المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بحث في نقل لحوم الهداياوالجزاءات خارج الحرم - أبحاث هيئة كبار العلماء - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر

- ‌ ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا:

- ‌ ضابط المثلة الممنوعة

- ‌ مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه

- ‌ شارات الطيارين

- ‌أولا: استعمال آيات القرآن في غير ما أنزلت من أجله:

- ‌ثانيا: مشابهة الكفار في جنس اتخاذ الشعارات وتقليدهم في ذلك:

- ‌ثالثا: امتهان آيات القرآن بحمل الجنب للشعار الذي كتب فيه وقضاء الحاجة به في حمام أو غيره

- ‌بيان ما يسمى معجزة محمدالخالدة والمعجزة القرآنية

- ‌تمهيد:

- ‌مناقشة المحاضرة:

- ‌كلمة تحذيرية حول إنكار رشاد خليفة للسنة المطهرة

- ‌خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى أمين عام المجلس الإسلامي الأوربي

- ‌ التقادم في مسألة وضع اليد

- ‌أولا: الأسباب الشرعية لنقل الملكية مع الأدلة إجمالا:

- ‌ثانيا: أدلة تحريم الاعتداء على أموال الناس:

- ‌ثالثا: تعريف الحيازة:

- ‌رابعا: موضوع البحث:

- ‌خامسا: ذكر آراء الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وشروط ذلك مع الأدلة والتعليل والمناقشة

- ‌تمهيد:

- ‌ النقول عن المذهب الحنفي:

- ‌ النقول عن المذهب المالكي

- ‌ النقول عن المذهب الشافعي

- ‌ النقول من مذهب الحنابلة:

- ‌ كتابه المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌أولا: التمهيد

- ‌ بيان نوع الكتابة التي كانت معهودة عند العرب وقت نزول القرآن الكريم

- ‌ أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث من كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء

- ‌ثانيا: نقول عن العلماء يتبين منها رأيهم في كتابة المصحف بغير الرسم العثماني:

- ‌ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول عن كتابة المصحف بالرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء:

- ‌رابعا: بيان ما يوجب بقاء كتابة المصاحف بالرسم العثماني

- ‌خلاصة القول:

- ‌وجهة نظرلفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير

- ‌ كتابة المصحف باللاتينية

- ‌أولا: مقدمة في تكييف الموضوع وتصويره:

- ‌ثانيا: مبررات كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية في نظر من فعل ذلك ومناقشتها:

- ‌ثالثا: بيان الموانع التي تمنع شرعا كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر:

- ‌رابعا: الخلاصة:

- ‌ حكم طواف الوداع

- ‌ المالكية:

- ‌ الشافعية:

- ‌ الحنابلة:

- ‌الخلاصة:

- ‌ الحاجز بين المصلي والمقبرة

- ‌ سد الذرائع

- ‌ الحاجز الذي ينبغي أن يكون بين المصلي والمقبرة التي تكون أمامه:

- ‌ نقول عن بعض شراح الحديث

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء:

- ‌بحث في نقل لحوم الهداياوالجزاءات خارج الحرم

- ‌حكم دخول الكافر المساجدوالاستعانة به في عمارتها

- ‌ إقامة المسافرالتي تقطع حكم السفر

الفصل: ‌بحث في نقل لحوم الهداياوالجزاءات خارج الحرم

(9)

‌بحث في نقل لحوم الهدايا

والجزاءات خارج الحرم

هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

ص: 497

بحث في نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم

إعداد

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فبناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء من تأجيل البت في موضوع نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم مطلقا، وعند استغناء فقراء الحرم، وأن يعد بحث في الموضوع ليتمكن من مناقشة الموضوع في الدورة السادسة عشرة، بناء على ذلك فقد جمعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية نقولا عن بعض فقهاء المذاهب الأربعة، وهذه النقول مشتملة على بيان مذاهب الفقهاء فيمن يجب صرف اللحم لهم، وحكم نقله للفقراء خارج الحرم.

وفيما يلي ذكر النقول مرتبة على حسب المذاهب، وبالله التوفيق.

ص: 499

أولا: الفقه الحنفي

1 -

قال في [بدائع الصنائع] : وأما مكان هذا الدم فالحرم، لا يجوز في غيره؛ لقوله تعالى:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (1) ومحله: الحرم،

(1) سورة الفتح الآية 25

ص: 499

والمراد منه هدي المتعة؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (1) والهدي: اسم لما يهدى إلى بيت الله الحرام، أي: يبعث وينقل إليه (2) .

2 -

ذكر في [فتح القدير] : (وقوله: (إليه) مرجع الضمير التوقف بالحرم، المفهوم من قوله:(يذبح في الحرم)، مع قوله: والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، والآية وهي قوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (3) إما في الإحصار بخصوصه أو فيه وفي غيره أو هو من عموم اللفظ الوارد على سبب خاص - فيتناول منع الحلق قبل الإعمال في الحصر وبعدها في غيره إلى أن يبلغ الهدي محله، ويبين محله بقوله تعالى:{ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (4)) .

3 -

قوله: (ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم) ، سواء كان تطوعا أو غيره، قال تعالى في جزاء الصيد:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (5) فكان أصلا في كل دم وجب كفارة، وقال تعالى في دم الإحصار:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (6) وقال في الهدايا مطلقا: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (7) ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان، فالإضافة ثابتة

(1) سورة البقرة الآية 196

(2)

[بدائع الصنائع](3\ 1205) ، لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي المتوفى عام 587 هـ.

(3)

سورة البقرة الآية 196

(4)

سورة الحج الآية 33

(5)

سورة المائدة الآية 95

(6)

سورة البقرة الآية 196

(7)

سورة الحج الآية 33

ص: 500

في مفهومه وهو الحرم بالإجماع، ويجوز الذبح في أي موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى، ومن الناس من قال: لا يجوز إلا بمنى، والصحيح ما قلنا. قال عليه الصلاة والسلام:«كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر (1) » رواه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر، فتحصل أن الدماء قسمان: ما يختص بالزمان والمكان، وما يختص بالمكان فقط (2) .

