المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ إقامة المسافرالتي تقطع حكم السفر - أبحاث هيئة كبار العلماء - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر

- ‌ ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا:

- ‌ ضابط المثلة الممنوعة

- ‌ مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه

- ‌ شارات الطيارين

- ‌أولا: استعمال آيات القرآن في غير ما أنزلت من أجله:

- ‌ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك:

- ‌ثالثا: امتهان آيات القرآن بحمل الجنب للشعار الذي كتب فيه وقضاء الحاجة به في حمام أو غيره

- ‌بيان ما يسمى معجزة محمدالخالدة والمعجزة القرآنية

- ‌تمهيد:

- ‌مناقشة المحاضرة:

- ‌كلمة تحذيرية حول إنكار رشاد خليفة للسنة المطهرة

- ‌خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى أمين عام المجلس الإسلامي الأوربي

- ‌ التقادم في مسألة وضع اليد

- ‌أولا: الأسباب الشرعية لنقل الملكية مع الأدلة إجمالا:

- ‌ثانيا: أدلة تحريم الاعتداء على أموال الناس:

- ‌ثالثا: تعريف الحيازة:

- ‌رابعا: موضوع البحث:

- ‌خامسا: ذكر آراء الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وشروط ذلك مع الأدلة والتعليل والمناقشة

- ‌تمهيد:

- ‌ النقول عن المذهب الحنفي:

- ‌ النقول عن المذهب المالكي

- ‌ النقول عن المذهب الشافعي

- ‌ النقول من مذهب الحنابلة:

- ‌ كتابه المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌أولا: التمهيد

- ‌ بيان نوع الكتابة التي كانت معهودة عند العرب وقت نزول القرآن الكريم

- ‌ أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث من كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌ثانيا: نقول عن العلماء يتبين منها رأيهم في كتابة المصحف بغير الرسم العثماني:

- ‌ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول عن كتابة المصحف بالرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء:

- ‌رابعا: بيان ما يوجب بقاء كتابة المصاحف بالرسم العثماني

- ‌خلاصة القول:

- ‌وجهة نظرلفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير

- ‌ كتابة المصحف باللاتينية

- ‌أولا: مقدمة في تكييف الموضوع وتصويره:

- ‌ثانيا: مبررات كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية في نظر من فعل ذلك ومناقشتها:

- ‌ثالثا: بيان الموانع التي تمنع شرعا كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر:

- ‌رابعا: الخلاصة:

- ‌ حكم طواف الوداع

- ‌ المالكية:

- ‌ الشافعية:

- ‌ الحنابلة:

- ‌الخلاصة:

- ‌ الحاجز بين المصلي والمقبرة

- ‌ سد الذرائع

- ‌ الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه:

- ‌ نقول عن بعض شراح الحديث

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء:

- ‌بحث في نقل لحوم الهداياوالجزاءات خارج الحرم

- ‌حكم دخول الكافر المساجدوالاستعانة به في عمارتها

- ‌ إقامة المسافرالتي تقطع حكم السفر

الفصل: ‌ إقامة المسافرالتي تقطع حكم السفر

(11)

حكم‌

‌ إقامة المسافر

التي تقطع حكم السفر

هيئة كبار العلماء

بالمملكة العربية السعودية

ص: 551

حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر

إعداد

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وآله وصحبه وبعد:

فبناء على محضر مجلس هيئة كبار العلماء رقم (10) المتخذ في الدورة الخامس الاستثنائية المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع أول عام 1401 هـ المتضمن طلب جمع ما تيسر من أقوال العلماء في حكم إقامة المسافر التي تقطع حكم السفر.

أعدت اللجنة الدائمة بحثا مختصرا في الموضوع شمل نقولا عن بعض العلماء. وفيما يلي تلك النقول. . . والله المستعان:

ص: 553

1 -

قال البخاري رحمه الله في [صحيحه] : (باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر)

1080 -

حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (1) »

(الحديث 1080- طرفاه في: 4298، 4299) .

(1) صحيح البخاري الجمعة (1080) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

ص: 553

1081 -

حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسا يقول: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا (1) » .

(الحديث 1081 - طرفه في: 4297) وقال ابن حجر رحمه الله في شرح ذلك (2) : (باب ما جاء في التقصير) تقول: قصرت الصلاة بفتحتين مخففا قصرا، وقصرتها بالتشديد تقصيرا، وأقصرتها إقصارا والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وقال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح.

وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية، قوله:(وكم يقيم حتى يقصر) في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، قاله الكرماني وأجاب بأن عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها ومنع الزيادة عليها، وأجاب غيره بأن المعنى: وكم إقامته المغياة بالقصر؟ وحاصله كم يقيم مقصرا؟ وقيل: المراد كم يقصر حتى يقيم؟ أي: (حتى) يسمى مقيما فانقلب اللفظ، أو حتى هنا بمعنى حين، أي: كم يقيم حين يقصر؟ وقيل: فاعل يقيم هو المسافر،

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/282) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(2)

[فتح الباري](2\561- 563) .

ص: 554

والمراد إقامته في بلد ما غايتها التي إذا حصلت يقصر. قوله: (عن عاصم) هو ابن سليمان، وحصين بالضم هو ابن عبد الرحمن. قوله:(تسعة عشر) أي: يوما بليلته، زاد في [المغازي] من وجه آخر عن عاصم وحده (بمكة) ، وكذا رواه ابن المنذر عن طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة، وأخرجه أبو داود من هذا الوجه بلفظ (سبعة عشر) بتقديم السين، وكذا أخرجه من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال: وقال عباد بن منصور عن عكرمة (تسع عشرة) كذا ذكرها معلقة وقد وصلها البيهقي. ولأبي داود أيضا من حديث (عمران بن حصين)«غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، (1) » وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس «أقام رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمسة عشر يقصر الصلاة، (2) » وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة عد يومي الدخول الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة عد أحدهما.

وأما رواية (خمسة عشر) فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمسة عشر؛ لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا. وأخذ

(1) سنن الترمذي الجمعة (545) ، سنن أبو داود الصلاة (1229) .

(2)

سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) .

ص: 555

الشافعي بحديث عمران بن حصين لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا، وحجته حديث أنس الذي يليه.

قوله: «فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا (1) » ظاهره أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام، وليس ذلك المراد، وقد صرح أبو يعلى عن شيبان عن أبي عوانة في هذا الحديث بالمراد، ولفظه:«إذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر» ويؤيده صدر الحديث وهو قوله: «أقام (2) » وللترمذي من وجه آخر عن عاصم «فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا (3) » .

قوله في حديث أنس: «خرجنا من المدينة في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلم إلى الحج (4) » ، قوله:«فكان يصلي ركعتين ركعتين (5) » في رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: «إلا في المغرب» ، قوله:«أقمنا بها عشرا (6) » ، لا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وسيأتي بعد باب من حديث ابن عباس «قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة (7) » الحديث.

ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن؛ فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلده قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. وأما قول ابن رشيد: أراد

(1) صحيح البخاري الجمعة (1080) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(2)

سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) .

(3)

سنن الترمذي الجمعة (549) .

(4)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) .

(5)

صحيح البخاري الجمعة (1081) .

(6)

صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/282) .

(7)

صحيح البخاري الجمعة (1085) ، سنن النسائي مناسك الحج (2870) ، مسند أحمد بن حنبل (1/290) .

ص: 556

البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس؛ لأن إقامة عشر داخل في إقامة تسع عشرة- فأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزائد متعين- ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما يجيء على اتحاد القصتين، والحق أنهما مختلفان، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة، بل كان مترددا متى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل، والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس لما كان الأصل في المقيم الإتمام. فلما لم يجئ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر.

وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة كما سيأتي، وفيه: أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها؛ لأن منى وعرفة ليستا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم فليست من مكة قطعا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست مكة إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل جميع الحرم، قال أحمد بن حنبل: ليس لحديث أنس وجه إلا أنه حسب أيام إقامته صلى الله عليه وسلم في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها لا وجه له إلا هذا. وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. والله أعلم. وزعم الطحاوي: أن الشافعي لم يسبق إلى أن المسافر يصير بنية إقامته أربعة أيام مقيما، وقد قال أحمد نحو ما قال الشافعي، وهي رواية عن مالك.

ص: 557

2 -

قال النووي رحمه الله في شرحه للأحاديث الواردة في [صحيح مسلم] : في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، قولها:(فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) .

اختلف العلماء في القصر في السفر: فقال الشافعي ومالك بن أنس وأكثر العلماء: يجوز القصر والإتمام، والقصر أفضل، ولنا قول: أن الإتمام أفضل، ووجه أنهما سواء، والصحيح المشهور: أن القصر أفضل، وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب ولا يجوز الإتمام، ويحتجون بهذا الحديث وبأن أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان القصر واحتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في [صحيح مسلم] وغيره:«أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر، ومنهم المتمم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض، (1) » وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة وغيرها، وهو ظاهر قول الله عز وجل:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} (2) وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة.

وأما حديث «فرضت الصلاة ركعتين (3) » فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع قوله: (فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في

(1) صحيح مسلم الصيام (1117) ، سنن الترمذي الصوم (713) ، سنن النسائي الصيام (2312) ، مسند أحمد بن حنبل (3/45) .

