المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل - الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله - جـ ٢

[عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌الباب الثاني: الأمثال المضروبة لاستنارة قلوب المؤمنين وظلمة قلوب الكافرين في سورة النور

- ‌الفصل الأول: المثل المضروب لنور الله في قلوب المؤمنين

- ‌المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثل

- ‌المبحث الثاني: دراسة المثل

- ‌المطلب الأول: نوع المثل

- ‌المطلب الثاني: بيان صورة الممثّل به

- ‌المطلب الثالث: بيان الممثّل له

- ‌المطلب الرابع: تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به:

- ‌المبحث الثالث: الغرض من ضرب المثل، وأهميته

- ‌المبحث الرابع: أهم فوائد مثل "النور

- ‌المبحث الخامس: خلاصة دراسة مثل النور

- ‌الفصل الثاني: المثلان المضروبان لأعمال الكفار من سورة النور

- ‌المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان

- ‌المبحث الثاني: الغرض الذي من أجله ضرب المثلان وأهميتهما

- ‌المطلب الأول: الغرض الذي ضرب له المثلان

- ‌المطلب الثاني: أهمية المثلين

- ‌المبحث الثالث: _25d8_25af_25d8_25b1_25d8_25a7_25d8_25b3_25d8_25a9 _25d8_25a7_25d9_2584_25d9_2585_25d8_25ab_25d9_250518718d45

- ‌المطلب الأول: نوع المثَل

- ‌المطلب الثاني: تعيين الممثّل به

- ‌المطلب الثالث: تعيين الممثّل له

- ‌المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل

- ‌المطلب الخامس: خلاصة دراسة هذا المثل في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ

- ‌المبحث الرابع: دراسة المثل في قولة تعالى: {أو كظلمات في البحر لجي}

- ‌المطلب الأول: نوع المثَل

- ‌المطلب الثاني: بيان الممثّل به (المثَل) :

- ‌المطلب الثالث: بيان الممثّل له

- ‌المطلب الرابع: الفوائد المستفادة من المثَل:

الفصل: ‌المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل

‌المجلد الثاني

‌الباب الثاني: الأمثال المضروبة لاستنارة قلوب المؤمنين وظلمة قلوب الكافرين في سورة النور

‌الفصل الأول: المثل المضروب لنور الله في قلوب المؤمنين

‌المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثل

المبحث الأول: دلالة السياق الَّذِي ورد فيه المثل.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِة ٍلَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَآءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ

} .

ص: 279

إلى قوله سبحانه: {لَقَدْ أَنْزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 1.

لقد ورد هذا المثل العظيم في سياق بدأ بذكر العلم الذي أنزله الله إلىعباده، والذي يتضمن: الآيات البينات، والأمثال المضروبة من أحوال الأمم السابقة، والمواعظ. وذلك في قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} . وهذا العلم النازل هو الطريق الوحيد لهداية الناس.

ثم بين سبحانه أنه هو الهادي لأهل السموات والأرض، فكل خير ونور وبصيرة وهدى فهو منه وحده سبحانه حيث قال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .

ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لنوره الذي يجعله في قلوب عباده المؤمنين جزاء تصديقهم وقبولهم لما نزل من البينات، وتعلمهم لها، وعملهم بها، مبيناً في المثل حقيقة ذلك النور، ومادته التي تغذيه، وأثره في استنارة القلب وبصيرته، وذلك بقوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا

1سورة النور الآيات (35-46)

ص: 280

مِصْبَاحٌ

} الآية.

ثم ذكر سبحانه شاهداً على أثر ذلك النور في ذكر بعض صفات عباده المؤمنين الذين استنارت قلوبهم بذلك النور، فأكسبها البصيرة، وكشف لهم أحاسن الأعمال فلزموها، وأراذلها فتجافوا عنها. حيث قال سبحانه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ} 1.

ثم أتبع ذلك بذكر مثلين يصور فيهما سبب ضلال فريقين من الكفار، المتمثل في إعراضهما عن نور العلم الذي أنزله الله لهداية الناس، وما نتج عن ذلك من حجب الله نوره عنهم فبقوا في الضلال والظلمات يعمهون.

قال – سبحانه -: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآء حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ

1سورة النور الآيات (36-38)

ص: 281

الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} 1.

وفي ختم المثل الأول بقوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء} .

والمثل الثالث بقوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} ربط بين هذه الأمثال المصورة لحال من أعطاه الله النور ومن لم يحصل له ذلك النور، وبيان لحقيقة هامة وهي أن الهداية لا تكون إلا بنور الله عز وجل الحاصل من تعلم العلم من الوحي النازل من الله والإيمان والعمل به، وأن من لم يسلك سبيل العلم فلن يُعْطيَهُ الله نوراً، ومن لم يعطه الله نوراً فلن يستنير قلبه أبداً، ولو سلك ما سلك من الطرق.

وهذه الحقيقة المستفادة من سياق الأمثال الثلاثة المتمثلة: بوجود نور يهدي إلى الإيمان، هو نور العلم، ووجود نور يجعله الله في قلوب عباده المؤمنين، هو نور الإيمان، دل عليه قوله تعالى في ألفاظ المثل الأول:{نُّورٌ عَلَى نُورٍ} .

1سورة النور الآيتان (39-40) .

ص: 282

وتعلم العلم هو فعل العبد، وقذف النور في القلب هو فعل الله تعالى. فإذا جاء العبد بما عليه من الاستجابة للعلم، أعطاه الله ما يستحقه فهداه. حيث قال سبحانه:{نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء} .

خلاصة دلالة السياق:

إن مثل النور في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ

} الآية، ورد في سياق أشاد الله فيه بالعلم النازل به الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أنه الطريق والسبب الأوحد لهداية الناس حيث ينير قلوب المؤمنين وأعمالهم. وأن نور الإيمان يقذفه الله في تلك القلوب التي استنارت بالعلم واستجابت له.

وصوّر مثل النور هذا المعنى أكمل تصوير.

كما دل السياق على أن سبب ضلال الكفار هو إعراضهم عما أنزله الله من العلم. وضُرب لذلك مثلان يبينان حال الكفار الذين حُرموا من النور الإلهي، هما: مثل السراب، ومثل الظلمات.

وسوف يأتي مزيد من التأمل في السياق عند دراسة هذين المثلين إن شاء الله تعالى.

ص: 283

‌المبحث الثاني: دراسة المثل

‌المطلب الأول: نوع المثل

المطلب الأول: نوع المثل.

هذا المثل من الأمثال التشبيهية، التي يتم إيضاح المراد بها عن طريق القياس التمثيلي.

وبهذا المثل شبه أمر معقول1 هو: نور العلم والإيمان القائم في قلوب المؤمنين، بأمر محسوس هو: نور المصباح الذي في مشكاة، الوارد وصفه في المثل.

والمشبه به والمشبه كلاهما عبارة عن هيئة مركبة. كما سيأتي بيان ذلك فيما يلي من المطالب.

1المعقول: هو الأمر الذي له وجود حقيقي، لكنه لا يدرك بالحواس الخمس، ولكن يدرك بالعقل. كالروح مثلاً. ومثله نور القلب وبصيرته.

ص: 286

‌المطلب الثاني: بيان صورة الممثّل به

.

لقد بُيِّنت صورة الممثّل به في قوله تعالى: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِة ٍلَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ} .

وهذا المثل مكون من خمسة أجزاء رئيسة هي:

1-

مشكاة.

2-

مصباح.

3-

زجاجة تحيط بالمصباح.

4-

زيت يوقد منه المصباح.

5-

النور المنبعث من المصباح.

وسأبين فيما يلي المراد بهذه الأجزاء.

أولاً: المشكاة.

ذكر المفسرون وأصحاب كتب المفردات ثلاثة معان للمشكاة هي:

1- الكوة غير النافذة1 التي تكون في الجدار، يوضع فيها المصباح،

1انظر: تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، (10/301) ، تحقيق علي حسن هلالي، الدار المصرية، تفسير القرآن العظيم، (3/290) ، جامع البيان لابن جرير (9/325) .

ص: 287

وهي تجويف صغير في الجدار كالرف الصغير.

ورجح الراغب في المفردات هذا المعنى للمشكاة ولم يذكر غيره حيث قال: "والمشكاة كوة غير نافذة، قال: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} وذلك مثل القلب، والمصباح مثل نور الله فيه"1.

2-

المشكاة هي: موضع الفتيلة من القنديل. وهي: القصبة أو العمود المجوف الذي توضع فيه الفتيلة.2

وقد رجح هذا المعنى ابن كثير بعد أن ذكر المعاني الأخرى حيث قال: "والقول الأول أولى وهو: أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل".3

3-

المشكاة هي: الحديدة التي يعلق بها القنديل.4

ولم أجد من رجح تفسير المشكاة في الآية به من المفسرين.

والمعنى الجامع من هذه المعاني للفظ "مشكاة" هو: أن المكان أو الشيء الذي يوضع فيه المصباح يسمى مشكاة. فمن قال: أن المصباح هو

1المفردات في غريب القرآن ص 266.

2 تهذيب اللغة (10/301) ، تفسير القرآن العظيم، (3/290) ، جامع البيان، (9/325) .

3تفسير القرآن العظيم، (3/290) .

4 نفس المصدر والصفحة، انظر: تهذيب اللغة (10/301) ، جامع البيان، (9/325) .

ص: 288

الفتيلة المضيئة، قال: المشكاة هي العمود أو القصبة التي توضع فيها لقوله تعالى: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} .

ومن قال المصباح هو المجموع المكون من الفتيلة والقصبة ووعاء الزيت، قال: المشكاة هي: الكوة التي يوضع فيها المصباح، وكلا القولين محتملان في تفسير المشكاة.. لكن التفسير الأول وهو: الكوة أنسب من جهة التشبيه ومطابقة المشبه به، حيث نص بعض السلف والمفسرين على أن المشكاة مثل للقلب أو الصدر1، فيكون تجويف القلب مشابه لتجويف المشكاة. والله أعلم.

وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المعنى عند الكلام على مطابقة الممثّل به للممثل له.

وأيضا فإن تفسير المشكاة بالكوة يبين ميزة لهذا النور تتمثل في تنويره لهذه الكوة أكمل ما تكون الإضاءة، لأنه يكون محصوراً فيها فينير كافة جوانبها. أما تفسيره بالقصبة أو غيرها فإنه لا يفيد معنى ذا قيمة في اعتبار المثل.

ثانياً: المصباح.

المصباح هو: السراج المضيء الذي نوره من توقد وإضاءة.

1انظر: جامع البيان لابن جرير، (9/323) .

ص: 289

قال في تهذيب اللغة: "والمصباح نفس السراج. وهو قُرْطُه الذي تراه في القنديل"1.

والقرط: جمعها قِراط: وتطلق على شعلة السراج، ما احترق من طرف الفتيلة.2

قال الراغب: "ويقال للسراج مصباح"3.

وقال: "السراج: الزاهر بفتيلة ودهن، ويعبر عن كل مضيء"4.

وعلى هذا يسمى الجرم المضيء مصباحاً كالشمس، والنجوم الزاهرة المتوهجة. ولا يقال للضوء والشعاع مصباح. كما لا يقال للجرم المنور بلا إضاءة وتوهج مصباح.

وقد فرق الله سبحانه بين الأجرام المتوهجة المتقدة المضيئة، وبين الأجرام المنورة بسبب انعكاس أشعة الضوء عليها في قوله:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآء وَالْقَمَرَ نُورًا} 5.

1تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، تحقيق علي حسن هلالي (10/582) .

2 الصحاح في اللغة والعلوم، إعداد: ندايم وأسامة مرعشلي، ص (911) دار الحضارة بيروت، ط/ الأولى، 1975.

3المفردات في غريب القرآن ص (373) .

4نفس المصدر ص (229) .

5سورة يونس آية (5) .

ص: 290

وقوله: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} 1.

وقوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 2.

وبهذا يتبين أن الأجسام منها ما هو منور بسبب توهّجه واتقاده كالشمس.

ومنها ما هو منور بسبب انعكاس الضوء عليه دون توهجه واتقاده كالقمر.

والمصباح الذي شبه به نور الله في قلب المؤمن هو من النوع الأول الذي يتوهج ويتقد لأن هذا هو حقيقة المصباح كما تقدم في التعاريف اللغوية.

قال ابن جرير: ".. وصف المصباح بالتوقد، لأن التوقد والاتقاد لاشك أنهما من صفته"3.

ثالثاً: الزجاجة.

قال تعالى: {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} .

1سورة نوح آية (16) .

2سورة الإسراء آية (12) .

3جامع البيان (9/326) .

ص: 291

"الزجاج حجر شفاف، الواحدة زجاجة"1.

ويؤخذ من الزجاج معنى: الشفافية والحسن والصفاء.

ويؤخذ من تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري: معنى الإضاءة والتلألُؤِ.

وذلك أنها شبهت بالكوكب المتلألئِ الذي هو من زينة السماء الدنيا. كما قال تعالى: {إنَّا زَيَّنا السَّمآءَ الدنْيَا بِزينَةٍ الكَوَاكِب} 2 ووصف الكوكب بأنه دري: يدل على معنى الإضاءة.

كما ورد عن أبي بن كعب3 رضي الله عنه أنه فسر دري: بمضيء.

وكذلك روي عن قتادة4 رحمه الله.5

1المفردات في غريب القرآن ص (211) .

2سورة الصافات آية (6) .

3أبو منذر أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وسيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان رأسا في العلم والعمل. توفي سنة 22 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء (1/389) ، الإصابة (1/31) .

4أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي الضرير، ولد سنة 60هـ. كان من أوعية العلم بالتفسير والحديث. وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. وكان رأسا في العربية والغريب، وأيام العرب وأنسابها توفي سنة 118 هـ وقيل غير ذلك.

انظر: سير أعلام النبلاء (5/269) ، وتقريب التهذيب (2/123) .

5تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/290) .

ص: 292

وعلى هذا فالمراد هو التشبيه بكوكب مضيء ينبعث الضوء من داخله بخلاف الكواكب غير المضيئة التي نورها بسبب الضوء الوارد إليها من غيرها.

وهذا التشبيه - تشبيه الزجاجة بالكوكب الدري - يؤكد المعنى المستفاد من حقيقة المصباح وهو الإضاءة الذاتية الناتجة عن توقد وتوهج ونور ينبعث نتيجة لذلك.

فالنور الذي يتلألأ ويزهر على الزجاجة يأتيها من الداخل من المصباح.

والزجاجة - بطبيعتها المعروفة- تنعكس عليها الأنوار وتنفذ من خلالها كأجمل ما تكون إذا كان المصباح المتوهج حسن الإنارة جيد الزيت. وإذا ضعفت الإنارة أو كان الزيت من النوع الرديء أو خلط به، انبعث من المصباح دخان يتجمع على جدار الزجاجة من الداخل، فيضعف بريقها ونورها، وربما أظلمت إذا كثر الدخان وغطى سائر الزجاجة.

ومعرفة هذه الحال من طبيعة الممثّل به مهمة في تدبر المثل والاعتبار به، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.

رابعاً: الزيت الذي يوقد به المصباح.

قال الله تعالى: {يوْقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَاركةٍ زَيتونَةٍ لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ يَكَاد

ص: 293

زَيْتها يُضئ ولوْ لم تمسسْهُ نار} 1.

قوله: {يوْقَدُ} أي المصباح. فالضمير عائد عليه.2

قوله: {مِن شَجَرَةٍ مُبَاركةٍ زَيتونَةٍ} "أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة: {زَيتونَةٍ} بدل أو عطف بيان"3.

قوله سبحانه: {زَيتونَةٍ لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ} .

بين المفسرون أن هذا الوصف المعبر عنه بقوله: {لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ} المراد منه بيان جودة زيت الشجرة وصفائه واعتداله وإشراقه.4

واختلفوا في المراد بكونها {لا شَرْقِية وَلا غَرْبيةٍ} على قولين مشهورين:

الأول: أن المراد أنها ليست شرقية لا تصيبها الشمس إلا إذا أشرقت، وليست غربية لا تصيبها الشمس إلا إذا غربت، ولكنها شرقية

1سورة النور آية (35) .

2 انظر: فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني، (4/33) .

3تفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/290) .

4انظر: جامع البيان، (9/328) ، وتفسير القرآن العظيم، (3/291) .

ص: 294

غربية تصيبها الشمس إذا طلعت وإذا غربت النهار كله. وذلك كأن تكون في أرض فلاة لا يحجبها الشجر أو على رأس جبل. وقالوا ذلك أجود لزيتها.1

الثاني: أن المراد أنها وسط الشجر لا تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا إذا غربت، فهي "لا شرقية ولا غربية".2

وقد رجح ابن كثير القول الأول حيث قال: "وأولى هذه الأقوال القول الأول وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح بادٍ ظاهر ضاح للشمس تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف".3

وقبله رجح هذا القول ابن جرير رحمه الله.4

وقوله سبحانه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} .

قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: يَكَاد زيت هذه الزيتونة يضيء - من صفائه،

1تفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/291) .

2 انظر: جامع البيان لابن جرير، (9/327، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/291) .

3تفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/291) .

4جامع البيان لابن جرير (9/328) .

ص: 295

وحسن ضيائه - {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} يقول: فكيف إذا مسته النار".1

وهذا الوصف يدل على أن الزيت من صفائه وحسنه يشرق ويتنور من انعكاس ضوء المصباح أو غيره عليه.

فهو إذاً ذا نور، لكنه ليس ناتجاً عن إضاءة وإنما ناتج عن انعكاس الضوء الوارد عليه من غيره. يؤيد هذا المعنى قوله {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي يَكَاد من تنوره وإشراقه أن يتقد.

خامساً: النور المنبعث من المصباح.

نور المصباح في المشبه به هو المعنى المعتبر في التشبيه، وكل ما ورد في أوصاف الممثّل به إنما المراد به إيضاح طبيعة النور المنبعث من هذا المصباح الموصوف.

قال - سبحانه - في بداية المثل: {مثَل نُورهِ كَمِشْكَاةٍ فِيها مصْبَاح} .

والمراد تشبيه نور الله في قلب المؤمن بنور حاصل في مشكاة فيها مصباح.

وقال بعدما أتم أوصاف المصباح: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} :

أي نور نار المصباح ونور الزيت.2

1جامع البيان (9/328) .

2انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.

ص: 296

والمعنى أن المشبّه به هو نور كائن على نور.

"وارتفاع {نُورٌ} : على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف: أي هو نور.

و {عَلى نُور} : متعلق بمحذوف هو صفة لنور مؤكدة له. والمعنى: هو نور كائن على نور".1

ويمكن استخلاص أهم صفات النور مما ذكر من هيئة المشبه به، ومما يعرف من طبيعته، فيما يلي:

1-

أنه نور ناتج عن إيقاد المصباح، وإيقاده تم من غيره، وهو قابل للانطفاء.

2-

أنه نور متأثر بالوقود - الزيت - من جهة صفاء النور وإشراقه لجودة الزيت، ومن جهة زيادة النور أو نقصانه لنقص الزيت.

والمصباح المشبه به وقوده من أحسن الوقود، فنوره كأحسن ما يكون إشراقاً وإنارة وصفاءً.

3-

أن المصباح محفوظ بزجاجة تحميه من تلاعب الرياح باللهب مما يؤدي إلى اضطراب النور أو انطفائه، فهو نور ثابت متنامٍ.

كما أن الزجاجة تسهم في تفرق الضوء وانتشاره خارجها، ويتلألأُ

1 فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية من علم التفسير، لمحمد بن عليالشوكاني، (4/34) .

ص: 297

ويزهر عليها.

وخلاصة القول في الممثّل به:

أن الممثّل به في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فيهَا مِصْباح

} مكون من عدة أجزاء، لها أثر في قوة النور وصفائه وكماله:

فهو مصباح بفتيلة جيدة يتقد وينبعث منه الضوء والنور كأحسن ما يكون إشراقاً وصفاء لجودة الزيت الذي يوقد به، وتنعكس أشعة الضوء على الزجاجة التي تحيط به فتتلألأ وتشرق وتنور جميع جوانب تلك الكوة والمشكاة التي وضع فيها المصباح. كما أن الزجاجة تحمي نور المصباح من تلاعب الرياح به، فهو نور ثابت.

ص: 298

‌المطلب الثالث: بيان الممثّل له

.

هذا المثل ضرب لبيان النور المضاف إلى الله عز وجل في قوله - سبحانه -: {مثَلُ نورهِ كَمِشْكَاةٍ} .

وفي المراد بالضمير (الهاء) في قوله: {نورهِ} ثلاثة أقوال للمفسرين1 هي:

1-

أنه عائد إلى الله عز وجل، أي: مثل هداه في قلب المؤمن.

2-

أن الضمير عائد إلى المؤمن، أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كَمِشْكَاةٍ.

3-

أنه عائد إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد رجح ابن جرير رحمه الله عود الضمير إلى الله عز وجل حيث قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلوب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم فآمنوا به، وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة".2

1 انظر: جامع البيان لابن جرير، (9/321) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/290) ، واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيمص 7، المكتبة السلفية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى، ت/بدون.

2جامع البيان، (9/325) .

ص: 299

وبين ابن القيم رحمه الله أن عود الضمير إلى الله عز وجل يدل عليه السياق، وينتظم تلك الأقوال، حيث قال:

"وقد اختلف في مفسر الضمير في {نورهِ} ، فقيل: هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي: مثل نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن. والصحيح أنه يعود على الله سبحانه وتعالى. والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده. وأعظم عباده نصيباً من هذا النور رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة وهو أتم لفظاً ومعنى"1.

وكلا القولين المأثورين عن السلف - من إعادة الضمير على الله عز وجل أو على المؤمن - صحيح باعتبار:

فهو من جهة: نور الله الذي جعله لعبده، وهداه به، وأنار به قلبه. فيضاف إلى الله باعتباره الواهب له، الهادي إليه. كما في قوله تعالى:{يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء} ، وكذلك قوله:{مَثَلُ نُورِهِ} .

وهو من جهة: نور المؤمن الذي أعطاه الله إياه، وجعله في قلبه، وخصه به. كما دل على ذلك قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا

1اجتماع الجيوش الإسلامية. ص (7) .

ص: 300

لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} 1.

فاللام في قوله: {لَهُ} لام الاختصاص.

قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه. ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل"2.

ويمكن تحديد طبيعة هذا النور الذي يجعله الله لعباده المؤمنين من المعطيات المستفادة من ألفاظ المثل، وأقوال أهل العلم، بالأمور الآتية:

أولاً: أن النور الممثّل له كائن في قلب المؤمن.

ثانياً: أن النور يضاف إلى الله تعالى باعتباره الواهب له الهادي إليه. ويضاف إلى المؤمن باعتباره محله المعطى له، الموهوب إياه.

ثالثاً: أنه نور واحد. كما دل عليه الإفراد في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ} ، والمستفاد من حقيقة الممثّل به.

رابعاً: أنه نور مركب كما دل عليه قوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} ، ودل عليه صورة الممثّل به، وامتزج هذان النوران فأصبحا نوراً واحداً مضيئاً.

1سورة الأنعام آية (122) .

2اجتماع الجيوش الإسلامية ص (7) .

ص: 301

المراد بالنورين في قوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} :

تكاد تتفق التفاسير المأثورة عن السلف على أن المراد بأحد النورين هو القرآن الكريم وما دل عليه من العلم والعمل1. ثم اختلفوا في تحديد النور الثاني على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن النور الثاني هو نور الإيمان في قلب المؤمن.

وهو القول الذي تدور عليه أكثر أقوال السلف.2 ورجحه ابن تيمية3 رحمه الله وغيره.

القول الثاني: أن النور الثاني هو نور الفطرة. أي ما فطر عليه قلب المؤمن من الهدى. ذكره ابن كثير4 رحمه الله.

وهذا في حقيقته عائد إلى القول الأول لأن المراد هو ما فطر عليه قلب المؤمن، وليس أي قلب. وقلب المؤمن باق على أصل الفطرة، على الدين الحنيف، وزاد الإيمان هذه الفطرة رسوخا واستحكاما. فهو عائد

1انظر: جامع البيان (9/321، 322، 328) ، وتفسير القرآن العظيم، (3/290، 291) .