4 -

قال السرخسي رحمه الله في جزاء الصيد: (وإذا قتل المحرم صيدا فعليه قيمة الصيد في الموضع الذي قتله فيه إن كان الصيد يباع ويشترى في ذلك الموضع، وإلا ففي أقرب المواضع من ذلك الموضع مما يباع ذلك الصيد ويشترى في ذلك الموضع، مما له نظير من النعم أو لا نظير له في قولي أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى -، وقال محمد والشافعي - رحمهما الله تعالى - فيما له نظير: إلى نظيره من النعم الذي يشبهه في المنظر لا إلى القيمة)(3) .

5 -

فإن اختار التكفير بالهدي فعليه الذبح في الحرم والتصدق بلحمه على الفقراء؛ لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (4) فالهدي: اسم لما يهدى إلى موضع معين، وإن اختار الإطعام اشترى بالقيمة طعاما، فيطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة (5) .

6 -

قال السرخسي رحمه الله في [المبسوط] : الأصل في حكم

(1) سنن أبو داود المناسك (1937) ، سنن ابن ماجه المناسك (3048) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1879) .

(2)

[شرح فتح القدير](2\ 323، 324) .

(3)

[المبسوط](2\ 82) .

(4)

سورة المائدة الآية 95

(5)

[المبسوط](2\ 82) .

ص: 501

الإحصار قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} (1) أي: منعتم من إتمامها، {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) شاة تبعثونها إلى الحرم لتذبح، ثم تحلقون، لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (3) فعلى المحصر إذا كان محرما بالحج أن يبعث بثمن هدي يشترى له بمكة فيذبح عنه يوم النحر فيحل من إحرامه، وهذا قول علمائنا - رحمهم الله تعالى - أن هدي الإحصار مختص بالحرم، وعلى قول الشافعي رحمه الله لا يختص بالحرم ولكن يذبح الهدي في الموضع الذي يحصر فيه، وحجته في ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه رضي الله عنهم معتمرا فأحصر بالحديبية فذبح هداياه وحلق بها وقاضاهم على أن يعود من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام بغير سلاح فيقضي عمرته (4) » فإنما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي في الموضع الذي أحصر فيه، ولأنه لو بعث بالهدي لا يأمن ألا يفي المبعوث على يده، أو يهلك الهدي في الطريق، وإذا ذبحه في موضعه يتيقن بوصول الهدي إلى محله وخروجه من الإحرام بعد إراقة دمه فكان هذا أولى، وحجتنا في ذلك قوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (5) والمراد به: الحرم بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (6) بعد ما ذكر الهدايا، ولأن التحلل بإراقة دم هو قربة، وإراقة الدم لا يكون قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم، أو زمان مخصوص وهو أيام النحر، ففي غير ذلك المكان والزمان لا تكون قربة، ونقيس هذا الدم بدم المتعة من حيث إنه تحلل به عن الإحرام، وذلك

(1) سورة البقرة الآية 196

(2)

سورة البقرة الآية 196

(3)

سورة البقرة الآية 196

(4)

صحيح البخاري الصلح (2701) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) .

(5)

سورة البقرة الآية 196

(6)

سورة الحج الآية 33

ص: 502

يختص بالحرم فكذا هذا، وأما ما روي فقد اختلفت الروايات في نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا حين أحصر، فروي «أنه بعث الهدايا على يدي ناجية، لينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ماذا أصنع فيما يعطب منها؟ قال: انحرها، واصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صفحة سنامها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا رفقتك منها شيئا (1) » وهذه الرواية أقرب إلى موافقة الآية قال الله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (2) فأما الرواية الثانية إن صحت فنقول: الحديبية من الحرم فإن نصفها من الحل، ونصفها من الحرم، ومضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه كان في الحرم، فإنما سيقت الهدايا إلى جانب الحرم منها ونحرت في الحرم، فلا يكون للخصم فيه حجة، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بذلك؛ لأنه ما كان يجد في ذلك الوقت من يبعث الهدايا على يده إلى الحرم (3) .

7 -

وقال ابن عابدين:

قوله: (ما يهدى) مأخوذ من الهدية التي هي أعم من الهدي لا من الهدي، وإلا لزم ذكر المعرف في التعريف فيلزم تعريف الشيء بنفسه، قلت:(لو أخذ من الهدي يكون تعريفا لفظيا وهو سائغ) واحترز بقوله: (إلى الحرم) عما يهدى إلى غيره نعما كان أو غيره، وبقوله:(من النعم) عما يهدى إلى الحرم من غير النعم، فإطلاق الفقهاء في باب الأيمان

(1) صحيح مسلم الحج (1325) ، سنن أبو داود المناسك (1763) ، مسند أحمد بن حنبل (1/279) .

(2)

سورة الفتح الآية 25

(3)

[المبسوط] للسرخسي (4\ 106، 107) .

ص: 503

والنذور والهدي على غيره مجاز، وبقوله:(ليتقرب به) أي: بإراقة دمه فيه، أي: في الحرم عما يهدى من النعم إلى الحرم هدية لرجل، وأفاد به أنه لا بد فيه من النية، أي: ولو دلالة (1) .

8 -

قال الجصاص في تفسيره: [أحكام القرآن] :

باب المحصر أين يذبح الهدي؟

قال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (2) واختلف السلف في المحل ما هو؟ فقال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعطاء وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين: هو الحرم. وهو قول أصحابنا والثوري.

وقال مالك والشافعي: محله الموضع الذي أحصر فيه فيذبحه ويحل. والدليل على صحة القول الأول: أن المحل اسم لشيئين: يحتمل أن يراد به الوقت، ويحتمل أن يراد به المكان. ألا ترى أن محل الدين هو وقته الذي تجب المطالبة به، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير:«اشترطي في الحج وقولي: محلي حيث حبستني (3) » فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان

فلما كان محتملا للأمرين ولم يكن هدي الإحصار في العمرة مؤقتا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية - وجب أن يكون مراده المكان، فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار؛ لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله بوقوع الإحصار، ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية، فدل ذلك على أن المراد بالمحل: هو الحرم؛ لأن كل من لا يجعل موضع

(1)[رد المحتار على الدر المختار] لابن عابدين (2\ 614) .

