الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع: تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به:
تبين من دراسة الأصل الممثّل به أنه يتكون من أربعة أجزاء رئيسة هي:
1-
المشكاة.
2-
المصباح.
3-
الزجاجة المحيطة بالمصباح.
4-
الزيت الذي يوقد منه المصباح.
وقد تقدم بيان ما يقابل النور في المطلب السابق، وفي هذا المطلب يجري التعرف على ما يقابل الأجزاء الأخرى في محل النور القابل له، وذلك من أقوال علماء السلف والمفسرين، والمناسبة المعقولة بين المتقابلات، وذلك يكون في الفقرات الآتية:
أولاً: المشكاة:
تقدم في الكلام على الممثّل به أن المشكاة هي التجويف الذي يكون في الجدار يوضع فيه المصباح، "ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه من مصباح أو غيره"1.
وتبين من المطلب السابق أن الممثّل له هو: نور العلم والإيمان في
1فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، (4/32) .
قلب المؤمن.
أما المشكاة فقد فسرها بعض أهل العلم بقلب المؤمن1، وبعضهم فسرها بصدره.2
والأقرب إلى الاعتبار - والله أعلم - مقابلة المشكاة بقلب المؤمن وذلك للاعتبارات الآتية:
1-
إنه بدأ بذكر المشكاة في قوله: {كَمِشْكَاةٍ فيها مصباحٌ} لتحديد مكان النور وهو القلب.
2-
إن تجويف القلب يناسب تجويف المشكاة، ويكون المراد بيان شدة استنارة القلب بهذا النور بما يستفاد من استجماع الضوء في المشكاة لقربها من المصباح وصغر حجمها، فتكون إنارتها أكمل.
3-
إن البصيرة وأعمال القلوب ووظيفة التفكر هي في القلب3،
1 انظر: المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص (266) [مادة: شكا] .
وقانون التأويل لأبي بكر بن العربي، ت /محمد السليماني، ص (479) ، دار القبلة جدة، ط: الأولى، 1406 هـ.
2انظر: جامع البيان، (9/323) ، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ص (7) .
3تكلمت عن أهم الوظائف القائمة في القلب، وأدلة قيامها به، في بحثي لرسالة الماجستير، بعنوان: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، ص (183-222) .
ويكفي للاستدلال لقيام البصيرة والتعقل في القلب قول الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج آية 46] .
فوجود النور فيه ينعكس على هذه الوظائف فيكشف لها مواطن الرشد والفلاح وضدها من سبل الضلال والهلاك.
ولذلك: إذا استنار القلب استنارت وظائفه وما يقوم به من أعمال القلوب وانعكس ذلك على سائر أعماله الظاهرة والباطنة، كما يدل عليه عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"1.
أما الصدر خارج القلب فلم يثبت أنه محل لأي وظيفة إيمانية، فلا يكون للنور أثر فيه. ولا يكون في ذكره في المثل فائدة. إذ المراد بيان أثر النور على قلب المؤمن وما فيه من الوظائف والأعمال، والتي ينعكس أثرها على أعماله الظاهرة وجميع أحواله، فوجب مقابلة جميع أجزاء المثل بما يقوم في القلب، بل إن كل نص أو قول أسند شيئاً من الأمور الإيمانية إلى الصدر فإنما المراد ما في القلب.
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله:
1تقدم تخريجه ص (255) .
"قال بعض الحكماء حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} 1، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك، إلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها"2.
ولا شك أن الشهوة والهوى والغضب ونحوها تكون في القلب.
والمتتبع للآيات التي ورد فيها إسناد شيء من الوظائف الإنسانية أو الإيمانية إلى الصدر يجد أن المفسرين يرجعونها إلى ما في القلب.
ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى {ويشْفِ صدورَ قومٍ مؤْمنينَ} 3.
قال ابن جرير رحمه الله: "يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم من الأذى والمكروه"4.
1سورة ق آية (37) .
2المفردات في غريب القرآن، ص (276) .
3سورة التوبة آية (14) .
4جامع البيان، (6/332) .
وقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 1.