(2)

سورة النساء الآية 101

(3)

صحيح البخاري المناقب (3935) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (685) ، سنن النسائي الصلاة (455) ، سنن أبو داود الصلاة (1198) ، مسند أحمد بن حنبل (6/265) ، موطأ مالك النداء للصلاة (337) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

ص: 558

السفر فقال: إنها تأولت كما تأول عثمان) اختلف العلماء في تأويلهما: فالصحيح الذي عليه المحققون: أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام، وقيل: لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما في منازلهما. وأبطله المحققون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقيل: لأن عثمان تأهل بمكة. وأبطلوه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سافر بأزواجه وقصر، وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه؛ لئلا يظنوا أن فرض الصلاة ركعتان أبدا حضرا وسفرا، وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان، وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج. وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث، وقيل: كان لعثمان أرض بمنى. أبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة، والصواب: الأول، ثم مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور: أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر طاعة، قال الشافعي ومالك وأحمد والأكثرون: ولا يجوز في سفر المعصية وجوزه أبو حنيفة والثوري، ثم قال الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم: لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين، وهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل، وروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة، وقال داود وأهل الظاهر: يجوز في السفر

ص: 559

الطويل والقصير حتى لو كان ثلاثة أميال قصر. قوله: (عن عبد الله بن بابيه) هو بباء موحدة ثم ألف موحدة أخرى مفتوحة ثم مثناة تحت، ويقال فيه: ابن باباه وابن بابي بكسر الباء الثانية. قوله: «عجبت ما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم، فاقبلوا صدقته (1) » هكذا هو في بعض الأصول: «ما عجبت، (2) » وفي بعضها: «عجبت مما عجبت، (3) » وهو المشهور المعروف، وفيه: جواز قول: تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف وهو غلط ظاهر، وقد أوضحته في أواخر كتاب [الأذكار]، وفيه: جواز القصر في غير الخوف وفيه: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئا يشكل عليه يسأله عنه. والله أعلم) .

قوله: في الحضر ركعة، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد جميعا عن القاسم بن مالك قال عمرو: حدثنا قاسم بن مالك المزني حدثنا أيوب بن عائذ الطائي عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: «إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا وفي الخوف ركعة (4) » .

حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (5) » (6) .

(1) صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (686) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3034) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1433) ، سنن أبو داود الصلاة (1199) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1065) ، مسند أحمد بن حنبل (1/36) ، سنن الدارمي الصلاة (1505) .

(2)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (686) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3034) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1433) ، سنن أبو داود الصلاة (1199) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1065) ، مسند أحمد بن حنبل (1/36) ، سنن الدارمي الصلاة (1505) .

(3)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (686) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3034) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1433) ، سنن أبو داود الصلاة (1199) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1065) ، مسند أحمد بن حنبل (1/36) ، سنن الدارمي الصلاة (1505) .

(4)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (687) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1442) ، سنن أبو داود الصلاة (1247) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1068) .

(5)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (688) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1444) ، مسند أحمد بن حنبل (1/337) .

(6)

[شرح النووي على صحيح مسلم](5\194-197) .

ص: 560

3 -

قال الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في كم تقصر الصلاة؟

حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا هشيم، أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، أخبرنا أنس بن مالك قال:«خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين، قال: قلت لأنس: كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة؟ قال: عشرا (1) » .

وفي الباب عن ابن عباس وجابر.

قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح.

وقد روي عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، (2) » قال ابن عباس: «فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة (3) » .

وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة.

وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة.

وروي عنه ثنتي عشرة.

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعا صلى أربعا.

وروى ذلك عنه قتادة وعطاء الخراساني وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.

واختلف أهل العلم بعد في ذلك:

فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.

وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة.

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، سنن الدارمي الصلاة (1510) .

(2)

سنن الترمذي الجمعة (548) .

(3)

صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) .

ص: 561

وأما إسحاق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تأوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.

ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون.

حدثنا هناد أخبرنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: «سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا فصلى تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين، قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا (1) » . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح.

وقال صاحب [تحفة الأحوذي] في شرح ذلك.

[باب ما جاء في كم تقصر الصلاة) ؟!

يريد بيان المدة التي إذا أراد المسافر الإقامة في موضع إلى تلك المدة يتم الصلاة، وإذا أراد الإقامة إلى أقل منها يقصر. وقد عقد البخاري في صحيحه بابا بلفظ:(باب في كم تقصر الصلاة) . لكنه أراد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها جاز له القصر ولا يجوز له في أقل منها. قوله: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة) أي: متوجهين إلى مكة لحجة الوداع (فصلى ركعتين (2) » أي: في الرباعية، وفي رواية الصحيحين على ما في المشكاة «فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة (3) » (قال: عشرا) أي: أقام بمكة عشرا، قال القاري في [المرقاة] : الحديث بظاهره ينافي مذهب الشافعي من أنه إذا أقام أربعة أيام يجب

(1) صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/190) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(3)

صحيح البخاري الجمعة (1081) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) .

ص: 562

الإتمام. انتهى.

قال صاحب [تحفة الأحوذي] رحمه الله في شرحه لذلك:

قلت: قد نقل القاري عن ابن حجر الهيثمي ما لفظه: لم يقم العشر التي أقامها لحجة الوداع بموضع واحد؛ لأنه دخلها يوم الأحد وخرج منها صبيحة الخميس، فأقام بمنى، والجمعة بنمرة وعرفات، ثم عاد السبت بمنى لقضاء نسكه، ثم بمكة لطواف الإفاضة، ثم بمنى يومه فأقام بها بقيته، والأحد والاثنين والثلاثاء إلى الزوال، ثم نفر فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح. فلتفرق إقامته قصر في الكل، وبهذا أخذنا أن للمسافر إذا دخل محلا أن يقصر فيه ما لم يصر مقيما أو ينو إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أو يقيمهما، واستدلوا لذلك بخبر [الصحيحين] ، «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا، (1) » وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار كما روياه أيضا. فالإذن في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها بخلاف الأربعة. انتهى.

وقال الحافظ في [فتح الباري] : «قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة (2) » كما في حديث ابن عباس، ولاشك أنه خرج صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس رضي الله عنه، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. انتهى كلام الحافظ.

قوله: (وفي الباب عن ابن عباس وجابر) أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما

(1) صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1511) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1085) ، سنن النسائي مناسك الحج (2870) ، مسند أحمد بن حنبل (1/290) .

ص: 563

حديث جابر فأخرجه أبو داود.

قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

قوله: (وقد روي عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره (1) » أي: في فتح مكة، وأما حديث أنس المتقدم فكان في حجة الوداع، قاله الحافظ ابن حجر، وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في [صحيحه](تسع عشرة يصلي ركعتين) ، وفي لفظ للبخاري تسعة عشر يوما، وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس سبع عشرة، وفي أخرى له عنه خمس عشرة، وفي حديث عمران بن حصين «شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد، صلوا أربعا، فإنا قوم سفر (2) » رواه أبو داود. (قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة) ، هذا هو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، ومنه أخذ إسحاق بن راهويه ورآه أقوى المذاهب.

(وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة) أخرجه عبد الرزاق بلفظ: إذا أقمت بأرض عشرا فأتمم. فإن قلت: أخرج اليوم أو غدا فصل ركعتين، وإن أقمت شهرا (وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة) أخرجه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، أخبرنا أبو حنيفة حدثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوما فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر الصلاة، وأخرج الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم

(1) سنن الترمذي الجمعة (548) .

(2)

سنن الترمذي الجمعة (545) ، سنن أبو داود الصلاة (1229) .

ص: 564

خمسة عشر يوما أتم الصلاة، وروي عنه ثنتي عشرة، أخرجه عبد الرزاق. كذا في [شرح الترمذي] لسراج أحمد السرهندي.

(وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا) روى محمد بن الحسن في الحجج عن سعيد بن المسيب قال: إذا قدمت بلدة فأقمت خمسة عشر يوما فأتم الصلاة، (واختلف أهل العلم بعد) بالبناء على الضم، أي: بعد ذلك (في ذلك) أي: فيما ذكر من مدة الإقامة (فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع) أي: نوى (على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة) وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال:«أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح (1) » خمس عشرة يقصر الصلاة، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه النسائي بنحوه وفي إسناده محمد بن إسحاق واختلف على ابن إسحاق فيه فروى عنه مسندا ومرسلا وروى عنه عن الزهري من قوله انتهى، وقد ضعف النووي هذه الرواية، لكن تعقبه الحافظ في [فتح الباري] حيث قال: وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في [الخلاصة] وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك فهي صحيحة.. انتهى كلام الحافظ.

واستدلوا أيضا بأثر ابن عمر المذكور، وقد روي عنه توقيت ثنتي عشرة كما حكاه الترمذي (وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة) .

قال الشوكاني في [النيل] : لا يعرف له مستند فرعي، وإنما ذلك اجتهاد

(1) سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) .

ص: 565

من نفسه. انتهى.

قلت: لعله استند بما روي عن ابن عمر توقيت ثنتي عشرة. (وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة) قال في [السبل] صفحة 156: وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا «بمنعه صلى الله عليه وسلم المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في مكة،» فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير مقيما. انتهى. قلت: ورد هذا الاستدلال بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة، واستدلوا أيضا بما روى مالك عن نافع عن أسلم عن عمر: أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثة أيام، قال الحافظ في [التلخيص] : صححه أبو زرعة. (أما إسحاق) يعني: ابن راهويه (فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين (1) » (قال) أي: إسحاق: (لأنه) أي: ابن عباس (روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تأوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم أي: أخذ به وعمل عليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم (ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامته وإن أتى عليه سنون) ، جمع سنة أخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة، قال النووي: إسناده صحيح وفيه عكرمة بن عمار. واختلفوا في الاحتجاج به، واحتج به مسلم في [صحيحه] . انتهى، وأخرج عبد الرزاق في [مصنفه] : أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة. انتهى.

وأخرج البيهقي في المعرفة عن عبيد الله بن عمر عن نافع: أن ابن عمر

(1) سنن الترمذي الجمعة (548) .

ص: 566

قال: ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ركعتين. انتهى. قال النووي: وهذا سند على شرط [الصحيحين] ، كذا في أنصب الراية،، وذكر الزيلعي فيه آثارا أخرى.

قول: «سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا، أي: في فتح مكة كما تقدم (فصلى) ، أي: فأقام فصلى (تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين (1) » ، وفي رواية للبخاري:«أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، (2) » قال الحافظ في [الفتح] : أي: يوما بليلة، زاد في المغازي بمكة، وأخرجه أبو داود بلفظ: سبعة عشر. بتقديم السين، وله أيضا من حديث عمران بن حصين:«غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، (3) » وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، (4) » وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما.

