدين فيما بلغني عنه ولم

(1) المدونة الكبرى] (4\ 90) .

ص: 215

أسمعه منه: لو كان إقراره ذلك على وجه الشكر مثل ما يقول الرجل للرجل: جزى الله فلانا خيرا قد جئته مرة فأسلفني وقضيته، فالله يجزيه خيرا على نشر الجميل والشكر له، لم أر أن يلزمه في هذا شيء مما أقر به قرب زمان ذلك أو بعد.

ج- في الشهادة على الحيازة:

(قلت)(1) : أرأيت أن شهدوا على دار أنها في يد رجل منذ عشر سنين يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني وأقام آخر البينة أن الدار داره أيجعل مالك الذي أقام البينة على الحيازة وهي في يديه بمنزلة الذي يقيم البينة وهي في يديه أنها له فيكون أولى بها في قول مالك ويجعل مالك الحيازة وإذا شهدوا له بها بمنزلة الملك (قال) : قال مالك: إذا كان حاضرا يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له، وإن كان غائبا سئل الذي الدار في يديه، فإن أتى ببينة أو سماع قد سمعوا أن أباه أو جده قد اشترى هذه الدار إذا كان أمرا قد تقادم فأراها له دون الذي أقام البينة أنها له (قال) مالك: لأن هاهنا دورا قد عرفت لمن أولها قد بيعت وتداولتها المواريث وحيزت منذ زمان، فلو سئل أهلها البينة على أصل الشراء لم يجدوا إلا السماع فإذا كان مثل ما وصفت لك في تطاول الزمان فأتى بالسماع مع الحيازة فأراها له كذلك.

قال مالك: وإن لم يأت بالسماع ولا بالشهادة وكان الذي يطلب الدار غائبا فقدم فأقام البينة أنها له رأيتها له (قال) مالك: وإن كان حاضرا إذ حازها المشتري دونه فلا شيء للذي يدعيها (قلت) : هل كان مالك يوقت في الحيازة عشر

(1)[المدونة الكبرى](4\ 99) .

ص: 216

سنين؟ (قال) : ما سمعت مالكا يحد فيه عشر سنين ولا غير ذلك ولكن على قدر ما يرى أن هذا قد حازها دون الآخر فيما يكري ويهدم ويبني ويسكن (قلت) : أرأيت الدواب والثياب والعروض كلها والحيوان كله هل كان مالك يرى أنها إذا حازها رجل بمحضر من رجل فادعاها الذي حيزت عليه أنه لا حق له فيها؛ لأن هذا قد حازها دونه، وهل كان يقول في هذه الأشياء مثل ما يقول في الدور والحيازة؟ (قال: لم أسمع من مالك في هذا شيئا إلا أن ذلك عندي مثل ما قال مالك في الدور إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن والدواب تكرى وتركب (ابن وهب) عن عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» قال عبد الجبار: وحدثني عبد العزيز بن المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله (قال) عبد الجبار عن ربيعة أنه قال: إذا كان الرجل حاضرا وماله في يد غيره فمضت له عشر سنين وهو على ذلك كان المال الذي هو في يديه بحيازته إياه عشر سنين إلا أن يأتي الآخر ببينة على أنه أكرى أو أسكن أو أعار عارية أو صنع شيئا من هذا وإلا فلا شيء له قال) ربيعة: ولا حيازة على غائب.

ص: 217

د- ما جاء في الشهادات في المواريث:

(قلت)(1) : أرأيت إن مات عندنا ميت فجاء رجل فأقام البينة أنه ابن الميت ولم يشهد الشهود أنهم لا يعلمون له وارثا غيره أتجيز شهادتهم

(1)[تبصرة الحكام](2\ 86) .

ص: 217

وتعطي هذا الميراث أم لا تعطيه من الميراث شيئا، وهل تحفظ قول مالك في هذا؟ (قال) : وجه الشهادة عند مالك في هذا أن يقولوا: إنه ابنه لا يعلمون له وارثا غيره فأرى أن تبطل الشهادة في ذلك ويسأل وينظر (قلت) : أرأيت إن أقمت البينة أن هذه الدار دار أبي وجدي ولم يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا لي أيقضي لي بها السلطان في قول مالك أم لا؟ (قال) : لا، حتى يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا لا يعلمون أنه أحدث فيها شيئا ولا خرجت عن يده، وجل الدور تعرف لمن كان أولها ثم تداولها أقوام بعد ذلك فهم إن شهدوا يشهدون ولا علم لهم بما كان فيها ولا تجوز شهادتهم حتى يشهدوا أنه مات وتركها ميراثا لا يعلمون له وارثا غيره إذا شهدوا أن هذا وارث جده أو وارث أبيه (قلت) : أرأيت إن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة آخرين (قال) : لا يعطي هذا إلا حظه (قلت) : فحظوظ إخوته أتؤخذ من يد هذا الذي هي في يديه فيضعها السلطان على يدي عدل؟ (قال) : أرى أن لا يعطى لهذا منها إلا بمقدار حظه وما استحق من ذلك ويترك السلطان ما سوى ذلك في يدي المدعى عليه حتى يأتي من يستحقه ولا يخرجه من يديه (قال) سحنون: وقد كان يقول غير هذا وروى أشهب عن مالك أنه قال: ينتزع من يد المطلوب ويوقف (قلت) : أرأيت لو أن قوما شهدوا على أن هذه الدار دار جدي وأن هذا المولى مولى جدي ولم يحددوا المواريث لم يشهدوا أن جدي مات فورثه أبي، وأن أبي مات فورثته أنا (قال) : سأل مالكا بعض أصحابنا وسمعته يسأل عن الرجل يقيم البينة: أن هذه الدار دار جده ويكون فيها رجل قد حازها منذ سنين ذوات عدد (قال) : قال مالك: أما إن كان الرجل المدعي حاضرا فلا أرى له فيها حقا لأجل حيازته إياها إذا

ص: 218

كان قد حازها سنين ذوات عدد، وأما إذا كان المدعي غائبا وثبتت المواريث حتى صارت له -فإني أرى أن يسأل الذي هي في يديه من أين صارت له، فإن أتى ببينة على شراء أو سماع على الاشتراء، وإن لم يكن أحد يشهد على معاينة الشراء ولا من يشهد على البتات إلا على السماع فأرى الشهادة جائزة للذي هي في يديه بالسماع بالاشتراء، وإن لم يكن في أصل الشهادة شهادة تقطع على البيع (قال) مالك: لأن هاهنا دورا يعرف لمن أولها قد بيعت ولا يوجد من يشهد على أصل الشراء إلا بالسماع ثم قال لنا: تلك منها هذه الدار التي أنا فيها قد باعها أهلها وليس أحد يشهد على أصل الشراء إلا بالسماع فإذا أتى الذي في يديه الدار بأصل الشراء أو بقوم يشهدون على سماع الاشتراء فذلك قلت، فإن لم يأت الذي في يديه الدار بشيء من هذا لا بقوم يشهدون على السماع ولا بقوم يشهدون على الشراء أتجعلها للذي أقام البينة أنها لجده على ما ثبت في قول مالك؟ (قال) : قال مالك: نعم، تكون للذي أقام بالبينة أنها لجده إذا كان غائبا (قلت) : وشهادة السماع هاهنا إنما هو أن يشهدوا أنهم سمعوا أن هذا اشترى هذه الدار من جد هذا المدعي (قال) : إذا تقادم ذلك جازت شهادتهم على السماع وإن كان المشتري حيا؛ لأن المشتري يشتري ويتقادم ذلك حتى يكون لشرائه هذا أربعون سنة أو خمسون سنة أو ستون سنة أو نحو ذلك ولم أوقف مالكا على أنه هو اشتراه بعينه إلا أن الذي ذكر لي مالك إنما هو في الشراء الذي يتقادم (قال) : وأما في الولاء فإن مالكا قال: أقضي بالسماع إذا شهدت الشهود على السماع أنه مولاه بالمال ولا أقضي له بالولاء (قلت) : أرأيت إن أقام البينة أن الدار دار أبيه، وقالت البينة: لا