2 انظر: جامع البيان لابن جرير (9/325، 328، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/290، 291) ومجموع الفتاوى، (10/475) .

3مجموع الفتاوى، (10 /475) .

4تفسير القرآن العظيم، (9/290) .

ص: 302

إلى نور الإيمان وما يستلزمه من الفطرة السليمة.

القول الثالث: أن النور الثاني هو الحجج والبراهين الكونية التي نصبها الله لعباده، ورجح هذا ابن جرير رحمه الله، لكنه لم يذكر أن أحدا من السلف قال به.1

وهذا القول فيه نظر وذلك أن تفسير النور الثاني الذي يعطاه المؤمن بالحجج والبراهين الكونية لا يستقيم للاعتبارات الآتية:

1- أن النور كائن في القلب. كما نص على ذلك كثير من علماء السلف ومن بعدهم من العلماء والمفسرين - ومنهم ابن جرير -، والآيات الكونية خارج القلب.

2-

أن النور الممثّل له جعله الله للمؤمن. والآيات الكونية منصوبة للمؤمن وغيره.

3-

إذا كان المراد هي: الحجج والبراهين والعبر المستخلصة بالنظر، فهذه ثمرة التفكر الذي لا يكون صحيحا مسدداً إلا بالنور، فهي نتيجة النور وليست من ماهيته.

4-

إذا قيل أن المراد بالنور هو: تفكر المؤمن ونظره، الذي هو آلة

1جامع البيان (9/328) .

ص: 303

القلب ووظيفته.1

قيل: إنها ليست من ماهية النور، ولكنها مظهر له، متأثرة به، متنورة من النور بعد إيقاد المصباح.

فالتعقل الصحيح هو تعقل المؤمن الذي استنار قلبه بنور العلم والإيمان.2

5-

أن دلالة الممثّل به تخالف ذلك، ولا تتفق مع جعل النور الثاني هو الحجج والبراهين وذلك أن المثل دل على أن أحد النورين وقود للنور الآخر، متوقف اتقاده عليه. والأدلة والبراهين الكونية ليست مادة للعلم المستقى من الوحي. وإنما هي مؤيدة مساندة له في بعض المطالب إلا أنه لا يتوقف عليها.

وأيضاً لا يقال: أنها نور يغذي نور الإيمان وذلك أن الدلائل الكونية غير كافية في التعريف بالله، وبحقه، وبشعائر الدين، والمطالب الغيبية، فلا يستمد منها وحدها الإيمان الشرعي، وإنما يستمد من الوحي الذي أنزله الله على رسله - صلوات الله وسلامه عليهم -.

1انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، (9/307، 309) والتفسير الكبير للرازي، (23/25) .

2سيأتي بيان ما يقابل التعقل عند الكلام على ما يقابل أجزاء الممثّل به في المطلب القادم.

ص: 304

وإنما الصحيح أن يقال أن الإيمان لا يحصل إلا بالعلم المستفاد مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي. فتفسير النورين بالعلم والإيمان هو المطابق لصورة الممثّل به.

قال السدي1 رحمه الله: "نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه"2.

6-

أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على أن الآيات والحجج الكونية نور، ولم يؤثر عن أحد من السلف أنه قال بذلك. وابن جرير الذي ذكر ذلك لم يذكر أن أحدا من السلف قال به.

ولكن وردت النصوص بتسمية العلم نوراً، والإيمان نوراً، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعلم العلم ويدعو إلى الإيمان نوراً.

وعلى هذا يتبين خطأ من فسر ما يقابل نور الزيت في الممثّل له بنور الأدلة والحجج الكونية.3 إذ إن ذلك يصرف عن دلالة المثل، وسياقه

1أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، أحد موالي قريش، من أئمة التفسير، توفي سنة 127 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء، (5/264) ، وتهذيب التهذيب، (1/313) .

2نقلا عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير، (3/291) .

3 انظر: التفسير الكبير للرازي، (23/232) ، وصفوة التفاسير، لمحمد بن علي الصابوني، (2/341) ، والأمثال في القرآن الكريم، د. الشريف منصور بن عون العبدلي ص (8) .

ص: 305

- المؤيدة بنصوص الوحي وأقوال السلف الكرام - على نور العلم وأهميته في الهداية وحصول الإيمان وزيادته. ويقوي منهج العقلانيين الزاعمين أن النظر العقلي هو الطريق لمعرفة الإيمان والتوحيد وسائر المطالب الغيبية.

وعلى ضوء ما تقدم يتحصل أن المراد بالنورين في قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} هما:

نور العلم الواصل للقلب من هداية الكتاب والسنة. وهو يقابل نور الزيت.

ونور الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن. وهو يقابل نور شعلة المصباح.

شواهد تفسير النورين بالإيمان والعلم:

إن تفسير النورين في قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} بنور الإيمان ونور العلم يؤيده ما ورد من إطلاق لفظ النور عليهما في نصوص أخرى.

وهذا مع ما دل عليه الاعتبار بالمثل يدل على صواب من رجح تفسيرهما بذلك.

فمما ورد من إطلاق النور على ما أنزله الله على أنبيائه من الكتاب والحكمة المتضمنة للعلم، قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ

ص: 306

وقوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} 1، ونحوها.

وجمع الله بينهما بقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 2.

كما دل المثل على أن النور الذي عند المؤمنين من فعل الله وجعله لهم، من جهتين:

الجهة الأولى: الاعتبار بصورة الممثّل به وهو المصباح حيث لا يتقد إلا بإشعال النار في الفتيلة التي سرى فيها الزيت.

وكذلك نور الإيمان يجعله الله لمن أناب وأذعن قلبه لما نزل من الحق. فيقذف الله في قلبه الإيمان، ويزيده منه كلما تعلم واستجاب.

والجهة الثانية: قوله في المثَل: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء} .

وقوله في مثل الظلمات: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 3.

1سورة الحديد آية (28) .

2سورة الشورى آية (52) .

3سورة النور آية (40) .

ص: 308

وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى منها ما سبق إيراده، كقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} .

وقوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} ، ونحوها.

ومن الأحاديث الدالة على هذا المعنى ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ} 1 قالوا: وكيف يشرح صدره؟ قال: "يدخل فيه النور فينفسح". قالوا: وهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت"2.

فإذا هدى الله العبد وشرح صدره بالنور الذي يجعل فيه - الذي يقابل إشعال فتيلة المصباح - أصبح في القلب نتيجة لذلك نور قائم فيه، ملازم له مادام مؤمناً، دل على ذلك ما ورد عن حذيفة3 رضي الله عنه:

1سورة الأنعام آية (125) .

2رواه ابن جرير في جامع البيان، (5/336) وذكر ابن كثير طرق الحديث ثم قال:"فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا والله أعلم". تفسير القرآن العظيم (2/175) .

3أبو عبد الله حذيفة بن اليمان العبسي، حليف الأنصار، من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم، شهد بدرا. توفي بالمدائن سنة 36 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء (2/361) ، والإصابة (1/316) .

ص: 309

"القلوب أربعة: قلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أغلف فذاك قلب الكافر، وقلب أجرد كأن فيه سراجاً يزهر، فذاك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثله مثل قرحة يمدها قيح ودم، ومثله مثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب، فأيما غلب عليها غلب"1.

وحياة القلب وبصيرته تكون بهذا النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين، واستمرارها باستمراره.

فحياة القلب مستفادة من الإيمان الذي يكتبه الله في قلب المؤمن، وبصيرته مستفادة من النور القائم فيه.

وبالمقابل موت القلب وعماه إنما يكون بخلوه من الإيمان والنور، فالموت سببه خلو القلب من الإيمان، وعمى القلب سببه انطفاء نوره وانعدامه.

قال ابن القيم رحمه الله: "فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه"2.

1 رواه الحافظ أبو بكر محمد بن أبي شيبة في كتاب الإيمان، (ح 54) ، ص (17) . ضمن كتاب من كنوز السنة رسائل أربع تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقال الألباني عن هذا الحديث:"حديث موقوف صحيح".

2اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (23)

ص: 310

العلاقة بين النورين:

يصور المثل العلاقة بين العلم والإيمان أتم تصوير، وذلك بالمقارنة بعلاقة الزيت بنار المصباح المتمثلة في الخطوات الآتية:

1-

سريان الزيت في فتيلة المصباح.

2-

إشعال الفتيلة.

3-

استمرار سريان الوقود لازم لاستمرار اشتعال النار، وإذا انقطع احترقت الفتيلة ثم انطفأ النور.

4-

زيادة الإضاءة بزيادة الوقود، والعكس.

وهذه المعاني معتبرة في الممثّل له، وبالمقارنة بها تبرز العلاقة بين العلم والإيمان، وذلك كما يلي:

1- تشرب القلب العلم المبين في الكتاب والسنة، وإذعانه للحق وإنابته إليه هو سبب الهداية، وهي تقابل سريان الوقود في الفتيلة، وتشربها له.

2-

هداية الله العبد الذي اهتدى بالعلم، واستجاب للحق، وقذف النور في قلبه، وهذا يقابل إشعال المصباح.

3-

استمرار عقد القلب وقبوله للحق الذي دل عليه الكتاب والسنة من التوحيد والعبودية لله لازم لاستمرار الإيمان، وهذا يقابل لزوم استمرار سريان الزيت في الفتيلة لاستمرار الشعلة.

4-

زيادة الإيمان وصفاؤه كلما زاد تعلمه للعلم، واستمساكه

ص: 311

بالكتاب والسنة، وعدم تكديره بغيرهما.

وهذا يقابل زيادة ضوء المصباح وصفاءه بزيادة الزيت وجودته.

وهذه المعاني المستفادة من الاعتبار بالمثل دلت عليها نصوص كثيرة منها:

ما ورد في بيان أن القرآن سبب الهداية، كقوله تعالى:{الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} 1.

وقوله: {قَدْ جَآءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 2، ونحوها.

وقوله: {يَهدي به الله مَن اتبَعَ رِضوَانه} ، يدل على أن الهادي هو الله، وأن سبب الهداية هو الاهتداء بالقرآن - الكتاب المبين - واتباع ما دل عليه من رضوان الله.

أما زيادة الإيمان بزيادة الاهتداء بتعلم العلم والعمل به، فقد دل

1سورة البقرة آية (1، 2) .

2سورة المائدة آية (15، 16) .

ص: 312

عليها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} 1.

فهذا المثل يبين الطريق إلى الإيمان، بالإرشاد إلى سببه الذي من جاء به هداه الله، وهو الاستجابة لما أنزل الله من الوحي على نبيه صلى الله عليه وسلم وأن زيادة الإيمان تكون بزيادة الاهتداء بتعلم الكتاب والسنة والعمل بهما.

وخلاصة القول في تحديد الممثّل له:

من التأمل في المعطيات المتقدمة، المستفادة من صورة الممثّل به، والنظر في أقوال أهل العلم، وما يؤيدها من النصوص، نخلص إلى أن الممثّل له هو النور المركب من: نور العلم والإيمان الذي يجعله الله في قلب المؤمن.

1سورة محمد آية (17) .

ص: 313

‌المطلب الرابع: تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به:

تبين من دراسة الأصل الممثّل به أنه يتكون من أربعة أجزاء رئيسة هي:

1-

المشكاة.

2-

المصباح.

3-

الزجاجة المحيطة بالمصباح.

4-

الزيت الذي يوقد منه المصباح.

وقد تقدم بيان ما يقابل النور في المطلب السابق، وفي هذا المطلب يجري التعرف على ما يقابل الأجزاء الأخرى في محل النور القابل له، وذلك من أقوال علماء السلف والمفسرين، والمناسبة المعقولة بين المتقابلات، وذلك يكون في الفقرات الآتية:

أولاً: المشكاة:

تقدم في الكلام على الممثّل به أن المشكاة هي التجويف الذي يكون في الجدار يوضع فيه المصباح، "ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه من مصباح أو غيره"1.

وتبين من المطلب السابق أن الممثّل له هو: نور العلم والإيمان في

1فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، (4/32) .

ص: 314

قلب المؤمن.

أما المشكاة فقد فسرها بعض أهل العلم بقلب المؤمن1، وبعضهم فسرها بصدره.2

والأقرب إلى الاعتبار - والله أعلم - مقابلة المشكاة بقلب المؤمن وذلك للاعتبارات الآتية:

1-

إنه بدأ بذكر المشكاة في قوله: {كَمِشْكَاةٍ فيها مصباحٌ} لتحديد مكان النور وهو القلب.

2-

إن تجويف القلب يناسب تجويف المشكاة، ويكون المراد بيان شدة استنارة القلب بهذا النور بما يستفاد من استجماع الضوء في المشكاة لقربها من المصباح وصغر حجمها، فتكون إنارتها أكمل.

3-

إن البصيرة وأعمال القلوب ووظيفة التفكر هي في القلب3،

1 انظر: المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص (266) [مادة: شكا] .

وقانون التأويل لأبي بكر بن العربي، ت /محمد السليماني، ص (479) ، دار القبلة جدة، ط: الأولى، 1406 هـ.

2انظر: جامع البيان، (9/323) ، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ص (7) .

3تكلمت عن أهم الوظائف القائمة في القلب، وأدلة قيامها به، في بحثي لرسالة الماجستير، بعنوان: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، ص (183-222) .

ويكفي للاستدلال لقيام البصيرة والتعقل في القلب قول الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج آية 46] .

ص: 315

فوجود النور فيه ينعكس على هذه الوظائف فيكشف لها مواطن الرشد والفلاح وضدها من سبل الضلال والهلاك.

ولذلك: إذا استنار القلب استنارت وظائفه وما يقوم به من أعمال القلوب وانعكس ذلك على سائر أعماله الظاهرة والباطنة، كما يدل عليه عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"1.

أما الصدر خارج القلب فلم يثبت أنه محل لأي وظيفة إيمانية، فلا يكون للنور أثر فيه. ولا يكون في ذكره في المثل فائدة. إذ المراد بيان أثر النور على قلب المؤمن وما فيه من الوظائف والأعمال، والتي ينعكس أثرها على أعماله الظاهرة وجميع أحواله، فوجب مقابلة جميع أجزاء المثل بما يقوم في القلب، بل إن كل نص أو قول أسند شيئاً من الأمور الإيمانية إلى الصدر فإنما المراد ما في القلب.

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله:

1تقدم تخريجه ص (255) .

ص: 316

"قال بعض الحكماء حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} 1، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك، إلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها"2.

ولا شك أن الشهوة والهوى والغضب ونحوها تكون في القلب.

والمتتبع للآيات التي ورد فيها إسناد شيء من الوظائف الإنسانية أو الإيمانية إلى الصدر يجد أن المفسرين يرجعونها إلى ما في القلب.

ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى {ويشْفِ صدورَ قومٍ مؤْمنينَ} 3.

قال ابن جرير رحمه الله: "يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم من الأذى والمكروه"4.

1سورة ق آية (37) .

2المفردات في غريب القرآن، ص (276) .

3سورة التوبة آية (14) .

4جامع البيان، (6/332) .

ص: 317

وقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 1.

أي مجموع مثبت في قلوب أهل العلم، كما قال تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم:{إنَّ عَلينا جَمْعَه وقُرآنه} 2 حيث فسرها بعض أهل العلم بقولهم: "إن علينا أن نجمعه لك حتى نثبته في قلبك"3.

وقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} 4 قال ابن جرير رحمه الله: " {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق {صَدْرَكَ} فنلين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة"5.

وليس المقصود الاستقصاء، وإنما إيراد نماذج تبين أن المفسرين يرجعون معنى الصدر في كثير من الآيات إلى ما يقوم في القلب من الوظائف النفسية، والأعمال القلبية.

وعلى هذا يكون تفسير المشكاة بالقلب أولى من تفسيرها بالصدر،

1سورة العنكبوت آية (49) .

2سورة القيامة آية (17) .

3انظر: جامع البيان (12/340) ، الأثر رقم (35361) وما بعده.

4سورة الشرح آية (1) .

5جامع البيان، (12 /626) .

ص: 318

وهو شامل لما يراد بلفظ الصدر من الأعمال والوظائف.

وخلاصة ما تقدم:

إن الأولى مقابلة المشكاة في مثل النور بقلب المؤمن.

ثانياً: الزُجاجة:

قدمت الكلام على ما يقابل الزجاجة قبل الكلام على ما يقابل المصباح، لمناسبة ما ذكر في الكلام على المشكاة - من العلاقة بين القلب والصدر - لتحديد ما يقابل الزجاجة.

وذلك أن من قابل المشكاة بالقلب، قابل الزجاجة بالصدر.

قال أبو بكر بن العربي1 رحمه الله: "فضرب مثلاً للهدى النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر الزجاجة"2.

1الإمام القاضي، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي المالكي، ولد سنة 468 هـ، له تصانيف كثيرة منها: شرح الجامع الصحيح للترمذي، وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم، وغيرها كثير، ولي قضاء أشبيلية وعزل وأقبل على نشر العلم وتدوينه، أخذ عليه اعتناقه لبدعة الأشاعرة، وعنايته بعلم الكلام. توفي سنة 543 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء، (20/197) ، ومعجم المؤلفين، لعمر كحالة، (10/242) .

2قانون التأويل ص (479) .

ص: 319

وقد تقدم - عند الكلام على ما يقابل المشكاة تقرير أمرين:

الأول: أن الصدر خارج القلب غير معتبر في المثل، لأنه لا يقوم به وظائف نفسية أو إيمانية.

الثاني: أنه يطلق لفظ الصدر في النصوص الشرعية وكلام أهل العلم ويراد به ما يقوم في القلب من أعماله ووظائفه.

وتقدم ما نقله الراغب رحمه الله عن بعض الحكماء في هذا المعنى.

وبناء على ما تقدم يكون ما يقابل الزجاجة هو صدر المؤمن، وصدر المؤمن يراد به ما يقوم في القلب من الوظائف والأعمال، كالمعتقدات، والنيات، والعواطف، والانفعالات

ونحوها.

ولا يراد بالصدر ما كان خارج القلب من التجويف المحيط به.

وقد ورد عن ابن جرير رحمه الله ترجيح مقابلة الزجاجة بالصدر، مع تفسير الصدر بالأعمال الإيمانية التي تقوم بالقلب. فمن ذلك قوله:

"ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله، والشك فيه، وإستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدري، فقال: {الزُّجَاجَةُ} - وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه - {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} "1.

1 جامع البيان، (9 /325) .

ص: 320

وقوله: "فتأويل الكلام: {الزُّجَاجَةُ} وهي صدر المؤمن، {كَأَنَّهَا} يعنى كأن الزجاجة

{كَوْكَبٌ} يقول: في صفائها وضيائها وحسنها.

وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك، في أسباب الإيمان بالله، وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب"1.

ولا شك أن الخلوص والنقاء من الشك والريب والكفر، والاستنارة بنور القرآن، والانتفاع بالعلم والمواعظ، إنما هي من أعمال القلوب.

وخلاصة القول في المراد بالزجاجة:

أن الزجاجة تقابل أعمال القلب ووظائفه: كالمعتقدات، والإرادات، والعواطف والانفعالات، وأن النور سطع وتلألأ عليها كما تتلألأ الأنوار على الكوكب الدري، والزجاجة الصافية. فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله.

وظهرت آثار ذلك النور على سمع المؤمن وبصره ولسانه، واستنارت أعماله الظاهرة وأقواله وسائر أحواله.

ثالثاً: المصباح ووقوده:

المصباح - كما تقدم في بيان الممثّل به - يتكون من:

1-

فتيلة قابلة لسريان الزيت واشتعاله عليها.

1 جامع البيان، (9/326) .

ص: 321

- الزيت الذي يوقد منه.

3-

شعلة متقدة مضيئة.

فهذه ثلاثة أجزاء في المصباح يقابلها ثلاثة أمور في القلب.

وقد تقدم في المطلب السابق أن:

1-

الزيت الذي هو وقود المصباح يقابله العلم بما نزل من الوحي. وكلاهما نور يَكَاد يضيء قبل أن يُضاء.

2-

شعلة المصباح تقابل نور الإيمان الذي يجعله الله في قلب عبده، وكلاهما نور مضيء مزهر.

وبقي أن نعرف ما يقابل الجزء الثالث وهو الفتيلة.

لم أقف على من نص على تحديد ما يقابل الفتيلة في الممثّل له، إلا أن الأقرب - والله أعلم - أنها تقابل الفطرة. وذلك للاعتبارات الآتية:

1-

ورد عن بعض العلماء ما يفيد أن الفطرة معتبرة في المثل، من ذلك قول ابن كثير رحمه الله:"فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه"1.

ومن ذلك قول ابن القيم رحمه الله: "والنور على النور، نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور

1تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (3/290) .

ص: 322

2 الوحي والكتاب1، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نوراً على نور"2.

2-

التشابه بين دور الفطرة في القلب، ودور الفتيلة في المصباح.

وذلك أن الفتيلة يُراعى فيها عند صنع المصباح أن تكون ملائمة من حيث قابليتها لسريان الزيت فيها، واشتعالها به، ولكونها من جهة قد يطرأ عليها ما يفسدها أو يمنع من اتقادها، وهي بذلك تشبه الفطرة، حيث إن الفطرة في عمومها3 هي: أن القلب بأصل خلقه قابل مهيأ لمعرفة الحق وقبوله وإرادة الخير، وقد يطرأ عليها ما يفسدها ويمنع من قبولها للحق.

قال ابن القيم- رحمه الله مبيناً ذلك: "أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه

فلقد ركز في فطرته الإقرار بالخالق، وهو التوحيد، ومحبة القصاص وهو العدل، وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير

1تقدم الكلام على المراد بالنورين، ص (302) .

2اجتماع الجيوش الإسلامية ص (8) .

3سيأتي مزيد إيضاح لحقيقة الفطرة عند الكلام على فوائد المثل.

ص: 323

منهم إلى سبب معين للفطرة مقوٍّ لها، وقد بينا أنّ هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولابد بما فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعاً أو ظمآناً إلى شراب أو طعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بدّ...." إلى أن قال:

"ومن المعلوم إن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير، ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية، فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطاً مقبولة، وذلك القبول هو كونه مستعداً مهيئا له مستعدا لحصوله فيه"1.

فالفطرة إذاً هي الاستعداد والقابلية لمعرفة الحق والركون إليه، ومؤهلة - إذا عرض عليها الحق وقبلته - لهداية الله وتوفيقه للإيمان.

والفتيلة في المصباح مهيأة صالحة لامتصاص الزيت، وهذا يقابل استعداد الفطرة وقبولها للعلم والهدى الذي جاء به الرسل.

1مختصر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن قيم الجوزية، اختصار خالد عبد الرحمن العك، ص (112، 113) دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1416 هـ.

ص: 324

والفتيلة صالحة قابلة للاشتعال، متفاعلة مع الشعلة التي توقدها، وهذا يقابل النور الذي يقذفه الله في قلب عبده الذي شرح صدره للإسلام.

العلاقة بين الفطرة على الحق ووظيفة التعقل:

إن من الفطرة ما أودعه الله في قلوب الناس من القدرة على التعقل والتفكر التي هي آلة القلب ووظيفته.

ومن الفطرة أيضا ما أودع الله في القلوب من القوة على معرفة الحق، والتي عبر عنها ابن القيم بقوله المتقدم:"إن الفطرة قوة تقتضي معرفة الحق وإيثاره على ما سواه".

وبين هذين الأمرين وجوه اتفاق ووجوه اختلاف، أما وجوه الاتفاق فهي:

1-

أن كلا منهما مُودَع في القلب خلقةً.

2-

أن دور كل منهما هو: التعرف على ما يؤديه البصر والسمع والفكر.

والفارق بينهما:

1-

أن المعارف المودعة في الفطرة أُوجدت فيها بأصل الخلقة، وأما المعارف المستفادة بوظيفة التعقل فهي مكتسبة.

2-

أن ما أُودع في الفطرة من المعرفة لا يكون إلا حقاً، وقد تصرف عنه. أما ما يكتسب بالتعقل فقد يكون حقاً أو خلافه حسب نور

ص: 325

القلب وبصيرته.