وأما رواية «خمسة عشر (5) » فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. انتهى كلام الحافظ، وقال في [التلخيص] بعد ذكر الروايات المذكورة: ورواية عبد بن حميد عن ابن

(1) صحيح البخاري الجمعة (1080) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1080) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(3)

سنن الترمذي الجمعة (545) ، سنن أبو داود الصلاة (1229) .

(4)

سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) .

(5)

سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) .

ص: 567

عباس بلفظ: أن «النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة أقام عشرين يوما يقصر الصلاة» ما لفظه: قال البيهقي: أصح الروايات في ذلك رواية البخاري، وهي رواية «تسع عشرة، (1) » وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات السابقة باحتمال أن يكون في بعضها لم يعد يومي الدخول والخروج، وهي رواية سبعة عشر وعدها في بعضها، وهي رواية تسع عشرة وعد يوم الدخول، ولم يعد الخروج، وهي رواية ثمانية عشر. قال الحافظ: وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذة أيضا، اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد. انتهى.

قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) ، وأخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد (2)

(1) صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(2)

[تحفة الأحوذي](2\110- 116) .

ص: 568

4 -

قال الكاساني رحمه الله:

(وأما بيان ما يصير المسافر به مقيما، فالمسافر يصير مقيما بوجود الإقامة، والإقامة تثبت بأربعة أشياء. أحدها: صريح نية الإقامة وهو أن ينوي الإقامة خمسة عشر يوما في مكان واحد صالح للإقامة فلا بد من أربعة أشياء: نية الإقامة ونية مدة الإقامة واتحاد المكان وصلاحيته للإقامة (أما) نية الإقامة فأمر لا بد منه عندنا، حتى لو دخل مصرا أو مكث فيه شهرا أو أكثر لانتظار القافلة أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدا ولم ينو الإقامة- لا يصير مقيما، وللشافعي فيه قولان: في قول: إذا أقام أكثر مما أقام رسول

ص: 568

الله صلى الله عليه وسلم بتبوك كان مقيما، وإن لم ينو الإقامة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك تسعة عشر يوما أو عشرين يوما، وفي قول: إذا أقام أربعة أيام كان مقيما، ولا يباح له القصر (احتج) لقوله الأول: إن الإقامة متى وجدت حقيقة ينبغي أن تكمل الصلاة قلت الإقامة أو كثرت؛ لأنها ضد السفر والشيء يبطل بما يضاده إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك

تسعة عشر يوما وقصر الصلاة، فتركنا هذا القدر بالنص، فنأخذ بالقياس فيما وراءه، ووجه قوله الآخر على النحو الذي ذكرنا: أن القياس أن يبطل السفر بقليل الإقامة؛ لأن الإقامة قرار والسفر انتقال والشيء ينعدم بما يضاده فينعدم حكمه ضرورة، إلا أن قليل الإقامة لا يمكن اعتباره؛ لأن المسافر لا يخلو عن ذلك عادة، فسقط اعتبار القليل لمكان الضرورة ولا ضرورة في الكثير والأربعة في حد الكثرة؛ لأن أدنى درجات الكثير أن يكون جمعا، والثلاثة وإن كانت جمعا لكنها أقل الجمع، فكانت في حد القلة من وجه فلم تثبت الكثرة المطلقة، فإذا صارت أربعة صارت في حد الكثرة على الإطلاق؛ لزوال معنى القلة من جميع الوجوه.

(ولنا) : إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإنه روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصلاة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام بأذربيجان شهرا وكان يصلي ركعتين، وعن علقمة: أنه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر، وروي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا الركعتين، ثم قال لأهل مكة:«صلوا أربعا فإنا قوم سفر (1) » والقياس بمقابلة النص والإجماع باطل،

(1) سنن أبو داود الصلاة (1229) .

ص: 569

وأما مدة الإقامة فأقلها خمسة عشر يوما عندنا، وقال مالك والشافعي: أقلها أربعة أيام، وحجتهما ما ذكرنا، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم «رخص للمهاجرين المقام بمكة بعد قضاء النسك ثلاثة أيام (1) » فهذه إشارة إلى أن الزيادة على الثلاث توجب حكم الإقامة.

(ولنا) : ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوما- فأكمل الصلاة وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر.

وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد؛ لأنه من جملة المقادير ولا يظن بهما التكلم جزافا، فالظاهر أنهما قالاه سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى عبد الله بن عباس وجابر وأنس رضي الله عنهم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه دخلوا مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة ومكثوا ذلك اليوم واليوم الخامس واليوم السادس واليوم السابع، فلما كان صبيحة اليوم الثامن وهو يوم التروية خرجوا إلى منى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه ركعتين وقد وطنوا أنفسهم على إقامة أربعة أيام» دل أن التقدير بالأربعة غير صحيح، وما روي من الحديث فليس فيه ما يشير إلى تقدير أدنى مدة الإقامة بالأربعة؛ لأنه يحتمل أنه علم أن حاجتهم ترتفع في تلك المدة فرخص بالمقام ثلاثا لهذا التقدير الإقامة (وأما) اتحاد المكان، فالشرط نية مدة الإقامة في مكان واحد؛ لأن الإقامة قرار والانتقال يضاده ولا بد من الانتقال في مكانين.

وإذا عرف هذا فنقول: إذا نوى المسافر الإقامة خمسة عشر يوما في موضعين؛ فإن كانا مصرا واحدا أو قرية واحدة صار مقيما؛ لأنهما متحدان

(1) صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1512) .

ص: 570

حكما ألا يرى أنه لو خرج إليه مسافرا لم يقصر فقد وجد الشرط وهو نية كمال مدة الإقامة في مكان واحد فصار مقيما، وإن كانا مصرين نحو مكة ومنى أو الكوفة والحيرة أو قريتين أو أحدهما مصر والآخر قرية- لا يصير مقيما؛ لأنهما مكانان متباينان حقيقة وحكما، ألا ترى أنه لو خرج إليه المسافر يقصر فلم يوجد الشرط وهو نية الإقامة في موضع واحد خمسة عشر يوما فلغت نيته، فإن نوى المسافر أن يقيم بالليالي في أحد الموضعين ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر؛ فإن دخل أولا الموضع الذي نوى المقام فيه بالنهار لا يصير مقيما، وإن دخل الموضع الذي نوى الإقامة فيه بالليالي يصير مقيما، ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا؛ لأن موضع إقامة الرجل حيث يبيت فيه ألا ترى أنه إذا قيل للسوقي: أين تسكن يقول: في محلة كذا، وهو بالنهار يكون بالسوق.

وذكر في كتاب المناسك: أن الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الإقامة خمسة عشر يوما أو دخل قبل أيام العشر لكن بقي إلى يوم التروية أقل من خمسة عشر يوما ونوى الإقامة، لا يصح؛ لأنه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا تتحقق نية إقامته خمسة عشر يوما فلا يصح، وقيل: كان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة، وذلك أنه كان مشغولا يطلب الحديث قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الإقامة شهرا فجعلت أتم الصلاة فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت فإنك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا

ص: 571

تصير مسافرا فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه وإنما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ علم الفقه فيصير مبعثة للطلبة على طلبه. (وأما) المكان الصالح للإقامة فهو موضع اللبث والقرار في العادة نحو الأمصار والقرى، وأما المفازة والجزيرة أو السفينة فليست موضع الإقامة، حتى لو نوى الإقامة في هذه المواضع خمسة عشر يوما لا يصير مقيما. كذا روي عن أبي حنيفة وروي عن أبي يوسف في الأعراب والأكراد والتركمان إذا نزلوا بخيامهم في موضع ونووا الإقامة خمسة عشر يوما صاروا مقيمين.

فعلى هذا إذا نوى المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يوما يصير مقيما كما في القرية، وروي عنه أيضا أنهم لم يصيروا مقيمين. فعلى هذا إذا نوى المسافر الإقامة فيه لا يصح، ذكر الروايتين عن أبي يوسف في العيون فصار الحاصل أن عند أبي حنيفة لا يصير مقيما في المفازة وإن كان ثمة قوم وطنوا ذلك المكان بالخيام والفساطيط، وعن أبي يوسف روايتان وعلى هذا الإمام إذا دخل دار الحرب مع الجند ومعهم أخبية وفساطيط فنووا الإقامة خمسة عشر يوما في المفازة، والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأن موضع الإقامة موضع القرار، والمفازة ليست موضع القرار في الأصل فكانت النية لغوا، ولو حاصر المسلمون مدينة من مدائن أهل الحرب ووطنوا أنفسهم على إقامة خمسة عشر يوما لم تصح نية الإقامة ويقصرون، وكذا إذا نزلوا المدينة وحاصروا أهلها في الحصن، وقال أبو يوسف: إن كانوا في الأخبية والفساطيط خارج البلدة، فكذلك وإن كانوا في الأبنية صحت نيتهم. وقال زفر في الفصلين جميعا: إن كانت الشوكة والغلبة للمسلمين

ص: 572

صحت نيتهم وإن كانت للعدو لم تصح. وجه قول زفر: أن الشوكة إذا كانت للمسلمين يقع الأمن لهم من إزعاج العدو إياهم، فيمكنهم القرار ظاهرا فنية الإقامة صادفت محلها فصحت، وأبو يوسف يقول: الأبنية موضع الإقامة فتصح نية الإقامة فيها بخلاف الصحراء.