أي مجموع مثبت في قلوب أهل العلم، كما قال تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم:{إنَّ عَلينا جَمْعَه وقُرآنه} 2 حيث فسرها بعض أهل العلم بقولهم: "إن علينا أن نجمعه لك حتى نثبته في قلبك"3.
وقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} 4 قال ابن جرير رحمه الله: " {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق {صَدْرَكَ} فنلين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة"5.
وليس المقصود الاستقصاء، وإنما إيراد نماذج تبين أن المفسرين يرجعون معنى الصدر في كثير من الآيات إلى ما يقوم في القلب من الوظائف النفسية، والأعمال القلبية.
وعلى هذا يكون تفسير المشكاة بالقلب أولى من تفسيرها بالصدر،
1سورة العنكبوت آية (49) .
2سورة القيامة آية (17) .
3انظر: جامع البيان (12/340) ، الأثر رقم (35361) وما بعده.
4سورة الشرح آية (1) .
5جامع البيان، (12 /626) .
وهو شامل لما يراد بلفظ الصدر من الأعمال والوظائف.
وخلاصة ما تقدم:
إن الأولى مقابلة المشكاة في مثل النور بقلب المؤمن.
ثانياً: الزُجاجة:
قدمت الكلام على ما يقابل الزجاجة قبل الكلام على ما يقابل المصباح، لمناسبة ما ذكر في الكلام على المشكاة - من العلاقة بين القلب والصدر - لتحديد ما يقابل الزجاجة.
وذلك أن من قابل المشكاة بالقلب، قابل الزجاجة بالصدر.
قال أبو بكر بن العربي1 رحمه الله: "فضرب مثلاً للهدى النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر الزجاجة"2.
1الإمام القاضي، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي المالكي، ولد سنة 468 هـ، له تصانيف كثيرة منها: شرح الجامع الصحيح للترمذي، وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم، وغيرها كثير، ولي قضاء أشبيلية وعزل وأقبل على نشر العلم وتدوينه، أخذ عليه اعتناقه لبدعة الأشاعرة، وعنايته بعلم الكلام. توفي سنة 543 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء، (20/197) ، ومعجم المؤلفين، لعمر كحالة، (10/242) .
2قانون التأويل ص (479) .
وقد تقدم - عند الكلام على ما يقابل المشكاة تقرير أمرين:
الأول: أن الصدر خارج القلب غير معتبر في المثل، لأنه لا يقوم به وظائف نفسية أو إيمانية.
الثاني: أنه يطلق لفظ الصدر في النصوص الشرعية وكلام أهل العلم ويراد به ما يقوم في القلب من أعماله ووظائفه.
وتقدم ما نقله الراغب رحمه الله عن بعض الحكماء في هذا المعنى.
وبناء على ما تقدم يكون ما يقابل الزجاجة هو صدر المؤمن، وصدر المؤمن يراد به ما يقوم في القلب من الوظائف والأعمال، كالمعتقدات، والنيات، والعواطف، والانفعالات
…
ونحوها.
ولا يراد بالصدر ما كان خارج القلب من التجويف المحيط به.
وقد ورد عن ابن جرير رحمه الله ترجيح مقابلة الزجاجة بالصدر، مع تفسير الصدر بالأعمال الإيمانية التي تقوم بالقلب. فمن ذلك قوله:
"ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله، والشك فيه، وإستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدري، فقال: {الزُّجَاجَةُ} - وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه - {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} "1.
1 جامع البيان، (9 /325) .
وقوله: "فتأويل الكلام: {الزُّجَاجَةُ} وهي صدر المؤمن، {كَأَنَّهَا} يعنى كأن الزجاجة
…
{كَوْكَبٌ} يقول: في صفائها وضيائها وحسنها.
وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك، في أسباب الإيمان بالله، وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب"1.
ولا شك أن الخلوص والنقاء من الشك والريب والكفر، والاستنارة بنور القرآن، والانتفاع بالعلم والمواعظ، إنما هي من أعمال القلوب.
وخلاصة القول في المراد بالزجاجة:
أن الزجاجة تقابل أعمال القلب ووظائفه: كالمعتقدات، والإرادات، والعواطف والانفعالات، وأن النور سطع وتلألأ عليها كما تتلألأ الأنوار على الكوكب الدري، والزجاجة الصافية. فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله.