فالقدر المشترك بين ما فطر عليه القلب من معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل هو: أن كلا منهما قوة للمعرفة.

قال الراغب الأصفهاني: "وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان"1.

وتقدم كلام ابن القيم في أن الفطرة: "قوة تقتضي معرفة الحق

".

وهذا يؤكد وجود علاقة بينهما، هذه العلاقة هي:

إن ما ركز في قلوب العباد من القوة على معرفة الحق، هو الأصل لوظيفة التعقل في قلوب المؤمنين المنورة المبصرة.

أما قلوب الكفار فهي مظلمة، قد حُرفت فطرهم وبُدلت، وانصرفوا عن إفادتها للحق. وفسد تعقلهم.

ومما يؤيد هذه العلاقة بين ما فطر الناس عليه من القوة على معرفة الحق، وبين وظيفة التعقل، التشابه بين دوريهما في القلب، وذلك أن القدر المشترك بين دوريهما هو:

أن كلاً منهما واسطة لإدراك الدلائل الخارجية الواصلة من السمع والبصر إلى القلب.

وهو دور يشبه دور الفتيلة التي توصل بين الزيت وشعلة المصباح.

1المفردات في غريب القرآن ص (382) .

ص: 326

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الفطرة أصل للتعقل والنظر، حيث قال: "البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلمُ، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية

"1.

وبناء على هذا فإن الأقرب - والله أعلم - مقابلة فتيلة المصباح بتعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.

فوظيفة التعقل عند المؤمن، تتشرب العلم الذي يصل إليها من السمع والبصر اللذين يتلقيان نصوص الوحي المبارك، كما أن الفتيلة تتشرب الزيت الذي يؤخذ من الشجرة المباركة.

فباستنارة القلب يستنير تعقله وتلك بصيرته، ويستنير تبعاً لذلك سمعه وبصره وفكره، حيث ينتفع بها، ويصح إدراكه وتعقله لما تؤديانه إليه من المعلومات.

وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء المصباح:

إن الفتيلة في المصباح يقابلها في الممثّل له - قلب المؤمن - تعقل المؤمن القائم على الفطرة السليمة.

ويقابل الزيت - الوقود - العلم الواصل إلى القلب المستمد من القرآن والسنة، ويقابل شعلة المصباح: هداية الله لعبده وشرح صدره بنور

1درء تعارض العقل والنقل، (3/309) .

ص: 327

الإيمان الذي يقذف فيه.

وخلاصة القول فيما يقابل أجزاء الممثّل به:

إن النور المركب المنبعث من المصباح - الحاصل من نور الزيت المشرق الصافي، ونور شعلة المصباح، المتلألئ على الزجاجة، الذي أنار الكوة - يقابل النور المركب من نور العلم والإيمان الذي يجعله الله في قلب المؤمن يهديه به.

فالمشكاة وهي الكوة تقابل قلب المؤمن.

والفتيلة التي في المصباح تقابل ما فطر عليه من الإدراك والتعقل السليم.

والزيت الذي يمدها، يقابل العلم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإيقاد الفتيلة التي سرى فيها الزيت يقابل هداية الله العبد للإيمان بعد أن استجاب لداعي الفطرة وقبل العلم.

والزجاجة التي يزهر عليها النور، وينفذ من خلالها إلى خارج المصباح: تقابل أعمال القلب، ووظائفه التي سطع عليها النور وأكسبها البصيرة، فأثرت على أعمال المؤمن الظاهرة، وأقواله وسائر أحواله.

ص: 328

‌المبحث الثالث: الغرض من ضرب المثل، وأهميته

.

مما تقدم من دراسة المثل الذي ضربه الله لنوره في قوله عز وجل: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..} 1 الآية.

يتبين أن المثل ضرب لبيان حقيقتين هامتين بهما تحصل هداية العباد وتمام تلك الهداية واستمرارها، وهما:

الحقيقة الأولى: إن الهداية والتوفيق للإيمان يكون بفعل الله حيث يشرح صدر عبده الذي اقتضت حكمته أن يهدى فيقذف سبحانه النور في قلبه، وهو نور حقيقي يجعله الله في قلبه هو نور الإيمان.

وهو - المشبه في المثل بنور المصباح - وهو النور الأول من النورين اللذين اجتمعا في قلب المؤمن والمشار إليهما بقوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} 2.

وهذا النور هو أساس الهداية وبدايتها، ولا سبيل إليه إلا بخلق الله وإيجاده كما قال سبحانه:{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 3.

الحقيقة الثانية: إن سبب الهداية يكون من العبد عندما ينيب لما نزل من الوحي، ويستفيد مما أعطاه الله من الفطرة على الحق، ويستجيب لما

1 سورة النور آية (35) .

2 سورة النور آية (35) .

3 سورة النور آية (40) .

ص: 329

تستدعيه من العلم الموافق لها.

فتعلم العلم وقبول القلب له نور، وهو النور الثاني من النورين المشار إليهما بقوله:{نُوُرٌ عَلَى نُور} .

ويستخلص من ذلك حقيقة ثالثة هي:

أن تعلم العلم الشرعي لازم لتمام الهداية، واستكمالها، وذلك أنه كلما تعلم العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأذعن له تصديقاً وعملاً زاد إيمانه ونوره.

وخلاصة القول في الغرض من ضرب المثل:

أن المثل بين بصورة محسوسة أموراً هامة، هي:

1-

بيان أن الهداية من الله، وأنه - سبحانه - يهب للمؤمن نورا حقيقيا، يحيا به قلبه، ويستنير.

2-

أن سبب الهداية يكون من العبد إذا تعلم العلم واستجاب لما دل عليه من الحق.

3-

أن الله أنزل القرآن وما أوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هداية للناس، فمن اهتدى به هداه، ومن أعرض عنه أضله وأخزاه.

4-

أن استمرار الهداية وزيادتها تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة وزيادة التعلم منهما والاهتداء بهما.

5-

بيان أثر النور المعطى للمؤمنين، القائم على العلم بالوحي المبين في صلاح قلوبهم وأعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم.

ص: 330

والمثل مع دلالته بصورته الشاخصة على هذه الأمور، فإنه يدل على أضدادها من حال الكافرين المعرضين عما نزل من الوحي بمفهومه.

وهذه الأمور التي تستفاد من مفهوم المثل جاء مثلان بعد مثل النور، يوضحانها، ويصورانها بصورة محسوسة.

أهمية المثل:

إن أهمية المثل تكمن في الأغراض الهامة التي يحققها، حيث يبين المثل العديد من المطالب التي توضح مصدر الهداية، وطريقها، وأسباب زيادتها، وأثرها على من هداهم الله، واصطفاهم لنوره، وهذه مطالب جد هامة.

قال أبو بكر بن العربي رحمه الله، في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ

} الآية: "وهذه آية من التوحيد كريمة، وعلى مرتبة في العلم عظيمة، ضربها الله مثلا للعلم والإيمان

"1.

والمثل بصورته المحسوسة يتفق في الدلالة على تلك المطالب الهامة مع كثير من الآيات، فهو من تصريف القول الذي تختلف فيه الأساليب، وتتفق المعاني.

وإن المرء ليعجب عندما يرى الآيات الكثيرة، والأمثال المضروبة، المتظافرة على بيان تلك المطالب، ثم يرى - ممن ينتسب إلى الإسلام - من

1 قانون التأويل، لأبي بكر بن العربي، ت: محمد السليماني، ص (475) دار القبلة للثقافة، جدة، الطبعة الأولى /1406 هـ.

ص: 331

يحيد عن مدلولها، ويتطلب الهدى في غير ما أنزل الله، ولا يجد ما يعبر به عن ذلك أصدق من قول الله تعالى:{انظرْ كَيْف نُصَرّف الآياتِ ثُمّ هُم يَصْدِفُون} 1.

أهمية دراسة مثل النور:

إن الأغراض المباركة التي يحققها مثل النور، والتي أكسبته تلك الأهمية العظيمة، توجب على علماء السنة العناية الفائقة به: بشرحه، وتبسيطه، ونشره بين الناس، وإبراز أقوال علماء السلف، والمفسرين المهتدين بأقوالهم، وشواهده من الكتاب والسنة، لتعم بركاته، ويتحقق نفعه في تشويق القلوب للعلم والإيمان والنور، وإيقافها على الطريق الموصل لذلك من دلالة المثل.

ولم أقف على من أفرد هذا المثل بدراسة متكاملة، تعتني بإبراز المعاني الإيمانية، وإيضاح الفوائد العلمية التي ينطوي عليها.

وإن كان مجموع كلام المفسرين والعلماء الذين تناولوا المثل على فهم السلف الصالح، فيه خير كثير.2

1 سورة الأنعام آية (46) .

2 من أولئك الإمام ابن القيم- رحمه الله حيث ذكر فوائد هامة حول المثل في بعض كتبه مثل: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص (7-12)، وكتاب الأمثال - المنتزع من كتاب إعلام الموقعين - ت: سعيد محمد نمر الخطيب ص (197-200) .

وقد نقلت كلام بعض العلماء والمفسرين في معرض دراسة هذا المثل، وبينت في الهامش مراجعها مما يغني عن إعادة ذكرها هنا.

ص: 332

إلا أن تلك الجهود السُنِّية قوبلت بجهود كبيرة من العلماء والمفسرين الزائغين عن المنهج الحق في دراسة المثل والميل بمدلولاته عن الحق، وأخطر تلك الجهود التي استهدفت الميل بدلالة المثل عن الحق، ذلك الكتاب المنسوب إلى أبي حامد الغزالي1، بعنوان [مشكاة الأنوار] والذي عمد فيه مؤلفه إلى تفسير المثل تفسيراً باطنيا، جعله بذلك أساسا للضلال

1 أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي، ولد سنة 450هـ، كان متذبذب الديانة، بدأ بعلم الكلام، ثم خاض غمار الفلسفة بمختلف فروعها، ثم استقر أمره على الفلسفة الغنوصية الصوفية الاستشراقية، وألف آخر كتبه وأشهرها عليها مثل: إحياء علوم الدين، وميزان العمل، والمنقذ من الضلال، ومشكاة الأنوار، وغيرها

وقد أنكر عليه جملة من العلماء جسارته على القول على الله بلا علم، واعتماده الأحاديث المكذوبة الواهية، وغير ذلك من المخالفات منهم: ابن الجوزي، وابن الصلاح، وابن شكر، وابن العربي المالكي، وابن تيمية وغيرهم كثير. توفي سنة 505 هـ.

انظر: شذرات الذهب، (4/10) والبداية والنهاية، (12/173) ، وكتاب مشكاة الأنوار، تصدير المحقق: د. أبو العلاء عفيفي، وكتاب أبو حامد الغزالي والتصوف، لعبد الرحمن دمشقية، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط: الأولى 1406 هـ.

ص: 333

البعيد، ومستنداً للقائلين بوحدة الوجود.

قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الكتاب: "وهذا الكتاب كالعنصر لمذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود...."1.

وقال محقق كتاب2 [مشكاة الأنوار] :

"وهكذا وصل الغزالي في نهاية تفكيره إلى نظرية أشبه ما تكون بنظرية وحدة الوجود، ومن العسير صرفها عن هذا المعنى إلا إذا اعتبرت أقواله من قبيل الشطح الصوفي3، ولم يؤثر عن الغزالي أنه كان من

1 بغية المرتاد، في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد، من القائلين بالحلول والاتحاد، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق /د. موسى بن سليمان الدويش، مكتبة العلوم والحكم، بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى، 1408 هـ.

2 د. أبو العلاء عفيفي.

3 الشطح: من مصطلحات الصوفية، وهو عندهم:"قول كلام أجوف بلا التفات ومبالاة، مثل الكلام الّذي يقوله الصوفية عند غلبة الحال والسكر. فلا قبول لهذا الكلام ولا ردّ، ولا يُؤخذ به، ولا يُؤاخذ صاحبه". [كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد التهانوي 4/94] .

وزعمهم أنه لا يُردّ ولا يُؤاخذ صاحبه، باطل. بل كل ما خالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود باطل، ويُؤاخذ صاحبه بما يستحقه من الحدّ أو التعزير، إلا إذا كان مرفوعاً عنه القلم، وليست الحالة التي ذكروها من الحالات التي يُرفع فيها القلم عن المكلف.

ص: 334

أصحاب الشطحات، فهو يقرب قربا عجيبا من أصحاب وحدة الوجود حينما يقول:

"إن العالم بأسره مشحون بالأنوار

ثم ترقى جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقي نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز

بل كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو. لأن "هو " عبارة عما إليه إشارة كيفما كان ولا إشارة إلا إليه1".2

وقال المحقق أيضا: "أما لماذا قصر الغزالي التشبيه الوارد في الآية على النور الإلهي الظاهر في الإنسان دون سائر المخلوقات، مع أنها تنص على أن الله نور السماوات والأرض، أي نور كل ما في الوجود من أعلاه إلى أسفله، فذلك لأن الإنسان في نظره هو الموجود الوحيد الذي يتجلى فيه النور الإلهي في جميع مراتبه، في حين أنه لا يتجلى في غير الإنسان إلا في بعض المراتب

1 مشكاة الأنوار، لأبي حامد الغزالي، ص (60) ، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1383. طبعت لحساب: وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصر.

2 مشكاة الأنوار، تصدير المحقق، ص (14) .

ص: 335

وهكذا يكشف الغزالي عن الجانب الإلهي في الإنسان، ويصله بصلة مباشرة بالعالم العلوي. ويضع نظرية جديدة في طبيعة النبوة والولاية تستغني في تفسير وصول الوحي إلى الإنسان عن وساطة الوحي، أو أي مدد خارجي آخر خارج عن النفس الإنسانية ذاتها. ولماذا يحتاج النبي أو الولي إلى ملك الوحي وهو يحمل مصباح النور الإلهي في قلبه؟ "1.

ولا يسعنا إزاء هذه الضلالات المتلاطمة إلا أن نقول: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} .

وضلال هذا القول أظهر عند أهل الإسلام - العارفين بمقاصد الدين، وما دل عليه كتاب الله تعالى، وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشمس في رائعة النهار -. ويكفي أن يعلم أن هذا القول أشد كفراً، وأخبث معتقداً من قول النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه السلام له طبيعة إلهية، وأخرى بشرية، وذلك أن النصارى خصوا بهذا الزعم عيسى عليه السلام وهذا الدجال ومن حذا حذوه عمموه في سائر البشر، بل في سائر المخلوقات.

وقد يسر الله لهذا الكتاب جنديا من المرابطين للدفاع عن الدين هو الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله فألف

1 مشكاة الأنوار، ص (21، 22) .

ص: 336

في نقض ما أسسه الغزالي فيه من الباطل وزخرف القول، كتابا هو:[بغية المرتاد] 1، بين فيه أصول الغزالي ومنابعه الفلسفية، التي استقى منها تلك الأفكار الضالة، ومنهجه الباطني، ومخالفته لمعالم دين الله وأصوله، وموافقته لأفكار الفلاسفة ونظرياتهم، وشيوخه في ذلك، وتلاميذه. وكر على الجميع كاشفاً عوارهم، ومبيناً شناعة أفكارهم. فتحمل عن الأمة فرض الكفاية، وأنكى في الملحدين أشد النكاية.

قال محقق كتاب [بغية المرتاد] : "إن الخطورة الحقيقية والفعلية في هذا الكتاب تكمن في أخذ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتفسيرها فلسفيا حسب مقصود الفلاسفة وهنا ينخدع القارئ فيظن أن القرآن دال على قول هؤلاء الفلاسفة ولا تعارض بينهما، وهذا أسلوب كل من حاول التوفيق بين الدين والفلسفة، وقد أبان الشيخ رحمه الله هذا الجانب بل هو المقصود من تأليفه لهذا الكتاب.

لقد تتبع الشيخ رحمه الله جميع ما ورد في كتاب المشكاة فناقشه من جميع جوانبه، وأبطل كل ما اشتمل عليه من الأمور الفاسدة المنافية للشرع، وكشف القناع عن فلسفة الغزالي وصوفيته، وسلوكه

1 بغية المرتاد، في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد، من القائلين بالحلول والاتحاد.

ص: 337

طريق الباطنية، وبعده عن المنهج الصحيح لأهل السنة، باعتناقه تلك الأفكار المنحرفة والتأثير السَّيّئ لها على من جاء بعده، وكشف أيضا عن ضعف الغزالي في علم الحديث، حيث لا يفرق بين الصحيح والضعيف".1

هذا وقد وجد كتاب [مشكاة الأنوار] عناية كبيرة، حيث يوجد له ما لا يقل عن ست وثلاين نسخة مخطوطة، وطبع عدة طبعات، وترجم إلى اللغة اللاتينية والإنجليزية، وكتبت عنه مقالات، وبحوث، وتقارير، نشرت في بعض الصحف العالمية.2

ونقل بعض المفسرين خلاصة كلامه الذي حرف فيه دلالة المثل.3

ويوجد في الأمة الإسلامية اليوم من ينادي إلى العناية بهذا الكتاب، وبتفسير المثل على المنهج الباطني الذي سار عليه مؤلفه ليوغلوا في تضليل الأمة، التي هي بأشد الحاجة إلى معرفة الدين الحق، والعودة إلى نبعه الصافي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليه السلف الكرام، وتفضل الله بحفظه في الطائفة المنصورة الناجية إلى أن يأتي أمر الله، والذي هو الطريق

1 بغية المرتاد، مقدمة المحقق، ص (117) .

2 انظر: مشكاة الأنوار، تصدير المحقق، ص (4، 7، 8) .

3 انظر: التفسير الكبير، للرازي، (12 /233، 234) .

وقد ترحم عليه في بداية النقل، ولم يعقب على كلامه بما يفيد الرد.

ص: 338

إلى ولاية الله، ورفع الذل والمهانة عن المسلمين.

من أولئك محقق كتاب [مشكاة الأنوار] حيث قال: "لم تلق رسالة [مشكاة الأنوار] من عناية الباحثين ما لقيه بعض كتب الغزالي الأخرى على الرغم من أهميتها ومنزلتها العالية بين كتب المؤلف، التي كتبها في عصر نضجه، والرسالة جديرة بالدراسة والتحليل العميق لما تلقيه من ضوء على بعض المسائل التي عالجها الغزالي في كتب سابقة عليها، ولأنها تصور الموقف النهائي الذي وقفه من هذه المسائل، وقد جرؤ فيها على ما لم يجرؤ بالتصريح بمثله في أي موقف آخر، فقد أشرف فيها على القول بوحدة الوجود"1.

وقد أشار محقق2 كتاب: [الأمثال في القرآن الكريم لابن القيم] إلى شرح الغزالي لمثل النور في كتابه [مشكاة الأنوار] مثنيا عليه، مدعيا أن المثل لازال بحاجة إلى تأمل ونظر باطني لمن كان له ذوق صوفي، وعلم بالأشعة والأنوار، ليدرك منه تصورا لوجود العالم وقيامه بوجود الواحد القهار! 3

فانظر كيف لم يقنع بتلك الضلالات التي حواها كتاب [مشكاة

1 مشكاة الأنوار، تصدير المحقق، د. أبو العلا عفيفي، ص (7) .

2 سعيد محمد نمر الخطيب.

3 انظر: الأمثال في القرآن الكريم لابن قيم الجوزية، ت: سعيد محمد نمر، ص (197) الهامش.

ص: 339

الأنوار] حتى طالب بالمزيد!

وأعجب كيف يحيل في هامش ذلك الكتاب المبارك لابن القيم، بفوائده النيرة المشرقة، وعلومه النافعة، إلى بحر الظلمات، ومجمع الجهالات، ليطفئ ما يعلق في ذهن القارئ من البصيرة والمعرفة بالحق، وما أقرب هذا المنهج من حال من قال الله فيهم:{وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} 1.

ولعل فيما ذكر كفاية في بيان مقدار البلية بهذه الأفكار المنحرفة، والأباطيل المزخرفة، وما أحدثته من صرف الناس عن الاهتداء بالقرآن وأمثاله الحسان، وما تعرض له مثل النور من إلحاد وميل به عن المعاني السامية التي دل عليها، وبينها سلف الأمة وعلماء السنة.

وإنما المقصود هو التنبيه إلى وجوب العناية بالمعنى الصحيح الشرعي السلفي لأمثال القرآن الكريم، ببيانها ونشرها، وخاصة ما امتدت إليه يد أهل الإجرام بالحرف والتشويه.

ومثل النور من أهم تلك الأمثال التي تتأكد العناية بها، ودراستها دراسة مستندة في تفسيرها إلى دلائل القرآن والسنة، وأقوال السلف الصالح، وأهل العلم من المفسرين وغيرهم السائرين على نهجهم، ثم

1 سورة الأعراف آية (202) .

ص: 340

التواصي والتعاون على نشر تلك الدراسات وإتاحتها لطلاب الحق. {ليهلكَ مَنْ هَلك عَن بَينَة وَيَحْيا مَن حَيَّ عَن بَينَةٍ} 1.

وعسى أن تحقق هذه الدراسة - التي يسرها الله لهذا المثل - جانباً من هذا الهدف العظيم. والله المستعان.

1 سورة الأنفال آية (42) .

ص: 341

‌المبحث الرابع: أهم فوائد مثل "النور

".

لقد تضمن مثل "النور" فوائد وموازين هامة تتعلق بأصل الهداية، وبدايتها، ومادة استمرارها ورسوخها.

قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره، ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم"1.

وأهم الفوائد التي سيجري الكلام عليها هي:

الفائدة الأولى: إثبات النور اسما من أسماء الله وصفة من صفاته.

الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن الهداية والإيمان والنور من الله تعالى وأن سببه من الإنسان.

الفائدة الثالثة: دل المثل على أن الإيمان يزيد وينقص.

الفائدة الرابعة: دل المثل على أن للإيمان والعلم نوراً حقيقيا في قلوب المؤمنين.

الفائدة الخامسة: في مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ

1 اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ص (8) .

ص: 343

َذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ

} الآية.

الفائدة السادسة: دلالة المثل على إعداد الله للإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.

الفائدة السابعة: أثر نور العلم والإيمان في سلامة القلب ووظائفه.

الفائدة الثامنة: أن مثل النور ميزان توزن به المناهج الحادثة في تعيين طريق تحصيل العلوم في المطالب الدينية.

وإلى بيان هذه الفوائد. والله المستعان.

ص: 344

الفائدة الأولى: ثبوت النور اسماً من أسماء الله، وصفة من صفاته.

جرت عادة المفسرين والعلماء في بحث ثبوت اسم الله "النور" واتصافه به - سبحانه - عند كلامهم على تفسير قول الله عز وجل: {الله نُور السماوات وَالأرْضِ} والمراد بالإخبار عن الله عز وجل بأنه: نور السماوات والأرض.

قال ابن القيم رحمه الله: "وقد فسر قوله تعالى: {الله نُور السماوات وَالأرْضِ} بكونه منوّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق له اسم "النور" الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله"1.

وحاصل كلام ابن القيم رحمه الله أن قول الله عز وجل: {الله ُ نُورُ السماوات وَالأرْضِ} لا تدل قطعا على وصف الله بالنور القائم بذاته، وإنما هي محتملة، لذلك ورد عن السلف تفسيرها بكونه سبحانه منور

1 اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (6) .

ص: 345

السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض.

أما النور الذي هو من أوصافه سبحانه ومنه اشتق له اسم "النور" فهو ثابت من نصوص أخرى سيأتي بيانها قريبا - إن شاء الله

وقد رجح ابن جرير رحمه الله أن معنى قول الله تعالى: {الله نُور السماوات وَالأرْضِ} هو: "هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلال يعتصمون"1.

وقد بين رحمه الله وجه ترجيح هذا المعنى بقوله: "وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنه عقب قوله: {وَلَقد أَنْزَلْنَآ إليكُمْ آيَاتٍ مُبَيّنَاتٍ ومَثلاً مِن الَّذين خَلَوْا مِنْ قَبلكم ومَوْعِظَةً للمتَّقِين} فكان ذلك بأن يكون خبرا يقع تنزيله من خلقه، ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره، فإذا كان كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحق من الباطل، {ومَثلاً مِن الَّذين خَلَوْا مِنْ قَبلكم ومَوْعِظَةً للمتَّقِين} فهديناكم بها، وبينا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض

ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم،

1 جامع البيان، (9/320) .