(ولنا) : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن رجلا سأله وقال: إنا نطيل الثواء في أرض الحرب فقال: صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك، ولأن نية الإقامة نية القرار، وإنما تصح في محل صالح للقرار ودار الحرب ليست موضع قرار المسلمين المحاربين؛ لجواز أن يزعجهم العدو ساعة فساعة لقوة تظهر لهم؛ لأن القتال سجال أو تنفذ لهم في المسلمين حيلة؛ لأن الحرب خدعة فلم تصادف النية محلها فلغت، ولأن غرضهم من المكث هنالك فتح الحصن دون التوطن وتوهم انفتاح الحصن في كل ساعة قائم فلا تتحقق نيتهم إقامة خمسة عشر يوما، فقد خرج الجواب عما قالا، وعلى هذا الخلاف إذا حارب أهل العدل البغاة في دار الإسلام في غير مصر أو حاصروهم ونووا الإقامة خمسة عشر يوما، واختلف المتأخرون في الأعراب والأكراد والتركمان الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف: قال بعضهم: لا يكونون مقيمين أبدا وإن نووا الإقامة مدة الإقامة؛ لأن المفازة ليست موضع الإقامة، والأصح أنهم مقيمون؛ لأن عادتهم الإقامة في المفاوز دون الأمصار والقرى فكانت المفاوز لهم كالأمصار والقرى لأهلها، ولأن الإقامة للرجل أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر، بل ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى حتى لو ارتحلوا عن أماكنهم وقصدوا موضعا آخر بينهما مدة سفر صاروا مسافرين

ص: 573

في الطريق (1) .

(1)[البدائع](1\97- 99) .

ص: 574

5 -

قال ابن القاسم رحمه الله: قلت لمالك: الرجل المسافر يمر بقرية من قراه في سفره وهو لا يريد أن يقيم بقريته تلك إلا يومه وليلته وفيها عبيده وبقره وجواريه وليس له بها أهل ولا ولد (قال) : يقصر الصلاة إلا أن يكون نوى أن يقيم فيها أربعة أيام أو يكون فيها أهله وولده، فإن كان فيها أهله وولده أتم الصلاة وإن أقام أربعة أيام أتم الصلاة. (قلت) : أرأيت إن كانت هذه القرية التي فيها أهله وولده مر بها في سفره وقد هلك أهله وبقي فيها ولده أيتم الصلاة أم يقصر؟ (قال) : يقصر، قال: إنما محمل هذا عند مالك إذا كانت له مسكنا أتم الصلاة وإن لم تكن له مسكنا لم يتم الصلاة.

(قال) : وقال مالك: صلاة الأسير في دار الحرب أربع ركعات إلا أن يسافر به فيصلي ركعتين (قال) : وقال مالك: لو أن عسكرا دخل دار الحرب فأقام في موضع واحد شهرا أو شهرين أو أكثر من ذلك فإنهم يقصرون الصلاة. قال: ليس دار الحرب كغيرها (قال) : وإذا كانوا في غير دار الحرب فنووا إقامة أربعة أيام أتموا الصلاة. (قلت) له: وإن كانوا في غير قرية ولا مصر كان مالك يأمرهم أن يتموا؛ قال: نعم، (قلت) : أرأيت إن أقاموا على حصن حاصروه في أرض العدو شهرين أو ثلاثة أيقصرون الصلاة؟ (قال) : قال مالك: نعم، يقصرون الصلاة (قال) وكيع بن الجراح: عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بخراسان في الغزو قال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، من حديث وكيع عن المثنى بن

ص: 574

سعيد الضبعي عن أبي جمرة (قال) مالك: إن عائشة قالت: «فرضت الصلاة ركعتين فأتمت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى (1) » .

(قال) ابن وهب: عن يحيى بن أيوب عن حميد الطويل عن رجل عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام سبع عشرة ليلة يصلي ركعتين وهو محاصر للطائف» قال: (وكان عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب يقولان: إذا أجمع المسافر على مقام أربعة أيام أتم الصلاة) .

(وقال) ابن شهاب ويحيى بن سعيد في الأسير في أرض العدو: إنه يتم الصلاة ما كان محبوسا (2) انتهى.

قال ابن رشد: وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر فاختلاف كثير حكى فيه أبو عمر نحوا من أحد عشر قولا، إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: مذهب مالك والشافعي: أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم.

والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري: أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم.

والثالث: مذهب أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم.

وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع؛ ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل

(1) صحيح البخاري المناقب (3935) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (685) ، سنن النسائي الصلاة (455) ، سنن أبو داود الصلاة (1198) ، مسند أحمد بن حنبل (6/265) ، موطأ مالك النداء للصلاة (337) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(2)

[المدونة] ص 114- 117.

ص: 575

لها حكم المسافر.

فالفريق الأول: احتجوا لمذهبهم بما روي «أنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة ثلاثا يقصر في عمرته» وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير، وإنما فيه حجة على أن يقصر في الثلاثة فما دونها.

والفريق الثاني: احتجوا لمذهبهم بما «روي أنه أقام بمكة عام الفتح مقصرا، وذلك نحو من خمسة عشر يوما (1) » في بعض الروايات، وقد روي «سبعة عشر يوما» «وثمانية عشر يوما» «وتسعة عشر يوما، (2) » رواه البخاري عن ابن عباس، وبكل قال فريق.

والفريق الثالث: احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصرا أربعة أيام، وقد احتجت المالكية لمذهبها:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للمهاجر ثلاثة أيام بمكة مقاما بعد قضاء نسكه (3) » فدل هذا عندهم على أن إقامته ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها، وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام: أعني: متى يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الإقامة مدة لا يرتفع فيها عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبدا وإن أقام ما شاء الله.

ومن راعى الزمان الأقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الأكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلا: إن الخمسة عشر يوما التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها وهو أبدا ينوي ألا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حدوه. والأشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان الذي روي

(1) سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1076) .

(2)

صحيح البخاري المغازي (4298) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(3)

صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1511) .

ص: 576

عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ذلك حدا من جهة أن الأصل هو الإتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إن الأصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع، وما ورد من «أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقصرا» أكثر من ذلك الزمان. فيحتمل أن يكون إقامة؛ لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون إقامة بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مقصرا باتفاق فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا من الأمصار، وهذا بناء على أن اسم المسافر واقع عليه حتى يقدم مصرا من الأمصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر (1) .

6 -

قال النووي رحمه الله: قال المصنف رحمه الله:

إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيما وانقطعت رخص السفر؛ لأنه بالثلاث لا يصير مقيما؛ لأن المهاجرين رضي الله عنهم حرم عليهم الإقامة بمكة، ثم رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموا ثلاثة أيام، فقال صلى الله عليه وسلم:«يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (2) » وأجلى عمر رضي الله عنه اليهود، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا، وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب؛ لأنه مسافر فيه إقامته في بعضه لا تمنع من كونه مسافرا؛ لأنه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم، ولأن مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم.

(1)[بداية المجتهد] ص 122، 123

(2)

صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1512) .

ص: 577

وإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان:

(أحدهما) : يقصر؛ لما روى أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة.

(والثاني) : لا يقصر؛ لأنه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلم يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب، وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا انتجزت رحل، ولم ينو مدة ففيه قولان:

(أحدهما) : يقصر سبعة عشر يوما؛ لأن الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة. وقد روى ابن عباس قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة» ، وبقي فيما زاد على حكم الأصل.

و (الثاني) : يقصر أبدا؛ لأنه إقامة على حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر، وخرج أبو إسحاق قولا ثالثا: إنه يقصر إلى أربعة أيام الإقامة أبلغ في نية الإقامة؛ لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ، والنية يلحقها الفسخ، ثم ثبت أنه لو نوى الإقامة أربعة أيام لم يقصر، فلأن يقصر إذا أقام أولى، (الشرح) حديث "" رواه البخاري ومسلم، وحديث:«يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (1) » رواه البخاري ومسلم أيضا من رواية العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه.

وحديث عمر رضي الله عنه أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا، صحيح رواه مالك في [الموطأ] بإسناده الصحيح، فرواه عن نافع عن أسلم مولى عمر، وحديث «إقامة الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة» رواه البيهقي بإسناد صحيح، إلا أن فيه عكرمة بن عمار، وهو مختلف في الاحتجاج به، وقد روى له مسلم في [صحيحه] .

(1) صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1512) .

ص: 578

وأما حديث ابن عباس فرواه البخاري في [صحيحه] ، لكن في رواية البخاري تسعة عشر بنقصان واحد من عشرين، ووقع في بعض روايات أبي داود والبيهقي سبعة عشر بنقصان ثلاثة من عشرين، وكذا وقع في [المهذب] .

أما ألفاظ الفصل فقوله: أجلى عمر اليهود: معناه أخرجهم من ديارهم، قال أهل اللغة: يقال: جلا القوم خرجوا من منازلهم، وأجليتهم وجلوتهم أخرجتهم. ورامهرمز - بفتح الميم الأولى وضم الهاء وإسكان الراء وآخره زاي- وهي بلاد معروفة، وقوله: تسعة أشهر هو بالتاء. في أول تسعة، وقوله: الإقامة لا يلحقها الفسخ هو بالفاء، أي: لا ترفع بعد وجودها، والنية يمكن قطعها وإبطالها. أما الأحاديث الواردة بالإقامة المقيدة ففي حديث ابن عباس تسعة عشر يوما كما ذكرنا عن رواية البخاري.

وفي رواية لأبي داود والبيهقي بإسناد صحيح على شرط البخاري سبعة عشر وفي رواية أخرى لأبي داود والبيهقي عن ابن عباس خمسة عشر، ولكنها ضعيفة مرسلة، وكان حديث ابن عباس هذا في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لحرب هوازن في عام الفتح، وروى أبو داود والبيهقي عن عمران بن حصين:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثمان عشرة ليلة يقصر الصلاة،» إلا أن في إسناده من لا يحتج به.

قال البيهقي: أصح الروايات في حديث ابن عباس تسعة عشر، وهي التي ذكرها البخاري، قال: ويمكن الجمع بين رواية ثمان عشرة وتسع عشرة وسبع عشرة، فإن من روى تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج ومن روى سبع عشرة لم يعدهما، ومن روى ثمان عشرة عد أحدهما.

وروى أبو داود والبيهقي عن جابر «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما

ص: 579

يقصر الصلاة، (1) » لكن روي مسندا ومرسلا، قال بعضهم: ورواية المرسل أصح (قلت) : ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام يجمع على جلالته وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند.