وظهرت آثار ذلك النور على سمع المؤمن وبصره ولسانه، واستنارت أعماله الظاهرة وأقواله وسائر أحواله.
ثالثاً: المصباح ووقوده:
المصباح - كما تقدم في بيان الممثّل به - يتكون من:
1-
فتيلة قابلة لسريان الزيت واشتعاله عليها.
1 جامع البيان، (9/326) .
- الزيت الذي يوقد منه.
3-
شعلة متقدة مضيئة.
فهذه ثلاثة أجزاء في المصباح يقابلها ثلاثة أمور في القلب.
وقد تقدم في المطلب السابق أن:
1-
الزيت الذي هو وقود المصباح يقابله العلم بما نزل من الوحي. وكلاهما نور يَكَاد يضيء قبل أن يُضاء.
2-
شعلة المصباح تقابل نور الإيمان الذي يجعله الله في قلب عبده، وكلاهما نور مضيء مزهر.
وبقي أن نعرف ما يقابل الجزء الثالث وهو الفتيلة.
لم أقف على من نص على تحديد ما يقابل الفتيلة في الممثّل له، إلا أن الأقرب - والله أعلم - أنها تقابل الفطرة. وذلك للاعتبارات الآتية:
1-
ورد عن بعض العلماء ما يفيد أن الفطرة معتبرة في المثل، من ذلك قول ابن كثير رحمه الله:"فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه"1.
ومن ذلك قول ابن القيم رحمه الله: "والنور على النور، نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور
1تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (3/290) .
2 الوحي والكتاب1، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نوراً على نور"2.
2-
التشابه بين دور الفطرة في القلب، ودور الفتيلة في المصباح.
وذلك أن الفتيلة يُراعى فيها عند صنع المصباح أن تكون ملائمة من حيث قابليتها لسريان الزيت فيها، واشتعالها به، ولكونها من جهة قد يطرأ عليها ما يفسدها أو يمنع من اتقادها، وهي بذلك تشبه الفطرة، حيث إن الفطرة في عمومها3 هي: أن القلب بأصل خلقه قابل مهيأ لمعرفة الحق وقبوله وإرادة الخير، وقد يطرأ عليها ما يفسدها ويمنع من قبولها للحق.
قال ابن القيم- رحمه الله مبيناً ذلك: "أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه
…
فلقد ركز في فطرته الإقرار بالخالق، وهو التوحيد، ومحبة القصاص وهو العدل، وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير
1تقدم الكلام على المراد بالنورين، ص (302) .
2اجتماع الجيوش الإسلامية ص (8) .
3سيأتي مزيد إيضاح لحقيقة الفطرة عند الكلام على فوائد المثل.
منهم إلى سبب معين للفطرة مقوٍّ لها، وقد بينا أنّ هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولابد بما فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعاً أو ظمآناً إلى شراب أو طعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بدّ...." إلى أن قال:
"ومن المعلوم إن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير، ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية، فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطاً مقبولة، وذلك القبول هو كونه مستعداً مهيئا له مستعدا لحصوله فيه"1.
فالفطرة إذاً هي الاستعداد والقابلية لمعرفة الحق والركون إليه، ومؤهلة - إذا عرض عليها الحق وقبلته - لهداية الله وتوفيقه للإيمان.
والفتيلة في المصباح مهيأة صالحة لامتصاص الزيت، وهذا يقابل استعداد الفطرة وقبولها للعلم والهدى الذي جاء به الرسل.
1مختصر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن قيم الجوزية، اختصار خالد عبد الرحمن العك، ص (112، 113) دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1416 هـ.
والفتيلة صالحة قابلة للاشتعال، متفاعلة مع الشعلة التي توقدها، وهذا يقابل النور الذي يقذفه الله في قلب عبده الذي شرح صدره للإسلام.
العلاقة بين الفطرة على الحق ووظيفة التعقل:
إن من الفطرة ما أودعه الله في قلوب الناس من القدرة على التعقل والتفكر التي هي آلة القلب ووظيفته.
ومن الفطرة أيضا ما أودع الله في القلوب من القوة على معرفة الحق، والتي عبر عنها ابن القيم بقوله المتقدم:"إن الفطرة قوة تقتضي معرفة الحق وإيثاره على ما سواه".