ص: 346

فقال: {مَثَلُ نُورهِ كَمشْكَاةٍ فِيها مِصْبَاح} يقول: مثل ما أنار من الحق بهذا التنزيل في بيانه: كمشكاة"1.

النور المضاف إلى الله عز وجل:

قال ابن القيم رحمه الله: "إن النص قد ورد بتسمية الرب نوراً، وبأن له نورا مضافا إليه، وبأنه نور السماوات والأرض، وبأن حجابه نور، فهذه أربعة أنواع"2.

قوله: وبأن له نورا مضافا إليه: يقصد إضافة صفة إلى موصوفها، وأن النور وصفه القائم به كما تضاف إليه سائر صفاته القائمة به سبحانه.

وقوله: وبأنه نور السماوات والأرض: يقصد إضافة مفعول إلى فاعله، فقد فسر بأنه منور السماوات والأرض وبأنه هادي أهل السماوات والأرض كما تقدم قريباً.

وقد بين رحمه الله هذين النوعين من أنواع النور المضاف إلى

1 جامع البيان، (9/321) .

2 مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم الجوزية، (2/194) اختصار: محمد بن الموصلي، المطبعة السلفية، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1349 هـ.

وانظر: دقائق التفسير لابن تيمية (4/477) .

ص: 347

الله عز وجل في موضع آخر حيث قال:

"إضافة النور إلى الله تعالى على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله"1.

وسأبدأ بذكر أدلة هذين النوعين، ثم أتبع ذلك بذكر أدلة النوعين الآخرين:

النوع الأول: أدلة ثبوت النور صفة ذات لله عز وجل.

قال الله عز وجل: {وأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنورِ رَبِّها} 2.

"فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء"3.

قال ابن القيم رحمه الله: "فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره الذي هو نوره

"4.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه

1 اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص (6) .

2 سورة الزمر آية (69) .

3 اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (6)، وانظر: جامع البيان لابن جرير (11/30) .

4 مختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم، (2/193) .

ص: 348

بصره من خلقه"1.

وهذا الحديث دل على ثبوت نوعين من النور:

الأول: نور الحجاب، وهو مستفاد من قوله:(حجابه النور) .

والثاني: نور الذات، وهو وصف قائم به سبحانه ومستفاد من قوله:"لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه".

والسبحات: جمع سبحة، وهي النور والجلال والبهاء.

وقد نقل الإمام النووي اتفاق شراح الحديث من اللغويين والمحدثين على أن معنى "سبحات وجهه": نوره وجلاله وبهاؤه.2

ويؤكد أن المراد بالسبحات النور المضيء استخدام لفظ الإحراق في قوله: "لأحرقت".

فيكون معنى الحديث: لو كشف سبحانه الحجاب وتجلى لمخلوقاته لأحرق نوره المتجلى من وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

ودلالة هذا الحديث قاطعة في ثبوت صفة النور لله عز وجل لمن تأمله وسلم من مرض التعطيل والتأويل.

وهذه الصفة - صفة النور - كغيرها من الصفات، تثبت لله مع

1 رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينام"....، (ح 179) ، (1/161) .

2 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (3/14) .

ص: 349

التنزيه، على حد قوله سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} 1. فليس النور الثابت له سبحانه كنور الشمس والقمر أو غيرها من الأنوار المخلوقة. بل هو نور يليق به سبحانه لا يماثل المخلوق، فلكل ذات ما يناسبها من الصفات ولله المثل الأعلى والوصف الأكمل الذي ليس كمثله شيء، فيثبت ما أثبت الله وأثبت رسوله صلى الله عليه وسلم من اتصاف الله بالنور، وينفي ما نفى الله من مماثلة المخلوق.

النوع الثاني: النور المضاف إلى الله إضافة مفعول إلى فاعله:

وذلك كما في قوله تعالى: {اللهُ نُورُ السماوات وَالأرْضِ} .

وقد تقدم2 بيان ما ورد عن السلف من تفسيرها بأنه منور السماوات والأرض، أو هادي أهل السماوات والأرض بما يجعل لهم من النور، كما في نحو قوله سبحانه:{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو من الليل: "اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض، لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن، لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك

1 سورة الشورى آية (11) .

2 ص (345) وما بعدها.

ص: 350

أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت، وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك"1.

قوله: "لك الحمد أنت نور السماوات والأرض" هو الشاهد لهذا النوع من النور المضاف إلى الله.

فالله نور السماوات والأرض: أي منورهما وبه يهتدي من فيهما.2

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تفسير النور المضاف إلى السماوات والأرض والمخبر به عن الله: بكونه منور السماوات والأرض أو هادي أهل السماوات والأرض، لا يمنع من إثبات ما ثبت في النصوص الأخرى من اتصافه بالنور وكونه اسما من أسمائه. قال رحمه الله:

"ثم قول من قال من السلف "هادي أهل السماوات والأرض" لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً، فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفَسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك

1 رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} الصحيح مع الفتح (13/371) .

2 انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (3/4) .

ص: 351

ثبوت بقية صفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين"1.

ثم قال: "وكذلك من قال منور السماوات والأرض، لا ينافي أنه نور وكل منَوِّر نور، فهما متلازمان"2.

وهذا الحديث - حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الليل - دل على فائدة هامة

في إثبات اسم النور لله عز وجل، وما يتضمنه من اتصافه بالنور.

وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن ربه بثلاثة أخبار:

بأنه: رب السماوات والأرض.

وأنه: قيّم السماوات والأرض ومن فيهن.

وأنه: نور السماوات والأرض.

والقول في هذه الأوصاف الثلاثة - رب، وقيوم، ونور - من جنس واحد.

وذلك أنه اشتق منها أسماء لله عز وجل، فهو سبحانه: الرب، والقيوم، والنور.

وهو سبحانه متصف بما دلت عليه من المعاني، فمن أوصافه:

1 دقائق التفسير (4/479) .

2 نفس المصدر ص (480) .

ص: 352

الربوبية، والقيومية، والنور.

وهي من أسمائه الدالة على صفة فعلية، فهو الذي يرب خلقه ويصرف شؤونهم، وبه قامت السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المنور لهما الهادي لأهلهما.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن الحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسموات والأرض وهي: ربوبيتهما، وقيوميتهما، ونورهما.

فكونه سبحانه رباً لهما، وقيوما لهما، ونورا لهما أوصاف له.

فآثار ربوبيته، وقيوميته، ونوره، قائمة بهما.

وصفة الربوبية مقتضاها هو المخلوق المنفصل. وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان والخير، والنعمة والعقوبة، آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه. وهكذا علمه القائم به هو صفته. وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته"1.

وعلى هذا فالنور يضاف إلى الله على أنه منور لغيره، وإنارته لغيره فرع عن كونه نوراً في نفسه، وليس في الموجودات ما هو مُنوِّر لغيره وهو

1 مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (2/191) .

ص: 353

في نفسه ليس بنور.1

وعلى هذا فإضافة النور إلى الله في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} هو من هذا النوع، أي مثل نوره الذي يجعله في قلب المؤمن، ينوره به.

النوع الثالث: ثبوت اسم النور لله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله: "إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى.... ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة، ومحال أن يسمي نفسه نوراً وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيراً، ولا علم له ولا قدرة، بل صحة هذه الأسماء عليه مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزمة لنفيها عنه، والثاني باطل قطعاً فتعين الأول"2.

ففي هذا الكلام من ابن القيم رحمه الله بيان لنوعين من الأدلة على ثبوت اسم النور له - سبحانه - هما:

الأول: إن النور جاء في أسماء الله تعالى أي أن الله سمى نفسه نوراً

1 انظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (2/200) .

2 المصدر السابق، (2/189) .

ص: 354

سبحانه كما في قوله: {الله نُور السماوات وَالأرْضِ} 1.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "أنت نور السماوات والأرض"2.

قال ابن تيمية رحمه الله: "النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضا أنه يحتجب بالنور، فهذه ثلاثة أنوار في النص"3.

الثاني: إن الأمة تلقته بالقبول وأثبتوه في أسماء الله الحسنى ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة.

ومراد ابن القيم رحمه الله بقوله: "وأثبتوه في أسمائه الحسنى" يقصد بذلك من عني من السلف بتتبع الأسماء الحسنى وحصرها، سواء فيما أدرج في حديث أبي هريرة4 رضي الله عنه:"إن لله تسعة وتسعين اسماً"5

1 سورة النور آية (35) .

2 تقدم تخريج الحديث ص (351) .

3 دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، (4/477) .

4 أبو هريرة الدوسي اليماني، اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال، أرجحها عبد الرحمن بن صخر، أسلم أبو هريرة عام خيبر في السنة السابعة، وشهد خيبراً، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم حتى وفاته، وكان أحفظ الصحابة للحديث، توفي سنة 59 هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء 2/578، والبداية والنهاية (8/111) .

5 رواه الترمذي، كتاب الدعوات، (ح 3574)، سنن الترمذي (5/192) وقال: "هذا حديث غريب

وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا من هذا الحديث".

وقال ابن كثير رحمه الله: "والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه". تفسير القرآن العظيم، (2/269) .

ص: 355

أو في اجتهاداتهم لحصرها لعدم ثبوت التعيين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد عنى ابن حجر العسقلاني1 رحمه الله بتتبع الأسماء الواردة في روايات حديث أبي هريرة، وما أضافه العلماء على ذلك أو توقفوا فيه، ثم ختم البحث باجتهاده هو في تعيين أسماء الله التسعة والتسعين المشار إليها في الحديث وذكر من جملتها اسم الله النور، وذكر أنه من الأسماء المضافة حيث قال بعد أن ذكر بعض الأسماء الذي تتبع ورودها في القرآن: "فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها في القرآن لكن بعضها بإضافة كالشديد من {شَدِيد العِقَابِ} 2

1 الحافظ العلامة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري الشافعي، ولد سنة 773 هـ. له مؤلفات كثيرة من أهمها: فتح الباري شرح صحيح البخاري، والإصابة في معرفة الصحابة، ولسان الميزان، توفي سنة 852 هـ.

انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي (2/36) ، وشذرات الذهب لابن العماد، (7/280) .

2 سورة غافر آية (3) .

ص: 356

والنور من قوله {نُور السماوات وَالأرْضِ} ...."1.

كما يفهم من استعراضه لجهود علماء السلف في تعيينها اتفاقهم على عد النور من أسمائه سبحانه. وهذا الذي عليه مدار الاحتجاج بورود اسم النور لله عز وجل وهو الذي عبر عنه ابن القيم رحمه الله بكلامه المتقدم بقوله:

"إن الأمة تلقته بالقبول وأثبتوه في أسماء الله الحسنى ولم ينكر أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة".

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن جماهير علماء المسلمين يثبتون لله اسم النور ولا يتأولونه2.

وبهذا يتبين أن النور من أسماء الله الحسنى، دل على ذلك الكتاب واتفاق علماء السلف.

وأنه مشتق3 من وصف النور القائم به سبحانه وتعالى4.

1 فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري (11/218)، وانظر: البحث كاملاً من ص (214-219) .

2 انظر: دقائق التفسير، (4/472) .

3 تقدم بيان المراد باشتقاق أسماء الله تعالى، ص (218) .

4 اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص (6) .

ص: 357

النوع الرابع: إثبات أن النور حجابه سبحانه وتعالى.

ورد التصريح بذلك في الحديث المتقدم الذي رواه الإمام مسلم: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"1.

وفي رواية: "حجابه النار".

قال ابن تيمية رحمه الله: "فهذا الحديث فيه ذكر حجابه، فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك، فإن مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح نوراً بخلاف النار المظلمة كنار جهنم، فتلك لا تسمى نورا"2.

ومن أدلة الحجاب ما رواه مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه"3.

وفي رواية: "رأيت نوراً"4.

والمراد بقوله: "نور أنَّى أراه" أن النور الذي هو الحجاب يمنع من

1 تقدم ص (349) .

2 دقائق التفسير (4/478) .

3 رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: نور

(ح178) ، (1/161) .

4 نفس المرجع.

ص: 358

رؤيته، فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته. وقوله:"رأيت نوراً" أي أنه رأى الحجاب1.

وخلاصة الفائدة الأولى من فوائد هذا المثل:

أن الأدلة من الكتاب والسنة دالة على أن النور صفة لله عز وجل صفة ذات وصفة فعل، وأن النور من أسماء الله الحسنى وأن حجابه النور، وأقوال السلف الصالح متظافرة على إثبات ذلك.

1 شرح العقيدة الطحاوية ص (214) ، المكتب الإسلامي، ط /4، 1392 م.

ص: 359

الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن النور والهداية للإيمان من الله تعالى، وأن سببها من الإنسان.

لقد تقرر عند دراسة المثل أن الغرض من ضربه إنما هو لبيان حقيقتين هامتين.

الحقيقة الأولى: مستفادة من قوله: {مثلُ نُورِه} : وهي أن أصل الإيمان يكون من الله عندما يشرح صدر عبده المؤمن للإسلام ويجعل له نوراً فيبدأ به النور والحياة.

وهذا هو فعل الله، وخلقه للهداية في قلوب العباد إذا استحقوا ذلك واقتضت الحكمة أن يُهدوا.

وسوف يأتي بيان أن الهداية والإضلال من فعل الله تعالى، عند دراسة مثل الظلمات ضمن فوائده.

الحقيقة الثانية: مستفادة من تشبيه العلم المستفاد من الوحي الواصل للقلب بالزيت الجيد.

والذي يدل على أن قبول العبد وإنابته لما نزل من الحق وتشربه له هو السبب في هداية الله له، وإيقاد النور في قلبه.

والسبب الذي جعله الله لابتداء النور والإيمان والهداية، هو نفسه السبب في استمرارها وزيادتها، فاستدامة النور وقوته وسلامته، وتنامي حياة القلب إنما تكون بالعلم بالكتاب والسنة، والعمل به، فهي غذاؤه،

ص: 360

ومادة حياته.

قال ابن القيم رحمه الله: "إن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها"1.

والاعتبار الصحيح لهذا المثل وما تقدمه من قول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} 2 أن يعلم أن العلم المأخوذ من الوحي النازل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطريق الوحيد لتزكية القلوب، ومعرفة الحقائق الدينية، وإمداد مصباح الإيمان بمادة نوره، وكلما زاد العلم المستقى من الوحي الواصل للقلب زاد نوره وحياته وصلاحه.

ومعرفة الإنسان لهذه الحقيقة التي دل عليها المثل من أسباب سعادته في الدارين.

فإذا عرف أن هدايته تكون بالعلم بالكتاب والسنة والعمل بهما،

1 اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص (20) .

2 سورة النور آية (34) .

ص: 361

وأن ذلك هو الطريق الأوحد لمعرفة العلوم والحقائق في المطالب الإلهية والغيبية، والمطالب الشرعية، فقد وضع قدميه على الطريق المستقيم، وكلما سار فيه ازداد بصيرة وعلما بسبل السلام، واستبانت له الظلمات ومواطن الهلكات، واستقر قدمه على الهدى، وقوي استمساكه بالعروة الوثقى، مما يزيد حظه من ولاية الله، ويمكنه في أسباب السعادة.

قال سبحانه مبينا أن الهداية والسلامة إنما تكون بنور العلم المستقى من الكتاب والسنة: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 1.

وقال أيضاً: {هُو الَّذي بَعَثَ فِي الأُميينَ رَسُولاً مِنهم يَتْلُو عَليهِم ءاياتِه وَيُزكِيهم ويعلِّمهُم الكِتَابَ وَالحكمةَ وإنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبين} 2.

فالخروج من الضلال المبين إلى الهدى المبين إنما يكون بالعلم بالكتاب والحكمة لا بغيره.

والناس بأشد الحاجة إلى من يدلهم إلى المصدر الموثوق لتحصيل

1 سورة المائدة الآيتان (15، 16) .

2 سورة الجمعة آية (2) .

ص: 362

العلوم الصحيحة والحقائق في المطالب الإلهية والشرعية.

وهذا المثل بما ينطوي عليه من تشبيه بليغ ودلالة قاطعة يؤدي هذا الغرض ويوجب لمن تأمله اليقين بأن لا طريق إلى المعرفة الصحيحة إلا بتعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. لذلك قال سبحانه في ختام المثل:

{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

فالناس عامة، وأهل الإيمان خاصة، بحاجة إلى تدبر هذا المثل وفقهه ليتبين لهم الطريق الحق الأوحد لمعرفة الحقائق الإيمانية.

والله سبحانه بين الطريق للمعرفة في هذا المثل وغيره من الآيات إقامة للحجة على من طلب المعرفة في غير الكتاب والسنة.

فضرب - سبحانه - هذا المثل للناس، لشدة حاجتهم إليه، وعظيم نفعه لهم، وإتماماً للحجة على عباده. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} 1.

وقد بين ابن القيم رحمه الله أن العلم الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو الطريق إلى حياة القلوب واستنارتها، وأن العبرة بصحة العلوم، واستمدادها من مشكاة النبوة، لا بكثرتها مع التخليط، بين ذلك في معرض كلامه حول قول الله تعالى:

1 سورة الأنفال آية (42) .

ص: 363

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَآء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 1.

حيث قال: "فسمى وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة ومَن عُدمها فهو ميت لا حي

وسماه نوراً لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها وكمال الروح بهاتين الصفتين بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، وإن كان العبد مشارا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام في البحوث. فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده

فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال"2.

وهذه الفائدة المستوحاة من هذا المثل - وهي إخلاص التلقي

1 سورة الشورى آية (52) .

2 اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص (24) .

ص: 364

للأمور الدينية والمطالب الغيبية من الوحي المطهر - هي خطوة هامة ومقدمة في واقع المسلمين اليوم، في مجال النهوض بهم، والعمل على عودتهم إلى الدين القويم، وفي سبيل توحيدهم وضم جهودهم للعمل على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وعزتهم ورفعتهم، فذلك لا يكون إلا إذا سبقه عملية مراجعة لأحوالهم وأوضاعهم وعرضها على الميزان العلمي الذي جاء به الوحي المطهر، وإخضاع تلك الأحوال والأوضاع الدينية والدنيوية لحكمه، والتخلص مما يخالفه.

وبذلك يسعى المسلمون أولاً إلى استجلاب ولاية الله، والله وليهم - إذا جاؤوا بشرط الولاية - يحوطهم بعنايته وتوفيقه، ويدافع عنهم، ويكلل أسبابهم بالتوفيق، ويكمل نقصهم ويهيِّئ لهم من أمرهم رشداً.1

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أن إيمان العبد يوجد بفعل الله عز وجل حيث يشرح صدره فيحيا القلب ويستنير، وأن هذا النور - نور الإيمان - يحتاج

1 تكلمت عن هذا الأمر وهو وجوب إخلاص التلقي عن الوحي المطهر في جميع المطالب في جانب العقيدة والعبادات والأخلاق والآداب، وأهميته للمجتمع المسلم والسبيل إلى تحقيقه - في بحثي لرسالة الماجستير بعنوان:[أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة] المقدمة للجامعة الإسلامية عام 1412هـ. انظر: ص (415-425) .

ص: 365

إلى مادة من نور العلم المستخلص من الوحي يقوم بها ويدوم بدوامها ويزيد ويصفو بزيادتها وصفائها، وإذا ضعف العلم أو استقى من غير الوحي ضعف نور الإيمان وربما انطفأ كما تنطفئ النار بفراغ مادتها.

ص: 366

الفائدة الثالثة: دل المثل على أن الإيمان يزيد وينقص.

وذلك مستنبط من تشبيه العلم النازل بالوحي بالزيت الذي يمد المصباح بوقوده.

وكلما كان الزيت جيداً في مادته، وزاد في كميته، قوي نور المصباح وازداد إشراقا وصفاء. وكذلك نور الإيمان في قلوب أولياء الرحمن يزيد بزيادة العلم وصفائه من العلوم الدخيلة، والعمل به.

كما ينقص بضعف العلم، أو خلطه بعلوم ليست من الوحي، أو عدم العمل بالعلم.

وما دل عليه المثل من كون الإيمان يزيد وينقص هو الذي تظافرت على بيانه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.

وقد ذكرت طرفا من تلك الأدلة في المقدمات المتعلقة بالإيمان في الباب الأول1.

وهذه الفائدة يترتب عليها أن يكون نور الإيمان والعلم في قلوب المؤمنين متفاوتاً قوة وضعفاً بحسب ما عند كل منهم من العلم والإيمان.

1 تقدم ص (258) .

وانظر: للاستزادة: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للشيخ د. عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، دار القلم والكتاب بالرياض، الطبعة الأولى 1416 هـ.

ص: 367

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أكمل المؤمنين علما بالله وبدينه وإيماناً وعملاً فهو الذي تحقق فيه كمال نور الإيمان والعلم.

وعلى هذا يوجه قول من قال: إن المراد بالنور في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِه} هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن جرير رحمه الله: "وقال آخرون بل عنى بالنور: محمداً صلى الله عليه وسلم وقالوا: الهاء التي في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِه} : عائدة على اسم الله"1.

فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف بأنه نور وسراج منير، كما قال تعالى:{يَآ أيها النَّبي إنَّا أَرْسَلْناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وَدَاعِياً إلى اللهِ بإذْنِه وَسِرَاجاً منيراً} 2.

قال ابن جرير رحمه الله: "وقوله: {بإذْنِه} يقول: بأمره إياك بذلك. {وَسِرَاجاً منيراً} يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده {منيراً} يقول ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته"3.

1 جامع البيان (9/322) .

2 سورة الأحزاب من الآية (45 - 48) .

3 جامع البيان (10/307) .

ص: 368

فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف بأنه نور باعتبارين:

الأول: أنه قد عمر قلبه بنور العلم والإيمان، فهو الأنموذج البشري الذي اكتمل فيه النور لكمال علمه وإيمانه. فاتقد سراجه أتم الاتقاد.

قال ابن القيم رحمه الله: "وقد اختلف في مفسر الضمير في {نُورِهِ} فقيل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل مفسره المؤمن أي مثل نور المؤمن. والصحيح أنه يعود على الله سبحانه وتعالى. والمعنى مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده. وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله صلى الله عليه وآله وسلم"1.

الاعتبار الثاني: أنه قد بدا عليه ومنه النور ظاهراً وباطناً.

حيث عمل بالعلم والإيمان. فعمله نور، وقوله نور، وفي كل أحواله على نور من ربه. وقد دعا إلى الله وبلغ البلاغ المبين، فهدى الله به من شاء من عباده واستناروا بما بلغهم به من نور الوحي.

فهو صلى الله عليه وسلم سراج منير، مستنير في نفسه منير لغيره.

"والنور في الحقيقة هو كمال العبد في الظاهر والباطن"2.

والاقتباس من نوره صلى الله عليه وسلم يكون بتعلم ما جاء به من العلم المدلول عليه

1 اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص (7) .

2 مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، (2/203) .

ص: 369

بنصوص الكتاب والسنة.

والانتفاع من نوره صلى الله عليه وسلم يكون باتباعه والاهتداء بهديه والاستنان بسنته، وألا يفعل فعلاً يتعبد لله فيه إلا وعنده شاهد عليه مما جاء به صلى الله عليه وسلم من الوحي، أو من سيرته وما كان عليه من الأحوال، لذلك قال سبحانه:

{لقَد كَان لَكُم في رَسُولِ الله أسْوَةٌ حَسَنةٌ لمنْ كَانَ يَرْجُو الله واليَوْم الآخِر وَذَكَرَ اللهَ كثيْراً} 1.

خلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة العلم الواصل للقلب المستفاد من نور الكتاب والسنة كما ينقص بنقصه.

ومأخذ ذلك من المثل هو تشبيه العلم الذي يمد القلب بالمعارف والحقائق الإيمانية بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكون المصباح يزيد ضوؤه ويصفو بزيادة الزيت وجودته.