أما حكم الفصل: فقال الشافعي والأصحاب: إذا نوى في أثناء طريقه الإقامة مطلقا انقطع سفره فلا يجوز الترخص بشيء بالاتفاق، فلو جدد السير بعد ذلك فهو سفر جديد، فلا يجوز القصر إلا أن يقصد مرحلتين هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلد أو قرية أو واد يمكن البدوي الإقامة به ونحو ذلك، فأما المفازة ونحوها ففي انقطاع السفر والرخص بنية الإقامة فيها قولان مشهوران:

أصحهما عند الجمهور: انقطاعه؛ لأنه ليس بمسافر، فلا يترخص حتى يفارقها.

والثاني: لا ينقطع، وله الترخص؛ لأنه لا يصلح للإقامة، فنيته لغو، هذا كله إذا نوى الإقامة وهو ماكث، أما إذا نواها وهو سائر فلا يصير مقيما بلا خلاف، صرح به البندنيجي وغيره؛ لأن سبب القصر السفر، وهو موجود حقيقة، أما إذا نوى الإقامة في بلد ثلاثة أيام فأقل فلا ينقطع الترخص بلا خلاف وإن نوى إقامة أكثر من ثلاثة أيام.

قال الشافعي والأصحاب: إن نوى إقامة أربعة أيام صار مقيما وانقطعت الرخص، وهذا يقتضي أن نية دون أربعة لا تقطع السفر وإن زاد على ثلاثة، وقد صرح به كثيرون من أصحابنا.

(1) سنن أبو داود الصلاة (1235) ، مسند أحمد بن حنبل (3/295) .

ص: 580

وفي كيفية احتساب الأربعة وجهان حكاهما البغوي وآخرون: (إحداهما: يحسب منها يوما الدخول والخروج، كما يحسب يوم الحدث، ويوم نزع الخف من مدة المسح.

(وأصحهما) وبه قطع المصنف والجمهور: لا يحسبان لما ذكره المصنف. فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال بنية الخروج يوم الأربعاء وقت الزوال صار مقيما، وعلى الثاني: لا يصير، وإن دخل ضحوة السبت بنية الخروج عشية الأربعاء.

وأما قول إمام الحرمين والغزالي: متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام صار مقيما- فموافق لما قاله الأصحاب؛ لأنه لا يمكن زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج بحيث لا يبلغ الأربعة.

ثم الأيام المحتملة معدودة بلياليها ومتى نوى أربعة صار مقيما في الحال ولو دخل في الليل لم يحسب بقية الليل، ويحسب الغد، هذا كله في غير المحارب.

أما المحارب، وهو: المقيم على القتال بحق ففيه قولان مشهوران:

(أحدهما) : يقصر أبدا؛ لما ذكره المصنف وهو اختيار المزني، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وعلى هذا يقصر أبدا، وإن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.

(وأصحهما) عند الأصحاب: أنه كغيره فلا يقصر إذا نوى إقامة أربعة أيام، وممن صححه القاضي أبو الطيب والماوردي والرافعي وآخرون.

قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: وهو اختيار الشافعي، وأجابوا عن حديث أنس بأنهم لم يقيموا تسعة أشهر في مكان واحد، بل كانوا يتنقلون

ص: 581

في تلك الناحية، أما إذا أقام في بلد أو قرية لشغل فله حالان:

(أحدهما) : أن يتوقع انقضاء شغله قبل أربعة أيام، ونوى الارتحال عند فراغه فله القصر إلى أربعة أيام بلا خلاف، وفيما زاد عليها طريقان:

(الصحيح) منهما، وقول الجمهور: أنه على ثلاثة أقوال:

(أحدها) : يجوز القصر أبدا سواء فيه المقيم لقتال أو لخوف من القتال أو لتجارة وغيرها.

(والثاني) : لا يجوز القصر أصلا.

(والثالث) : وهو الأصح عند الأصحاب: يجوز القصر ثمانية عشر يوما فقط، وقيل: على هذا يجوز سبعة عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين، وسمى إمام الحرمين هذه أقوالا.

والطريق الثاني: أن هذه الأقوال في المحارب، وأما غيره فلا يجوز له القصر بعد أربعة أيام قولا واحدا، وبه قال أبو إسحاق: كما حكاه المصنف عنه، وإذا جمعت هذه الأقوال والأوجه وسميت أقوالا كانت سبعة.

(أحدها) : لا يجوز القصر بعد أربعة أيام.

(والثاني) : يجوز إلى سبعة عشر يوما (وأصحها) إلى ثمانية عشر، و (الرابع) : إلى تسعة عشر، و (الخامس) : إلى عشرين، و (السادس) : أبدا، و (السابع) : للمحارب مجاوزة أربعة وليس لغيره، ودليل الجميع يعرف مما ذكره المصنف، وذكرناه.

(الحال الثاني) : أن يعلم أن شغله لا يفرغ قبل أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج- كالمتفقه والمقيم لتجارة كبيرة ولصلاة الجمعة ونحوها، وبينه وبينها أربعة أيام فأكثر- فإن كان محاربا وقلنا في الحال:

ص: 582

الأول: لا يقصر فهاهنا أولى، وإلا فقولان:

(أحدهما) : يترخص أبدا (وأصحهما) : لا يتجاوز ثمانية عشر، إن كان غير محارب، فالمذهب أنه لا يترخص أصلا، وبه قطع الجمهور.

(والثاني) : أنه كالمحارب حكاه الرافعي وآخرون وقالوا: هو غلط (فإن قيل) : ثبت في [صحيحي البخاري ومسلم]، عن أنس قال:«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصر حتى أتى مكة فأقمنا بها عشرا فلم يزل يقصر حتى رجع، (1) » فهذا كان في حجة الوداع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نوى إقامة هذه المدة، (فالجواب) ما أجاب به البيهقي وأصحابنا في كتب المذهب.

قالوا: ليس مراد أنس أنهم أقاموا في نفس مكة عشرة أيام، بل طرق الأحاديث الصحيحة من روايات جماعة من الصحابة متفقة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة فأقام بها ثلاثة ولم يحسب يوم الدخول ولا الثامن؛ لأنه خرج فيه إلى منى فصلى بها الظهر والعصر وبات بها، وسار منها يوم التاسع إلى عرفات، ورجع فبات بمزدلفة، ثم أصبح فسار إلى منى فقضى نسكه، ثم أفاض إلى مكة فطاف للإفاضة ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثا يقصر ثم نفر فيها بعد الزوال في ثالث أيام التشريق فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع ثم رحل من مكة قبل صلاة الصبح فلم يقم صلى الله عليه وسلم أربعا في موضع واحد، والله أعلم.

(فرع) لو سافر عبد مع سيده وامرأة مع زوجها، فنوى العبد والمرأة إقامة أربعة أيام ولم ينو السيد والزوج فوجهان حكاهما صاحب [البيان] وغيره:(أحدهما) : ينقطع رخصهما كغيرهما، و (الثاني) : لا ينقطع؛ لأنه لا اختيار لهما في الإقامة فلغت نيتهما. قال صاحب البيان: ولو نوى

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1438) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/145) ، سنن الدارمي الصلاة (1510) .

ص: 583

الجيش الإقامة مع الأمير ولم ينو هو فيحتمل أنه على الوجهين (قلت) : الأصح في الجميع أنهم يترخصون؛ لأنه لا يتصور منهم الجزم بالإقامة.

ص: 584

7 -

قال ابن قدامة رحمه الله (1) :

مسألة: (وإذا نوى الإقامة ببلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر) .

المشهور عن أحمد رحمه الله: أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام إذا نوى الإقامة فيها: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه: إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم، حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلا قصر، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وروي عن عثمان رضي الله عنه وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا؛ لأن الثالث حد القلة؛ «لقوله عليه الصلاة والسلام: يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا (2) » فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، فإن نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة، ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي رضي الله عنه قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا. شهرا، وعن ابن عباس أنه

(1)[الشرح الكبير مع المغني](2\107، 108) المكتبة السلفية

(2)

صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1511) .

ص: 584

قال: يقصر إذا أقام تسعة عشر يوما ويتم إذا زاد؛ لأن «النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، (1) » قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا. رواه البخاري، وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة، وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا.

ولنا ما روى أنس قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة (2) » . متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام» وقد أجمع على إقامتها قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله:«أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة، (3) » وقال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسابعة، ثم قال: ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة،» فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابة لا يصح؛ لأنا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر

(1) صحيح البخاري المغازي (4298) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/282) .

(3)

صحيح البخاري المغازي (4297) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/190) .

ص: 585

وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الإقامة. قال أحمد: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة: زمن الفتح ثماني عشرة؛ لأنه أراد حنينا ولم يكن تم إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس، وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن. والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله لما سئل عن رجل مسافر إلى بلد، ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر فهل يتم الصلاة أم لا؟

فأجاب: إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة، كما «فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة. فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة» . وإن كان أكثر ففيه نزاع. والأحوط أن يتم الصلاة.

وأما إن قال: غدا أسافر، أو بعد غد أسافر. ولم ينو المقام فإنه يقصر أبدا، فإن «النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (1) » . والله أعلم.

وسئل عن رجل جرد إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم مدة شهرين، فهل يجوز له القصر؟ وإذا جاز القصر، فالإتمام أفضل أم القصر؟

فأجاب: الحمد لله.. هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح: أن كلاهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه.

وكذلك تنازعوا في الأفضل: فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط، فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود، لا ثلاثة ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا

(1) سنن أبو داود الصلاة (1235) ، مسند أحمد بن حنبل (3/295) .

ص: 586

خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة.

وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام، ولا أكثر. كما «أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان» . وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل له، فمادام المسافر مسافرا يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورا. والله أعلم. كتبه أحمد بن تيمية (1) .

وقال (2) : وتقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، سواء قل أو كثر.

ولا يتقدر بمدة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب [المغني] فيه، وسواء كان مباحا أو محرما، ونصره ابن عقيل في موضع. وقاله بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي، وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا. وروي هذا عن جماعة من الصحابة.