(2)

سورة البقرة الآية 196

(3)

صحيح البخاري النكاح (5089) ، صحيح مسلم الحج (1207) ، سنن النسائي مناسك الحج (2768) ، مسند أحمد بن حنبل (6/202) .

ص: 504

الإحصار محلا للهدي فإنما يجعل المحل الحرم، ومن جعل محل الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناه، ومن جهة أخرى وهو أن قوله تعالى:{وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} (1) إلى قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2) ودلالته على صحة قولنا في الحل من وجهين: أحدهما: عمومه في سائر الهدايا، والآخر: ما فيه من بيان معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (3) فإذا كان الله قد جعل للمحل البيت العتيق فغير جائز لأحد أن يجعل المحل غيره، ويدل عليه قوله تعالى في جزاء الصيد:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (4) فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي فلا يجوز شيء منه دون وجوده فيه، كما أنه لما قال في الظهار وفي القتل:{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (5) فقيدها بفعل التتابع لم يجز فعلهما إلا على هذا الوجه، وكذلك قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (6) لا يجوز إلا على الصفة المشروطة، وكذلك قال أصحابنا في سائر الهدايا التي تذبح أنها لا تجوز إلا في الحرم. ويدل عليه أيضا قوله تعالى في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (7) فأوجب على المحصر دما، ونهاه عن الحلق حتى

(1) سورة الحج الآية 30

(2)

سورة الحج الآية 33

(3)

سورة البقرة الآية 196

(4)

سورة المائدة الآية 95

(5)

سورة النساء الآية 92

(6)

سورة النساء الآية 92

(7)

سورة البقرة الآية 196

ص: 505

يذبح هديه، فلو كان ذبحه في الحل جائزا لذبح صاحب الأذى هديه عن الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى، فدل على أن الحل ليس بمحل الهدي، فإن قيل: هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار. قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك خطابا فيمن لا يجد الدم؛ لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك، ولا يكون مخيرا بين الأشياء الثلاثة إلا وهو واجد لها؛ لأنه لا يجوز التخيير بين ما يجد وبين ما لا يجد، فثبت بذلك أن محل الهدي هو الحرم دون محل الإحصار. ومن جهة النظر لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله الحرم وأنه لا يجزئ في غيره - وجب أن يكون كذلك حكم كل دم تعلق وجوبه بالإحرام، والمعنى الجامع بينهما تعلق وجوبهما بالإحرام، فإن قيل: قال الله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (1) وذلك في شأن الحديبية، وفيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هديهم في غير الحرم، لولا ذلك لكان بالغا محله، قيل له: هذا من أول شيء على أن محله الحرم؛ لأنه لو كان موضع الإحصار هو الحل محلا للهدي لما قال تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (2) فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ محله دل ذلك على أن الحل ليس بمحل له، فإن قيل: فإن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذبحوا الهدي في الحل فما معنى قوله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (3) قيل له: لما حصل أدنى منع جاز أن يقال: إنهم منعوا، وليس يقتضي ذلك أن يكون أبدا ممنوعا، ألا ترى أن رجلا لو منع رجلا حقه جاز

(1) سورة الفتح الآية 25

(2)

سورة الفتح الآية 25

(3)

سورة الفتح الآية 25

ص: 506

أن يقال: منعه حقه، كما يقال: حبسه، ولا يقتضي ذلك أن يكون أبدا محبوسا، فلما كان المشركون منعوا الهدي بديا من الوصول إلى الحرم جاز إطلاق الاسم عليهم بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ محله وإن أطلقوا، ألا ترى أنه قد وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا قد أطلقوا إليهم بعد ذلك الوصول إليه في العام القابل، وقال الله عز وجل:{قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} (1) وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر، فكذلك منعوا الهدي بديا، ثم لما وقع الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم أطلقوه حتى ذبحه في الحرم، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ساق البدن؛ ليذبحها بعد الطواف بالبيت فلما منعوه من ذلك قال الله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (2) ؛ لقصوره عن الوقت المقصود فيه ذبحه، ويحتمل أن يريد به المحل المستحب فيه الذبح وهو عند المروة أو بمنى فلما منع ذلك أطلق ما فيه ما وصفت.

وقد ذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وأن مضرب النبي صلى الله عليه وسلم كان في الحل، ومصلاه كان في الحرم، فإذا أمكنه أن يصلي في الحرم فلا محالة قد كان الذبح ممكنا فيه، وقد روي أن ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم:«ابعث معي الهدي حتى آخذ به في الشعاب والأودية فأذبحها بمكة ففعل» ، وجائز أن يكون بعث معه بعضه ونحر هو بعضه في الحرم. والله أعلم (3) .

(1) سورة يوسف الآية 63

(2)

سورة الفتح الآية 25

(3)

[أحكام القرآن] للجصاص (1\ 339 - 341) .

ص: 507

ثانيا: الفقه المالكي

1 -

قال مالك في [المدونة الكبرى] : رسم في الدم ما يصنع به؟

قلت: فهذا الدم كيف يصنع به في قول مالك؟ قال: قال مالك: يقلده ويشعره ويقف به في عرفة مع هدي تمتعه فإن لم يقف به بعرفة لم يجزه إن اشتراه في الحرم إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه من الحل إلى مكة ويصير منحره بمكة، قلت لابن القاسم: ولم أمره مالك أن يقف بهذا الهدي الذي جعله عليه لتأخير الحلاق بعرفة، وهو إن حلق من أذى لم يأمره بأن يقف بهديه؟ قال: قال مالك: ليس من وجب عليه الهدي لترك الحلاقة مثل من وجب عليه النسك من إماطة الأذى؛ لأن الهدي إذا وجب لترك الحلاقة فإنما هو هدي، وكل ما هو هدي فسبيله سبيل هدي المتمتع والصيام فيه إن لم يجد، ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد ذلك، ولا يكون فيه الطعام، وأما نسك الأذى فهو مخير: إن شاء أطعم، وإن شاء صام، وإن شاء نسك، والصيام فيه ثلاثة أيام، والنسك فيه شاة، والطعام فيه لستة مساكين مدين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا فرق ما بينهما (1) .