وبين هذين الأمرين وجوه اتفاق ووجوه اختلاف، أما وجوه الاتفاق فهي:
1-
أن كلا منهما مُودَع في القلب خلقةً.
2-
أن دور كل منهما هو: التعرف على ما يؤديه البصر والسمع والفكر.
والفارق بينهما:
1-
أن المعارف المودعة في الفطرة أُوجدت فيها بأصل الخلقة، وأما المعارف المستفادة بوظيفة التعقل فهي مكتسبة.
2-
أن ما أُودع في الفطرة من المعرفة لا يكون إلا حقاً، وقد تصرف عنه. أما ما يكتسب بالتعقل فقد يكون حقاً أو خلافه حسب نور
القلب وبصيرته.
فالقدر المشترك بين ما فطر عليه القلب من معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل هو: أن كلا منهما قوة للمعرفة.
قال الراغب الأصفهاني: "وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان"1.
وتقدم كلام ابن القيم في أن الفطرة: "قوة تقتضي معرفة الحق
…
".
وهذا يؤكد وجود علاقة بينهما، هذه العلاقة هي:
إن ما ركز في قلوب العباد من القوة على معرفة الحق، هو الأصل لوظيفة التعقل في قلوب المؤمنين المنورة المبصرة.
أما قلوب الكفار فهي مظلمة، قد حُرفت فطرهم وبُدلت، وانصرفوا عن إفادتها للحق. وفسد تعقلهم.
ومما يؤيد هذه العلاقة بين ما فطر الناس عليه من القوة على معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل، التشابه بين دوريهما في القلب، وذلك أن القدر المشترك بين دوريهما هو:
أن كلاً منهما واسطة لإدراك الدلائل الخارجية الواصلة من السمع والبصر إلى القلب.
وهو دور يشبه دور الفتيلة التي توصل بين الزيت وشعلة المصباح.
1المفردات في غريب القرآن ص (382) .
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الفطرة أصل للتعقل والنظر، حيث قال: "البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلمُ، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية
…
"1.
وبناء على هذا فإن الأقرب - والله أعلم - مقابلة فتيلة المصباح بتعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.
فوظيفة التعقل عند المؤمن، تتشرب العلم الذي يصل إليها من السمع والبصر اللذين يتلقيان نصوص الوحي المبارك، كما أن الفتيلة تتشرب الزيت الذي يؤخذ من الشجرة المباركة.
فباستنارة القلب يستنير تعقله وتلك بصيرته، ويستنير تبعاً لذلك سمعه وبصره وفكره، حيث ينتفع بها، ويصح إدراكه وتعقله لما تؤديانه إليه من المعلومات.
وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء المصباح:
إن الفتيلة في المصباح يقابلها في الممثّل له - قلب المؤمن - تعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.
ويقابل الزيت - الوقود - العلم الواصل إلى القلب المستمد من القرآن والسنة، ويقابل شعلة المصباح: هداية الله لعبده وشرح صدره بنور
1درء تعارض العقل والنقل، (3/309) .
الإيمان الذي يقذف فيه.
وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء الممثّل به:
إن النور المركب المنبعث من المصباح - الحاصل من نور الزيت المشرق الصافي، ونور شعلة المصباح، المتلألئ على الزجاجة، الذي أنار الكوة - يقابل النور المركب من نور العلم والإيمان الذي يجعله الله في قلب المؤمن يهديه به.
فالمشكاة وهي الكوة تقابل قلب المؤمن.
والفتيلة التي في المصباح تقابل ما فطر عليه من الإدراك والتعقل السليم.
والزيت الذي يمدها، يقابل العلم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإيقاد الفتيلة التي سرى فيها الزيت يقابل هداية الله العبد للإيمان بعد أن استجاب لداعي الفطرة وقبل العلم.
والزجاجة التي يزهر عليها النور، وينفذ من خلالها إلى خارج المصباح: تقابل أعمال القلب، ووظائفه التي سطع عليها النور وأكسبها البصيرة، فأثرت على أعمال المؤمن الظاهرة، وأقواله وسائر أحواله.