الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: خلاصة دراسة مثل النور
.
بعد هذه المسايرة الطويلة لهذا المثل الهام الوارد في سورة " النور " في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} الآية، والذي استغرق هذا الفصل كاملا، أخلص إلى النتائج الآتية:
أولا: أن هذا المثل بين أصولا هامة تتعلق بحصول الإيمان في القلب وزيادته، وعلاقتها ببعضها، وهي:
1-
فعل الله بالتوفيق للإيمان وقذفه في قلوب عباده الذي شاء هدايتهم، وعلاقة ذلك بالفطرة السليمة حيث شبه فعله سبحانه الذي يشرح به صدر من أراد هدايته للإسلام بإيقاد المصباح، والنور الحاصل من ذلك بنُور المصباح، والفتيلة الصالحة تقابلها الفطرة السوية.
2-
أثر العلم الواصل للقلب في بناء العقائد الإيمانية في القلب وفي زيادتها، وزيادة نُور القلب وبصيرته، حيث شبه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكيف أن زيادته وجودته تؤثر في قوة الإضاءة وصفائها، وكذلك نُور القلب يزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر ويصفو بخلوصه من العلوم الدخيلة.
3-
أثر هذا النور المركب من نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وبصيرته وسلامة تعقله، وصلاح جميع أعماله حيث شبهت أعمال القلب واستنارتها بنُوره بالزجاجة التي تنعكس عليها الأشعة من المصباح فتتلألأ
عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بالنور في الناس مشيا سديداً رشيداً.
4-
أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.
وقوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} حيث أجمع المفسرون على أن أحد النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله:{وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} .
وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غذي بالعلم بالكتاب والسنة.
ثانيا: دل المثل على فوائد أخرى هامة:
1-
إثبات "النور" اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته.
2-
دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا.
3-
دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.
4-
دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق
فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ
…
} الآيات.
ثالثا: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر عقلي، واعتبار المثل يبطل هذه المزاعم الضالة. والله أعلم.