2 -

فيمن أحصر بمرض ومعه هدي:

قلت: أرأيت من أحصر بمرض معه هدي أينحره قبل يوم النحر أم يؤخره حتى يوم النحر، وهل له أن يبعث به ويقيم هو حراما؟ قال: إن خاف على هديه لطول مرضه بعث به فنحر بمكة وأقام هو على إحرامه. قال: وإن كان لا يخاف الهدي وكان أمرا قريبا حبسه حتى يسوقه معه. قال:

(1)[المدونة الكبرى] للإمام مالك (1\ 393) .

ص: 508

وهذا رأيي.

قلت: أرأيت إن فاته الحج متى ينحر هدي فوات الحج في قول مالك.

قال: في القضاء من قابل. قلت: فإن بعث به قبل أن يقضي حجه يجزئه، فقال: سألت مالكا عن ذلك فقال: لا يقدم هديه ولا ينحره إلا في حج قابل، قال: فقلت له: فإنه يخاف الموت قال: وإن خاف الموت فلا ينحره إلا في حج قابل.

قلت: فإن اعتمر بعد ما فاته حجه فنحر هدي فوات حجه في عمرته هل يجزئه؟ قال: أرى أن يجزئه في رأيي، وإنما رأيت ذلك؛ لأنه لو هلك قبل أن يحج أهدي عنه لمكان ذلك ولو كان ذلك لا يجزئه إلا بعد القضاء ما أهدي عنه بعد الموت، قال ابن القاسم: وقد بلغني أن مالكا قد كان خففه ثم استثقله بعد، وأنا لا أحب أن يفعل إلا بعد، فإن فعل وحج أجزأ عنه، قلت: أرأيت المحصر بمرض إذا أصابه أذى فحلق رأسه فأراد أن يفتدي، أفينحر هدي الأذى الذي أماط عنه بموضعه حيث هو أم يؤخر ذلك حتى يأتي مكة في قول مالك؟ قال: قال مالك: ينحره حيث أحب (1) .

3 -

رسم في الكفارة بالصيام وفي جزاء الصيد:

قلت: أرأيت جزاء الصيد في قول مالك أن يكون بغير مكة. قال: قال لي مالك: كل من ترك من نسكه شيئا يجب عليه فيه الدم وجزاء الصيد أيضا، فإن ذلك لا ينحر ولا يذبح إلا بمكة أو بمنى، فإن وقف به بعرفة نحر بمنى وإن لم يوقف بعرفة سيق من الحل ونحر بمكة.

قلت له: وإن كان قد

(1)[المدونة](1\ 450) .

ص: 509

وقف به بعرفة نحر بمنى وإن لم يوقف بعرفة سيق من الحل ونحر بمكة. قلت له: وإن كان قد وقف به بعرفة ولم ينحره أيام النحر بمنى نحره بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية. قال: نعم، قلت: وهذا قول مالك. قال: نعم (1) .

4 -

قال في [جواهر الإكليل شرح مختصر خليل] : والجزاء بحكم عدلين فقيهين بذلك مثله من النعم أو إطعام بقيمة الصيد يوم التلف بمحله، وإلا فبقربه ولا يجزئ بغيره.

وذكر في الشرح (بمحله) أي: التلف إن كان له قيمة فيه ووجد به مساكين (وإلا) أي: وإن لم يكن له قيمة بمحله أو لم يوجد به مساكين فيقوم أو يطعم (بقربه) أي: محل التلف ولا يجزئ الإطعام بغيره، أي: محل التلف أو قربه مع الإمكان.

سند جملة ذلك أنه إن أخرج الجزاء هديا اختص بالحرم، أو صياما فحيث شاء أو طعاما اختص بمحل التقويم (2) .

5 -

قال ابن رشد في [بداية المجتهد] : وأما اختلافهم في مكان الهدي عند من أوجبه، فالأصل فيه اختلافهم في موضع نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه عام الحديبية، فقال ابن إسحاق: نحره في الحرم، وقال غيره: إنما نحره في الحل، واحتج بقوله تعالى:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (3) وإنما ذهب أبو حنيفة إلى

(1)[المدونة](1\ 431) .

(2)

[جواهر الإكليل شرح مختصر خليل] لصالح الأزهري (1\ 198، 199) .

(3)

سورة الفتح الآية 25

ص: 510

أن من أحصر عن الحج أن عليه حجا وعمرة؛ لأن المحصر قد فسخ الحج في عمرة ولم يتم واحدا منهما فهذا هو حكم المحصر بعد، وعند الفقهاء (1) .

وقال في جزاء الصيد: وأما اختلافهم في الموضع فسببه الإطلاق، أعني: أنه لم يشترط فيه موضع، فمن شبهه بالزكاة في أنه حق للمساكين فقال: لا ينقل من موضعه، وأما من رأى أن المقصود بذلك إنما هو الرفق بمساكين مكة قال: لا يطعم إلا مساكين مكة، ومن اعتمد ظاهر الإطلاق قال: يطعم حيث شاء (2) .

6 -

قال ابن عبد البر في [الكافي] : ولا ينحر الهدي إلا بمنى ومكة، ولا ينحر منه بمنى إلا ما وقف بعرفة، وإن فاته أن يقف بعرفة ساقه من الحل فينحره بمكة بعد خروجه من منى، وإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه (3) .