والمؤمنون يتفاوتون بقوة النور الكائن في قلوبهم بحسب ما عندهم من العلم والإيمان.

وأكمل المؤمنين نوراً هو النبي صلى الله عليه وسلم لكمال علمه وإيمانه.

1 سورة الأحزاب آية (21) .

ص: 370

الفائدة الرابعة: دل المثل على أن للإيمان والعلم نوراً حقيقياً في قلوب المؤمنين.

وذلك مستفاد من التشبيه نفسه، حيث لا يفهم من تشبيه نور الإيمان والعلم بالمصباح المتقد الذي وقوده زيت جيد، إلا حقيقة ذلك النور، وإنما ضرب المثل لبيان حقيقته وما يتعلق به من الأوصاف وما ينتج عنه من الآثار.

ولا يجوز أن يقال إن الله ضرب مثلاً محسوساً لبيان وإيضاح أمر مجازي لا حقيقة له.

فالقلب يحيا بنور الوحي كما تحيا الأرض بالماء، وحياة القلب ونوره أمران وجوديان حقيقيان.

وكذلك كل ما نسب إلى القلب من أضداد الحياة والنور: كموت القلب وعماه، والختم والطبع والأقفال

ونحوها فهي على حقيقتها، "ولا تصغ إلى قول من يقول: إن هذه مجازات واستعارات"1.

وليس المراد إذا قيل أن النور في القلب نور حقيقي أنه كالأنوار المحسوسة، ولا أن العمى الذي يصيب القلب كالعمى الذي يصيب العين، ولا أن حياة القلب وموته كحياة البدن وموته.

1 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، ص (195) .

ص: 371

فهذه الألفاظ وإن كانت حقيقة في كل ما تنسب إليه، إلا أن الحقائق تختلف باختلاف محالّها التي تعلقت بها.

قال ابن القيم رحمه الله: "فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محالّها كانت بحسب تلك المحالّ"1.

فحياة البدن حقيقة، وحقيقته سريان الروح فيه، وموته حقيقة، وحقيقته مفارقة الروح له.

وحياة القلب حقيقة، وحقيقته قذف الله الإيمان فيه. وموته حقيقة، وحقيقته مفارقة الإيمان له وخلوه منه. ونور القلب حقيقة، وحقيقته أن يجعل الله فيه النور. وعماه حقيقة، وحقيقته خلوه من ذلك النور نور العلم والإيمان.

وهكذا في كل الألفاظ المنسوبة إلى القلب فهي على الحقيقة المناسبة للقلب، على قاعدة "لكل ذات ما يناسبها من الصفات".

وكما دل المثل - كما تقدم - على أن نور القلب حقيقة، إذ لا يضرب المثل لشيء لا حقيقة له، فقد وردت آية واضحة الدلالة قاطعة في إثبات عمى القلوب حقيقة وهي قول الله تعالى: {أفلَمْ يَسِيرُوا في الأرْض

1 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص (195) .

ص: 372

فَتكون لهم قُلُوب يعقِلُون بهَا أَوْ آذَان يَسْمَعونَ بها، فإنَّها لا تَعْمى الأبصار ولَكن تَعْمى القلُوب الَّتي في الصّدُور} 1.

فقوله سبحانه: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

المراد: إن معظم العمى وأصله هو عمى القلب، ولم يرد سبحانه نفي العمى عن الأبصار، وإنما أراد أن عمى القلوب أولى بهذا الوصف وأحق به لشدة خطره وضرره على صاحبه.2

فعمى القلب أمر حقيقي وجودي يقوم بالقلب ويؤثر فيه تأثيرا معينا يترتب عليه فساده وضلاله، وينعكس ذلك على جوارح الإنسان الأخرى، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"3.

فأكدت هذه الآية أمرين:

الأول: حقيقة عمى القلوب وأنه هو الأصل، وأعظم من عمى الأبصار وأخطر.

1 سورة الحج آية (46) .

2 انظر: شفاء العليل ص (196) بتصرف.

3 تقدم تخريجه ص (191) .

ص: 373

الثاني: إن القلوب التي تعمى هي القلوب المعروفة الكائنة في الصدور.

فالقلوب تحيا وتبصر وتموت وتعمى، ونصيبها من ذلك متأثر بما فيها من الإيمان والعلم قوة وضعفا.

كما أنها قد تكون عوراء وذلك إذا خلط العلم المستمد من الكتاب والسنة بغيره، فيرى من الحق بما معه من نور الكتاب والسنة، ويقع في ضلالات بسبب تلك الظلمة التي نتجت عن العلوم الدخيلة.

ومثله في المصباح: إذا خلط الوقود الجيد بوقود رديء فإنه يضعف نوره، وينبعث منه دخان يلطخ باطن الزجاجة، وكلما زاد الوقود الرديء زاد الدخان حتى يظلمها.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أن النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين نور حقيقي، ومأخذ ذلك هو تشبيه ذلك النور - الذي يعلم معناه ولا تعقل كيفيته1 - بنور المصباح المحسوس. ولا يجوز تشبيه شيء

1 حقيقة النور الذي هو فعل الله، ووجوده في القلب من جنس وجود الروح في البدن، ووجود العقل، وهذه يقطع بأن لها وجوداً حقيقياً، لكن لا تعرف كيفيتها.

وأثر نور العلم والإيمان على المؤمن له حقيقة أيضا، وهي التي عبر عنها ابن القيم رحمه الله بقوله المتقدم:"والنور في الحقيقة هو كمال العبد في الظاهر والباطن". انظر: ص (369) .

ص: 374

مجازي لا حقيقة له بشيء محسوس، بل إن التشبيه بالمحسوس يؤكد وجوده وحقيقته.

ص: 375

الفائدة الخامسة: مناسبة التعقيب على المثل بقوله تعالى:

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ} 1.

اختلف المفسرون وأهل اللغة في قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ.....} اختلافاً واسعاً، ومرد أقوالهم إلى ما يلي:

1-

أنها متعلقه بما قبلها.

2-

أنها متعلقه بما بعدها.

3-

أنها على تقدير محذوف.

4-

أنها مستأنفة لا علاقة لها بما قبلها وما بعدها2.

أما القول بأنها متعلقة بما بعدها، والقول بأنها مستأنفة، فهي أقوال لا تخلو من بُعْد أو تكلف3. وتلغي تلك العلاقة العظيمة بين ما دل عليه

1 سورة النور آية (36 - 38) .

2 انظر: الفريد في إعراب القرآن المجيد، لحسين بن أبي العز الهمداني، (3/600) .

3 انظر: نفس المصدر.

ص: 376

مثل النور وبين أولئك الرجال الذين قلوبهم معلقة بالمساجد.

وأما كونها متعلقة بما قبلها، فسأذكر مما قيل فيه قولين. أما الأول فلشهرته عند المفسرين. والثاني لكونه أقرب إلى الصواب، وبيان علاقة نور العلم والإيمان بأولئك الذين يعمرون بيوت الله.

وعلى القول بتقدير محذوف فسأذكر فيه ما أرى أنه يربط بين ما دلّ عليه مثل النور، وبين الرجال الذين يعبدون الله في بيوته.

فهذه ثلاثة أقوال، وتفصيلها فيما يلي:

(الأول) : أن المراد المصابيح المشبه بها وهي المصابيح المحسوسة التي توقد بالزيت.

ويكون المعنى كما قال ابن جرير رحمه الله:

"يعنى تعالى ذكره بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ} : الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع"1.

والبيوت هي المساجد2.

1 جامع البيان، (9/329) .

2 نفس المصدر.

ص: 377

وعلى هذا القول أكثر المفسرين1.

(الثاني) أن المراد أن المصابيح المشبهة بالمشكاة - مصابيح الإيمان في قلوب عباد الرحمن التي تضاء بالعلم المستقى من الوحي - كائنة في بيوت

.

وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين حيث قال: "ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوهاً بها، فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ} "2.

ويكون التقدير على هذا القول: مثل نوره في قلوب المؤمنين، حال كونهم {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ

} الآية، كمشكاة فيها مصباح.

وهذا القول ليس ببعيد عن القول الأول. وذلك أن كلا القولين يشتركان في تعلق البيوت بالمصابيح. أي: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح

في بيوت أذن الله أن ترفع.

1 انظر: جامع البيان (9/329) ، وتفسير القرآن العظيم، (3/292) . وفتح التقدير للشوكاني (4/34) ، والتفسير الكبير للرازي (24/2) .

2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن السعدي، (5/422) .

ص: 378

والفرق بينهما أن القائلين بالقول الأول أرادوا المصابيح الحسية الممثّل بها.

وفي القول الثاني المراد: المصابيح الممثّل لها، القائمة في قلوب المؤمنين.

والقول الثاني هو الأنسب للسياق - والله أعلم - وذلك للاعتبارات الآتية:

1-

أن تخصيص المشبه به - وهي المصابيح المحسوسة - بالمساجد لا يفيد شيئاً في إيضاح المثل حيث أن نور المصابيح في المساجد وغيرها واحد.

أما تخصيص المشبه - وهو نور الإيمان والعلم- بكونه في المساجد فإنه يفيد زيادة معنى، وذلك أن الإيمان يزيد بالطاعة وخاصة الفرائض. فيتجلى النور ويشرق أكثر في بيوت الله عند قيامهم بالطاعات المذكورة.

2-

أن المصابيح المحسوسة ليست مختصة بالمساجد بل توضع فيها وفي غيرها. أما مصابيح الإيمان، فإن من قامت بهم من المؤمنين هم أهل المساجد الذين اختصوا بها وبعمارتها فلا يعمرها غيرهم كما قال تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} 1.

1 سورة التوبة آية (18) .

ص: 379

3-

إنه ذكر صفات الذين يعمرون البيوت - التي أذن الله أن ترفع - وذكر قبول أعمالهم مما يدل على أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان القائم في قلوبهم في صلاح أعمالهم وقبولها.

ويكون التقدير: مثل نوره في قلوب المؤمنين الكائنين في بيوت

كمشكاة.

4-

التعقيب بعد ذلك بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُم كَسَرَاب..} 1 الآية، يؤكد المعنى السابق من أن المراد ذكر أثر نور العلم والإيمان على صلاح أعمال المؤمنين وقبولها؛ حيث قابل ذلك بذكر أثر ظلمة الجهل على فساد أعمال الكافرين وحبوطها.

5-

أن هذا المعنى هو الذي يظهر حكمة التعقيب بذكر البيوت وما يحصل فيها وأن ذلك لبيان أثر نور العلم والإيمان على عُمَّارها، والسياق في معرض بيان هذا النور (المشبه) وبركته وأهميته.

أما المصابيح المحسوسة فذكرت مثالاً لإيضاح نور الإيمان والعلم ثم انصرف السياق عنها، واستمر في بيان المقصد الأهم وهو نور الإيمان والعلم وثماره على أهله، فقال {فِي بُيُوتٍ} أي:{مَثَلُ نُورِهِ} في قلوب المؤمنين حال كونهم {فِي بُيُوتٍ} {كَمِشْكَاةٍ} .

1 سورة النور آية (39) .

ص: 380

(الثالث) على القول بوجود محذوف لا بد من تقديرة قبل قوله: {فِي بُيُوتٍ} لإبراز المعنى.

واختلف في تقدير المحذوف1. إلا أن الأقرب - والله أعلم - أن يقدر بأحد أمرين:

الأول: أن يقال: وذلك النور أكمل ما يكون في قلوب أهله عندما يتعبدون لله {فِي بُيُوتٍ

} الآية.

فيكون المراد بيان أهم أسباب كمال النور بعد العلم، وهو العمل به، وإقام الصلاة وذكر الله.

الثاني: أن يقال: أن المقدر متعلق بقوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآء} ، ويكون التقدير: وأولئك الذين هداهم الله لنوره تجدهم {فِي بُيُوتٍ

} الآية، لأداء الصلوات وذكر الله تعالى مع القيام بمصالحهم.

من فوائد التعقيب على المثل بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..} :

أولاً: دل ذلك على أن نور العلم والإيمان أكمل ما يكون عند أهله حال كونهم يعبدون الله في المساجد.

وذلك عند قيامهم بالأعمال التي تشرع في المساجد من الصلوات

1 الفريد في إعراب القرآن المجيد، لحسين بن أبي العز الهمداني، (3/600) .

ص: 381

وأنواع الذكر وطلب العلم.

والصلاة خاصة لها أثر عظيم في قوة نور الإيمان والعلم، وذلك أنها تشتمل على كلا الأمرين المؤثرين في هذا النور، وهما الإيمان والعلم.

فالعلم يتجلى بقراءة القرآن الذي أنزله الله بعلمه، والذي هو النور الذي يمد مصباح الإيمان في القلب.

والصلاة إيمان لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُم} 1 أي صلاتكم، حيث سمى الصلاة إيمانا.2

ولذلك سمى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة نورا، حيث قال:"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو. فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"3.

ويتحقق ذلك أيضا - كمال النور - في كل عمل يشتمل على هذين الأمرين أن يكون من شعب الإيمان، ويشتمل على العلم، كحلق

1 سورة البقرة آية (143) .

2 انظر: الجامع الصحيح للإمام البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، (ح40) ، الصحيح مع الفتح (1/95) .

3 رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، (ح 223) ، (1/203) .

ص: 382

الذكر والعلم.

قال صلى الله عليه وسلم: "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلُون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه"1.

ويدل على زيادة الإيمان والنور بهذه الأعمال حديث حنظلة2 رضي الله عنه وفيه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك"؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي

1 رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء

، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، (ح 2699)(4/2074) .

2 أبو ربعي، حنظلة والده الربيع أو ربيعة بن صيفي التميمي، ويقال حنظلة الأسيدي، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، شهد مع خالد حروبه في العراق، نزل قرقيزياء، ومات بها في خلافة معاوية (.

انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (1/431) وأسد الغابة (2/5) .

ص: 383

طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات1.

وهذا الحديث يدل على أن المؤمنين يكونون أكمل حالاً وإيماناً عندما يكونون مع النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم العلم ويذكرهم بالله.

ثمرة العلم بهذا الأمر:

أن يدرك المسلمون وخاصة من يتصدى للدعوة والتربية والتعليم أن كمال المسلمين وصلاحهم إنما يكون بالعلم الشرعي من الكتاب والسنة ونهج سلف الأمة، وإقامة الدين وشعب الإيمان، ويركزون جهودهم على ذلك، ويجعلونه الخطوة المقدمة في عملهم، وبذلك تصلح حال المسلمين ويقوى نورهم وبصيرتهم، ويلهمون الرشد والسداد في أعمالهم ويستحقون ولاية الله عز وجل.

ثانيا: ومما يستفاد من التعقيب بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..} هي:

اهتداء المؤمنين بهذا النور، وأنه كشف لهم مواطن الخير وأسباب السلامة، والربح الحقيقي والأعمال النافعة.

دل على ذلك قوله عز وجل: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ

1 رواه مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر

، (ح 2750)(4/2106) .

ص: 384

فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} فهؤلاء الرجال الذين - أثنى الله عليهم - لقوة بصائرهم لا ينشغلون بالبيع والتجارة- مع أهميتها لحياتهم وحبهم لها - عن مهمات دينهم وفرائض ربهم.

رأى عبد الله بن مسعود1 رضي الله عنه قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، وتركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله:"هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه} "2.

فمن آثار نور العلم والإيمان القائم في قلوب المؤمنين أنه يكشف لهم محاسن الأعمال والأقوال والأخلاق ومساوئها، وفاضلها ومفضولها، وما هو من متطلبات الإيمان مما هو من حاجات الأبدان، كما يكشف لهم محاب الله ومكارهه، وما هو من أسباب رضوانه أو سخطه.

ويكشف لهم ما يستقبلونه مما يكون عند الموت، وفي البرزخ، ويوم القيامة.

1 أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الهذلي من السابقين إلى الإسلام، أسلم بمكة وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وغيرها. أحد فقهاء الصحابة وقرائهم المشهورين توفي بالمدينة سنة 32هـ.

انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (3/110) ، وأسد الغابة (3/384) .

2 جامع البيان لابن جرير (9/332) .

ص: 385

فأكسبهم ذلك رشداً وسداداً يحكم سيرهم في الحياة وبين الناس، حيث يقدمون الباقي على الفاني، ولا تشغلهم أمور دنياهم وحاجاتهم عن طاعة ربهم وما ينفعهم في أخراهم، وضمَّنوا سعيهم في الدنيا أعمالا يتقون بها ما يستقبلونه في الأخرى، فحالهم كما قال سبحانه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} 1.

قال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يقول: فهديناه للإسلام، فأنعشناه، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله وعقابه في معاده، فجعل إبصاره الحق- تعالى ذكره - بعد عماه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس"2.

ومن هذا المعنى قول الله عز وجل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا

1 سورة الأنعام آية (122) .

2 جامع البيان (5/331) .

ص: 386

يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} 1.

فبين - سبحانه - أن أهل العلم الذين أنار العلم دربهم، وأعملوا عقولهم في مقتضياته تميزوا عن أهل الجهل الذين يتخبطون في الظلمات، إذ إنّ من ثمرات نور العلم على أهله سلامة نظرهم وتفكيرهم الذي أفادهم المسارعة في الخيرات، والباقيات الصالحات، والحذر من الأخطار والموبقات، فما هم بمتساوين مع أهل الجهل والظلمات: لا في القلوب وأعمالها، ولا في الفكرة وأحوالها، ولا في الأخلاق والأقوال، ولا في السلوك والأعمال، ولا في المنزلة عند الله، ولا في المصير يوم القيامة، فهم مفترقون في كل شيء:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .

وقال - سبحانه -: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَآء مَا يَحْكُمُونَ} 2.

ثالثاً: دل التعقيب على مثل النور بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..} الآية، على أن المحافظة على الصلاة مع الجماعة دليل على قوة الإيمان وصلاح القلب، وقوة نور العبد وبصيرته.

1 سورة الزمر آية (9) .

2 سورة الجاثية آية (21) .

ص: 387

وإذا تهاون بصلاة الجماعة كان ذلك دليلاً على ضعف في إيمانه وفي نور قلبه، وإذا وصل التهاون إلى الصلاة نفسها دل على اختلال الإيمان وظلمة القلب، حتى يصل إلى الكفر وموت القلب وعماه إذا تركها.

وكذلك الحال في أداء الزكاة وملازمة ذكر الله، وغيرها من شعب الإيمان، فإن العناية بها دليل قوة الإيمان والبصيرة؛ والغفلة عنها والتهاون بها دليل ضعف الإيمان ونور القلب.

وخلاصة هذه الفائدة:

إن التعقيب على "مثل النور" بقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَعَ..} الآية، له دلالة عظيمة في بيان أن النور أكمل ما يكون في قلوب أهله في المساجد حال كونهم يصلون أو يذكرون الله أو يطلبون العلم.

وأن هذا النور أكسبهم البصيرة التي جعلتهم يميزون بين أجاود الأعمال وأحسنها عاقبة، فيسارعون إليها ولا يتشاغلون عنها بما دونها.

كما كشف لهم ذلك النور عما يكون في اليوم الآخر من الأهوال، فأكسبهم اليقين به، والحذر والخوف منه، والتزود له.

وأثر ذلك كله في قلوبهم وأعمالهم وفوزهم وحظوتهم عند ربهم.

وإنّ تدبر المثل ومعرفة هذه الفائدة وغيرها من أقوى الدوافع للعناية بالعلم المستمد من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح والعمل به،

ص: 388

ونشره، والتواصي على تقوية الإيمان بتعلم التوحيد وأركان الإيمان، وإقامة شعب الإيمان عامة، والصلاة والزكاة وذكر الله خاصة، وإعطاء ذلك الأولوية في منهاج الدعوة إلى الله، والتربية والتعليم والإعلام، وجميع نواحي العمل لإعلاء كلمة الله.

كما يستفاد من التعقيب أن المحافظة على الصلاة مع الجماعة دليل على صلاح القلب، وقوة نوره، وزيادة الإيمان، وأن التخلف عن الجماعة دليل على ضعف الإيمان والبصيرة والنور. والله أعلم.

ص: 389

الفائدة السادسة: دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة واستدعائها لنُور الإيمان.

تقدم1 عند الكلام على مطابقة المثل للمثّل له، أن هناك تشابها بين الفطرة والفتيلة، من حيث إن كلاً منهما في أصل خلقه وصنعه مهيأ لاستدعاء وتشرب ما يناسبه، فالفتيلة تتشرب الوقود المناسب وتمتصه، وتتبلل به وتصبح مهيأة به للاشتغال إذا أوقدت.

وكذلك الفطرة على الدين الحنيف - التي فطر الله قلوب العباد عليها - مهيأة لاستدعاء ما يناسب ما فُطرت عليه من التوحيد والدين والحق؛ فإذا تشربت ما يرد إليها من ذلك من العلم بالكتاب والسنة، فإنها تكون مهيأة لإيقاد مصباح القلب، وقذف نُور الإيمان به.

المراد بالفطرة:

يطلق لفظ الفطرة ويراد به معان مختلفة، وهذه المعاني ترجع إلى معنيين:

(الأول) : هو إعطاء المخلوق في أصل خلقه ما يستدعي فعل أو قبول شيء أو تركه.

وهذا النوع هو الذي عبر عنه الراغب في المفردات بقوله: "وفطر الله الخلق: وهو إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من

1 انظر: ص (323) .

ص: 390

الأفعال"1.

وهذا المعنى - وهو كون النفوس مترشحة أو مترجحة لفعل من الأفعال أو لتركه - يزيد على كونها قابلة له أو لضده، فهي تتضمن هذا المعنى وزيادة ترجيح قبول ما فطرت على قبوله، أو ترك ما فطرت على تركه.

(الثاني) : هو ما ركز في النفوس في أصل خلقها من الوظائف والقوى النفسية، والحاجات الضرورية ونحوها.

والفرق بين النوعين: أن الأول هو إعطاء المخلوق الداعي لأمر من الأمور أو الداعي لتركه، والثاني هو إعطاؤه الأمر نفسه ليكون جزءاً من خلقه.

ومثال النوع الأول: ما ركز في النفوس ذات الفطر السليمة من حب النظافة والتجمل وكره الأوساخ والشعث، وهذا يستدعي السواك، وقص الأظافر

ونحوها.

ومثال النوع الثاني: الإحساس بالجوع، والحاجة إلى الطعام، والتألم لفقده، والانفعال لطلبه، وصراخ الطفل إذا جاع، أمور فطرية ركزت فيه في أصل الخلقة، لا يكتسبها بتعلم ولا بمحاكاة ولا بتفكير.

وعلى هذا فكل ما ذكر في النصوص الشرعية من أمور نسبت

1 المفردات في غريب القرآن، ص (382) .

ص: 391

للفطرة فهي لا تخرج عن هذين المعنيين:

فإما أن يكون في النفس الداعي لفعله أو تركه، أو يكون ذلك الأمر مغروساً في النفس من أصل الخلقة.

والله - سبحانه - خلق النفوس البشرية وفطرها على أمور:

منها ما فطروا عليه وله علاقة بشؤونهم الدنيوية المعيشية.

ومنها ما له علاقة بهدايتهم إلى الدين القويم.

ومنها أمور ركز في النفوس الداعي إليها فهي فطرية شرعية عقلية.

فهذه ثلاثة أنواع تنسب إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فالأمور الدنيوية المركوزة في الفطر، مثل: حب التملك، والميل إلى النافع، والفرار من الضار، والشعور بالجوع،

ونحوها، وهي ما يسميه علماء النفس بالغرائز الفطرية، ويستوي فيها سائر البشر، وقد يشترك في بعضها مع الحيوان، وتدخل في عموم قوله تعالى:{الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} 1.

وأما الأمور التي أُعطيَ الناس الداعي إليها: فمنها ما ذكر في الحديث2 من قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة

1 سورة طه آية (50) .

2 انظر: صحيح الإمام مسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة من (ح 257 إلى 261) .

ص: 392

والاستنشاق، وقص الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان

ونحوها.

فهذه الأمور تستحسنها النفوس ذوات الفطر السليمة، وتميل إليها وتنفر من ضدها، وهذا معنى كونها من الفطرة، إذ النفوس مجبولة على حب النافع الجميل، وترك الضار القبيح.