ص: 219

نعرف كم الورثة أيقضي له بشيء من الدار في قول مالك، وكيف إن قال الابن: إنما أنا وأخي ليس معنا وارث غيرنا أو قال: أنا وحدي الوارث ليس معي وارث غير أيصدق في قول مالك؟ (قال) : لا أقوم على حفظ قول مالك في هذا، ولا أرى أن يقضي له السلطان بشيء حتى يقيم البينة على هذه الورثة. (قلت) : أرأيت إن أقمت البينة على دار أنها دار جدي ولم يشهد الشهود أن جدي مات وتركها ميراثا لأبي، وأن أبي مات وتركها ميراثا لورثته ولم يحددوا المواريث بحال ما وصفت لك (قال) : سألنا مالكا عنها (فقال) : ينظر في ذلك فإن كان المدعي حاضرا بالبلدة التي الدار فيها وقد حيزت دونه السنين يراهم يسكنون ويحوزون بما تحاز به الدور -فلا حق له فيها وإن كان لم يكن بالبلد التي الدار بها وإنما قدم من بلاد أخرى فأقام البينة على أنها دار أبيه أو دار جده وثبتت المواريث سئل من الذي الدار في يديه، فإن أتى ببينة على أصل الشراء أو الوجه الذي صارت به إليه أو سماع من جيرانه أو من غير جيرانه أن جده أو والده كان اشترى هذه الدار أو هو بنفسه إذا طال الزمان فقالوا: سمعنا أنه اشتراها وهاهنا دور تعرف لمن أولها وقد تقادم الزمان وليس على أصل الشراء بينة وإنما هو سماع من الناس أن فلانا اشترى هذه الدار، وإن لم تثبت - يعني: المواريث - لم يسأل الذي الدار في يديه عن شيء (قلت) : أرأيت إن أتى الذي في يديه الدار ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن هذا الرجل الذي في يديه الدار أنه اشترى هذه الدار أو اشتراها جده أو اشتراها والده إلا أنهم قالوا: سمعنا أنه اشتراها ولكنا لم نسمع بالذي اشتراها منه من هو (قال) : لم أسمع من مالك فيه شيئا ولا أرى ذلك حتى يشهدوا على سماع صحة أنه اشتراها من فلان أبي هذا المدعي

ص: 220

أو جده.

هـ- قال ابن فرحون: (فصل في حيازة الأجنبي الحيوان والعروض)(1) .

قال ابن حبيب: قال لي مطرف وأصبغ: ما حازه الأجنبي على الأجنبي من العبيد والإماء والدواب والحيوان كله والعروض كلها فأقام ذلك في يديه يختدم الرقيق ويركب الدواب ويجلب الماشية ويمتهن العروض -فذلك كله كالحائز والحيازة في ذلك أقل من عشر سنين قطع لحجة مدعيه ومثبت أصله بعد أن يحلف بالله أنه له دون مدعيه ومثبت أصله، قالا: والحيوان والعروض أقصر مدة وأقوى في الحيازة من الدور والأرضين التي إنما تحاز بالعمارة والسكنى.

قال أصبغ: ونرى في الثياب السنة والسنتين حيازة إذا كانت تحاز على وجه الملك واللبس، ونرى حيازة الدابة السنتين والثلاث حيازة إذا ملكها وركبها واغتلها وأعملها على وجه الملك بعلم صاحبها ونرى الأمة شبه ذلك والعبد والعروض فوق ذلك شيئا إذا حاز ذلك بالملك وأسبابه ولا يلتفت في مثل هذا وأشباهه إلى عشر سنين فيما بين الأجنبيين، يعني: لا يبلغ في شيء من ذلك بين الأجانب إلى عشر سنين كما يصنع في الأصول. قاله ابن رشد. قال ابن حبيب: قال لي مطرف وأصبغ: وما أحدث الحائز فيه بيعا أو عتقا أو تدبيرا أو كتابة أو صداقا أو وطئا في الإماء بحضرة مدعيه وبعلمه وإن لم يطل زمان ذلك قبل الوطء فذلك يوجبه لحائزه ويوهن حجة مدعيه قبل حدثان ذلك أو بعد حدثانه إذ ترك التغمير والإنكار والتكلم عند علمه بهذا الإحداث، ولا يلتفت

(1)[تبصرة الحكام](2\ 86) .

ص: 221

في هذا إلى عشر سنين وإلى ما دونها.

(تنبيه) : وذكر ابن رشد في البيان في باب الاستحقاق أنه لا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق في حيازة الأجنبي على الأجنبي كما تقدم في حيازة الأجنبي على الأجنبي الحيوان والعروض فلو حاز الورثة بعضهم على بعض الإماء بالوطء والهبة وما أشبه ذلك فلا يقطع حق الورثة في ذلك طول الزمان إلا أن يطول جدا ولم نر الأربعين يطول جدا بين الورثة خاصة على ما يأتي في حيازة بعضهم على بعض، ذكره في سماع ابن القاسم وبعضه في سماع يحيى فانظره.

ص: 222

وفصل في سؤال الحائز الأجنبي على الأجنبي من أين صار إليه الملك (1) .

قال ابن رشد: يختلف الجواب في ذلك حسب اختلاف الوجوه: فوجه لا يسأل الحائز عما في يديه من أين صار إليه وتبطل دعوى المدعي فيه بكل حال فلا يوجب يمينا على الحائز المدعي فيه إلا أن يدعي عليه أنه أعاره إياه، فتجب عليه اليمين على ذلك، وهذا الوجه هو إذا لم يثبت الأصل للمدعي، وأقر به الحائز الذي حاز في وجهه العشرة أعوام ونحوها، ولو ادعى عليه ما في يديه أنه ماله وملكه قبل أن تنقضي مدة الحيازة عليه في وجهيه لوجبت عليه اليمين، ووجه يسأل الحائز عما في يديه من أين صار إليه يصدق في ذلك مع يمينه ويكلف البينة على ذلك وهو إذا ثبت الأصل

(1)[تبصرة الحكام](2\ 87) .

ص: 222

للمدعي، أو أقر له به الحائز قبل أن تنقضي مدة الحيازة عليه -فيجب أن يسأل من أين صار إليه ويكلف البينة على ذلك، ووجه يختلف فيه: فقيل: إنه لا يلزم المطلوب أكثر من أن يوقف على الإقرار أو الإنكار، وقيل: إنه يوقف ويسأل من أين صار إليه وهو إذا ثبتت المواريث ولم يثبت أنها لأبيه وجده.

(مسألة) : واختلف إذا كان الحائز وارثا فقيل: إنه بمنزلة وارثه الذي ورث ذلك عنه في مدة الحيازة، وفي أنه لا ينتفع بها دون أن يدعي الوجه الذي تصير به إلى مورثه، وقيل: يكون الوارث في الحيازة أقصر وليس عليه أن يسأل عن شيء؛ لأنه يقول: ورثت ذلك ولا أدري بم تصير ذلك إلى الذي ورثت عنه، وهو ظاهر قول ابن القاسم وقول ابن الماجشون وهو عندي بين في أنه ليس عليه أن يسأل عن شيء، وأما المدة فينبغي أن يستوي فيها الوارث والموروث.

(فرع) وتضاف مدة حيازة الوارث إلى مدة حيازة الموروث مثل أن يكون الوارث قد حاز خمسة أعوام فيكون ذلك حيازة على الحاضر.

ز- قال ابن فرحون: (فصل في صفة الحيازات ومراتبها)(1) .

وهي على ستة أقسام؛ لأنها على مراتب ست: الأولى: وهي أضعفها حيازة الأب على ابنه والابن على أبيه.

الثانية: حيازة الأقارب الشركاء بالميراث أو بغير الميراث بعضهم على بعض، وهذه المرتبة تلي التي قبلها.

الثالثة: وهي تلي التي قبلها حيازة القرابة بعضهم على بعض فيما لا شركة فيه بينهم.

الرابعة: حيازة الموالي والأختان.

الخامسة: حيازة الأجنبيين

(1)[تبصرة الحكام](2\ 90) .

ص: 223

الأشراك بعضهم على بعض.

السادسة: حيازة الأجنبيين بعضهم على بعض فيما لا شركة بينهم فيه وهي أقواها، والحيازة تكون بثلاثة أشياء: أضعفها السكنى والازدراع، ويليها الهدم والبنيان والغرس والاستغلال، ويليها التفويت بالبيع والصدقة والهبة والعتق والكتابة والتدبير والوطء وما أشبه ذلك مما لا يفعله الرجل إلا في ماله، والاستخدام في الرقيق والركوب في الدواب كالسكنى والغرس في الدور والأرضين ونتكلم في الأقسام الستة.

(فأما القسم الأول) : وهو حيازة الأب على ابنه والابن على أبيه فلا اختلاف في أنها لا تكون بالسكنى والازدراع، قال ابن راشد: ولا باستخدام العبد فلو بقي العبد بيد الابن زمانا طويلا فلما مات الأب قال: هو لي بوجه كذا من أبي فقال ابن القاسم: لا ينتفع بطول الحيازة حتى يأتي ببينة على ما ادعاه والاتفاق على أنها تكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء، واختلف: هل يحوز كل واحد منهما على صاحبه بالهدم والبنيان والغرس أم لا؟ على قولين: المشهور أنه لا يحوز عليه بذلك إن ادعاه ملكا لنفسه قام عليه في حياته أو بعد وفاته. وقال ابن رشد: يريد والله سبحانه وتعالى أعلم إلا أن يطول الأمر جدا إلى ما يهلك فيه البينات وينقطع العلم.