7 -

جزاء الصيد والحكم فيه:

وعند اختيار المثل يذبح في منى أو مكة، أما في غيرهما فلا يجزئ؛ لأنه يصير في حكم الهدي، وتصح القيمة طعاما من غالب قوت أهل البلد الذي يخرج فيه، وتعين القيمة والإخراج بمحل التلف ولا تجزئ الدراهم ولا يجزئ أكثر من مد ولا أقل ويعطى لمسكين (4) .

8 -

الحكم في الصيد: قال الله تعالى:

(1)[بداية المجتهد] لابن رشد (1\ 384) المتوفى سنة 595 هـ.

(2)

[بداية المجتهد] لابن رشد (1\ 389) .

(3)

[الكافي] لابن عبد البر، (1\ 404) ، المتوفى سنة 463 هـ.

(4)

[مرشد السالك في القرب من ملك الممالك] لعبد الوهاب السيد رضوان ص 130، 131.

ص: 511

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} (1) قال مالك رحمه الله: فالذي يصيد الصيد وهو حلال ثم يقتله وهو محرم بمنزلة الذي يبتاعه وهو محرم ثم يقتله، وقد نهى الله عن قتله فعليه جزاؤه

والأمر عندنا أن من أصاب الصيد وهو محرم حكم عليه بالجزاء، قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه أن يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام، فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما، وينظر كم عدة المساكين فإن كانوا عشرة صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا صام عشرين يوما عددهم ما كانوا، وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا. قال مالك: سمعت أنه يحكم على من قتل الصيد في الحرم وهو حلال بمثل ما يحكم به على المحرم الذي يقتل الصيد في الحرم وهو محرم (2) .

9 -

ما جاء فيمن أحصر بعدو:

حدثني يحيى عن مالك، قال: من حبس بعدو، فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء.

وحدثني عن مالك: أنه بلغه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن

(1) سورة المائدة الآية 95

(2)

[تنوير الحوالك شرح موطأ مالك](1\ 326، 327) لجلال الدين السيوطي.

ص: 512

يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا يعودوا لشيء.

وحدثني عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال حيث خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة عام الحديبية.

ثم إن عبد الله نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلا واحد، ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف طوافا واحدا، ورأى ذلك مجزيا عنه وأهدى، قال مالك: فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو. كما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت (1) .

10 -

قال الله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (2)

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره عن هذه الآية: الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، أي: لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي، والمحل: الموضع الذي يحل فيه ذبحه.

فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي موضع الحصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (3) قيل: محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق.

وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار الحرم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (4) وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن

(1)[تنوير الحوالك شرح الموطأ] والكتابة من نص الموطأ، (1\ 329، 330) .

(2)

سورة البقرة الآية 196

(3)

سورة الفتح الآية 25

(4)

سورة الحج الآية 33

ص: 513

الذي يجد الوصول إلى البيت، فأما المحصر فخارج من قوله تعالى:{ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (1) بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية، وليست من الحرم، واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:«ابعث معي الهدي فأنحره بالحرم قال: " فكيف تصنع به؟ " فقال: أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه فأنطلق به حتى أنحره في الحرم»

وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما ينحر حيث حل؛ اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهدي تابع للمهدي، والمهدي حل بموضعه فالمهدي أيضا يحل معه (2) .

(1) سورة الحج الآية 33

(2)

[تفسير القرطبي] ص 379، المتوفى سنة 671 هـ.

ص: 514

ثالثا: الفقه الشافعي

1 -

قال الشافعي في [الأم] : وحيثما نحره من منى أو مكة إذا أعطاه مساكين الحرم أجزأه وقال: (ولو أن رجلا نحر هديه فمنع المساكين دفعه إليهم أو نحره بناحية ولم يخل بين المساكين وبينه حتى ينتن - كان عليه أن يبدله، والنحر يوم النحر وأيام منى كلها حتى تغيب الشمس من آخر أيامها، فإذا غابت الشمس فلا نحر إلا إن كان عليه هدي واجب نحره وأعطاه مساكين الحرم قضاء) انتهى.

وقال: (وفي أي الحرم ذبحه ثم أبلغه مساكين الحرم أجزأه وإن كان ذبحه إياه في غير موضع ناس. . .) .

وقال: (ومتى أصابه أذى وهو يرجو أن يخلى، نحاه عنه وافتدى في موضعه كما يفتدي المحصر إذا خلي عنه في غير الحرم، وكان مخالفا لما

ص: 514

سواه لمن قدر على الحرم، ذلك لا يجزيه إلا أن يبلغ هديه الحرم) .

وقال في الإحصار بالمرض وغيره: (وإن احتاج إلى دواء عليه فيه فدية تنحية أذى، فعله وافتدى، ويفتدي في الحرم بأن يفعله ويبعث بهدي إلى الحرم)(1) .

2 -

(باب أين محل هدي الصيد) قال الشافعي رحمه الله: قال تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (2) قال الشافعي: (فلما كان كلما أريد به هدي من ملك ابن آدم هديا كانت الأنعام كلها وكل ما أهدي فهو بمكة - والله أعلم - ولو خفي عن أحد أن هذا هكذا ما انبغى - والله أعلم - أن يخفى عليه إذا كان الصيد إذا جزي بشيء من النعم لا يجزئ فيه، إلا أن يجرى بمكة، فعلم أن مكة أعظم أرض الله تعالى حرمة وأولى أن تنزه عن الدماء لولا ما عقلنا من حكم الله في أنه للمساكين الحاضرين بمكة، فإذا عقلنا هذا عن الله عز وجل فكان جزاء الصيد الطعام لم يجز - والله أعلم - إلا بمكة.

فلو أطعم في كفارة صيد بغير مكة لم يجز عنه، وأعاد الإطعام بمكة أو بمنى فهو من مكة؛ لأنه كحاضر الحرم، ومثل هذا كل ما وجب على محرم بوجه من الوجوه من فدية أذى أو طيب أو لبس أو غيره، لا يخالفه في شيء؛ لأنه كله من جهة النسك والنسك إلى الحرم ومنافعه للمساكين الحاضرين الحرم.