وأما كونها عقلية فإن العقل يدرك حسنها وأهميتها لصحة الإنسان وجماله.

وأما كونها شرعية فلأن الشارع جعل فعلها عبادة.

والنوع الثالث مما فطر عليه الناس هو ما له علاقة بالهداية إلى الإيمان، وقد بينها الله بقوله سبحانه:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تبديلَ لخلقِ اللهِ} 1.

حيث دلت هذه الآية على ثلاثة أمور هامة لها علاقة بالفطرة:

(الأمر الأول) : أن الله فطر الناس على الدين الحنيف.

وهذا مستفاد من قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه} .

وتدور تفاسير السلف للفطرة التي فطر الله الناس عليها في هذه الآية على معنيين:

1 سورة الروم آية (30) .

ص: 393

(الأول) أن الفطرة هي الإسلام.

قال الإمام البخاري رحمه الله: "والفطرة: الإسلام"1.

وقال به عكرمة2 ومجاهد3 - رحمهما الله - وغيرهما.4

ويستند من قال بذلك إلى ورود لفظ "الدين" في الآية في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} ، والدين هو الإسلام، كما قال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} 5.

1 الجامع الصحيح، كتاب التفسير، باب:{لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، الصحيح مع الفتح (8/512) .

2 العلامة الحافظ المفسر، أبو عبد الله عكرمة القرشي مولاهم، المدني، بربري الأصل، مولى عبد الله بن عباس، ورث عنه علما غزيرا في التفسير وغيره. توفي سنة 105 هـ وهو ابن ثمانين سنة.

انظر: سير أعلام النبلاء (5/12) ، تهذيب التهذيب (7/263) .

3 الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، شيخ القراء والمفسرين، مولى لرجل من بني مخزوم، روى عن ابن عباس فأكثر وأطال، وعنه أخذ القرآن، والتفسير، والفقه، وروى عن جمع من الصحابة. قيل كانت سنة وفاته 104 هـ وقيل غير ذلك، وكان عمره 83 سنة.

انظر: سير أعلام النبلاء (4/449) ، وتهذيب التهذيب (10/42) .

4 انظر: جامع البيان، لابن جرير، (10/183) .

5 سورة آل عمران آية (19) .

ص: 394

ومن ذلك ورود الفطرة في مقابلة اليهودية والنصرانية والمجوسية مما يدل على أن المراد بها الإسلام، في حديث:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول: "{فطرَة اللهِ الَّتِي فَطرَ الناسَ عَليها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ} ". 1

(والمعنى الثاني) في المراد بالفطرة في الآية أنها:"معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره"2.

ومستند هذا المعنى هو ذكر لفظ {حَنِيفاً} في الآية، والحنيف هو الذي استقام على التوحيد والإخلاص، وجانَب الشرك، قال تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3.

ومما يستدل به على هذا المعنى ما ورد في الحديث القدسي وفيه:

1 متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب:" إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه"، (ح 1358) الصحيح مع الفتح (3/218) . ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، (ح 2658) الصحيح ت /محمد عبد الباقي (4/2047) .

2 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (3/432) .

3 سورة النحل آية (123) .

ص: 395

"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"1.

وأورد ابن جرير رحمه الله ما يؤيد هذا المعنى من قول معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه "ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة {فطرَة اللهِ الَّتِي فَطرَ الناسَ عَلَيْهَا} والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، قال عمر: صدقت"2.

والفرق بين المعنيين: أن المعنى الثاني وهو معرفة الله وتوحيده أخص من الإسلام، فهو أصله وأساسه، والكلام في الفطرة التي فُطر الناس عليها من حيث: هل فطروا على معرفة الله وتوحيده؟ أم على الإسلام كله؟ أم عليهما معا ولكن كل منهما باعتبار؟

والاختيار الأخير هو المتعين، ويكون كلا المعنيين صحيحاً، وذلك أنه تقدم أن الفطرة لها معنيان:

(أحدهما) : ما ركز في النفوس وأعطيت إياه في أصل الخلق.

1 رواه مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، (ح 2865)(4/2197) .

2 جامع البيان، لابن جرير، (10/182) .

ص: 396

(والثاني) : ما ركز فيها من الداعي إلى الشيء أو إلى تركه.

فالقول بأن الفطرة هي معرفة الله وتوحيده يراد به المعنى الأول، وأنه رُكز في النفوس ذلك وفُطرت عليه.

والقول بأن الفطرة هي الإسلام يراد به المعنى الثاني بالنظر إلى ما أوجد الله في النفوس وفطرها عليه من الاستعداد والترجح لقبول الحق ومعرفته إذا عرض عليها، وأنها خلقت سوية تتعرف على الخير وتنشرح له وتقبله، وتنفر من الشر وتشمئز منه، وتستدعي ما يناسب ما أودع فيها من معرفة الله وتوحيده ومحبته - الذي هو أصل الإسلام- فهي بذلك مهيأة لقبول الإسلام إذا عرض عليها بواسطة الرسل أو أتباعهم والذي يوافق ما جبلوا عليه.

فالذي قال: الفطرة هي معرفة الله وتوحيده ومحبته، نظر إلى ما ركز في النفوس وجبلت عليه.

والذي قال: هي الإسلام أراد أنهم قد جبلوا على أصل الإسلام وهو التوحيد ومعرفة الله ومحبته، وأن ذلك يستدعي ويستلزم تمامه وقبول سائر شعائره.

وعلى هذا فأصل الإسلام الذي هو معرفة الله وتوحيده ومحبته والخضوع له من موجب الفطرة، لا يتوقف أصله على غيرها. أما الإسلام الذي هو كمال الاستقامة على التوحيد والعبادة فهو يتوقف على غيرها - مما جاء به الرسل - وهي تستدعيه، ويجب حصوله فيها إذا عرض

ص: 397

عليها ولم يوجد ما يعارضه ويقتضي حصول ضده.

قال ابن القيم رحمه الله: "فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب فطرهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده

وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة، وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها. وبالله التوفيق"1.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا الأمور التي ركزت في النفوس وجبلت عليها في تعقيبه على حديث "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم": "فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول "لا إله إلا الله ""2.

وهذه الأمور التي تضمنتها الفطرة هي أصل التوحيد الذي هو أصل الإسلام، فالفطرة تتضمن أصل التوحيد وتستلزم مقتضاه وهو الدين

1 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص (604) ، دار التراث، القاهرة، الطبعة الأولى.

2 مجموع الفتاوى (16/345) .

ص: 398

وأعمال الإسلام.

قال ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى: "

فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به.

وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وهو فطرة الله التي أمر الله بها

فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضاياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية"1.

وقال أيضاً: "وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفاً ونحو ذلك، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول:{وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} 2، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته.

فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له.

وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض.

وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل

1 درء تعارض العقل والنقل، ت: د. محمد رشاد سالم، (8/451) .

2 سورة النحل آية (78) .

ص: 399

مولود يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه"1.

ثم قال: "والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة

والطفل مفطور على أنه يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف ربه، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض.

....فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله. والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه"2.

وإذا كان الأمر كذلك فإن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بعثوا ليذكروا الناس بما فطروا عليه من معرفة الله وتوحيده، ويدعوهم إلى موجبه ومقتضاهُ من الإسلام.

قال ابن القيم رحمه الله: "والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين

1 درء تعارض العقل والنقل، (8/383، 384) .

2 نفس المرجع ص (448، 449)

ص: 400

هما أصل السعادة:

أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها

فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئاً، ولم تشرك به، ولم تجحد كمال ربوبيته، وكان أحب شيء إليها وأطوع شيء عندها....

والأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه"1.

وما رسخ في الفطرة هو الأساس الذي يستند إليه كل نظر صحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضاً نظرية لتوقفت على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم

1 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص (353) .

ص: 401

ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها"1.

والمتأمل لهذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله يجد أنه دقيق المعنى عظيم الفائدة، إذ بين أن الفطرة أصل لكل نتيجة من الحق يتوصل إليها بنظر العقول.

وعلى هذا تكون الفطرة مشابهة للبذرة الصغيرة، التي تحمل في طياتها كل عوامل الوراثة للنبات من شكل الجذع والأغصان والأزهار ولونها، وشكل الثمرة ولونها وطعمها وما إلى ذلك.

وكل ما يحدث في الشجرة من خلقها فأصله كائن في بذرتها.

فتبارك الله أحسن الخالقين الذي جعل في نفوس الناس بذور الخير والحق والصلاح الذي يتضمن أو يستلزم ما تكتمل به سعادتهم في الدين والدنيا، إذا سُقي بمعين الوحي الصافي، واستخرج بالنظر الصحيح، كما جعل في بذور النبات أسرار خلقها ومقومات اكتمالها وثمرها إذا سقيت بالماء الصالح وهيئت لها الظروف المناسبة.

ومما تقدم يتبين أن الله أعان عباده بثلاثة أمور هامة تسهم إذا استجابوا لموجبها في هدايتهم:

1 درء تعارض العقل والنقل، (3/309) .

ص: 402

(الأول) : إعدادهم بالفطرة المتضمنة لأصل الهداية، والمستلزمة لتفاصيلها.

(الثاني) : إمدادهم بالرسل والكتب المنزلة التي تذكرهم بالفطرة وتدعوهم إلى مقتضاها، وتبين لهم مراد الله عز وجل.

(الثالث) : إمدادهم بالعقل الذي يتفكرون به، والذي يستند في نظره إلى ما أودع في الفطرة من المعطيات الضرورية، وفيما أظهر الله من الآيات الكونية، ويتدبرون به ما أنزل من البينات والهدى.

فالفطرة السليمة، والنظر الصحيح، يقبلان ما جاء به الأنبياء ويشهدان له، ويسكنان إليه ويطمئنان به، فهذه الثلاثة متكاملة في قبول الحق والترقي فيه. والله أعلم.

الأمر الثاني: الذي دلت عليه الآية {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} هو أن خلق الناس على الفطرة عام لجميعهم، وذلك سنة جارية لا تتخلف عن أحد من المكلفين.

وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل إنسان تلده أمه على الفطرة"1.

1 رواه مسلم، كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، (ح 2658) ، (4/2048) .

ص: 403

وما ورد في الحديث من قول الله عز وجل: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم"1.

فلفظ " كل " و " كلهم " يدلان على العموم.

ويؤكد هذا المعنى ما ورد في السياق من قول الله عز وجل: {لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ} .

على أحد القولين في تفسيرها. ففي هذه الجملة تفسيران مشهوران:

الأول: قيل معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون الأسلوب خبرا أريد به الطلب والنهي كقوله تعالى:{وَمَنْ دَخَلَه كَان آمِنا} 2.

الثاني: قيل إن معناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة لا يولد أحد إلا على ذلك ولا تفاوت بين الناس في ذلك.3

"أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه"4.

1 تقدم الحديث ص (396) .

2 سورة آل عمران آية (97) .

3 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (3/432) بتصرف.

4 فتح القدير، للشوكاني، (4/224) .

ص: 404

ومن شواهد هذا المعنى أيضا قول الله عز وجل:

{وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا} 1 قال ابن كثير رحمه الله: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا

} "2.

وهذه الفائدة هي الركيزة الأولى والأساس المهم في أمرين عظيمين:

(الأول) : حصول الإيمان في القلب مستلزم للفطرة السليمة والاستجابة لداعيها، فالقلب ذو الفطرة السليمة هو المؤهل لاتقاد نُور الإيمان فيه، كما أن المصباح لا يتقد بدون فتيلة صالحة، فالله سبحانه جعل فرصة جميع المكلفين إزاء الإيمان به متكافئة باعتبار أصل الخلق حيث سوى بينهم في الخلق على الفطرة.

(الثاني) أن الإيمان بالقدر وفهمه فهما صحيحا يستلزم معرفة أن كل الناس ولدوا على فطرة سليمة قويمة مرجحة للإيمان داعية إليه، وذلك من عون الله لهم على الإيمان، ومن مقتضى عدله وفضله.

فعدله سبحانه: في التسوية بينهم في الخلق على الفطرة، وفضله: في جعل الفطرة متضمنة لمعرفة الباري، وداعية إلى الإيمان مترجحة له.

1 سورة الشمس آية (7) .

2 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (4/515) .

ص: 405

الأمر الثالث: الذي دلت عليه الآية {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا..} هو بيان أن الفطرة قابلة للتغيير والحرف عن الأصل الذي خلقوا عليه بأسباب تكون من الناس.

وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: {لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ} على القول بأن المراد بها هو: لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، والنهي يدل على الإمكان.

وقد ورد تأكيد هذا المعنى في نصوص أخر.

من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"1.

فدل على أن للتربية التي تكون غالبا بين الأبوين أثراً في تغيير حال الولد عن الفطرة التي فطر عليها.

ودل الحديث من جهة أخرى على هذا المعنى - وهو قابلية الفطرة للتغيير بفعل الناس - في المثل المضروب لبيان ذلك في قوله: "كما تُنْتج البهيمة بهيمة جمعاء2، هل تحسون منها من جدعاء3"، وفي بعض

1 رواه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، (ح2658) ، (4/2048) .

2 "أي: مجتمعة الأعضاء، سليمة من نقص". شرح النووي على صحيح مسلم، (16/209) .

3 "هي: مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء". نفس المرجع.

ص: 406

رواياته: "حتى تكونوا أنتم تجدعونها"1.

قَال ابن تيمية رحمه الله: "المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تَبدل، فلا يخلقون على غير الفطرة، لا يقع هذا قط، والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة"2.

ومن ذلك ما تقدم في الحديث من قول الله تعالى: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً".

فدل الحديث على أثر جهود الشياطين من الجن والإنس في تغيير وحرف ما فطر الناس عليه وصرفهم عن التوحيد إلى ضده من الشرك، وتأمرهم بتغيير الدين بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، وتزين لهم الشر والفساد.

فالشياطين من الإنس والجن أثرهم مضاد لأثر دعوة الأنبياء الذين

1 رواه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، (ح2658) ، (4/2047) .

2 درء تعارض العقل والنقل، (8/425) .

ص: 407

يدعون الناس إلى مقتضى ما فطرهم الله عليه، ويدعونهم إلى دين الله والخير والفضيلة.

العبرة من معرفة هذه الفائدة:

إذا أدرك المسلم ما دل عليه المثل من أن الإيمان نُور يؤسس على الفطرة السليمة، وما دلت عليه هذه الآية العظيمة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، من أن الله فطر الناس جميعا على معرفته سبحانه وما تستلزمه من الإسلام والخير والفضيلة، وأن الفطرة قابلة للتغيير بفعل أسباب تكون من الناس، وأدرك أهمية التربية في تنمية الفطرة وخطر شياطين الإنس في تدسيتها وحرفها إلى الضلال والشرك. فإن العبرة من ذلك كله تكون بأن يعمل المسلمون أفرادا وجماعات وفي كل المجالات المختصة بالتعليم والتربية والتوجيه في المحافظة على الفطرة القويمة التي حباهم الله بها، وخاصة لدى الناشئة، ويكون ذلك بخطوتين هامتين:

الخطوة الأولى: التزكية

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} 1.

1 سورة الشمس آية (7 - 10) .

ص: 408

فأخبر سبحانه أنه خلق النفوس سوية على الفطرة كما تقدم1 هذا المعنى في كلام ابن كثير رحمه الله. وأخبر أن الفلاح يكون بتزكيتها.

وتكون تزكية الفطرة بالتركيز على العلم المستمد من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح ليكون المصدر الأساس للتربية والتعليم، فتستمد جميع العلوم والمعارف المتعلقة بالدين من العقائد والشرائع والمناهج والآداب والأخلاق والمعاملات مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة.

وذلك مستفاد من تشبيه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالزيت الذي هو وقوده ومادة حياته، وكذلك العلم يمد الفطرة وما قام بها من نُور الإيمان بالعلم الذي هو أصل حياة القلب وصلاحه، والإخلال بهذا الأمر يؤدي إلى حرف الفطرة.

ويكون الإخلال إما بإهمال العلم فينشأ الناشِئُ جاهلا، فتبقى فطرته معطلة لا تترقى في معارج الخير، ويكون إمعة متأثراً بما حوله بلا بصيرة، أو يكون الإخلال بتعلمه من غير الكتاب والسنة فيتغذى قلبه من مستنقعات الأمم الجاهلية فتتغير فطرته.

ومما يتصل بالتزكية العناية بالتعليم العام ووسائل الإعلام وجعل مادتها موافقة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والاهتمام بإيجاد توافق وانسجام في مواد

1 ص (405) .

ص: 409

التربية والتعليم والتوجيه في البيت والمدرسة والمسجد والإعلام، بقصد النهوض بالفطرة إلى كمالها الموافق لهدي الدين القويم، والمحافظة عليها وتجنبها البلبلة والحيرة والشتات.

الخطوة الثانية: التطهير

وتكون بالابتعاد عن وساوس الشياطين الذين يجتهدون في صد المسلمين عن موجب فطرهم من الدين والخير والفضيلة.

أما شياطين الجن فإن العناية بالعلم والتربية عليه وعلى التعلق بالله كفيلة في إحباط مكرهم حيث إن جهدهم منصب على الوسوسة التي تفتك بالجهال وبمن أعرض عن الله فقلَّت حماية الله له.

أما شياطين الإنس فيكون الابتعاد عنهم بقطع قنوات الاتصال بهم، كالاختلاط بهم، أو السفر إلى بلادهم ومعاشرتهم.

ومن ذلك منع المسلم من الاستماع أو المشاهدة لما ينقل من رجسهم في وسائل الإعلام من تمثيليات أو أفلام أو غناء أو مجون وغير ذلك من آدابهم وفسقهم وباطلهم. فإن للعكوف على هذه المواد أثراً بالغاً في حرف الفطر وتشويهها، وخاصة ما يبث للأطفال مما يسمى بأفلام الكرتون فإن لها أثرا في تشويه ما فطروا عليه، والإيحاء إليهم بخيالات عن الذات الإلهية وغيرها من المطالب الغيبية تجعلهم يعتقدون الشرك أو التشبيه أو غير ذلك من الباطل.

كما يحذر من المربيات الكافرات والمشركات والفاسقات، لما لهن

ص: 410

من التأثير على الأطفال بما يقصصن عليهم من القصص الباطلة الخرافية، وبما يشاهدونه من سلوكهن.

وعموما فإنه كلما كان الإنسان أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسير الأنبياء والعلماء والصالحين كان أزكى لفطرته، وانفتح لها المجال للترقي في الهداية والصلاح، وفي المقابل فإن القرب من الجاهليين من الكفرة والمشركين والفاسقين، واستماع أخبارهم وقصصهم وسيرهم وآدابهم ومعاشرتهم له أثر فعال في تغيير الفطرة أو تشويهها، وإضعاف الإيمان.

وخلاصة الفائدة السادسة:

أنّ المثل دل على اعتبار الفطرة السليمة في قبول الحق والتجاوب معه، وأن ذلك شرط في حصول نُور الإيمان في القلب وانتفاعه بالعلم الواصل إليه والمستمد من الوحي النازل على الرسول صلى الله عليه وسلم.

وتبين من أدلة الكتاب والسنة أن الله فطر كل الناس على معرفته وتوحيده ومحبته، وجبل نفوسهم على استدعاء وقبول ما يناسب ذلك من الدين والإسلام والخير.

كما تبين أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي الأصل في ثلاثة أمور هامة:

(الأول) : حصول الإيمان في القلب مستلزم للفطرة السليمة والإنابة لداعيها.

ص: 411

(الثاني) : أن الإيمان بالقدر وفهمه فهما صحيحا يستلزم الإيمان بأن الناس ولدوا جميعا على فطرة سوية قويمة مرجحة للإيمان داعية إليه.

(الثالث) أن العلم الحق الذي ينال بالنظر العقلي لابد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية.

كما تبين أهمية العناية بالفطرة والمحافظة عليها بتزكيتها بالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وتطهيرها من مكايد شياطين الإنس والجن الذين يجتهدون في إفسادها. والله أعلم.

ص: 412

الفائدة السابعة: أثر نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وعلى وظيفة التعقل.

تقدم1 عند الكلام على تحديد ما يقابل أجزاء الممثّل به، تقرير أن الزجاجة تقابل ما يقوم بالقلب من أعماله. بمعنى أن نُور الله في قلب المؤمن سرى وسطع على كل أعماله القلبية: من العقائد، والعواطف والإرادات، والانفعالات، وخاصة وظيفة التعقل، فاكتسب القلب لذلك البصيرة في تعقله وأعماله.

فالقلب محل لأهم وظيفة أكرم الله بها الإنسان وهي التفكر والتعقل الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله.

"ونُور الهداية الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يحدث أثرا عظيما على وظائف القلب، أهمها توجيه وظيفة التعقل الوجهة الصحيحة، حيث يركن إلى الوحي وحده يستقي منه العقائد والشرائع، فلا يزال القلب يتعقل المعارف والحكم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فتبنى عقائده على أساس ثابت، وتغذى عواطفه بمعين الخير الصافي، ويخرج ما يضاد ذلك من ظلمات الجاهلية، ويزداد ذلك بازدياد العلم الوارد إلى القلب، فلا يزال الخير إليه واصل، والشر منه نازل حتى يصلح القلب ويستنير،

1 انظر: ص (321) .

ص: 413

فتنبعث الجوارح بالعبودية لله عن علم به وبحقه سبحانه"1.

فالله - سبحانه - أعطى الإنسان من الفطرة القويمة، والقدرة على التعقل ما يكفي لإدراك الحق ومصدره إذا عرض عليه عن طريق الأنبياء ومن يبلغ عنهم، فإذا ركن إلى ذلك كان منيباً يستحق هداية الله، كما قَال تعالى:{وَيَهْدِي إليْهِ مَنْ أَنَابَ} 2.

ويشرح صدره للإسلام، ويجعل في قلبه نُور الإيمان، وبذلك تبدأ الحياة في القلب والصلاح، وتزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر، ويصبح القلب قادرا على التعقل السوي الصحيح بقدر ما عنده من الإيمان والعلم.

وهذا المعنى المستفاد من المثل وهو: أن المؤمنين - الذين أنار الله قلوبهم بنُور الإيمان القائم على العلم بما نزل من الكتاب والسنة- هم أقدر الناس وأحقهم بالتعقل الصحيح وأن ذلك من ثمرات ذلك النُور القائم في قلوبهم، هذا المعنى ورد في كثير من الآيات نحو قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا

1 البحث الذي قدمته لرسالة الماجستير ص 223 بعنوان [أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة] قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية عام 1412 هـ.

2 سورة الرعد آية (27) .

ص: 414

أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ

} 1 الآيات.

وقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} 2.

وقد اشتركت هاتان الآيتان في بيان أمور هامة منها:

1-

المقايسة بين الذين يعلمون ما أنزل الله من الوحي على نبيه صلى الله عليه وسلم وبين الجهال، وبيان عدم استوائهم.

2-

بيان أثر العلم على أعمال العالمين، واشتغالهم بالأعمال والصفات التي علموا فضلها وحسن عاقبتها.

3-

الإشارة إلى أن هؤلاء - أهل العلم والإيمان - هم أهل العقول الراجحة والنظر السديد والرأي الحصيف.

4-

بيان أن السبب المؤثر في كل ما تقدم: من عدم استوائهم مع الجهال، ومسارعتهم في الخيرات، وتميزهم بالعقول الراجحة، إنما هو علمهم بما نزل من الوحي.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوآ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ

1 سورة الرعد آية (19- 22) .

2 سورة الزمر آية (9) .

ص: 415

الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} 1.

وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} 2.

وقد دل هذان السياقان على أمور هامة منها:

1-

الشهادة لأهل الإيمان - لا لغيرهم - الذين كفروا بالطاغوت، وأنابوا إلى الله بتوحيده، وإخلاص الدين له بأنهم أولو الألباب، ورد ذلك في الآية الأولى في قوله:{أولئكَ الَّذِين هَدَى الله وأولئِكَ هُم أولُوا الألبَاب} .