وقرر أبو العباس قاعدة نافعة: وهي أن ما أطلقه الشارع بعمل يطلق مسماه ووجوده. ولم يجز تقديره وتحديده بمدة. فلهذا كان الماء قسمين: طاهرا طهورا أو نجسا. ولا حد لأقل الحيض وأكثره ما لم تصر مستحاضة، ولا لأقل سنة وأكثره، ولا لأقل السفر.

(1)[مجموعة الفتاوى](24\17، 18)

(2)

[الاختيارات الفقهية] ص72، 73

ص: 587

أما خروجه إلى بعض عمل أرضه وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى قباء فلا يسمى سفرا. ولو كان بريدا. ولهذا لا يتزود ولا يتأهب له أهبة السفر. هذا مع قصر المدة. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة سفر، لا البعيدة في المدة القليلة.

ولا حد للدرهم والدينار، فلو كان أربعة دوانق أو ثمانية خالصا أو مغشوشا قل غشه أو كثر، لا درهما أسود- عمل به في الزكاة والسرقة وغيرهما.

ولا تأجيل في الدية وأنه نص أحمد فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤجلها. وإن رأى الإمام تأجيلها فعل؛ لأن عمر أجلها، فأيهما رأى الإمام فعل. وإلا فإيجاب أحد الأمرين لا يسوغ والخلع فسخ مطلقا.. والكفارة في كل أيمان المسلمين.

وقال ابن القيم رحمه الله بعد كلامه على هديه صلى الله عليه وسلم لسفره: «وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة،» ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم (1) » - فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وقد روى كان يقصر ويتم الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم، أي: تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين، قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل، ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم، كيف والصحيح عنها: «أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت

(1) صحيح البخاري الجمعة (1102) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (689) ، سنن الترمذي الجمعة (544) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1458) ، سنن أبو داود الصلاة (1223) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1071) .

ص: 588

صلاة السفر (1) » فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه؟! قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس وغيره: أنها تأولت كما تأول عثمان، وأن «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما (2) » فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي فغلط بعض الرواة، فقال: كان يقصر ويتم، أي: هو والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل: ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر.

وهذا التأويل غير صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة، والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابه بالشفاء وإن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته: أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له، وقد يقال: أن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين: الضرب بالأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصر فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها، إن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها

(1) صحيح البخاري المناقب (3935) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (685) ، سنن النسائي الصلاة (454) ، سنن أبو داود الصلاة (1198) ، مسند أحمد بن حنبل (6/241) ، موطأ مالك النداء للصلاة (337) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1102) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (689) ، سنن الترمذي الجمعة (544) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1458) ، سنن أبو داود الصلاة (1223) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1071) .

ص: 589

وأنها لم تدخل في قصر الآية، والأول: اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني: يدل عليه كلام الصحابة؛ كعائشة وابن عباس وغيرهما قالت عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر (1) » - فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك وأن فرض المسافر ركعتان.

وقال ابن عباس: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، (2) » متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى (3) » . وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما بالنا نقصر وقد أمنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«صدقة تصدق بها الله عليكم، فاقبلوا صدقته (4) » ، ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر.

وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء المصلي فعله، وإن شاء أتم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف، كما سنذكره هناك ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى.

وقال أنس: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي

(1) صحيح البخاري المناقب (3935) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (685) ، سنن النسائي الصلاة (455) ، سنن أبو داود الصلاة (1198) ، مسند أحمد بن حنبل (6/265) ، موطأ مالك النداء للصلاة (337) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(2)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (687) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1442) ، سنن أبو داود الصلاة (1247) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1068) .

(3)

سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1063) ، مسند أحمد بن حنبل (1/37) .

(4)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (686) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3034) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1433) ، سنن أبو داود الصلاة (1199) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1065) ، مسند أحمد بن حنبل (1/36) ، سنن الدارمي الصلاة (1505) .

ص: 590

ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة (1) » متفق عليه، «ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر ركتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (2) » متفق عليه.

ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما، بل الأولى على قول، وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال:«صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان في السفر لا يزيد على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان، (3) » يعني: في صدر خلافة عثمان وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه وقد خرج لفعله تأويلات:

أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا حديثي عهد بالإسلام والعهد بالصلاة قريب ومع هذا فلم يربع لهم النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أنه كان إماما للناس والإمام حيثما نزل فهو عمله ومحل ولايته فكأنه وطنه. ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو أولى بذلك وكان هو الإمام المطلق ولم يربع.

التأويل الثالث: أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت فضاء؛ ولهذا «قيل

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن الترمذي الجمعة (548) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن أبو داود الصلاة (1233) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/187) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1084) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (695) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1449) ، سنن أبو داود المناسك (1960) ، مسند أحمد بن حنبل (1/416) ، سنن الدارمي المناسك (1874) .

(3)

صحيح البخاري الجمعة (1102) ، سنن الترمذي الجمعة (544) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1458) ، سنن أبو داود الصلاة (1223) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1071) ، مسند أحمد بن حنبل (2/140) ، سنن الدارمي المناسك (1875) .

ص: 591

له: يا رسول الله، ألا تبني لك بمنى بيتا يظللك من الحر؟ فقال: لا، منى مناخ من سبق (1) » فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويل بأن النبي صلى الله عليه وسلم «أقام بمكة عشرا يقصر في الصلاة (2) » .

التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثا. وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (3) » فسماه مقيما والمقيم غير مسافر، ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد «أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشرا يقصر الصلاة، وأقام بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة (4) » .

التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة. فلهذا أتم، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة.

وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى، فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين وقد «منع صلى الله عليه وسلم المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نسكه، ورخص لهم فيها ثلاثة أيام فقط (5) » فلم يكن عثمان ليقيم بها، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، إنما رخص فيها ثلاثا؛ وذلك لأنهم تركوها لله، وما ترك لله فإنه لا يعاد فيه ولا يسترجع؛ ولهذا «منع النبي صلى الله عليه وسلم من شراء المتصدق لصدقته، وقال لعمر: لا تشترها ولا تعد في صدقتك (6) » فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن.

التأويل السادس: أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم، ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن أبي ذئاب عن أبيه قال: «صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس، لما قدمت تأهلت بها، وإني

(1) سنن الترمذي الحج (881) ، سنن أبو داود المناسك (2019) ، سنن ابن ماجه المناسك (3007) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) ، سنن الدارمي المناسك (1937) .

(2)

صحيح البخاري المغازي (4297) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/190) .

(3)

صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1512) .

(4)

صحيح البخاري المغازي (4297) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/190) .

(5)

صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1511) .

(6)

صحيح البخاري الزكاة (1489) ، صحيح مسلم الهبات (1621) ، سنن النسائي الزكاة (2617) ، سنن أبو داود الزكاة (1593) ، مسند أحمد بن حنبل (2/55) ، موطأ مالك الزكاة (625) .

ص: 592

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم (1) » رواه الإمام أحمد رحمه الله في [مسنده] ، وعبد الله بن الزبير الحميدي في [مسنده] أيضا.

وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في [تاريخه] ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله ومالك وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت فكان وطنها، وهو أيضا اعتذار ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أيضا وأمومة أزواجه فرع عن أبوته، ولم يكن يتم لهذا السبب، وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق علي، قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتمها عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم،. وقد قالت عائشة: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم وقصر، ثم روي عن إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمر عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة «قالت: كل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في السفر وأتم،» قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء، وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي عن الدارقطني عن المحاملي، حدثنا سعيد ابن محمد بن أيوب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يقصر الصلاة في السفر ويتم ويفطر ويصوم» . قال

(1) مسند أحمد بن حنبل (1/62) .

ص: 593

الدارقطني: وهذا إسناد صحيح، ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري عن عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة:«أنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت قال: أحسنت يا عائشة، (1) » وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة «فرضت الصلاة ركعتين: فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، (2) » فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟! قال الزهري لعروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر (3) » أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له، والله أعلم.

وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن، فقال له ابن عمر: يا أخي، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. وقد قال أنس: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فكان يصلي

(1) سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1456) .

(2)

صحيح البخاري المناقب (3935) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (685) ، سنن النسائي الصلاة (455) ، سنن أبو داود الصلاة (1198) ، مسند أحمد بن حنبل (6/265) ، موطأ مالك النداء للصلاة (337) ، سنن الدارمي الصلاة (1509) .

(3)

صحيح البخاري الجمعة (1102) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (689) ، سنن الترمذي الجمعة (544) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1458) ، سنن أبو داود الصلاة (1223) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1071) .

ص: 594

ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، (1) » وقال ابن عمر:«صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، (2) » وهذه كلها أحاديث صحيحة (3) .

مسألة: وقال الأثرم عنه: إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بحديث جابر وابن عباس قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وكذا نقل ابن الحكم ونقل المروزي إذا عزم على مقام إحدى وعشرين صلاة فليتم؛ لأن «النبي صلى الله عليه وسلم صلى الغداة يوم التروية بمكة، وكذلك نقل حرب إذا دخل إلى قرية نوى أن يقيم أربعة أيام وزيادة صلاة أتم،» وكذا نقل ابن أصرم وصالح والكوسج إذا أزمع على إقامة أربعة أيام وزيادة يتم في أول يوم.

واحتج بحديث جابر، قال أبو حفص: هذه الرواية ليست مستقصاة والأدلة مستقصاة أنه لا يلزمه الإتمام بالعزيمة على إقامة أربعة أيام وزيادة صلاة حتى ينوي أكثر من ذلك فكيف يقول: إذا أزمع على إقامة أربع وزيادة صلاة أتم. ويحتج بحديث جابر في هذا المقدار وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد قيل له: يا أبا عبد الله، يحكون أنك تقول: إذا أجمع على إقامة أكثر من أربعة وصلاة أتم، فقال: لا يفهمون، النبي صلى الله عليه وسلم أجمع على إقامة أربع وصلاة فقصر. ونقل عنه أيوب بن إسحاق بن سافري: أنه قال: إن أزمع على إقامة خمسة أيام يتم وما دون ذلك يقصر، قال أبو حفص: ليس في هذا خلاف لذلك؛ لأنه إذا أوجب الإتمام بإقامة أكثر من

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1102) ، سنن الترمذي الجمعة (544) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1458) ، سنن أبو داود الصلاة (1223) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1071) ، مسند أحمد بن حنبل (2/140) ، سنن الدارمي المناسك (1875) .