والقول الثاني: أنه يحوز عليه بذلك إن قام عليه في حياته أو على سائر ورثته بعد وفاته إذا ادعاه ملكا لنفسه ومثل الأب والابن الجد وابن الابن.

(وأما القسم الثاني) : وهو حيازة الأقارب الشركاء بالميراث أو بغير الميراث فلا اختلاف أيضا في أنها لا تكون بالسكنى والازدراع وإن طالت السنون، قال مطرف: إلا أن يكون مثل الخمسين سنة ونحوها وإن كان بعضهم يقبل الثمار فهو كالسكنى وأبناؤهم وأبناء أبنائهم

ص: 224

بمنزلتهم لا حق لهم فيما عمر الأب والجد إلا أن يطول الزمان جدا ولا ينفعه أن يقول: ورثت عن أبي وأبي عن جدي لا أدري كيف كان هذا الحق في أيديهم إلا أن يأتي ببينة على شراء الأصل أو عطيته، وكذلك الصهر والمولى على اختلاف قول ابن القاسم فيهم، ولا خلاف في أنها تكون حيازة بالتفويت من البيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والوطء وإن لم تطل المدة، واختلف قول ابن القاسم في حيازة بعضهم على بعض بالهدم والبنيان: فقال مرة: إن العشر سنين حيازة، وقال مرة: إنها لا تكون حيازة إلا أن يطول الأمر؛ كحيازة الابن على أبيه أزيد من أربعين سنة، وما حازه بالكراء كالرجل يكري ذلك لنفسه ويقبضه بحضرة إخوته وعلمهم فهم في ذلك كالأجانب.

(وأما القسم الثالث) : وهو حيازة القرابة بعضهم على بعض فيما لا شركة بينهم فيه، فمرة جعلهم ابن القاسم كالقرابة الأشراك، ورجع عن قوله بأن الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان، إلا أنه لا حيازة بينهم في ذلك إلا مع الطول الكثير، ومرة رآهم بخلاف الأشراك فجعل الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان حيازة فيهما جميعا.

والثاني: أنها ليست بحيازة فيهما إلا مع طول المدة.

والثالث: الفرق بينهما فتكون حيازة في غير الشركاء.

(وأما القسم الرابع) : وهو حيازة الموالي والأختان والأصهار فيما لا شركة بينهم فيه، فمرة جعلهم ابن القاسم كالأجنبيين، العشرة الأعوام بينهم حيازة، وإن لم يكن هدم ولا بناء، ومرة جعلهم كالقرابة الذين لا شركة بينهم فيتحصل فيهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أن الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام وإن لم يكن هدم ولا بناء.

والثاني: أنها لا تكون بينهم في العشرة الأعوام إلا مع

ص: 225

الهدم والبناء.

والثالث: أنها لا تكون بينهم بالهدم والبناء إلا أن يطول الزمان جدا. قال ابن القاسم، وإليه رجع. وقال أصبغ: هم كالأجانب إلا من كان منهم مخالطا جدا أو وكيلا. قال ابن رشد: ينبغي أن يكون الخلاف في حال فمن علم منه المسامحة أو أشكل أمره فهو على حقه وإن طالت السنون، ومن علم منه المشاحة فيكون كالأجنبي، وما قاله ابن رشد ذكره ابن العطار فقال: وقد قيل أيضا في الأقارب: إن ذلك يكون في البلدان التي يعرف من أهلها أنهم يوسعون فيها لأقاربهم وأصهارهم ومواليهم، وإن كانوا بموضع لا يعرف هذا فيه انقطعت الحجة باعتبار دون هذه المدة وكانوا كالأجنبيين، وذكره ابن رشد في الاستحقاق أوضح من هذا، وقال: إنما الاختلاف المذكور إذا جهل حالهم على ماذا يحمل أمرهم، فمرة حملهم محل القرابة، ومرة حملهم محل الأجنبيين، وهذا خلاف ما قاله ابن راشد وهم في البيع وما ذكره معه كالأجانب.

(وأما القسم الخامس) : وهو حيازة الأجنبيين الأشراك، فلا حيازة بينهم في العشرة الأعوام إذا لم يكن هدم ولا بناء وتكون مع الهدم والبناء ولا يدخل اختلاف قول ابن القاسم في ذلك، وقيل: إنه يدخل في ذلك.

(وأما القسم السادس) : وهو حيازة الأجانب بعضهم على بعض فيما لا شركة بينهم فيه، فقد تقدم فيه الكلام والمشهور أن الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام وإن لم يكن هدم ولا بنيان، ولابن القاسم أنها لا تكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان.

(تنبيه) : ذكرهم الهدم والبنيان ظاهر، سواء كان بناء ترميم وإصلاح أو بناء توسع، وكذا الهدم سواء كان هدم ما يخشى سقوطه، أو هدم ما لا

ص: 226

يخشى سقوطه ليوسع ويبني مسكنا أو مساكن وليس كذلك، والذي ينفع في الحيازة هو الهدم والبناء والتوسع وإزالة ما لا يخشى سقوطه؛ لأن عرف الناس وعادتهم أنهم يأذنون للسكان في الرم وإصلاح ما وهي من الكراء، ولا يأذنون في زيادة المسكن. (من اللخمي) .

ح- وقال ابن فرحون: (فصل في صفة الشهادة على الحيازة)(1) .

وفي فقه وثائق ابن العطار: وإذا قام رجل في دار وأملاك يدعيها لنفسه أو لمورثه، وأثبت الملك لها، وكانت في يد معترض لها، فإن توافق الطالب والمطلوب على حدودها وجب الإعذار إلى المعترض في الشهود والقضاء عليه. وإن عجز والتسجيل دون حيازة الشهود لها وإن سأل الطالب من القاضي الإنزال فيها أو وقع تخالف في بعض حدودها حازها الشهود المقبولون، ولا يكلف القاضي شهود الحيازة أن يحوزوا ما شهدوا به من الرباع، ولو كان الموضع قريبا، ولكن يأمر الشهود له بالرغبة إليهما في ذلك (من [معين الحكام] ) وإذا توجه شهود الحيازة ليحوزوا الملك بعث القاضي معهم شاهدي عدل يحضران حيازة الشهود وفي (الطرر) وإنما احتيج إلى موجهي القاضي في الحيازة مخافة أن يموت شهود الحق ويعزل القاضي أو يموت فيشهد المواجهان على الحيازة فيتم القول بهما، ولا تعمل الحيازة شيئا حتى يقول الشاهدان بحضرة الحائز: هذا الذي شهدنا فيه عند فلان قاضي الجماعة، وإن وقفا على العقار وعيناه ولم يقولا هذا كان جهلا منهما ومن الحاضرين لحيازتهما ولم تعمل الحيازة والشهادة

(1)[تبصرة الحكام](2\ 90) .

ص: 227

شيئا حتى يوقفا على هذا ويقولا به وتتبين به الشهادة، وقال في موضع آخر: ولا يحضر حيازة الشهيدين في الملك الذي شهدا فيه إلا شاهدان يعرفان عين ذلك الملك وحدوده أو يكون الملك المشهود به له حدود مشهورة لا تخفى معرفتها، مثل أن يكون في القبلة منه أو ناحية غيرها فرن أو حمام أو درب أو حوانيت أو رحبة شرع بابه إليها وما أشبه ذلك من الأعلام المثبتة التي يعلم الشاهدان الحيازة بالنظر فيها أنها الحدود التي قال الشاهدان في الملك عند القاضي: إنه المحدود به؛ لأن شهادة الحاضرين للحيازة لا تتم حتى يقولا: إن شهيدي الملك حازا بمحضرهما هذا الملك، وعينا هذه الحدود، فإذا لم يعرفا الملك ولا عينا الحدود لم ينفع بمحضرهما للحيازة؛ لأنه إذا قال الشهيدان في الملك: هذا الملك الذي شهدنا فيه عند القاضي والحاضران للحيازة لا يعرفانه فهو كشهادتهما أولا عند القاضي وتكون شهادة الحاضرين زورا؛ لأنهما يشهدان أن الشهيدين في أصل الملك حاز الدار والملك الذي شهدا فيه عند القاضي وهما لا يعرفان إن كان ذلك هو الملك أم لا، ولو قالا: إن الشهيدين في الملك عينا بحضرتهما دارا قالا: إنها التي شهدنا فيها عند القاضي لم تعمل شهادتهما في الحيازة شيئا حتى يقطعا أنهما حازا بحضرتهما الشيء الذي شهدا فيه عند القاضي لمعرفتهما لعين الشيء المحوز، وإن كانا لا يعرفان ملك المشهود له فهما على صحة حدوده وباشتهار أعلامه، قال: وهذا من دقيق الفقه، وقل من يعرفه.