وقال: (ومن حضر الكعبة حين يبلغها الهدي من النعم أو الطعام من مسكين كان له أهل بها أو غريب؛ لأنهم إنما أعطوا بحضرتها وإن قل،

(1)[الأم] للشافعي رحمه الله (2\ 184، 185) .

(2)

سورة المائدة الآية 95

ص: 515

فكان يعطي بعضهم دون بعض، أجزأه أن يعطي مساكين الغرباء دون أهل مكة ومساكين أهل مكة دون مساكين الغرباء وأن يخلط بينهم ولو آثر به أهل مكة؛ لأنهم يجمعون الحضور والمقام لكان كأنه أسرى إلى القلب. والله أعلم (1) .

3 -

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

(إذا وجب على المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران، ودم الطيب وجزاء الصيد وجب عليه صرفه لمساكين الحرم؛ لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (2) فإن ذبحه في الحل وأدخله الحرم، نظرت، فإن تغير وأنتن لم يجزئه؛ لأن المستحق لحم كامل غير متغير فلا يجزئه المنتن والمتغير، وإن لم يتغير ففيه وجهان:

أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الذبح أمر مقصود به الهدي فاختص بالحرم كالتفرقة.

الثاني: يجزئه؛ لأن المقصود هو اللحم وقد أوصل ذلك إليهم، وإن وجب عليه طعام لزمه صرفه إلى مساكين الحرم قياسا على الهدي، وإن وجب عليه صوم جاز أن يصوم في كل مكان؛ لأنه لا منفعة لأهل الحرم في الصيام. وإن وجب عليه هدي وأحصر عن الحرم جاز له أن يذبح ويفرق حيث أحصر؛ لما روى ابن عمر:«أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وبين الحديبية وبين الحرم ثلاثة أميال (3) » ، ولأنه إذا جاز أن يتحلل في غير موضع التحلل

(1)[الأم] للشافعي، ص 157.

(2)

سورة المائدة الآية 95

(3)

صحيح البخاري الصلح (2701) ، مسند أحمد بن حنبل (2/124) .

ص: 516

لأجل الإحصار جاز أن ينحر الهدي في غير موضع الهدي، فكما قال الأصحاب: الدماء الواجبة في الحج لها زمان ومكان.

وأما المكان: فالدماء الواجبة على المحرم ضربان: واجب على المحصر بالإحصار، أو بفعل محظور أو الضرب واجب على غير المحصر، فيختص بالحرم، ويجب تفريقه على مساكين الحرم سواء الغرباء الطارئون والمستوطنون، لكن الصرف إلى المستوطنين أفضل، وله أن يخص به أحد الصنفين، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه

وفي اختصاص ذبحه بالحرم خلاف، حكاه المصنف وآخرون وجهين، وحكاه آخرون قولين:(أصحهما) : يختص، فلو ذبحه في طرف الحل ونقله في الحال طريا إلى الحرم - لم يجزئه

والثاني: لا يختص، فيجوز ذبحه خارج الحرم بشرط أن ينقله ويفرقه في الحرم قبل تغير اللحم، وسواء في هذا كله دم التمتع والقران وسائر ما يجب بسبب في الحل أو الحرم، أو بسبب مباح كالحلق للأذى، أو بسبب محرم. وهذا هو الصحيح.

وفي القديم قول: أن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفرقته في الحل قياسا على دم الإحصار، وممن حكى هذا القول وفي وجه ضعيف: أن ما وجب بسبب مباح لا يختص ذبحه وتفرقته بالحرم.

وفيه وجه أنه لو حلق قبل وصوله الحرم وذبح وفرق حيث حلق جاز وكل هذا شاذ ضعيف، والمذهب ما سبق. قال الشافعي والأصحاب: ويجوز الذبح في بقاع الحرم قريبها وبعيدها، لكن الأفضل في حق الحاج الذبح بمنى وفي حق المعتمر المروة؛ لأنهما محل تحللهما، وكذا حكم ما يسوقانه من

ص: 517

الهدي (1) .

4 -

قال القاضي حسين في [الفتاوى] : لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجز نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم، كمن نذر الصدقة على مساكين بلد فلم يجد فيه مساكين، يصبر حتى يجدهم، ولا يجوز نقله بخلاف الزكاة على أحد القولين؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد لها بخلاف الهدي (2) .

5 -

(ويجب صرف لحمه) وجلده وبقية أجزائه من شعره وغيره، فاقتصاره على اللحم؛ لأنه الأصل فيما يقصد منه، فهو مثال لا قيد (إلى مساكينه) أي: الحرم وفقرائه القاطنين منهم والغرباء والصرف إلى الأول أولى إلا أن تشتد حاجة الثاني فيكون أولى، وعلم من كلامه عدم جواز أكله شيئا منه، وبه صرح الرافعي في كتاب الأضحية، وأنه لا فرق بين أن يفرق المذبوح عليهم أو يعطيه بجملته لهم، وبه صرح الرافعي أيضا في الكلام على تحريم الصيد، ويكفي الاقتصار على ثلاثة من فقرائه أو مساكينه وإن انحصروا؛ لأن الثلاثة أقل الجمع، فلو دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن له أقل متمول كنظيره من الزكاة، وإنما لم يجب استيعابهم عند الانحصار كما في الزكاة؛ لأن المقصود هنا حرمة البلد وثم سد الخلة وتجب النية عند التفرقة، كما قاله الروياني وغيره، ويؤخذ من التشبيه بالزكاة الاكتفاء بالمتقدمة عليها واقتصاره فيما مر على الدم الواجب بفعل

(1)[المجموع شرح المهذب](7\ 411 - 413) .

(2)

[المجموع شرح المهذب](7\ 413) .

ص: 518

حرام أو ترك واجب مثال إذ دم التمتع والقران كذلك. . .