وفي الآية الثانية بقوله: {يَآ أُولي الألبَابَ الَّذِينَ آمَنُوا} .

2-

أن العقل قادر - عندما يعمل في تدبر آيات الله وما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الذي هو أحسن القول والحديث - على المقايسة

1 سورة الزمر الآيتان (17، 18) .

2 سورة الطلاق الآيتان (10، 11) .

ص: 416

والتمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، وأن هذه الخاصية تميز بها أهل الإيمان والعلم وبها اكتسبوا الوصف بأنهم أولو الألباب.

ورد هذا المعنى في قوله: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي أنهم يعملون عقولهم في تدبر القول الحسن وهو الوحي المطهر فيتبيّن لهم الحسن من القبيح والحق من الباطل فيتبعون الحسن.

وفي قوله في الآيات الأخرى: {قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .

وذلك أن خروجهم من الظلمات إلى النُور يكون بعد إعمالهم عقولهم في الآيات المبينات، فيتبين لهم النور من الظلمة فيسيرون في النور ويبتعدون عن الظلمات.

فقدرة العقل على التمييز بين الحق والباطل في المطالب الدينية لا تكون بنظره المجرد، وإنما هي خاصية القلب المنور بنُور العلم والإيمان.

وبذلك يتبين أثر نُور العلم والإيمان في زكاة القلب وسلامة تعقله وصحة استنتاجه.

3-

أن ثمرة تلك العقول الراجحة الناظرة في العلوم النازلة، أنها دلت أهلها على الأعمال الصالحة، والأقوال الخيرة، والأحوال المباركة، فسارعوا إليها فاستحقوا بذلك هداية الله ورضوانه وكرامته في الدنيا

ص: 417

والآخرة، دل على ذلك قوله:{فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} وقوله: {لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..} الآية.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أثر نُور العلم والإيمان على العقل حيث أكسبه سلامة التعقل، وسداد النظر، وصحة الاستنتاج.

وأن الطريق إلى الحق في كل المطالب الدينية إنما يكون بإعمال العقل المستنير في الوحي النازل على الرسول صلى الله عليه وسلم لاستخلاص الحقائق والمعارف اليقينية وغيرها، وأن العقل المجرد عن العلم لا سبيل له إلى تلك الحقائق.

كما دل المثل على أن النور سطع وأشرق على كل أعمال القلب ووظائفه الأخرى: من العقائد، والعواطف، والإرادات، والانفعالات فأخصبها بالخير والسلامة والصلاح.

ص: 418

الفائدة الثامنة: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في تعيين طريق تحصيل العلوم في المطالب الدينية.

تقدم1 عند الكلام على أهمية ضرب الأمثال: أن الأمثال "موازين عقلية ضمنها الله كتابه، توزن بها القضايا التي قد يستشكلها بعض الناس، أو الحادثة التي يحصل الخلاف والنزاع والجدال حولها، فتأتي الأمثال القائمة على مقايسة تلك الأمور على ما يشابهها لإيضاح حكمها وإلحاقها بها، أو مقايستها على ما يخالفها لبيان بعدها عنها وإزالة الشُّبه التي أوهمت قربها منها".

وقد دل المثل عن طريق تشبيه العلم بالزيت على أن العلم المستقى من الكتاب والسنة هو الطريق الأوحد لمعرفة القلب لحقائق الإيمان وأن بيان جميع عقائد الدين وشعائره وكل ما يتصل به ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك في قوله: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} دل على أن نُور القرآن والسنة والعلم المستفاد منهما يغذي نور الإيمان ويزيده ويقويه.

وفي قوله: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} دليل على أن النوريْن من الله، نُور الإيمان الذي يقذف في القلب، ونُور العلم الذي

1 انظر: ص (150) .

ص: 419

طريقه الوحي، فمن هُدي إلى الأول، واهتدى بالثاني فقد أعطاه الله نُوراً تاماً، ومن أخطأه نُور الله فليس له من نُور بل هو في طريق من طرق الضلال سائر في الظلمات.

وهذا المعنى الذي دل عليه المثل - وهو أن العلم المستقى من الوحي هو طريق الهداية ومعرفة الحقائق الدينية الشرعية - أمر معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه أحد من الأئمة المعروفين الذين يُقتدى بقولهم السائرين على نهج السلف الصالح قديماً وحديثاً.

فالإيمان إنما يكون بتعلم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم به والاعتصام بالكتاب والسنة والاستمساك بهما ويطلب الحق في جميع المطالب الشرعية منهما، وهذا هو نهج السلف الصالح وهو مفتاح الخير وأساس الهداية.

لذلك كان الأصل الأول في منهج أهل السنة والجماعة السائرين على نهج السلف الصالح هو:

أنهم يتلقون علومهم ومعارفهم في جميع المطالب الدينية في العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والمعاملات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم السلف الصالح وهدي الخلفاء الراشدين.

وهذا المعنى تظافرت على تقريره نصوص الكتاب والسنة، من ذلك قول الله عز وجل:{إن هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي للتِي هِيَ أَقْوَم} 1.

1 سورة الإسراء آية (9) .

ص: 420

والآيات الدالة على أن الهدى والنور والبيان إنما هو بكتاب الله عز وجل وتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى.

وقد جاءت بمختلف تصاريف القول لتأكيد هذا المعنى وترسيخه لكونه مفتاح العلم والإيمان وأساس الهداية.

وأما الأحاديث فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله"1.

ويشهد له الحديث الآخر، وفيه قال:"وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به"2.

وفي رواية: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما: كتاب الله عز وجل، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة"3.

وقَال صلى الله عليه وسلم: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها

1 رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، (ح 1218) ، (2/890) .

2 رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ح240) ، (4/1873) .

3 رواه مسلم نفس المرجع ص (1874) .

ص: 422

بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"1.

فحث صلى الله عليه وسلم على تعلم كتاب الله والعمل به، ثم حث على سنته وسنة الخلفاء الراشدين وحث على التمسك بها مبيناً أن ذلك هو أساس الدين وقوامه، والمخرج من الفتن، والمنقذ من الضلالات. وحذر من البدع في الدين والمحدثات مبيناً أنها طريق الضلال.

ومن أعظم البدع التي حدثت بعده صلى الله عليه وسلم هي التي صرفت الناس عن تلقي العلوم من الوحي المحفوظ، وأوهمتهم بأن هناك طرقا لتحصيل المعارف اليقينية في المطالب الإلهية وغيرها من غير الكتاب والسنة، بل زعموا - وبئس ما زعموا - أن الاقتصار في تحصيلها على الكتاب والسنة قصور لا يوجب لصاحبه معرفة الحقائق.

وأهم هذه الطرق الزائغة طريقان:

1-

طريق النظر العقلي الذي اعتمد عليه أهل الكلام، وزعموا أنه هو طريق معرفة الله، بل وأسموه"التوحيد" زورا وبهتانا، وهو قائم على المنطق الفلسفي الأرسطي.

وبالغ المتأخرون من أهل الكلام حتى جعلوا جميع العلوم من فروع

1 رواه الإمام أحمد، المسند (4/126) ، والترمذي كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، (ح2676)(5/44)، وقال:"حديث حسن صحيح"، والحاكم في المستدرك (1/95) وقال في بعض طرقه:"هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعاً ولا أعرف له علة".

ص: 423

علم الكلام، وزعموا أن النظر العقلي وما ينتج عنه، هي الميزان الذي توزن به الحجج والبراهين، ويميز به بين الصدق والكذب في الأقوال، والخير والشر في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات!! 1.

2-

طريق الكشف والفيض الذي اعتمد عليه أهل التصوف الغالي، وزعموا أنه هو الطريق لمعرفة كل الحقائق الدينية، وزعموا أنه نوع من الوحي الذي يحصل للقلوب الزكية.

قال ابن تيمية رحمه الله: "

هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان:

إما طريق النظار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين الطريقين عَلِمَ أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان مَنْ سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلا دخل في الشطح والطامات

1 انظر: التقريب لحد المنطق والمدخل إليه، لمحمد بن حزم الأندلسي ص (6، 7) ، تحقيق د. إحسان عباس، دار مكتبة الحياة.

ومقدمة ابن خلدون ص (908) دار الكتاب اللبناني. ومفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم لأحمد مصطفى الشهير بطاش كبرى زادة، ص (597) ، ت /كامل بكري، وعبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة.

ص: 424

التي لا يصدّق بها إلا أجهل الخلق.

فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل، والأول يشبه حال اليهود، والثاني يشبه حال النصارى"1.

ولا شك أن هذين الطريقين من أعظم البدع المضلة، إذ هما صد عن سبيل الله وصرف للناس عن العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أصل الهدى والنور ومنبع المعارف والعلوم المصلحة للقلوب والأعمال الموجبة لزيادة الإيمان وتحصيل رضى الرحمن، قال الله عز وجل:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَآهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوآ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} 2.

قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر الطريقين:

1 درء تعارض العقل والنقل، (5/345) .

2 سورة الأنعام آية (155- 157) .

ص: 425

"وهذان أصلان للإلحاد"1.

وذلك أن كل ميل وانحراف وضلال حصل في الأمة فمرده إلى أحد هذين الطريقين فهما أصلان للضلال والإلحاد.

ثم قال رحمه الله: " وحقيقة الأمر أنه لا بد من الأمرين، فلا بد من العلم والقصد.

ولا بد من العلم والعمل به. ومن عمل بما يعلم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.

والعبد عليه واجبات في هذا وهذا، فلا بدّ من أداء الوجبات.

ولا بد أن يكون كل منهما موافقاً لما جاء به الرسول، فمن أقبل على طريقة النظر والعلم، من غير متابعة للسنة، ولا عمل بالعلم، كان ضالاً في علمه، غاويا في عمله. ومن سلك طريق الإرادة والعبادة، والزهد والرياضة، من غير متابعة للسنة، ولا علم ينبني العمل عليه، كان ضالاً غاويا،

فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء كان ضالاً، وإذا لم يعمل بعلمه، أو عمل بغير علم، كان ذاك فساداً ثانياً. والذين لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات، والرياضات والمجاهدات، ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم، وإن كان قد يكون في هؤلاء من الغيَّ ما

1 درء تعارض العقل والنقل، (5/348) .

ص: 426

ليس فيهم، فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم.

كما قال تعالى: {هلْ أُنَبئُكُمْ عَلى مَن تَنَّزلُ الشَّيَاطينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثيمٍ} 1.

والإنسان همام حارث، فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والأحوال نتائج الأعمال، فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل، وكثيرا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنه من الله تعالى، حتى أن أحدهم يظن أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران. ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم، وهو يظنه من كرامات الأولياء، وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر"2.

الرازي ومنهج المتكلمين:

وقد تولى كبر زخرفة المنهج العقلاني محمد بن عمر الرازي3

1 سورة الشعراء الآيتان (221، 222) .

2 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ت: د. محمد رشاد سالم، (5/351) .

3 أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين القرشي الرازي، يلقب بابن الخطيب، ولد سنة 543هـ، كان مضطرب الديانة كثير الحيرة، ينتسب إلى المذهب الشافعي، والعقيدة الأشعرية المبتدعة، إلا أنه أقرب إلى دين الفلاسفة، وقد رمي بالتشيع، كانت أغلب مؤلفاته في الفلسفة، وعلم الكلام، والرياضة، والطب، والسحر والتنجيم والرمل، وألف في أصول الفقه، وله في التفسير كتاب مشهور هو التفسير الكبير، ضمنه كثيرا من باطله، قال عنه بعض العلماء:"فيه كل شيء إلا التفسير"، وقال أبو شامة المقدسي:"كان الرازي يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة، فإذا جاء الأجوبة اقتنع بالإشارة"، وقَال الشهرزوري:"إن الإمام الرازي شيخ مسكين متحير في مذاهب الجاهلية التي تخبط فيها خبط عشواء"، وقال ابن جبير:"دخلت الري فوجدت ابن خطيبها قد التفت عن السنة وأشغلهم بكتب ابن سينا وأرسطو".

وقال الحافظ الذهبي: "الفخر بن الخطيب، صاحب التصانيف، رأس في الذكاء والعقليات، لكنه عري من الآثار، وله تشكيكات في مسائل من دعائم الدين تورث حيرة".

وقد تصدى له شيخ الإسلام ابن تيمية ورد على ضلالاته بالتفصيل في كتابه: نقض التأسيس، ودرء تعارض العقل والنقل، وغيرها، توفي الرازي سنة 606 هـ.

انظر: ميزان الاعتدال، للذهبي، (3/340) وفخر الدين الرازي وآراؤه الفلسفية والكلامية، د. محمد صالح الزركان، ومقدمة كتاب القضاء والقدر للرازي، (11-26) .

ص: 427

الملقب بفخر الدين1! حيث حشد الشبهات، ولبس الحق بالباطل ليقنع

1 إطلاق مثل هذه الألقاب على أمثال هؤلاء يؤدي إلى اغترار الناس وإحسانهم الظن بهم، مما يساعد على انتشار باطلهم.

ص: 428

من يطلع على أقواله بأن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم لا يدلان على الحق في المطالب اليقينية المتصلة بالعقائد وخاصة معرفة أسماء الله وصفاته والقدر، وأن الطريق إلى معرفة ذلك إنما يكون بالدلائل العقلية.

ويزعم أن التمسك بالدلائل اللفظية - نصوص الكتاب والسنة - في المطالب اليقينية - معرفة أسماء الله وصفاته والقدر ونحوها - باطل قطعاً.1

ويقول في مسألة الإيمان بالقدر: "إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، وهذه المسألة يقينية، فوجب أن لا يجوز التمسك فيها بالدلائل السمعية"2.3

وعنده أن نصوص الكتاب والسنة لا تفيد اليقين لأن الصحابة الذين بلغوها مطعون فيهم، وقد حشد الشبهات والتلبيسات التي يسميها أدلة لتلفيق القدح والطعن في خيار الصحابة وأمهات المؤمنين الذين بلّغوا الدين، ليتوصل بذلك إلى التشكيك في رواياتهم للقرآن والأحاديث.4

1 انظر: كتاب القضاء والقدر، لمحمد بن عمر الرازي، ص (106) ت /محمد المعتصم بالله، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1410 هـ.

2 "الدلائل السمعية"، "الدلائل اللفظية"، "السمع": تعابير يراد بها نصوص الكتاب والسنة التي مدارها على التعلم والخبر الذي يكون باللفظ والسمع.

3 كتاب القضاء والقدر، للرازي، ص (105) .

4 نفس المصدر ص (174 - 176) .

ص: 429

ويزعم أن القرآن مشتمل على التناقض، وآياته يعارض بعضها بعضا.1

ويزعم أن الميزان الذي يجب الرد إليه عند الاختلاف والنزاع هي الدلائل العقلية، ويقول بعد أن ذكر الآيات التي تمسك بها المعتزلة على مذهبهم في القدر:"والمعتمد لنا في الجواب عن الكل: أن الأخبار التي تمسكنا بها على صحة قولنا معارضة لهذه الأخبار، ولما تعارضت الأخبار وجب الرجوع إلى دلائل العقل"2.3

1 كتاب القضاء والقدر للرازي، ص (115، 299) .

2 نفس المصدر، ص (299) .

3 الحق أن هذه النتيجة العقلية التي توصل بها إلى إسقاط نصوص الكتاب والسنة من أن تكون ميزاناً وفرقاناً يكشف الحق من الباطل في المسائل العقدية، لهي من أصدق وأوضح الأدلة على تخبطه في نظره وقياسه، وذلك أنه زعم أن نصوص القرآن متعارضة لأنها تدل تارة على الجبر وأخرى على قدرة العبد على فعله واختياره، ثم رتب على ذلك أنها لما تعارضت تساقطت فوجب الرجوع إلى الدلائل العقلية، ولو أنه نظر نظرا صحيحا لعكس الدليل ولقال:

تبين لنا أن دلائلنا العقلية على هذه المطالب معارضة لدلائلهم العقلية فوجب إسقاطها والرجوع إلى دلائل الكتاب المحفوظ الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت آية 42]، ولتوصل إلى نتيجة يشهد لها العقل السليم والوحي المنزل حيث قال سبحانه:{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء آية 59]، ولكن سوء ظنه بالله وبكتابه وبرسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أورده المهالك وقد قال سبحانه:{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النُور آية 40] .

ص: 430

الغزالي وطريق الكشف الصوفي:

لقد تولى أبو حامد الغزالي كبر زخرفة طريق الكشف والفيض، القائم على أن السبيل إلى الحقائق إنما يكون برياضة النفوس فتنكشف لها الحقائق انكشافاً.

فهو يزعم أن النفوس إذا قطعت علائقها بالدنيا بالزهد والرياضة فإنها تنكشف لها أسرار الملكوت فتعلم الغيب وتنكشف لها الحقائق.1

ويزعم أن معرفة الحق لا تكون بالسمع - نصوص الكتاب والسنة - ولا بالتعليم، وأن من يقتصر في طلبه للحق على الكتاب والسنة دون طريق الكشف فإنه لا يستقر له قدم في معرفة الحق.2

بل ويزعم أن الأنبياء وأئمة الدين لم يتلقوا العلم بالتعليم، وإنما بالرياضة والزهد والتصفية التي هي الوسيلة للكشف والفيض.3

1 انظر: مشكاة الأنوار، ص (80) .

2 انظر: ميزان العمل لأبي حامد الغزالي ص (46-48) والإحياء (1/110) .

3 انظر: إحياء علوم الدين، (3/19) .

ص: 431

ويزعم - وبئس ما زعم - أن ما يقذف في القلوب عن طريق الكشف والفيض في النفوس الخالية من العلم بالكتاب والسنة، هو الميزان الذي توزن به نصوص الكتاب والسنة.

فما وافق ما فيها قُبل ويؤمن به على ظاهره، وما خالفها فإن ظاهره باطل يجب تأويله حيث قال:

"وحد الاقتصاد

دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنُور إلهي لا بالسماع1، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنُور اليقين قرروه وما خالف أولوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"2.

ومع زعمه أن تعلم القرآن الكريم ليس طريقا للمعرفة وتحصيل العلوم فإنه يرى أنه ليس من الأذكار التي تفيد في تزكية النفوس وصقلها.

وقد أورد في كتابه: [ميزان العمل] نصيحة مُقَدَّم فيهم مَنَعَه من قراءة القرآن ودله على ملازمة الأذكار المبتدعة.

كما يزعم أن القرآن يشغل المريد بذكر الجنة، والمريد الذاهب

1 يقصد بالسماع هنا: نصوص الكتاب والسنة، كما عبر عنها أيضا بلفظ:"السمع"، "الألفاظ الواردة"، ولفظ السماع غالبا ما يطلق في اصطلاحات المتكلمين والمتصوفة ويراد به الغناء بإنشاد الأشعار الملحنة مع الدفوف ونحوها.

2 إحياء علوم الدين، (1/110) .

ص: 432

إلى الله - بزعمه - لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة ورياضها.1

فهو بهذه الأقوال يحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من عدة جهات:

فمن جهة أنكر أن يكون الكتاب والسنة أصلاً لتلقي العلوم ابتداء، ومن جهة أخرى أنكر أن يكونا ميزاناً يرجع إليه عند الاختلاف.

ومن جهة ثالثة أنكر أن تكون قراءة القرآن ذكرا نافعا في تزكية النفوس.

ومن مزاعمه الشنيعة: أن تزكية النفوس وتصفيتها وصقلها تمهيداً لانطباع الحقائق فيها، وانكشاف سر الملكوت لها - هو نوع من الوحي الذي يحصل للأنبياء.

فالوحي عنده مكتسب وليس اصطفاء واختياراً من الله، كما أنه يرى أنه لم ينقطع بل هو متاح لكل من جاهد نفسه وراضها وصفّاها.

وقد وصل به التخبط والضلال إلى أن زعم أن سماع الغناء - الأشعار الغزلية الملحنة، التي يناجي فيها الحبيب حبيبه بالأصوات المطربة والدفوف المصلصلة - أنفع لمن يريد وجه الله من قراءة القرآن وتعلمه، وزخرف ذلك بسبعة أوجه ذكرها في كتابه [إحياء علوم

1 انظر: ميزان العمل ص (46-48) ، وكتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي ص (65، 66) .

ص: 433

الدين] 1! {بئس للظالمين بدلاً} .

بدأ ذلك بقوله: "فاعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن من سبعة أوجه" ثم ذكرها.

ومن ذلك قوله في الوجه الأول:

"إن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه، وتنزيله على ما هو ملابس له، فمن استولى عليه حزن أو شوق أو ندم فمن أين يناسب حاله قوله تعالى {يُوصِيِكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين} 2، وقوله تعالى: {وَالَّذِين يَرْمونَ المحْصَنات} 3، وكذلك جميع الآيات التي فيها بيان أحكام الميراث والطلاق والحدود وغيرها، وإنما المحرك لما في القلب ما يناسبه، والأبيات إنما يضعها الشعراء إعرابا بها عن أحوال القلب، فلا يحتاج في فهم الحال منها إلى تكلف".

"الألحان الطيبة مناسبة للطباع

فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضا كان أقرب

1 إحياء علوم الدين (2/298-301) .

2 سورة النساء آية (11) .

3 سورة النُور آية (4) .

ص: 434

إلى الحظوظ، وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق للمخلوق

فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله"1.

ولم يزل به هذا المنهج الذي تحمس له، وذلك الظن السّيّئ الذي ظنه بالله وبكتابه حتى أوقعه في الطامة الكبرى الشرك.

قال أبو بكر بن العربي: قال لي [يعني أبا حامد الغزالي] بلفظه، وكتبه لي بخطه:

"إن القلب إذا تطهر من علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق

وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثير موجدة

وقد تزيد قوتها بصفائها واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث، وإنبات النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات للعادات، فإذا نطقت به كان على نحوه.."2.

ولا يسعنا أمام هذا الكلام إلا أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم!! {كبرَتْ كَلِمَة تخْرُجُ من أَفْوَاهِهم إن يَقُولونَ إلا كَذِبا} 3.

سبحان الله ما ظن هذا المفتري برب العالمين حين جعل له شركاء

1 إحياء علوم الدين، (2/298، 301) .

2 آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، (العواصم من القواصم)(2/30-33) .

3 سورة الكهف آية (5)

ص: 435

في ملكه وتدبيره! ونسب إلى المخلوقين أمورا من الشرك لم تصل إليها جاهلية العرب الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يثبتون أن الله هو المتصرف بأحوال العالم وفي إنزال الغيث وإنبات النبات، لا يشركون معه غيره في ذلك، لذلك ألزمهم بتوحيدهم له في ربوبيته بوجوب توحيدهم له في ألوهيته وعبادته، فكما أنه لا شريك له في ملكه وتدبيره فكذلك لا شريك له في العبودية.

قال الله تعالى مبينا إقرار كفار العرب بتصرفه في العوالم: {وَلَئن سَألتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَات وَالأَرْض وَسَخَّر الشَّمسَ وَالقمَرَ ليَقُولُن الله فَأَنى يُؤْفَكُون} 1.

وقال في بيان إقرارهم له في إنزال المطر وإنبات النبات: {وَلَئن سَألتَهُمْ مَنْ نزل مِنَ السَّماء مَاء فَأحيا بِه الأَرضَ من بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولن الله قل الحَمدُ لله بَلْ أكثرُهم لا يَعْقِلُونَ} 2.

فإذا كانوا مع شركهم لم يبلغ بهم أن ينسبوا هذه الأمور لغير الله، فما بالك بمن زاد عليهم في ذلك وبلغ ما لم يبلغوه! وأثبت لله شريكا في ربوبيته وتدبيره! تعالى الله عن ذلك.

1 سورة العنكبوت آية (61)

2 سورة العنكبوت آية (63) .

ص: 436

وليس المراد استقصاء أخطائه، ولكن بيان أن كل من أعرض عن الكتاب والسنة وقع في التخبط والضلال.

قال ابن تيمية رحمه الله: "

إن هؤلاء مع إلحادهم، وإعراضهم عن الرسول وتلقي الهدى من طريقه، وعزله في المعنى، هم متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، فكل من أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية، فإنه لا بد أن يضل ويتناقض، ويبقى في الجهل المركب أو البسيط"1.