(3)

[زاد المعاد](1\128ـ 130)

ص: 595

أربعة أيام وزيادة صلاة فبخمسة أيام أولى أن يوجب الإتمام. وقوله: ما دون ذلك يقصر يحتمل أن يكون أراد به الأربعة أيام وزيادة صلاة؛ لأنها دون الخمسة أيام، ويحتمل أن يكون ذكره لليوم الخامس؛ لأن الصلاتين بعد الأربعة أيام من اليوم الخامس لا أنه أراد إكمال اليوم الخامس. وقد بين ذلك في رواية طاهر بن محمد التميمي فقال: إذا نوى إقامة أربعة أيام وأكثر من صلاة من اليوم الخامس أتم فقد بين مراده من ذكر اليوم الخامس أنه بعضه؛ لأنه أكثر من مقام النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم الذي قصر فيه الصلاة. قال القاضي: وظاهر كلام أبي حفص هذا أن المسألة على رواية واحدة، وأن مدة الإقامة ما زاد على إحدى وعشرين صلاة وتأول بقية الروايات.

واحتج في ذلك بحديث جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة صبح رابعة فصلى بها الغداة وخامسة وسادسة وسابعة أربعة أيام كوامل وزاد صلاة؛ لأنه صلى الغداة يوم التروية بمكة بالأبطح وخرج يوم الخامس إلى منى فصلى الظهر بمنى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» .

ويجوز أن يحمل كلام أحمد على ظاهره، فيكون في قدر الإقامة ثلاث روايات:

(إحداها) : ما زاد على إحدى وعشرين، اختارها الخرقي وأبو حفص.

(الثانية) : ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة؛ لأنها مدة تزيد على الأربعة فكان بها مقيما. دليله: إذا نوى زيادة على إحدى وعشرين.

(الثالثة) : ما نقص عن خمسة أيام ولو بوقت صلاة؛ لأنها مدة تنقص

ص: 596

عن خمسة أيام، فكان في حكم السفر دليله مدة إحدى وعشرين أو عشرين (1) .

(1) مسائل فقهية عن الإمام أحمد بن حنبل ص 116-118 [بدائع الفوائد]

ص: 597

8 -

وقال ابن حزم رحمه الله:

قال علي: واختلف الناس في هذا فروينا عن ابن عمر: أنه كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة، ورويناه أيضا عن سعيد بن المسيب، وبه يقول: أبو حنيفة وأصحابه.

وروينا عن طريق أبي داود ثنا محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث، ثنا عاصم عن عكرمة عن ابن عباس:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة (1) » قال ابن عباس: من أقام سبع عشرة يقصر الصلاة قال ابن عباس: من أقام سبع عشرة بمكة قصر ومن أقام فزاد أتم. وروي عن الأوزاعي إذا أجمع إقامة ثلاث عشرة ليلة أتم فإن نوى أقل قصر. وعن ابن عمر قول آخر: أنه كان يقول: إذا أجمعت إقامة ثنتي عشرة ليلة، فأتم الصلاة. وعن علي بن أبي طالب: إذا أقمت عشرا فأتم الصلاة، وبه يأخذ سفيان الثوري والحسن بن حيي وحميد الرواسي صاحبه.

وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وبه يأخذ مالك والشافعي والليث، إلا أنهم يشترطون أن ينوي إقامة أربع، فإن لم ينوها قصر وإن بقي حولا.

وعن سعيد بن المسيب قول آخر وهو: إذا أقمت ثلاثا فأتم.

ومن طريق وكيع عن شعبة عن أبي بشر- هو جعفر بن أبي وحشية - عن

(1) سنن أبو داود الصلاة (1230) .

ص: 597

سعيد بن جبير: إذا أراد أن يقيم أكثر من خمس عشرة أتم الصلاة.

وعن سعيد بن جبير قول آخر: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم الصلاة.

وعن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال: كنا مع مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف.

وعن وكيع عن شعبة عن أبي التياح الضبعي عن أبي المنهال العنزي قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولا لا أشد على المسير؟ قال: صل ركعتين.

وعن وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر: أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر ارتج عليهم الثلج فكان يصلي ركعتين قال علي: الوالي لا ينوي رحيلا قبل خمس عشرة ليلة بلا شك وكذلك من ارتج عليه الثلج فقد أيقن أنه لا ينحل إلى أول الصيف.

وقد أمر ابن عباس من أخبره أنه مقيم سنة لا ينوي سيرا بالقصر.

وعن الحسن وقتادة: يقصر المسافر ما لم يرجع إلى منزله إلا أن يدخل مصرا من أمصار المسلمين.

قال علي: احتج أصحاب أبي حنيفة بأن قولهم أكثر ما قيل: وأنه مجمع عليه أنه إذا نوى المسافر إقامة ذلك المقدار أتم ولا يخرج عن حكم القصر إلا بإجماع.

قال علي: وهذا باطل. وقد أوردنا عن سعيد بن جبير أنه يقصر حين ينوي أكثر من خمسة عشر يوما، وقد اختلف عن ابن عمر نفسه، وخالفه ابن عباس كما أوردنا وغيره فبطل قولهم عن أن يكون له حجة، واحتج لمالك والشافعي مقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق

ص: 598

العلاء بن الحضرمي: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا (1) » قالوا: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين الإقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم عز وجل غرباء عن أوطانهم لوجهه عز وجل، ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك. قالوا: فكانت الثلاث خارجة عن الإقامة المكروهة لهم، وكان ما زاد عنها داخلا في الإقامة المكروهة ما نعلم لهم حجة غير هذا أصلا.

وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس في هذا الخبر نص ولا إشارة إلى المدة التي إذا أقامها المسافر أتم، وإنما هو في حكم المهاجر، فما الذي أوجب أن يقاس المسافر يقيم على المهاجر يقيم، هذا لو كان القياس حقا، وكيف وكله باطل؟

وأيضا فإن المسافر يباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث لا كراهية في شيء من ذلك، وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث فأما نسبة بين إقامة مكروهة وإقامة مباحة لو أنصفوا أنفسهم؟

وأيضا فإن ما زاد على الثلاثة الأيام للمهاجر داخل عندهم في حكم أن يكون مسافرا لا مقيما، وما زاد على الثلاثة للمسافر، فإقامة صحيحة، وهذا مانع من أن يقاس أحدهما على الآخر، ولو قيس أحدهما على الآخر لوجب أن يقصر المسافر فيما زاد على الثلاث لا أن يتم، بخلاف قولهم.

وأيضا فإن إقامة قدر صلاة واحدة زائدة على الثلاثة مكروهة، فينبغي عندهم إذا قاسوا عليه المسافر أن يتم ولو نوى زيادة صلاة على الثلاثة الأيام وهكذا قال أبو ثور، فبطل قولهم على كل حال، وعريت الأقوال كلها عن

(1) صحيح البخاري المناقب (3933) ، صحيح مسلم الحج (1352) ، سنن الترمذي الحج (949) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455) ، سنن أبو داود المناسك (2022) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073) ، مسند أحمد بن حنبل (5/52) ، سنن الدارمي الصلاة (1512) .

ص: 599

حجة، فوجب أن نبين البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى وقوته.

قال علي: أما الإقامة في الجهاد والحج والعمرة فإن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض. ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القصر إلا مع السفر لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة. هذا حكم الشريعة والطبيعة معا.

فإن ذلك كذلك، فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك، فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص، وقد صح بإجماع أهل النقل أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في حال سفره فأقام باقي نهاره وليلته ثم رحل في اليوم الثاني، وأنه عليه الصلاة والسلام قصر في باقي يومه ذلك وفي ليلته التي بين يومي نقلته،» فخرجت هذه الإقامة عن حكم الإقامة في الإتمام والصيام، ولولا ذلك لكان مقيم ساعة له حكم الإقامة. كذلك من ورد على ضيعة له أو ماشية أو عقار فنزل هنالك فهو مقيم، فله حكم الإقامة كما قال ابن عباس، إذ لم نجد نصا في مثل هذه الحال ينقلها عن حكم الإقامة وهو أيضا قول الزهري وأحمد بن حنبل.

ولم نجد عنه عليه السلام أنه أقام يوما وليلة لم يرحل فيهما فقصر وأفطر إلا في الحج والعمرة والجهاد فقط، فوجب بذلك ما ذكرنا من أن من أقام في خلال سفره يوما وليلة لم يظعن في أحدهما فإنه يتم ويصوم، وكذلك من مشى ليلا وينزل نهارا فإنه يقصر باقي ليلته ويومه الذي بين ليلتي حركته، وهذا قول روي عن ربيعة.

ص: 600

ونسأل من أبى هذا عمن مشى في سفر تقصر فيه الصلاة عندهم نوى إقامة وهو سائر لا ينزل ولا يثبت اضطر لشدة الخوف إلى أن يصلي فرضه راكبا ناهضا أو ينزل لصلاة فرضه ثم يرجع إلى المشي: أيقصر أو يتم؟ فمن قولهم يقصر، فصح أن السفر هو المشي.

ثم نسألهم عمن نوى إقامة وهو نازل غير ماش: أيتم أم يقصر؟ فمن قولهم يتم. فقد صح أن الإقامة هي السكون لا المشي متنقلا، وهذا نفس قولنا، ولله تعالى الحمد.

وأما الجهاد والحج فإن عبد الله بن ربيع قال: ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله، قال:«أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (1) » .

قال علي: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ثقة، وباقي رواة الخبر أشهر من أن يسأل عنهم. وهذا أكثر ما «روي عنه عليه السلام في إقامته بتبوك،» فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بهذا الخبر، وقال أبو حنيفة ومالك: يقصر مادام مقيما في دار الحرب.