(مسألة) وفي [الطرر] الموجه من قبل القاضي للحيازة بمنزلة الموجه من قبله للأعذار يجزئ فيه واحد عدل.

ص: 228

(تنبيه) : الغائب وإن كانت غيبته قريبة فهو محمول على عدم العلم حتى يثبت عليه العلم، والحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم يعلم. قاله ابن راشد.

ص: 229

ط- وقال ابن فرحون: (مسألة في الحيازة على الغائب)(1) .

وفي [مختصر الواضحة] قال ابن حبيب: وأخبرني حسين عن ابن القاسم وابن وهب وابن نافع وأصبغ ومطرف في الغائب يحاز عليه من ماله فلم يقدم، ولم يوكل حتى طال زمان ذلك فهو كالحاضر إلا أن يكون له عذر مثل أن يكون في يد عدو أو من وراء بحر أو يكون ضعيفا أو مختلا أو امرأة محجوبة أو غير محجوبة وما أشبه ذلك من العذر، فيكون على حقه أبدا وإن أشهد في غيبته على عذره وأنه غير تارك لحقه إلا لما يذكره من عذره كان ذلك أوثق له عندنا، وقد يكون للغائب وإن قربت غيبته معاذير يعذر بها إذا ظهرت.

قال ابن حبيب: ثم رجع ابن القاسم فقال: أرى الغائب على مسيرة الثلاثة الأيام والأربعة معذورا في غيبته وإن علم بما حيز عليه وإن لم يكن ضعيفا في بدنه ولا مختلا في عقله، وأراه على حقه أبدا ما زال غائبا؛ لأنه قد يكون للغائب معاذير لا تعرف، وقوله الأول عندي أحسن، وهو الذي اجتمع عليه كبار أصحاب مالك، وفي العتبية رواية عن ابن القاسم: أن الثمانية أيام في حكم القريب.

(فرع) وفي الطرر لابن عات: ومغيب المرأة على مسيرة اليوم لا يقطع حجتها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا معها

(1)[تبصرة الحكام](2\ 84) .

ص: 229

ذو محرم منها (1) » قاله بعض الشيوخ المتأخرين.

(فرع) وإن كان غير عالم فهو على حقه إذا قدم ولا حيازة عليه، وإن طالت الحيازة فيه كانت الغيبة قريبة أو بعيدة.

(تنبيه) : وهو محمول على غير العلم حتى يقيم الحائز بينة أنه كان عالما في غيبته بحيازته لماله.

(فرع) وقال مطرف وأصبغ: ونرى السبعة الأيام والثمانية وما أشبه ذلك طولا من الغيبة وعذرا في ترك القدوم والطلب والتوكيل.

وإن كان عالما إلا أنا نستحب له أن يشهد في غيبته إذا علم بحيازة ماله عنه وإن ترك الإشهاد لم يوهن ذلك حجته، إلا أن يطول الزمان جدا مثل السبعين سنة أو الثمانين وما قاربها، ويكون مع ذلك سماع مستفيض بأنها ملك للذين هي بأيديهم تداولوها هم ومن كان قبلهم بما يحاز به الملك فيكون ذلك كالحيازة على الحاضر وإن كانت الغيبة بعيدة. قال ابن حبيب: وبقولهما أقول.

ي- وقال ابن فرحون (2) : (فصل في حيازة الأجنبي على الأجنبي الحاضر الرباع والعقار) .

وفي [مختصر الواضحة] قال أصبغ: ما حازه الأجنبي على الأجنبي بحضرته وعلمه، أي: الحيازات كانت من سكنى فقط أو ازدراع أو هدم أو بنيان صغر شأنه أو عظم أو غير ذلك من وجوه الحيازات كلها فذلك يوجبه لحائزه ويقطع حجة صاحبه، وهي كالشهادة على الملك كما يكون الرهن شاهدا لصاحبه بحيازته إياه وكما يكون الستر شاهدا للمرأة بإرخائه عليها

(1) صحيح البخاري الجمعة (1088) ، صحيح مسلم الحج (1339) ، سنن الترمذي الرضاع (1170) ، سنن أبو داود المناسك (1723) ، سنن ابن ماجه المناسك (2899) ، مسند أحمد بن حنبل (2/506) ، موطأ مالك الجامع (1833) .

(2)

[تبصرة الحكام](2\85) .

ص: 230

ذوات عدد يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني فأقام رجل بينة أن الدار داره وأنها لأبيه أو جده وثبتت المواريث فإن كان المدعي حاضرا يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له وذلك يقطع دعواه. قوله: حاضرا يراه لا بد هنا من العلم بشيئين وهما العلم بأنه ملكه والعلم بأنه يتصرف فيه ولا يفيد العلم بأحدهما دون الآخر؛ لأنه إذا علم بالتصرف قد يقول ما علمت أنه ملكي، كما يقول الرجل: الآن قد وجدت الوثيقة عند فلان فيقبل قوله ويحلف، والعلم بهذين الوصفين قاله في [الوثائق المجموعة] وابن أبي جمراء (مسألة) وفي [فقه وثائق ابن العطار] : ولا يقطع قيام البكر غير العانس، ولا قيام الصغير، ولا قيام المولى عليه في رقاب الأملاك، ولا في أحداث الاعتمار بحضرتهم إلا أن يبلغ الصغير ويملك نفسه من الولي عليه، وتعنس الجارية، ويحاز عليهم عشرة أعوام من بعد ذلك وهم عالمون بحقوقهم لا يعترضون من غير عذر فينقطع حينئذ قيامهم وما لم يعوقوا بحقوقهم لم ينقطع قيامهم.

ك- وجاء في [مختصر خليل وشرحه] للحطاب:

(وإن حاز أجنبي (1) غير شريك وتصرف ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين لم تسمع ولا بينة إلا بإسكان ونحوه) .

ش: ختم رحمه الله كتاب الشهادات بالكلام على الحيازة؛ لأنها كالشاهد على الملك، قال ابن راشد في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عنه إلى الحائز

(1)[مواهب الجليل شرح مختصر خليل](6\ 221) وما بعدها.

ص: 232

باتفاق، ولكنها تدل على الملك كإرخاء الستور ومعرفة العفاص والوكاء وما أشبه ذلك فيكون القول معها قول الحائز مع يمينه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من حاز شيئا عشر سنين فهو له» ؛ لأن المعنى عند أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم: وهو له أي: أن الحكم يوجبه له بدعواه، فإذا حاز الرجل مال غيره في وجهه مدة تكون فيها الحيازة عاملة، وهي عشرة أعوام دون هدم ولا بنيان، أو مع الهدم والبنيان على ما نذكره من الخلاف في ذلك بعد هذا وادعاه ملكا لنفسه بابتياع أو صدقة أو هبة - وجب أن يكون القول قوله في ذلك مع يمينه. انتهى.

وسواء ادعى صيرورة ذلك من غير المدعي أو ادعى أنه صار إليه من المدعي، أما في البيع فلا أعلم فيه خلافا، وأما إن أقر أنه ملك المدعي وصار إليه بصدقة أو هبة -ففيه خلاف ذكره في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق. وقول ابن رشد: فيكون القول قول الحائز مع يمينه هو أحد القولين، قال في [الشامل] : وفي يمين الحائز حينئذ قولان، والقول بنفي اليمين عزاه في [التوضيح] لظاهر نقل ابن يونس وغيره، والقول باليمين عزاه لصريح كلام ابن رشد فهو أقوى وهو الظاهر، والله أعلم.

ثم قال ابن رشد: والحيازة تنقسم إلى ستة أقسام: أضعفها حيازة الأب عن ابنه، ويليها حيازة الأقارب الشركاء بالميراث أو بغيره، ويليها حيازة القرابة فيما لا شرك بينهم فيه والموالي والأختان الشركاء بمنزلتهم، ويليها حيازة الموالي والأختان فيما لا شرك بينهم فيه، ويليها حيازة الأجنبيين الشركاء، وتليها حيازة الأجانب فيما لا شرك بينهم فيه، وهي أقواها، والحيازة تكون بثلاثة أشياء: أضعفها السكنى والازدراع، ويليها الهدم والبنيان والغرس والاستغلال، ويليها التفويت بالبيع والهبة والصدقة

ص: 233

والنحلة والعتق والكتابة والتدبير والوطء وما أشبه ذلك مما لا يفعله الرجل إلا في ماله، والاستخدام في الرقيق والركوب في الدابة كالسكنى فيما يسكن والازدراع فيما يزرع والاستغلال في ذلك كالهدم والبنيان في الدور والغرس في الأرضين. انتهى.