ودفع الطعام لمساكين الحرم لا يتعين لكل منهم مد في دم التمتع ونحوه مما ليس دمه دم تخيير وتقدير، أما دم الاستمتاعات ونحوها مما دمه دم تخيير وتقدير فلكل واحد من ستة مساكين نصف صاع من ثلاثة آصع كما مر.

ولو ذبح الدم الواجب بالحرم ثم سرق أو غصب منه قبل التفرقة لم يجزئه. نعم، هو مخير بين ذبح آخر وهو أولى، أو شراء بدله لحما والتصدق به؛ لأن الذبح قد وجد، وإنما لم يتقيد ذلك بما لو قصر في التفرقة وإلا فلا يضمن، كما لو سرق المال المتعلق به الزكاة؛ لأن الدم متعلق بالذمة والزكاة بعين المال، ولو عدم المساكين في الحرم أخر الواجب المالي حتى يجدهم وامتنع النقل، بخلاف الزكاة حيث جاز النقل فيها إلا أنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها، بخلاف هذا.

وقوله: (إلى مساكينه) عبارة العباب: ويجب تفريق لحوم وجلود هذه الدماء وبدلها من الطعام على المساكين في الحرم، قال الشارح في شرحه: وقضيته أنه لا يجوز إعطاؤهم خارجه، والأوجه خلافه كما مر، لكن يؤيده تعليل الكفاية وغيرها؛ ذلك بأن القصد من الذبح هو إعظام الحرم بتفرقة اللحم فيه لا لتلويثه بالدم والفرث إذ هو مكروه. اهـ.

ويجاب: بأن المراد بتفرقة اللحم فيه صرفه لأهله وخالفهم - ر فصمم على أنه لا يجوز صرفه خارجه ولا لمن هو فيه بأن خرج هو وهم عنه ثم فرقه عليهم خارجه ثم دخلوه. اهـ. سم على حج.

وقضية قول المصنف صرف لحمه إلى مساكينه أن المدار على صرفه لهم ولو في غير الحرم، لكن قول الشارح الآتي قبيل الباب، وكل هذه الدماء وبدلها تختص تفرقته بالحرم على مساكينه يوافق ما نقله - سم - عنه وصمم

ص: 519

عليه (1) .

(1)[نهاية المحتاج](3\ 437) .

ص: 520

رابعا: الفقه الحنبلي

1 -

قال ابن قدامة في [المغني] : وإذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم، وهو من كان في الحرم، فإن أطلقها لهم جاز، كما روى أنس:«أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال: " من شاء فليقتطع» رواه أبو داود.

وإن قسمها فهو أحسن وأفضل، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها؛ لما روي عن علي رضي الله عنه قال:«أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا (1) » . متفق على معناه

ولأنه بقسمها يكون على يقين من إفضائها إلى مستحقها، ويكفي المساكين مؤونة النهب والزحام عليها، وإنما لم يعط الجازر أجرته منها؛ لأنه ذبحها فعوضه عليه، دون المساكين، ولأن دفع جزء منها عوضا عن الجزارة كبيعه ولا يجوز بيع شيء منها (2) .

2 -

قال ابن قدامة في [المقنع] : وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم، إلا فدية الأذى واللبس ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر (3) .

3 -

وقال في الحاشية على قوله: (إلا فدية الأذى) أي: لأنه صلى الله عليه وسلم أمر

(1) صحيح البخاري الحج (1717) ، صحيح مسلم الحج (1317) ، سنن أبو داود المناسك (1769) ، سنن ابن ماجه المناسك (3099) ، مسند أحمد بن حنبل (1/154) ، سنن الدارمي المناسك (1940) .

(2)

[المغني](3\ 433) .

(3)

[المقنع](1\ 430) .

ص: 520

كعبا بها بالحديبية، وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي رضي الله عنهما رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورا بالسقيا، رواه مالك، ووقت ذبحه حين فعله، وله الذبح قبله لعذر.

4 -

وعلى قوله: (ودم الإحصار. . إلخ) أي: من حل أو حرم نص عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية نحروا هديهم وحلوا، لكن إن كان قادرا على أطراف الحرم فوجهان، وعنه ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على نحره في وقت تحلله، روي عن ابن مسعود (1) .

5 -

قال شيخ الإسلام: وكما أن المعتمر في أشهر الحج إذا أراد أن يحج في عامه مخير بين أن ينشئ للحج سفرا وبين أن يتركه لهدي التمتع، فهو مخير في إكمال الحج بالسفر أو بالهدي؛ ولهذا قلنا: ليس جبرانا؛ لأن دم الجبران لا يخير في سببه كترك الواجبات، وإنما هو هدي واجب، كأنه مخير بين العبادة البدنية المحضة والبدنية المالية وهو الهدي، ولكن قد يقال: إذا كان واجبا فلا يؤكل منه بخلاف التطوع، قلنا: هدي النذر أيضا فيه خلاف، وما وجب معينا يأكل منه باتفاق؛ لأن نفس الذابح لله مهديا إلى بيته أعظم المقصودين؛ ولهذا اختلف العلماء في وجوب تفرقته في الحرم، وإن كنا نحن نوجب ذلك فيما هو هدي دون ما هو نسك، ليظهر تحقيقه بتسميته هديا وهو الإهداء إلى الكعبة (2) .

(1) المقنع (1\ 430) حاشية ابن الشيخ.

(2)

[الفتاوى] لشيخ الإسلام (35\ 321، 322) .