قال علي: وهذا خطأ لما ذكرنا من أن الله تعالى لم يجعل ولا رسوله عليه السلام الصلاة ركعتين إلا في السفر، وأن الإقامة خلاف السفر، لما ذكرنا.

وقال الشافعي وأبو سليمان كقولنا في الجهاد. وروينا عن ابن عباس، مثل قولنا نصا إلا أنه خالف في المدة.

وأما الحج والعمرة فلما حدثناه عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح،

(1) سنن أبو داود الصلاة (1235) ، مسند أحمد بن حنبل (3/295) .

ص: 601

حدثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال:«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع، قال: كم أقام بمكة؟ قال: عشرا (1) » .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، حدثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفريري، ثنا البخاري، ثنا موسى، ثنا وهب عن أيوب السختياني عن أبي العالية البراء عن ابن عباس قال:«قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج (2) » وذكر الحديث.

قال علي: فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذي الحجة، فبالضرورة نعلم أنه أقام بمكة ذلك اليوم الرابع من ذي الحجة، والثاني وهو الخامس من ذي الحجة، والثالث وهو السادس من ذي الحجة، والرابع وهو السابع من ذي الحجة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من الظهر من اليوم الثامن من الحجة، وأنه خرج عليه السلام إلى منى قبل صلاة الظهر من اليوم الثامن من ذي الحجة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من الأمة، فتمت له بمكة أربعة أيام وأربع ليال كملا، أقامها عليه السلام ناويا للإقامة هذه المدة بها بلا شك، ثم خرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة، كما ذكرنا.

وهذا يبطل قول من قال: إن نوى إقامة أربعة أيام أتم؛ لأنه عليه السلام نوى بلا شك إقامة هذه المدة ولم يتم، ثم كان عليه السلام بمنى اليوم الثامن من ذي الحجة وبات بها ليلة يوم عرفة، ثم أتى إلى عرفة بلا شك في اليوم التاسع من ذي الحجة، فبقي هنالك إلى أول الليلة

(1) صحيح البخاري الجمعة (1081) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (693) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1452) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1077) ، مسند أحمد بن حنبل (3/190) .

(2)

صحيح البخاري الجمعة (1085) ، صحيح مسلم الحج (1240) ، سنن النسائي مناسك الحج (2870) .

ص: 602

العاشرة (1) إلى منى فكان بها. ونهض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة. إما في اليوم العاشر وإما في الليلة الحادية عشرة بلا شك في أحد الأمرين ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثة أيام ودفع منها في آخر اليوم الرابع بعد رمي الجمار بعد زوال الشمس، وكانت إقامته عليه السلام بمنى أربعة أيام غير نصف يوم، ثم أتى إلى مكة فبات الليلة الرابعة عشرة بالأبطح، وطاف بها طواف الوداع، ثم نهض في آخر ليلته تلك إلى المدينة، فكمل له عليه السلام بمكة ومنى وعرفة ومزدلفة عشر ليال كملا كما قال أنس فصح قولنا، وكان معه عليه السلام متمتعون، وكان هو عليه السلام قارنا، فصح ما قلناه في الحج والعمرة، ولله الحمد، فخرجت هذه الإقامة بهذا الأثر في الحج والعمرة حيث أقام عن حكم سائر الإقامات، ولله تعالى الحمد.

فإن قيل: أليس قد رويتم من طريق ابن عباس وعمران بن الحصين روايات مختلفة في بعضها، «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسع عشرة، (2) » وفي بعضها «ثمان عشرة (3) » وفي بعضها «سبع عشرة، (4) » وفي بعضها «خمس عشرة يقصر الصلاة؟ (5) »

قلنا: نعم، وقد بين ابن عباس إن هذا كان في عام الفتح، وكان عليه السلام في جهاد وفي دار حرب؛ لأن جماعة من أهل مكة كصفوان وغيره لهم مدة موادعة لم تنقض بعد، ومالك بن عوف في هوازن قد جمعت له العساكر بحنين على بضعة عشر ميلا، وخالد بن سفيان الهذلي على أقل من ذلك يجمع هذيلا لحربه، والكفار محيطون به محاربون له، فالقصر

(1) ثم نهض إلى مزدلفة فبات بها الليلة العاشرة ثم نهض في صباح اليوم العاشر

(2)

صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(3)

سنن أبو داود الصلاة (1229) ، مسند أحمد بن حنبل (4/431) .

(4)

صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1230) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

(5)

صحيح البخاري المغازي (4300) ، سنن الترمذي الجمعة (549) ، سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1453) ، سنن أبو داود الصلاة (1231) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1075) .

ص: 603

واجب بعد في أكثر من هذه الإقامة، وهو عليه السلام يتردد من مكة إلى حنين ثم إلى مكة معتمرا ثم إلى الطائف، وهو عليه السلام يوجه السرايا إلى من حول مكة من قبائل العرب، كبني كنانة وغيرهم، فهذا قولنا، وما دخل عليه السلام مكة قط من حين خرج عنها مهاجرا إلا في عمرة القضاء أقام بها ثلاثة أيام فقط، ثم حين فتحها كما ذكرنا محاربا، ثم في حجة الوداع أقام بها كما وصفنا ولا مزيد.

قال علي: وأما قولنا: إن هذه الإقامة لا تكون إلا بعد الدخول في أول دار الحرب وبعد الإحرام فلأن القاصد إلى الجهاد مادام في دار الإسلام فليس في حال جهاد، ولكنه مريد للجهاد وقاصد إليه، وإنما هو مسافر كسائر المسافرين، إلا أجر نيته فقط، وهو ما لم يحرم فليس يعد في عمل حج ولا عمل عمرة، لكنه مريد لأن يحج أو لأن يعتمر، فهو كسائر من يسافر ولا فرق.

قال علي: وكل هذا لا حجة لهم فيه؛ لأن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إذ أقام بمكة أياما: إني إنما قصرت أربعا؛ لأني في حج ولا لأني في مكة، ولا قال إذ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر: إني إنما قصرت؛ لأني في جهاد، فمن قال شيئا من هذا فقد قوله عليه الصلاة والسلام ما لم يقل. وهذا لا يحل.

فصح يقينا أنه لولا مقام النبي عليه الصلاة والسلام في تبوك عشرين يوما يقصر وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرا ولكان مقيم يومه يلزمه الإتمام. لكن لما أقام عليه الصلاة والسلام عشرين يوما بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يوما إذا أقامها المسافر، فله فيها حكم السفر. فإن أقام أكثر أو نوى إقامة أكثر فلا برهان

ص: 604

يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلا.

ولا فرق بين من خص الإقامة في الجهاد بعشرين يوما يقصر فيها وبين من خص ذلك بتبوك دون سائر الأماكن، وهذا كله باطل لا يجوز القول به إذ لم يأت به نص قرآن ولا سنة، وبالله التوفيق.

ووجب أن يكون الصوم بخلاف ذلك؛ لأنه لم يأت فيه نص أصلا. فمن نوى إقامة يوم في رمضان فإنه يصوم، وبالله التوفيق.

قال علي: وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أقام في مكان ينوي خروجا غدا أو اليوم، فإنه يقصر ويفطر ولو أقام كذلك أعواما. قال أبو حنيفة: وكذلك لو نوى خروجا ما بينه وبين خمسة عشر يوما، ونوى إقامة أربعة عشر يوما فإنه يفطر ويقصر.

وقال مالك: يقصر ويفطر وإن نوى إقامة ثلاثة أيام فإنه يفطر ويقصر، وإن نوى أخرج اليوم أخرج غدا قصر ولو بقي كذلك أعواما.

قال علي: ومن العجب العجيب إسقاط أبي حنيفة النية حيث افترضها الله تعالى من الوضوء للصلاة وغسل الجنابة والحيض وبقائه في رمضان ينوي الفطر إلى قبل زوال الشمس، ويجيز كل ذلك بلا نية، ثم يوجب النية فرضا في الإقامة، حيث لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أوجبها برهان نظري.

قال علي: وبرهان صحة قولنا أن الحكم لإقامة المدد التي ذكرنا- كانت هنالك نية لإقامة أو لم تكن- فهو أن النيات إنما تجب فرضا في الأعمال التي أمر الله تعالى بها فلا يجوز أن تؤدى بلا نية، وأما عمل لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فلا معنى للنية فيه، إذ لم يوجبها هنالك قرآن ولا سنة

ص: 605

ولا نظر ولا إجماع، والإقامة ليست عملا مأمورا به، وكذلك السفر، وإنما هما حالان أوجب الله تعالى فيهما العمل الذي أمر الله تعالى به فيهما، فذلك العمل هو المحتاج إلى النية لا الحال، وهم موافقون لنا أن السفر لا يحتاج إلى نية، ولو أن امرءا خرج لا يريد سفرا فدفعته ضرورات لم يقصد لها حتى صار من منزله على ثلاث ليال، أو سير به مأسورا أو مكرها محمولا مجبرا فإنه يقصر ويفطر، وكذلك يقولون فيمن أقيم به كرها فطالت به مدته فإنه يتم ويصوم.

وكذلك يقولون فيمن اضطر للخوف إلى الصلاة راكبا أو ماشيا، فذلك الخوف وتلك الضرورة لا يحتاج فيها إلى نية. وكذلك النوم لا يحتاج إلى نية وله حكم في إسقاط الوضوء وإيجاب تجديده وغير ذلك. وكذلك الإجناب لا يحتاج إلى نية وهو يوجب الغسل. وكذلك الحدث لا يحتاج إلى نية وهو يوجب حكم الوضوء والاستنجاء، فكل عمل لم يؤمر به لكن أمر فيه بأعمال موصوفة فهو لا يحتاج إلى نية، ومن جملة هذه الأعمال هي الإقامة والسفر، فلا يحتاج فيهما إلى نية أصلا، لكن متى وجدا وجب لكل واحد منهما الحكم الذي أمر الله تعالى به فيه ولا مزيد.

وبالله تعالى التوفيق وهذا قول الشافعي وأصحابنا.

هذا ما تيسر لنا جمعه، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

عبد الله بن قعود

عبد الله بن غديان

عبد الرزاق عفيفي

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

ص: 606