فبدأ المصنف بالكلام على القسم السادس وهي حيازة الأجنبي غير الشريك، فقال: وإن حاز أجنبي غير شريك واحترز بقوله: أجنبي من القريب فإنه سيأتي حكمه، وبقوله: غير شريك من الأجنبي الشريك فإنه سيأتي أيضا حكمه، ومفعول قوله حاز محذوف، أي: حاز عقارا من دار أو أرض، وأما غير العقار فلا يفتقر في الحيازة إلى عشرة أعوام، كما سيأتي بيانه، وقوله: وتصرف بمعنى أنه يشترط في الحيازة أن يكون الحائز يتصرف في العقار المحوز.

وأطلق التصرف لينبه على أن حيازة الأجنبي غير الشريك يكفي فيها مطلق التصرف ولو كان ذلك السكنى والازدراع الذي هو أضعف أنواع الحيازة وهذا هو المشهور، وقال في الرسم المذكور: المشهور في المذهب: أن الحيازة بينهم -يعني: بين الأجانب غير الشركاء- تكون في العشرة الأعوام وإن لم يكن هدم ولا بنيان، وعن ابن القاسم أنها لا تكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان ولا خلاف أنها تكون حيازة مع الهدم والبنيان. انتهى.

وقوله: ثم ادعى حاضر، يعني: أنه يشترط في كون الحيازة مانعة من سماع دعوى المدعي أن يكون المدعي حاضرا، واحترز بذلك مما لو كان المدعي غائبا، فإن له القيام وإن طالت المدة، إذا كانت غيبته بعيدة كالسبعة الأيام، قال في [التوضيح] . وإن كانت الغيبة قريبة كأربعة أيام وثبت عذره عن القدوم والتوكيل من عجز

ص: 234

ونحوه فلا حجة عليه، وإن أشكل أمره فظاهر المذهب أنه على قولين، قال ابن القاسم: لا يسقط حقه؛ لأنه قد يضعف عند القدوم، قيل له: فإن لم يتبين عجزه عن ذلك قال: قد يكون معذورا من لا يتبين عذره، وذكر ابن حبيب: أنه يسقط حقه إلا أن يتبين عذره. انتهى.

وانظر رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق، وقوله: ساكت، يعني: أنه اشترط أيضا في الحيازة أن يكون المدعي ساكتا في مدة الحيازة، واحترز بذلك مما لو تكلم قبل مضي مدة الحيازة فإن حقه لا يبطل، وقوله: بلا مانع، يعني: أن سكوت المدعي في المدة المذكورة إنما يبطل حقه إذا لم يكن له مانع يمنعه من الكلام، فلو كان هناك مانع يمنعه من الكلام فإن حقه لا يبطل، وفسر ابن الحاجب المانع بالخوف والقرابة والصهر، وقد احترز المصنف من القرابة والصهر بقوله أولا: أجنبي، فيكون المراد بالمانع في كلامه الخوف، أي: خوف المدعي من الذي في يده العقار؛ لكونه ذا سلطان أو مستندا لذي سلطان، فإن كان سكوته لذلك لم يطلب حقه، قال الجزولي: وكذلك إذا كان للحائز على المدعي دين ويخاف إن نازعه أن يطلبه ولا يجد من أين يعطيه. انتهى. فتأمله، ويدخل في المانع ما إذا كان المدعي صغيرا أو سفيها فإن سكوته لا يقطع دعواه، قال ابن فرحون في [تبصرته] في الباب السادس والستين قال: قال ابن العطار: ولا يقطع قيام البكر غير المعنسة ولا قيام الصغير ولا قيام المولى عليه الاعتماد المذكور بحضرته إلا أن يبلغ الصغير ويملك نفسه المولى عليه وتعنس الجارية وتحاز عنهم عشرة أعوام من بعد ذلك وهم عالمون بحقوقهم لا يعترضون من غير عذر. انتهى.

ص: 235

ويدخل في المانع أيضا ما إذا لم يعلم المدعي بالحيازة أو لم يعلم بأن العقار المحوز ملكه، قال في [الرسالة] : ومن حاز دارا على حاضر عشر سنين تنسب إليه وصاحبها حاضر عالم، قال الشيخ أبو الحسن الصغير في أواخر كتاب الشهادات لما تكلم على الحيازة في [الرسالة] وصاحبها حاضر عالم.

الشيخ: أي: عالم بالمعلومين بتصرف الحائز وبأنها ملكه قال في [الوثائق المجموعة] : حاضر عالم بأنها ملكه، وإذا كان وارثا ويدعي أنه لم يعلم فيحلف ويقضى له. انتهى.

ونقله ابن فرحون في [تبصرته] عن الطخيخي عن أبي الحسن الصغير بلفظ: لا بد هنا من العلم بشيئين: وهما العلم بأنه ملكه، والعلم بأنه يتصرف فيه ولا يفيد العلم بأحدهما دون الآخر؛ لأنه إذا علم بالتصرف قد يقول: ما علمت أنه ملكي كما يقول الرجل: الآن وجدت الوثيقة عند فلان فيقبل قوله ويحلف، والعلم بهذين الوصفين قاله في [الوثائق المجموعة] وابن أبي زيد. انتهى.

(فرع) قال ابن ناجي في [شرح الرسالة] : قال ابن العربي: وانظر إذا قال: علمت الملك ولم أجد ما أقوم به ووجدته الآن هل يعذر أم لا؟ (قلت) : اختار شيخنا أبو مهدي أنه يقبل وذلك عذر سواء كانت البينة التي وجد بينة استرعاء أم لا، والصواب عندي أنه لا يقبل منه؛ لأنه كالمقر والمعترف بأنه لا حق له فيه مدع رفعه. انتهى. زاد في شرح المدونة: ثم وقعت بالقيروان بعد عشرة أعوام فكتب فيها لشيخنا أبي مهدي فأفتى بما صوبت. انتهى.

قال الشيخ يوسف بن عمر في [شرح قول الرسالة] : لا يدعي شيئا: هذا إذا لم يمنعه مانع من القيام، وأما إن خاف سطوة الحائز وأثبت ذلك فهو على قيامه وإن ادعى مغيب البينة وقال: ما سكت إلا لانتظار بينتي فلا يقبل

ص: 236

قوله والدعوة التي تنفعه إذا كان يخاصمه عند القاضي، وأما غير ذلك فلا ينفعه. انتهى. ونحوه للجزولي ونصه: وأما إذا قال: علمت أنها ملكي ولكن منعني من القيام عدم البينة والآن وجدت البينة فإنه لا ينفعه ذلك ويقضى بها للحائز بعد يمينه إذ لا بد من يمين القضاء ثم قال بعد ذلك: وأما إن قال: علمت بأنها ملكي ولم أعلم بالحيازة فإنه لا يقبل قوله؛ لأن العرف يكذبه وكذلك إن قال: منعني من القيام عدم البينة والآن وجدتها فإنه لا ينفعه ولا قيام له. انتهى.

وفي أول مسألة من سماع أشهب من كتاب الاستحقاق ما يدل على أنه إذا ادعى عدم العلم بالحيازة ينفعه ذلك ويحلف، وأنه محمول على عدم العلم، وقال ابن ناجي في [شرح قول الرسالة] : وصاحبها حاضر عالم: ظاهر كلام الشيخ أن الحاضر محمول على عدم العلم بالملكية حتى يثبت، وعزاه بعض من لقيناه لابن سهل، وهو ظاهر التهذيب، وقيل: إنه محمول على العلم حتى يتبين خلافه، وهو قول ابن رشد، وقيل: بالأول إن كان وارثا، وبالثاني إن لم يكن قاله في [الوثائق المجموعة] وبه القضاء عندنا، هكذا كان يتقدم لنا أنها ثلاثة أقوال، والحق أن الذي في [الوثائق المجموعة] إنما هو التنبيه على فرع متفق عليه وهو إذا ادعى الوارث الجهل بملكية موروثه فإنه يقبل قوله مع يمينه، ثم قال بعده: قال ابن العربي: وانظر إذا قال: علمت المالك إلى آخر الفرع المتقدم، ويشير بالفرع المتفق عليه إلى ما نقله أبو الحسن وابن فرحون عن [الوثائق المجموعة] في كلامهما المتقدم وقوله: عشر سنين يعني: أن مدة الحيازة التي تبطل دعوى المدعي عشر سنين، وهذا التحديد يذكره في [المدونة] عن ربيعة، ونصه: ولم يحدد مالك في الحيازة في

ص: 237

الريع عشر سنين ولا غير ذلك، وقال ربيعة: حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أخدم أو أعار ونحوه ولا حيازة على غائب، وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من حاز شيئا عشر سنين فهو له» انتهى. قال في [التوضيح] : وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، ودليله ما رواه أبو داود في [مراسيله] عن زيد بن أسلم وذكر الحديث ثم قال: ولابن القاسم في الموازية السبع والثمان وما قارب العشرة مثل العشرة. انتهى.