ص: 521

6 -

وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام: كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب، أو فوات، أو بفعل محظور في الحرم، وهدي تمتع وقران ومنذور ونحوهما، يلزم ذبحه في الحرم، وتفرقة لحمه فيه، أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكينه من المسلمين إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه، أو بمن يرسله معه، وهم: من كان به، أو واردا إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة، فإن دفع إلى فقير في ظنه فبان غنيا أجزأه، ويجزئ نحره في أي نواحي الحرم كان، قال أحمد: مكة ومنى واحد، ومراده: في الإجزاء لا في التساوي، ومنى كلها منحر، والأفضل: أن ينحر في الحج بمنى وفي العمرة بالمروة، وإن سلمه إليهم فنحروه أجزأه، وإلا استرده ونحره، فإن أبى وعجز ضمنه، فإن لم يقدر على إيصاله إليهم جاز نحره في غير الحرم وتفرقته هو والطعام حيث نحره، وفدية الأذى واللبس ونحوهما؛ كطيب، ودم المباشرة دون الفرج إذا لم ينزل، وما وجب بفعل محظور خارج الحرم ولو لغير عذر فله تفرقتها حيث وجد سببها، وفي الحرم أيضا، ووقت ذبح فدية الأذى واللبس ونحوهما وما ألحق به حين فعله، وله الذبح قبله لعذر، وكذلك ما وجب لترك واجب ولو أمسك صيدا أو جرحه ثم أخرج جزاءه ثم تلف المجروح أو الممسك أو قدم من أبيح له الحلق فديته قبل الحلق ثم حلق أجزأ، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأما الصيام والحلق وهدي التطوع وما يسمى نسكا فيجزئه بكل مكان كأضحيته (1) .

7 -

قال ابن هبيرة: اختلفوا في الدماء المتعلقة بالإحرام بم يختص

(1)[الإقناع](1\ 372) .

ص: 522

تفريقها، فقال أبو حنيفة: الذبح كله يتعلق بالحرم ولا يختص تفريقه بأهله، وقال مالك: ما كان من فدية الأذى وفدية لبس المخيط فإنه نسك ينحره حيث شاء، ما عدا ذلك فإنه هدي ينحره ويختص بأهل الحرم، وقال الشافعي: الدماء المتعلقة بالإحرام تفرقتها بالحرم إلا دم الإحصار، وقال أحمد مثله وزاد عليه في الاستثناء دم الحلق (1) .

هذا ما تيسر ذكره من النقول.

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

نائب رئيس اللجنة

الرئيس

عبد الله بن غديان

عبد الرزاق عفيفي

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

(1)[الإفصاح] لابن هبيرة ص 291.

ص: 523

قرار هيئة كبار العلماء

رقم (77) وتاريخ 21\10\1400 هـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بالطائف ابتداء من يوم السبت الموافق 12\10\1400 هـ حسب تقويم أم القرى حتى الحادي والعشرين منه بحث المجلس [حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم] .

بناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة من دراسة هذا الموضوع بعد أن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا فيه يوضح حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات ونحوها إلى أماكن تقع خارج الحرم، وهل يجوز توزيعها خارج الحرم مطلقا أو عند استغناء فقراء الحرم، وهل يفرق بين الهدايا الواجبة من أجل التمتع والقران وبين الواجبة بفعل محظور أو ترك واجب؟

وقد درس المجلس البحث المذكور ورجع إلى قراره رقم (76) الذي أصدره في الدورة الاستثنائية الرابعة، المتضمن عدة مقترحات للاستفادة من اللحوم التي تكون في منى أيام الحج وهي:

1 -

تطوير المسالخ الحالية لتستوعب أعدادا كبيرة من الذبائح، وإنشاء مسالخ متعددة على مداخل ومخارج منى وفي أماكن متفرقة من الحرم بالقدر الذي يكفي مع استمرار تمكين الحجاج من مباشرة ذبح هداياهم، إذا رغبوا في ذلك، وأخذ ما يشاءون من لحومها.

ص: 524

2 -

العمل على إيجاد المجالب المناسبة بجوار كل مسلخ، ومنع الناس من بيع ما لا يجزئ شرعا؛ من الهزيل والمريض ونحوهما.

3 -

إيجاد البرادات الكافية لحفظ اللحوم الصالحة التي يستغني عنها الحجاج إلى أن توزع على فقراء الحرم حسب الإمكان.

4 -

أن تقوم الجهات المعنية بتوعية الحجاج في داخل المملكة وخارجها في أحكام الهدي، وما يجب أن يكون عليه، وما يلزمهم نحوه.

5 -

يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل الجلد والعظام والصوف، ونحو ذلك مما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم، مما يتركه أهله رغبة عنه.

وبعد مناقشة الموضوع وتداول الرأي فيه رأى المجلس بالأكثرية إصدار قرار يوضح الحكم في نقل اللحوم من الحرم إلى خارجه، حيث كان القرار السابق مختصا باللحوم التي تبقى فيه.

وبناء على هذا فإن ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع:

1 -

هدي التمتع والقران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة رضوان الله عليهم من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:«كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " كلوا وتزودوا " فأكلنا وتزودنا (1) » .

2 -

ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاء لصيد، أو فدية لإزالة أذى، أو ارتكاب محظور أو ترك واجب - فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه؛ لأنه كله لفقراء الحرم.

(1) صحيح البخاري الحج (1719) ، صحيح مسلم الأضاحي (1972) ، سنن النسائي الضحايا (4426) ، مسند أحمد بن حنبل (3/317) ، موطأ مالك الضحايا (1046) ، سنن الدارمي الأضاحي (1961) .

ص: 525

3 -

ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزاء، أو هدي الإحصار، أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم - فهذا يوزع حيث ذبح، ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر.

وإن المجلس يوصي جميع الحجاج بأن يختاروا الجيد الطيب لهداياهم وذبائحهم، وأن يعلموا أنه يجب عليهم توزيعها حسب ما شرع الله ورسوله، ولا يجوز لهم ذبحها وتركها دون أن ينتفع بها أحد من المسلمين.

والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد.

هيئة كبار العلماء

.

.

رئيس الدورة

.

.

عبد الرزاق عفيفي

عبد الله خياط

عبد الله بن محمد بن حميد

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

سليمان بن عبيد

عبد العزيز بن صالح

محمد بن علي الحركان

راشد بن خنين

محمد بن جبير

إبراهيم بن محمد آل الشيخ

عبد الله بن غديان

صالح بن غصون

عبد المجيد حسن

عبد الله بن قعود متوقف

عبد الله بن منيع

صالح بن لحيدان

ص: 526