فتحصل في مدة الحيازة ثلاثة أقوال:

الأول: قول مالك في [المدونة] : أنها لا تحدد بسنين مقدرة، بل باجتهاد الإمام، وهكذا نقل ابن يونس فقال: ولم يحد مالك في الرباع عشر سنين ولا غير ذلك، ولكن على قدر ما يرى أن بهذا قد حازها دون الآخر فيما يهدم ويبنى ويسكن ويكرى. اهـ، وهكذا نقله ابن شاس وابن عرفة، وسيأتي لفظه.

والقول الثاني: أن مدة الحيازة عشر سنين، وهو القول الذي مشى عليه المصنف في كتاب الشهادات، وعليه اقتصر في [الرسالة] قال في [النوادر] : وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، وهكذا عزاه ابن يونس وابن شاس، وتقدم نحوه عن [التوضيح] ونقله ابن عرفة عن [النوادر] وقال ابن يونس: قال ابن سحنون: لما أمر الله نبيه بالقتال بعد عشر سنين كانت أبلغ شيء في الإعذار، واعتمد أهل المذهب على الحديث المتقدم، وعلى أن كل دعوى يكذبها العرف فإنها غير مقبولة، ولا شك أن بقاء ملك الإنسان بيد الغير يتصرف فيه عشر سنين

ص: 238

دليل على انتقاله عنه. والله أعلم.

والقول الثالث: أن مدة الحيازة سبع سنين فأكثر، وهو قول ابن القاسم الثاني، وقد ذكر ابن عرفة هذه الثلاثة الأقوال فقال: وفي تحديد مدة الحيازة بعشر أو سبع. ثالثها لا تحديد بعدة، بل باجتهاد الإمام، وقال في [المسائل الملقوطة] :(مسألة) في قناة تجري منذ سنة في أرض رجل والذي تجري عليه ساكت لا تكون السنة حيازة للتغافل عن مثلها وسكوت أربع سنين طول وحوز من كتاب الشهادات لابن يونس. انتهى. فتأمله مع ما تقدم، وهل يكون قولا رابعا أو لا؟ والله أعلم.

وقوله: لم تسمع ولا بينة هو جواب الشرط، يعني: أن الحيازة إذا وقعت على الوجه المذكور فهي مانعة من سماع دعوى المدعي، والظاهر: أن المراد بعدم سماعها عدم العمل بها وبمقتضاها من أنه لا يتوجه على المدعى عليه يمين إذا أنكر. أنه لا تسمع ابتداء، ولا يسأل المدعى عليه عن جوابها، فإن ذلك غير ظاهر لاحتمال أن يقر المدعي ويعتقد أن مجرد حوزه يوجب له الملك، وقد تقدم: أن الحوز وحده لا ينقل الملك، وإنما هو دليل على انتقال الملك، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم» . قال ابن رشد في آخر الكلام على المسألة الرابعة من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق: وأن الحائز لا ينتفع بحيازته إلا إذا جهل أصل مدخله فيها، وهذا أصل في الحكم بالحيازة. انتهى.

وسيأتي كلامه برمته في التنبيه الخامس في قول المصنف: وإنما تفترق الدار من غيرها. وقوله: ولا بينة، يعني: أن الحيازة المذكورة مانعة من سماع دعوى المدعي ومن سماع بينته أيضا فإن قيل: قوله: لم تسمع دعواه يغني عن قوله ولا بينته؛ لأنه إذا لم تسمع

ص: 239

الدعوى لم تسمع البينة. فالجواب والله أعلم: إنما قال: ولا بينته خشية أن يتوهم أن الدعوى المجردة عن البينة هي التي لا تسمع، وأما إذا قامت بها البينة فتسمع، كما تقول في دعوى العبد على سيده العتق والمرأة على زوجها الطلاق، فإن دعواهما لا تسمع إذا كانت مجردة عن البينة، أعني: أنه لا يتوجه على السيد ولا على الزوج بسببهما يمين، إن أقاما البينة على دعواهما سمعت وأيضا فإنما قال: ولا بينة ليفرع عليه قوله إلا بإسكان ونحوه، والمعنى: أنه لا تسمع بينة المدعي إلا أن تشهد البينة للمدعي بأنه أسكن الحائز أو أعمره أو ساقاه أو زارعه أو ما أشبه ذلك، فإنه إذا أقام البينة على ذلك حلف المدعي على رد دعوى الحائز وقضى له، هذا إن ادعى الحائز أن المالك باعه أو نحو ذلك، وأما من لم يدع نقل الملك وإنما تمسك بمجرد الحيازة فلا يحتاج إلى يمين قاله في [التوضيح] وغيره.

(تنبيهات) : الأول: الهدم والبناء مقيدان بما إذا لم يهدم ما يخشى سقوطه فإن ذلك لا ينقل الملك وكذا الإصلاح اليسير قاله في [التوضيح] .

الثاني: الحيازة على النساء عاملة إن كن في البلد، ذكره ابن بطال في المقنع.

الثالث: تقدم أنه لا حيازة على الغائب، قال ابن بطال: إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد أنه على حقه وقاله الرجراجي.

الرابع: قال ابن راشد في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: وأما المدة فينبغي أن يستوي فيها الوارث والموروث؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» ، وتضاف مدة حيازة الوارث إلى مدة حيازة الموروث، مثل: أن يكون الوارث قد حاز خمسة أعوام ما كان مورثه قد حازه خمسة أعوام فيكون ذلك حيازة عن الحاضر. انتهى.

ص: 240

الخامس: اختلف هل يطالب الحائز ببيان سبب ملكه. قال في التوضيح: قال ابن أبي زمنين: لا يطالب، وقال غيره: يطالب، وقيل: إن لم يثبت أصل الملك المدعي فلا يسأل الحائز عن بيان أصل ملكه وإن ثبت الأصل للمدعي ببينة أو بإقرار الحائز سئل عن سبب ذلك، وقال ابن عتاب وابن القطان: لا يطالب إلا أن يكون معروفا بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك. انتهى باختصار. وظاهر كلام ابن راشد في رسم سلف الحائز يطالب ببيان سبب ملكه؛ لأنه حينئذ قال إذا حاز الرجل مال غيره في وجهه مدة تكون فيه الحيازة عاملة وادعاه ملكا لنفسه بابتياع أو صدقة أو هبة وجب أن يكون القول قوله في ذلك مع يمينه.

واختلف إذا كان هذا الحائز وارثا: فقيل: إنه بمنزلة الذي ورث ذلك عنه في أنه لا ينتفع بها دون أن يدعي الوجه الذي يصير به ذلك إلى موروثه، وهو قول مطرف وأصبغ. وقيل: ليس عليه أن يسأل عن شيء؛ لأنه يقول: ورثنا ذلك ولا أدري بماذا صار ذلك إليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رسم أن خرجت من سماع عيسى من هذا الكتاب، وقول ابن الماجشون: وقوله عندي بين، فإنه ليس عليه أن يسأل عن شيء. انتهى.

وأفتى في نوازله بأن الحائز لا يطالب بشيء حتى يثبت القائم عليه الملك وسيأتي كلامه في التنبيه السادس، وجزم في شرح آخر مسألة من نوازل عيسى بأنه إذا ثبت أصل الملك لغيره فلا بد من بيان سبب ملكه قال: بأن يقول: اشتريته منه أو وهب لي أو تصدق به علي أو يقول: ورثته عن أبي أو عن فلان ولا أدري بأي وجه يصير إلى الذي ورثته منه، وقال: أما مجرد دعوى الملك دون أن يدعي شيئا من هذا فلا ينتفع به مع الحيازة إذا ثبت أصل

ص: 241

الملك لغيره. انتهى.

(فرع) قال ابن سهل في مسائل الأقضية: من ادعي عليه بأملاك فقال: عندي وثائق غائبة ثم طولب عند حاكم آخر فأنكر تلك المقالة فقال ابن العطار: ليس عليه إحضار الوثائق. انتهى. انظر تمامها فيه.

ص: 242

الثالث: لا تسقط الحيازة ولو طالت الدعوى في الحبس، بذلك أفتى ابن رشد في نوازله في جواب المسألة الخامسة من مسائل الوقف وهي مسألة تتضمن السؤال عن جماعة واضعين أيديهم على أملاكهم ومورثهم ومورث مورثهم نحوا من سبعين عاما يتصرفون فيها بالبناء والغرس والتعويض والقسمة وكثيرا من وجوه التفويت فادعى عليهم بوقفيتها شخص حاضر عالم بالتفويت المذكور والتصرف هو ومورثه من قبله.

ونصه: ولا يجب القضاء بالحبس إلا بعد أن يثبت التحبيس وملك المحبس لم حبسه يوم التحبيس وبعد أن تتعين الأملاك المحبسة بالحيازة لها على ما تصح فيه الحيازة، فإذا ثبت ذلك كله على وجهه وأعذر إلى المقوم عليهم فلم يكن لهم حجة إلا من ترك القائم وأبيه قبله عليهم وطول سكوتهما عن طلب حقهما مع علمهما بتفويت الأملاك فالقضاء بالحبس واجب والحكم به لازم. انتهى.

وأفتى بذلك أيضا في المسألة السادسة من مسائل الدعوى والخصومات في مسألة ابن زهر، وهي مسألة تتضمن أن رجلا في ملكه ضيعة ورثها عن سلفه منذ سبعين عاما هو وأبوه، وهم يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه فقام عليه رجل وادعى أن الضيعة رهن بيده وبذلك ملكها سلفه قبله واستدعى عقد السماع بالرهن، فأثبت الذي بيده الضيعة أن جده ابتاعها من جد القائم عليه فيها فأفتى أن شهادة الشراء أعمل، ثم قام ذلك الرجل المشتري المدعي الرهنية بعينه وادعى

ص: 242

أنها حبس عليه وأثبت عقد التحبيس بالشهادة على خطوط شهدائه فهل ترى قيامه أولا بالرهن يبطل قيامه بالحبس أم لا؟ فأجاب: كان من وجه الحكم أن لا يكلف الذي بيده الضيعة من أين صارت إليه حتى يثبت القائم ملك الراهن لها ورهنه إياها وموته، وأنه وارثه أو وارث وارثه، وكذلك الحكم في قيامه بالحبس سواء في مذهب مالك وجميع أصحابه، غير أن قول المقوم عليه: أن جده ابتاعها من جد القائم عليه إقرار منه له بملكها، فإن كان هو المحبس، وأثبت حفيده عقد التحبيس، وأنه من عقبه لا عقب له غيره بالسماع إن عجز عن البينة القاطعة وأعذر إلى المقوم عليه فيما ثبت من ذلك فلم يكن عنده فيه مدفع، فالواجب أن يسأل المقوم عليه، فإن أقر أنها هي التي وقع ذكرها في كتاب التحبيس لم يجب على القائم فيها حيازة لاتفاقهما عليه، وانظر إلى تاريخ كتب صاحب التحبيس وتاريخ السماع بشراء جد المقوم عليه من جد القائم، فإن وجد تاريخ الحبس أقدم قضي به وبطل الشراء ووجب الرجوع بالثمن، وإن وجد تاريخ السماع بالشراء أقدم أو لم يعلم أيهما أقدم قبل صاحبه قضي بالشراء وبطل التحبيس، وهكذا الرواية في ذلك.

ثم قال في جواب ثان على المسألة بعينها إثر الجواب الأول: ما تضمنه عقد التحبيس الثابت لا يوجب أن يسأل من بيده شيء من ذلك من أين صار له ولا يعقل عليه ولا يكلف إثباتا ولا عقلا إلا من بعد أن يثبت القائم بالتحبيس ملك المحبس لما حبسه ويحوز ما أثبت تحبيسه حيازة صحيحة على الوجه الذي ذكرناه، وهذا أصل لا اختلاف فيه، أعني: أن من بيده ملك لا يدعيه يكلف إثبات من أين صار له حتى يثبت المدعي ما ادعاه ويحوزه ولا يلزم المقوم عليه إذا أفضى ببقاء الملك بيده

ص: 243

وحكم بقطع الاعتراض عنه بشيء من ثمن ما ادعى شراءه إذا مضى من طول المدة ما صدق فيه المبتاع على أداء ثمن ما ابتاعه في قول مالك وجميع أصحابه، ولو لم يمض لم يحكم للمدعي أيضا بالثمن حتى يرجع عما ادعاه من التحبيس إلى تصديق دعوى المشتري على اختلاف أصحابنا المتقدمين، أي: واستفيد من هذه المسألة فوائد: منها: أنه مشى على أنه لا يسأل واضع اليد عن شيء حتى يثبت القائم الملك.

ومنها: حكم شهادة السماع في الرهن. ومنها: القضاء بالتاريخ السابق. ومنها: إذا جهل السابق من تاريخ الشراء أو الحبس قضي بتاريخ الشراء وبطل الحبس.

وأفتى غيره: أنه إذا جهل التاريخ قدم الحبس. والله أعلم. ص: (وفي الشريك القريب معهما قولان) ش. يعني: أنه اختلف في الشريك القريب إذا حاز العقار بالبناء والهدم هل تكون مدة الحيازة في حقه عشر سنين كالأجنبي أو لا يكفي في ذلك عشر سنين؟ ولم يبين المصنف قدر مدة الحيازة على القول الثاني والقولان لابن القاسم ذكرهما في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق فكان أولا يقول: إن العشر سنين حيازة، ثم رجع إلى أن ذلك لا يكون حيازة إلا أن يطول الأمر أزيد من أربعين سنة.

(تنبيهات) : الأول: ظاهر كلام المصنف وغيره: أن القولين متساويان، وقد علمت أن القول الذي رجع إليه ابن القاسم أن ذلك لا يكون حيازة، ولا شك أن العمل على القول المرجوع إليه فتأمله.

الثاني: علم من قول المصنف معهما أنه لا تحصل الحيازة بين القرابة الشركاء إذا لم يكن هدم ولا بنيان وهو كذلك كما سيأتي في كلام ابن راشد في شرح قول المصنف: وإنما تفترق الدار من غيرها، ويأتي أيضا هناك

ص: 244

بيان حكم الحيازة بين القرابة الشركاء في غير العقار. والله أعلم.

الثالث: لم يذكر المصنف حكم القريب الذي ليس بشريك، وذكر ابن راشد في رسم سلف من سماع ابن القاسم أن قول ابن القاسم اختلف في ذلك، فجعله مرة كالقريب الشريك فيكون قد رجع عن قوله أن الحيازة لا تكون بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان إلى أنه لا حيازة بينهم في ذلك إلا مع الطول الكثير، وهو نص قوله في سماع يحيى المذكور، ومرة رآهم بخلاف ذلك فلم يرجع عن قوله: أن الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبنيان وهو دليل قوله في السماع المذكور. انتهى.

(قلت) : فعلم من كلام ابن رشد هذا أن القول بأن حكم القريب الذي ليس بشريك كحكم القريب الشريك هو الراجح؛ لقوله: إنه نص قول ابن القاسم، وأن الثاني إنما هو مفهوم من كلام ابن القاسم فتأمله، وتحصل من هذا: أن الحيازة بين القرابة سواء كانوا شركاء أو غير شركاء لا تكون بالسكنى والازدراع، وإنما تكون بالهدم والبناء في الأمد الطويل الذي يزيد على أربعين سنة على الأرجح من القولين. والله أعلم.

الرابع: محصل كلام ابن راشد في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وأن الحيازة لا تكون بين أب وابنه بالسكنى والازدراع والاستخدام والركوب اتفاقا، وكذلك الأقارب الشركاء بميراث وغيره على الأظهر، وكذا الشركاء الأجانب الذين الشركة بينهم فتكفي الحيازة عشرة أعوام وإن لم يكن هدم ولا بنيان على الشهود وإن حصل هدم وبناء وغرس فتكفي العشرة الأعوام في الشريك الأجنبي، وفي الشريك القريب مع ذلك قولان، وفي كون ذلك القريب غير الشريك والمولى والصهر الشريكان،

ص: 245

ثالثها في الصهر والمولى دون القريب، وفي كون السكنى والازدراع في العشرة حيازة لمولى وصهر غير شريكين أو إن هدم وبنى أو إن طال جدا أقوال. والله أعلم. ص:(لا بين أب وابنه إلا بكهبة) ش: قال ابن راشد في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: وتحصل الحيازة في كل شيء، بالبيع والهبة والصدقة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والولاء ولو بين أب وابنه، ولو قصرت المدة إلا أنه إن حضر مجلس البيع فسكت حتى انقضى المجلس لزمه البيع في حصته وكان له الثمن، وإن سكت بعد العام ونحوه حتى استحق البائع الثمن بالحيازة مع يمينه، وإن لم يعلم بالبيع إلا بعد وقوعه فقام حين علم أخذ منه، وإن سكت العام ونحوه ولم يكن له إلا الثمن، وإن لم يقم حتى مضت مدة الحيازة لم يكن له شيء واستحقه الحائز، وإن حضر مجلس الهبة والصدقة والتدبير والعتق فسكت حتى انقضى المجلس -لم يكن له شيء، وإن لم يحضر ثم علم فإن قام حينئذ كان له حقه، وإن سكت العام ونحوه فلا شيء له، ويختلف في الكتابة هل تحمل على البيع أو على العتق؟ قولان. انتهى مختصرا.

ص: (وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي ففي الدابة وأمة الخدمة السنتان ويزاد في عبد وعرض) ش: يعني: أنه إنما يفترق بين الدور وغيرها في مدة الحيازة إذا كانت الحيازة بين الأجانب، وأما في حيازة القرابة بعضهم على بعض فلا يفرق بين الدور وغيرها، قال ابن رشد في رسم سلف من سمع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: إن الأقارب والشركاء بالميراث أو بغير الميراث لا خلاف أن الحيازة بينهم لا تكون بالسكنى والازدراع ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالبيع والصدقة والهبة والعتق والكتابة والتدبير والوطء

ص: 246

وإن لم تطل المدة والاستخدام في الرقيق والركوب في الدواب كالسكنى فيما يسكن والازدراع فيما يزرع قال: والاستغلال في ذلك كالهدم والبنيان في الدور وكالغرس في الأرضين ثم قال: ولا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالاعتمار والسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللباس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة وإذا كانت تلبس وتمتهن، وإن السنتين والثلاثة حيازة في الدواب إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كن يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك كله بين الأجنبيين إلى العشرة الأعوام كما يصنع في الأصول. انتهى.

ص: 247

(تنبيهات) : الأولى: علم من كلام ابن رشد أن اللباس في الثياب كالسكنى في الدور وأنه لا تحصل حيازة بين الأقارب ولو طالت المدة وأن الاستقلال في الرقيق والدواب والثياب بمعنى قبض أجرة العبيد والدواب والثياب؛ كالهدم والبنيان في العقار فلا تحصل الحيازة بين الأقارب في الرقيق والثياب والعروض إلا بالاستغلال ويختلف في مدتها على القولين السابقين اللذين أشار إليهما المصنف بقوله: وفي الشريك القريب معهما قولان أو بالأمور المفوتة؛ كالبيع والهبة والصدقة والعتق والوطء ويعلم هذا من كلام المصنف؛ لأنه لما جعل ذلك مفوتا بين الأب وابنه علم أنه مفوت في حق غيرهما من باب أحرى. والله أعلم.

الثاني: فهم من قول المصنف في الأجنبي أن القريب لا تفترق الدار من غيرها في حقه سواء كان شريكا أو غير شريك ففيه إشارة إلى ترجيح القول بتساويهما كما تقدم

ص: 247

ذلك.

الثالث: تقدم في كلام ابن رشد الثياب يكفي في حيازتها السنة والسنتان ولم يتعرض لها المصنف، بل قد يفهم من كلامه دخولها في العروض فتنبه لذلك.

الرابع: التفصيل الذي ذكرناه عن ابن راشد لا يؤخذ من كلام المصنف ولم ينقله في التوضيح وهو أتم فائدة فتأمله. والله أعلم.

الخامس: في المدة التي يسقط بها طلب الدين قال في المسائل الملقوطة من الكتب المبسوطة المنسوب لولد ابن فرحون: الساكت عن طلب الدين ثلاثين سنة لا قول له ويصدق الغريم في دعوى الدفع ولا يكلف الغريم ببينة لا مكان موتهم أو نسيانهم للشهادة. انتهى من [منتخب الحكام] لابن أبي زمنين.

وفي كتاب محمد بن ياسين في مدعي دين سلف بعد عشرين سنة أن المدعى عليه مصدق في القضاء إذ الغالب أن لا يؤخر السلف مثل هذه المدة كالبيوعات. انتهى كلام المسائل الملقوطة، وقال والده ابن فرحون في [تبصرته] في الباب الثاني والستين في القضاء في شهادة الوثيقة والرهن على استيفاء الحق:(فرع) وفي [مختصر الواضحة] في آخر باب الحيازة قال عبد الملك: وقال لي مطرف وأصبغ: إذا ادعى رجل على رجل حقا قديما وقام عليه بذكر حقه وذلك القيام بعد العشرين سنة أخذ به وعلى الآخر البراءة منه.

وفي [مفيد الحكام] : أن ذكر الحق المشهود فيه لا يبطل إلا بطول الزمان كالثلاثين سنة والأربعين وكذلك الدين وإن كانت معروفة في الأصل إذا طال زمانها هكذا ومن هي له وعليه حضور فلا يقوم عليه بدينه إلا بعد هذا بطول الزمان فيقول: قد قضيتك وباد شهودي بذلك فلا شيء على المدين غير اليمين، قال: وكذلك الوصي يقوم عليه اليتيم بعد طول الزمان وينكر قبض ماله من الوصي فإن كانت مدة يهلك في مثلها

ص: 248

شهود الوصي فلا شيء عليه وإلا فعليه البينة بالدفع. انتهى.

وقال البرزلي في أثناء مسائل البيوع: رأيت جوابا وأظنه للمازري في الديون فقال: إذا طال الزمان على الطالب وبيده وثائق وأحكام وهو حاضر مع المطلوب ولا عذر له يمنعه من الطلب من ظلم ونحوه وسكت عن الطلب فاختلف المذهب في حد السكوت القاطع لطلب الديون الثابتة في الوثائق والأحكام هل حد ذلك عشرون سنة، وهو قول مطرف أو ثلاثون سنة، وهو قول مالك واتفقا جميعا على أن ذلك دلالة قاطعة لطلب الطالب، وقوله عليه الصلاة والسلام:«لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم» معلل بوجود الأسباب المانعة من الطلب بالغيبة البعيدة وعدم القدرة على الطلب مع الحضور، حتى إذا ارتفعت هذه الأسباب من الطلب كان طول المدة مع السكوت والحضور دلالة يقوى بها سبب المطلوب، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«من حاز شيئا على خصمه عشر سنين فهو أحق به» ، فأطلق عليه الصلاة والسلام ذكر الحيازة، فهو عام في كل ما يحاز من ريع ومال معين وغيره، ومن اجتهد فحد في الرياع العشر سنين وحد في الدين العشرين والثلاثين - رأى أن ذلك راجع إلى حال الطالب مع المطلوب، فمن غلب على حاله كثرة المشاحنة، وأنه لا يمكن أن يسكت عن خصمه عشر سنين -جعلها حدا قاطعا، ومن جعلها عشرين سنة أو ثلاثين، أي: أنها أقصى ما يمكن السكوت في بيع المتحمل فجعلها حدا قاطعا لأعذار الطالبين؛ لأن الغالب من الحال أنه قضاء، وقد قضى بتغليب الأحوال عمر بن الخطاب، وقاله مالك فيمن له شيء وترك غيره يتصرف فيه ويفعل فيه ما يفعل المالك الدهر الطويل، فإن ذلك مما يسقط الملك ويمنع الطالب من الطلب، قاله مالك

ص: 249

وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، وإذا كان وطول المدة مع حضور الطالب وسكوته مانعا له من الطلب فالطلب ممنوع في سائر المطالب دون وثائق وأحكام وأرباع، بدليل أن السكوت في ذلك يعد كالإقرار المنطوق به من الطالب للمطلوب بأنه لا حق له عليه ولا تباعة ولا طلب.

قلت: هذا الجواب يقتضي، أن ما بعد الثلاثين مجمع عليه، وإذا أجراه على مسائل الحيازة ففيها قريب القرابة والبعيد والمتوسط والمقاطع لقريب والمواصل له فيجرى عليها، وفي بعضها ما يبلغ الخمسين وأكثر مع أني أحفظ لابن رشد في [شرحه] أنه إذا تقرر الدين وثبت لا يبطل وإن طال؛ لعموم الحديث المتقدم، واختاره التونسي إذا كان ذلك بوثيقة مكتوبة وهي في يد الطالب والطلب بسببها؛ لأن بقاءها بيد ربها دليل على أنه لم يقبض دينه إذ العادة إذا قبض دينه أخذ عقده أو مزقه بخلاف إذا كانت الديون بغير عقود، ولو وجدت بغير المطلوب، وإلا ففيها قولان حكاهما ابن رشد وخرجهما على القولين في الرهن إذا وجد بيد الراهن، هل هو إبراء له أم لا لجواز وقوعه وسقوطه أو التسور عليه ونحو ذلك، وقياسه على باب الحيازة فيه نظر؛ لما أصل ابن رشد أن ترجيح الحيازة إنما هو فيما جهل أصله، وأما إذا ثبت أصله بكراء أو إعارة أو إعمار أو غير ذلك، فلا يزال الحكم كذلك وإن طال الزمن، والدين إن ثبت أصله أيضا، وإن كان في هذه الأصل خلاف في كتاب الولاء من [المدونة] ، لكن مذهب ابن القاسم ما ذكره خلافا لقول الغير، وعليه جرى عمل القضاة في هذا الزمان بتونس، ما لم تقترن قرائن تدل على دفع الدين مع طول الزمان فيعمل عليها في البراءة. والله أعلم. انتهى.

ويشير والله أعلم بقوله: وقياسه على باب الحيازة فيه نظر لما أصل

ص: 250