وزن هذه المناهج المحدثة بميزان المثَل:

والمقصود هنا هو بيان أن هذا المثل {مَثَلُ نُوره كمشْكَاة} يبطل هذه المناهج المحدثة - منهج العقلانيين المتكلمين، ومنهج الصوفيين القائلين بالكشف والفيض - من وجوه عديدة أهمها:

أولاً: أن المثل دل على أن نُور المصباح يشعل ويوقد في الفتيلة الصالحة التي يسري فيها الوقود الجيد.

وكذلك نُور الإيمان يقذفه الله في القلوب المؤمنة. وغير المؤمنة لا يكون فيها نُور.

وهذا يبطل زعم القائلين بالكشف والفيض، فإنهم يزعمون أن النور يتجلى في كل قلب بمجرد التصفية، وأن ذلك سنة جارية ممكنة لكل أحد

1 درء تعارض العقل والنقل، (5/356) .

ص: 437

دون اختيار واصطفاء من الله لمن يُعطى النور أو يحرم.

وواضح من المشبه به وهو المصباح أن نُوره طارئ بفعل غيره، لا يتقد ويضيء إلا إذا أوقد وأشعل وقد توفرت الفتيلة الصالحة والوقود الجيد.

فالله سبحانه شبه نُوره: بمشكاة فيها مصباح، وهم شبهوه: بانعكاس في مرآة1، وفرق كبير بين التشبيهين.

والحق بلا شك هو ما ورد عن رب العالمين خالق الإنسان ومعطي النور، وما خالفه فهو الباطل قطعا.

وهذا الاعتبار - والله أعلم - هو الذي جعل أبا حامد الغزالي يلجأ إلى تزييف آخر أقرب بزعمه إلى صورة المثل إلا أنه أبعد في الضلال. "نعوذ بالله من الخذلان".

ورد ذلك في كتابه الذي خصصه للكلام على هذا المثل من سورة " النور "{مثلُ نُُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} وأسماه: [مشكاة الأنوار] .2

وزعم فيه أن في قلوب الناس نُورا هو جزء من نُور الله.3

1 انظر: مختصر إحياء علوم الدين للغزالي، ص (147) مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 هـ.

2 تقدم التعريف بالكتاب ص (333، 334) المتن والهامش.

3 انظر: مشكاة الأنوار ص (60)، وانظر: تصدير المحقق، ص (14) .

ص: 438

وأن هذا النور قد يحجب بالغفلة والمعاصي والتعلق بالدنيا، والتصفية - على مذهبه - تصقل القلب فيتجلى هذا النور، وهذا القول هو الذي قربه إلى قول أصحاب وحدة الوجود1، حيث زعم أن النور الذي في قلوب الناس هو جزء إلهي من نُور ذات الله عز وجل تعالى عما يقوله المبطلون.

وهذا الزعم الأخير باطل بدلالة المثل أيضاً، حيث أن الله شبه نُوره بنُور مصباح يقبل الإيقاد، ويطفأ إذا قطع عنه الزيت أو تعرض لما يوجب انطفاءه، ويوجد عند من اصطفاهم الله للإيمان ولا يوجد عند الكفار.

أما على قوله فالنور يستوي فيه البشر وهو لا يتقد أو ينطفئ وإنما يحجب بحجاب كما أن نُور ذات الله محجوب بالحجاب.

وهذا التخبط والضلال يصدق عليه قول الله تعالى: {وَلَو كَانَ مِن عِنْد غَيْر الله لَوَجَدوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً} 2.

ثانياً: دل المثل على أن النور مركب من نُور المصباح الموقد في الفتيلة، ونُور الوقود الجيد الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، وهذا يقابل نُور الإيمان الذي يقذفه الله في القلب، ونُور العلم الذي يمده {نُّورٌ

1 انظر ما تقدم ص (221) . بالهامش

2 سورة النساء آية (82) .

ص: 439

عَلَى نُورٍ} .

وهذا الاعتبار يرد على كلتا الطائفتين - المتكلمين العقلانيين، والمتصوفة القائلين بالكشف - حيث عطلوا أثر العلم بالكتاب والسنة في تحصيل المطالب اليقينية، فهم بمثابة من قطع الزيت عن المصباح، فأنطفأ وأظلم، وقد يحرق الفتيلة.

وكذلك القلب إذا قطع عنه العلم فإنه يظلم ويعمى، وقد تفسد فطرته، وكل ما يقوم به بعد ذلك فهو ضلالات وأوهام.

ثالثاً: دل المثل على أن صحة التعقل وسلامته مستفادة من النور الذي أشرق في القلب من الإيمان والعلم، وذلك أن الزجاجة في المصباح تقابل الوظائف القائمة بالقلب كما دل عليه الاعتبار بالمثل المتقدم1.

والنور ينبعث من المصباح وينير الزجاجة، ثم ينفذ من خلالها إلى الخارج فيبصر صاحب المصباح بقلبه المستنير مواطن الخير والشر والهدى والضلال.

والذي لم يتعلم العلم الشرعي فإن نُور قلبه ضعيف - إن كان مسلماً - أو قلبه مظلم إن لم يكن مسلماً، فالعلم بالوحي مؤثر في العقل ينير له الطريق.

1 تقدم ص (321) .

ص: 440

وقد تقدم1 ذكر النصوص الدالة على أن العقول المؤهلة للتذكر والاعتبار هي عقول أهل الإيمان المستنيرة بنُور العلم المستفاد من الوحي، والعمل به، كما في قوله سبحانه:

{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} 2.

وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} 3.

حيث دلت هاتان الآيتان على أن المؤمنين العالمين بما أنزل الله من الذكر هم أولو الألباب الذين استنارت قلوبهم بنُور الإيمان والعلم فنفعهم ذلك في إعمال عقولهم في تدبر آيات الله المتلوة والتفكر في آيات الله المشاهدة والانتفاع من ذلك.

1 تقدم ص (414) .

2 سورة الرعد آية (16) .

3 سورة الطلاق آية (10)

ص: 441

وهذا الاعتبار يرد قول المتكلمين الذين زعموا أن النظر العقلي المجرد عن نُور العلم والإيمان تعرف به الحقائق والخير والهدى من ضدها، وعلى قولهم يكون العقل ينير القلب، وهذا قلب وعكْس لمدلول المثل والبيان الإلهي فيكون باطلاً قطعا.

والحق أن العقل يستنير بالعلم، وذلك أن العلم النازل من الله في نصوص الوحي يبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، بأحكام معلقة بأوصاف ومعالم وأمثال، والعقل يتعرف عليها ويتحقق من وجودها في الأعيان والمعاني ويلحق بها الأحكام.

ومثال ذلك: قائد السيارة في الظلماء فإنه يحتاج إلى إنارة المصابيح، والمصابيح مثال نُور العلم، وقائد السيارة مثال العقل، فالمصباح ينير للقائد والقائد يتعرف به على مواقع الطريق ويتقي أخطاره.

وقد قلت في ذلك: [ملف الجداول]

علمُ الفتى بالله أَصْلُ حَياته

وَربيعُ قلبِ العَبد حُبُ الأوحدِ

والعلمُ نُور للفتى في دَرْبه

والعقلُ يحكم سَيره ويسدد

رابعاً: ورد في سياق المثل ما يدل على أن الطريق لحصول نُور الله واحد هو ما دل عليه المثل، وذلك في قوله:{مَثَلُ نُورِهِ} وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .

ص: 442

وفائدة هذا الاعتبار: أن يُعلم أن من زعم أن لديه نُورا من غير هذا الطريق فهو ليس بنُور إلهي بل سراب خادع مُلْهٍ.

وكل نتيجة لم يستنر صاحبها بنُور العلم الواصل من طريق الأنبياء فهي أوهام وضلالات وظلمات.

وحالهم في حيرتهم وظلمة قلوبهم كما صورها الله بقوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 1.

خلاصة هذه الفائدة:

أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة المبتدعة في منهج تلقي الحقائق اليقينية في المطالب الدينية، وقد تبين أنه يبطل ويرد ما أحدث من ذلك من طريقة المتكلمين الزاعمين أن الحق في المطالب اليقينية طريقة الدلائل العقلية المستفادة من النظر العقلي، وطريق القائلين بالكشف والفيض الزاعمين أن اليقين يفيض على القلوب فيضاً دون تعلم أو نظر.

1 سورة النور آية (40) .

ص: 443

كما تبين خلال هذا العرض ما وقع فيه البارزون من هؤلاء من الضلال والاختلاف والتناقض بسبب إعراضهم عن نُور العلم الإلهي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم واقتحامهم لتلك المناهج المتخبطة المظلمة.

ص: 444

‌المبحث الخامس: خلاصة دراسة مثل النور

.

بعد هذه المسايرة الطويلة لهذا المثل الهام الوارد في سورة " النور " في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} الآية، والذي استغرق هذا الفصل كاملا، أخلص إلى النتائج الآتية:

أولا: أن هذا المثل بين أصولا هامة تتعلق بحصول الإيمان في القلب وزيادته، وعلاقتها ببعضها، وهي:

1-

فعل الله بالتوفيق للإيمان وقذفه في قلوب عباده الذي شاء هدايتهم، وعلاقة ذلك بالفطرة السليمة حيث شبه فعله سبحانه الذي يشرح به صدر من أراد هدايته للإسلام بإيقاد المصباح، والنور الحاصل من ذلك بنُور المصباح، والفتيلة الصالحة تقابلها الفطرة السوية.

2-

أثر العلم الواصل للقلب في بناء العقائد الإيمانية في القلب وفي زيادتها، وزيادة نُور القلب وبصيرته، حيث شبه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكيف أن زيادته وجودته تؤثر في قوة الإضاءة وصفائها، وكذلك نُور القلب يزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر ويصفو بخلوصه من العلوم الدخيلة.

3-

أثر هذا النور المركب من نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وبصيرته وسلامة تعقله، وصلاح جميع أعماله حيث شبهت أعمال القلب واستنارتها بنُوره بالزجاجة التي تنعكس عليها الأشعة من المصباح فتتلألأ

ص: 445

عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بالنور في الناس مشيا سديداً رشيداً.

4-

أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.

وقوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} حيث أجمع المفسرون على أن أحد النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله:{وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} .

وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غذي بالعلم بالكتاب والسنة.

ثانيا: دل المثل على فوائد أخرى هامة:

1-

إثبات "النور" اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته.

2-

دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا.

3-

دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.

4-

دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق

ص: 446

فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ

} الآيات.

ثالثا: أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر عقلي، واعتبار المثل يبطل هذه المزاعم الضالة. والله أعلم.

ص: 447

‌الفصل الثاني: المثلان المضروبان لأعمال الكفار من سورة النور

‌المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان

المبحث الأول: دلالة السياق الذي ورد فيه المثلان.

ورد هذان المثلان في سورة النور في سياق المثل الذي ضربه اللَّه لنوره في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ....} الآية.

حيث بين سبحانه بهذا المثل نوره الذي يجعله في قلب عبده المؤمن وأثر ذلك النور في استنارة القلب وبصيرته في كل وظائفه وخاصة تعقله، مما يجعل المؤمن بسبب ذلك يمشي في الناس على بصيرة من أمره، كما قال عز وجل:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.

ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى بذكر أثر النور على أعمالهم حيث رأوا به محاسن الأعمال فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما دونها، وكيف أن اللَّه قبل أعمالهم التي دلهم عليها نور العلم ودلهم على أسباب صلاحها وصحتها، وأثابهم عليها أحسن الثواب، حيث قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا

1 سورة الأنعام الآية رقم (122) .

ص: 451

تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَآء بِغَيْرِ حِسَابٍ} 1.

وبعد ذلك بين ما يضاد ذلك ويقابله من حال الكفار الذين لم يجعل اللَّه لهم نوراً لأنهم لا يستحقونه لعدم مجيئهم بسببه - وهو الإنابة والاهتداء - وما نتج عن ذلك من ضلال أعمالهم وظلمتها وعدم انتفاعهم بها في الآخرة.

وضرب لذلك مثلين: في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 2.

فذكر - سبحانه - في هذين المثلين ما يخص الكافرين في مقابل ما ذكر في المثل الأول مما يخص المؤمنين، "وبضدها تتبين الأشياء".

وبعد ذلك بين اللَّه تعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء وأن ذلك

1 سورة النور الآيات رقم (36-38) .

2 سورة النور الآيتان رقم (39-40) .

ص: 452

متحقق في خلقه حيث {يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} 1.

إذ هو سبحانه الذي له ملك السموات والأرض وإليه مصير جميع الخلائق، فهو إذاً مستغنٍ عن هؤلاء المعرضين الكافرين المستكبرين، وهم المحتاجون إليه وهو الغني الحميد.

ثم ذكر بعض الآيات الكونية الدالة على تفرده بالملك والتدبير، وعلى قدرته الشاملة والتي تستلزم - لمن تأملها وتفكر فيها - الإِيمان باللَّه وعبادته وحده، وهي كافية لهداية أولئك الكافرين الضاربين في الظلمات، وبمقدورهم الانتفاع والاعتبار بها إلا أن حالهم كما بينها ربنا بقوله:{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} 2.

والواقع يبين أن الذين ينتفعون بهذه الآيات ويعتبرون، هم الذين أعطاهم اللَّه ذلك النور فأبصرت قلوبهم. أشار إلى ذلك بقوله في سياق المثلين:

{يُقَلِّبُ اللَّه اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} 3.

1 سورة النور الآية رقم (41) .

2 سورة الأعراف الآية رقم (146) .

3 سورة النور الآية رقم (44) .

ص: 453

ثم ختم السياق بما بدأ به فقال: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1.

وقد قال في بداية السياق: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} 2.

وهذه الطريقة - وهي أن يبدأ السياق الذي يضم جملة من الآيات، ويختم بنفس المعنى مع التقارب في الألفاظ - له دلالة هامة، حيث يدل على أن ما بين الآيتين - المبدوء والمختوم بها - يتكلم عن قضية واحدة، أو أن ما يذكر في ذلك السياق له علاقة بالمعنى المشترك بين آيتي البدء والختام.

وهذه الطريقة من روائع البيان القرآني، وقد تكررت في القرآن في مواضع لبيان قضايا هامة، من ذلك مثلاً: قوله اللَّه تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً} 3، ثم ذكر جملة من الشرائع والآداب والنهي عن المحرمات وسيئ الأخلاق،

1 سورة النور الآية رقم (46) .

2 سورة النور الآية رقم (34) .

3 سورة الإسراء الآية رقم (22) .

ص: 454

ثم ختم السياق بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} 1.

وذكر بعض المفسرين أن الحكمة من البداية بهذه الآية والختم بها إنما هي ليشعر أن هذه الأعمال المذكورة بين الآيتين لا تكون عبادة مقبولة إلا إذا كانت خالصة لا يقصد بها غير اللَّه.2

ومن ذلك قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَهُ إِلَاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّه مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} 3. إلى أن قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ

} 4.

ومن ذلك قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

1 سورة الإسراء الآية رقم (39) .

2 انظر: التفسير الكبير للرازي، (10/214) ، دار أحياء التراث العربي ط3.

3 سورة الممتحنة الآية رقم (4) .

4 سورة الممتحنة الآية رقم (6) .

ص: 455

عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ

} 1 ثم قال بعد عدد من الآيات: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} 2.

وهذا الأسلوب جدير بأن يُراعى في التفسير على أساس أن ما بين الآيتين المبدوء والمختوم بهما، يتكلم عن قضية واحدة، أو له علاقة بالمعنى الذي دلت عليه آيتَا البدء والختام.

وعلى هذا يكون السياق - في سورة النور - الذي بُدِئَ بقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} الآية، وختم بقوله:{لَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، يقرر قضية واحدة وما يتصل بها، هذه القضية هي ما دلت عليه آيتا البدء والختام من نزول الآيات المبينات للعلم والحق في نصوص الكتاب والسنة، وأثر ذلك في الهداية والاتعاظ، وفي حصول النور في قلوب المؤمنين، وصحة أعمالهم وانتفاعهم بها، وما يضاد ذلك من حال الكفار الذين أعرضوا عن العلم وفقدوا نوره، وأثر ذلك في ظلمة قلوبهم

1 سورة الروم الآية رقم (30) .

2 سورة الروم الآية رقم (43) .

ص: 456

وضلال أعمالهم وعدم انتفاعهم بها، وغير ذلك من الأمور التي لها اتصال بالعلم والهداية.

وقد جمع اللَّه بين العلم، وما رتب عليه من الهداية، في آية الختام، كالتلخيص لما تقدم، حيث قال:{لَقَدْ أَنْزَلْنَآ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

والذي يتلخص لنا من دلالة السياق الذي وردت فيه الأمثال الثلاثة في سورة "النور" هو: أن اللَّه عز وجل بين في سياق المثل الأول أمرين بارزين وذكر ما يقابلهما في المثلين الآخرين.

فالأمران اللذان دل عليهما سياق مثل النور، هما:

1-

وجود النور الحقيقي المركب من نور الإِيمان ونور العلم في قلوب المؤمنين، وأنه من اللَّه عز وجل توفيقاً وإمداداً، وسببه من المؤمنين إنابة واستجابة لما نزل من العلم بالوحي المطهر، وأثر ذلك النور في استنارة قلوبهم وبصيرتها، وصلاح أعمالها ووظائفها، وصحة إراداتها.

2-

أثر نور العلم والإِيمان القائم في قلوب المؤمنين على أعمالهم وسلوكهم من جهتين:

- من جهة كشف لهم الأعمال الحسنة العالية المقربة إلى اللَّه فتوجهوا إليها، وحافظوا عليها.

ص: 457

- ومن جهة كشف لهم كيف يؤدونها على الوجه المشروع مما جعلها مقبولة عند اللَّه يجزيهم عليها أحسن الجزاء.

وبيّن ما يقابل هذين المعنييْن عند الكفار بمثلين هما: مثل السراب، ومثل الظلمات، حيث إن كل مثل بيّن أعمال فريق من الكفار التي عملوها في ظلمة الكفر، وصور الكيفية التي أعرض بها كل فريق عن العلم الذي تضمنه وحي اللَّه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وأثر ذلك الإِعراض في ضلال أعمالهم.

والمعنى الرئيسي المشترك بين المثلين، والذي يقابل المعنى المستفاد من مثل النور، هو:

بيان أن سبب كفرهم، وضلال أعمالهم، وظلمة قلوبهم وأحوالهم هو: الإِعراض عن هدي اللَّه الذي هدى به عباده، وأنزله على رسله، والذي لا طريق للنور والهداية سواه.

وبهذه الأمثال الثلاثة وما ورد في سياقها، يكتمل البيان لحقيقة هامة، هي:

أن اللَّه أنزل وحيه إلى أنبيائه، وجعل ما تضمنه من العلم والحكمة، الطريق إلى الهداية، واستنارة القلوب، وصلاح الأعمال، وأنه لا سبيل إلى الهداية إلا به، وأن المؤمنين الذين هداهم اللَّه، وقذف في قلوبهم الإِيمان هم الذين استجابوا واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم.

كما تبين أن طريق الضلال سببه الإِعراض عما نزل من الوحي،

ص: 458

بتلمس الهدى من غيره، أو بالإِعراض والتكذيب والكفران، وأن ذلك يحدث ظلمة في القلوب، وظلمة وضلالاً في الأعمال.

وقد جمع اللَّه هذه المعاني في أول سورة "محمد" في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوآ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوآ اتَّبَعُوا البَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّه لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} 1.

قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّه لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} بعد أن بين تلك الحقائق الهامة، فيه إشارة إلى الأمثال المضروبة لهم، والتي تم تفصيلها في سورة "النور" وغيرها- واللَّه أعلم -.

1 سورة محمد الآيات رقم (1-3) .

ص: 459

‌المبحث الثاني: الغرض الذي من أجله ضرب المثلان وأهميتهما

‌المطلب الأول: الغرض الذي ضرب له المثلان

المطلب الأول: الغرض الذي ضرب له المثلان:

يذكر أكثر المفسرين أن كلا المثلين ضربا لأعمال الكفار، لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} ثم عطف عليه المثل الثاني بقوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ..} الآية.

إلا أن أعمال الكفار المضروب لها المثلان ينظر إليها من عدة جهات، مرجعها إلى ما يلي:

1-

من جهة أنهم عملوها على عمى وضلال، وظلمتها لكونها خالية من نور الإِيمان.

2-

من حيث جزاؤهم عليها يوم القيامة، وعدم قبولها وانتفاعهم بها.

3-

من حيث كونها ظاهرة أو باطنة، أو كونها من جنس الأعمال الطيبة أو من الشر والإِفساد في الأرض.

4-

وهل المقصود هو تحقق دلالة المثلين في أعمال كل كافر، أو أن كل مثل ضرب لبيان أعمال نوع من الكفار.

فلأجل تنوع أعمال الكفار، وتنوع طوائفهم، وسعة دلالة المثلين حتى أنه لا يوجد كافر إلا وله منهما نصيب، اختلفت عبارات المفسرين في تحديد المعنى المضروب له المثلان: ويمكن حصر أقوال المفسرين في اتجاهين.

ص: 462

الاتجاه الأول:

من يرى أن المثلين ضُربا لعمل كل كافر، وأنه يصْدق عليه كلا المثلين باعتبار، وكل منهما يبين جانباً من أعماله.

فمن هؤلاء من يرى أن المثل الأول ضُرب لأعمال الكافر التي هي من جنس الأعمال الطيبة، ومثل لها بالسراب، والمثل الثاني لاعتقاده السيئ ومثل له بالظلمات. وقريب منه من يرى أن المثل الأول لأعماله الظاهرة، والثاني لأعماله الباطنة1.

ومنهم من يرى أنه سبحانه شبه أعمال الكفار في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بالسراب، وشبهها في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإِيمان بظلمات متراكمة.2

ومنهم من يرى أن مثل السراب ضُرب لبيان مصير أعمالهم يوم القيامة عند الحساب، وأنهم لن ينتفعوا منها بشيء، ومثل الظلمات لبيان حالهم في الدنيا، وأن أعمالهم عملت على خطإ وفساد، وضلالة وحيرة من عمالها فيها وعلى غير هدى.3

1 انظر: التفسير الكبير للرازي، (24/9) ، وصفوة التفاسير لمحمد بن علي الصابوني، (2/343) .

2 انظر: اجتماع الجيوش الإِسلامية، لابن القيم، ص (12) .

3 انظر: جامع البيان، لابن جرير، (9/333) .

ص: 463

الاتجاه الثاني:

من يرى أن المثلين ضُربا لبيان أعمال نوعَي الكفار، وأن الكفار في الجملة صنفان: أصحاب الجهل والضلال البسيط، وأصحاب الجهل والضلال المركب1، وكل مثل يصور حال فريق منهما:

إلا أن هؤلاء اختلفوا في أمرين:

الأول: تعيين أي المثلين لأصحاب الجهل البسيط، وأيهما لأصحاب الجهل المركب.

1 الجهل البسيط: "هو عدم العلم أو الاعتقاد لما من شأنه أن يكون عالماً أو معتقداً، وبهذا المعنى يقابل العلم والاعتقاد مقابلة العدم والملكة" والجهل المركب: "هو اعتقاد الشيء على خلاف ما اعتقد عليه اعتقاداً جازماً سواء كان مستنداً إلى شبهة أو تقليد، وهو بهذا المعنى قسم من الاعتقاد بالمعنى الأعم". انظر: كشاف اصطلاح الفنون، للتهانوي، (1/363) .

فالجهل البسيط: هو عدم معرفة الحق، والضلال البسيط: هو عدم اعتقاد الحق والعمل به، والجهل المركب: هو عدم معرفة الحق مع تعلم ضده، والضلال المركب: هو عدم الاعتقاد والعمل بالحق مع الاعتقاد والعمل بالباطل، واعتقاده أنه على الحق.

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً الفرق بينهما: "فأهل الجهل والكفر البسيط لا يعرفون الحق ولا ينصرونه، وأهل الجهل والكفر المركب يعتقدون أنهم عرفوا وعملوا، والذي معهم ليس بعلم بل جهل" درء تعارض العقل والنقل، (7/285) .

ص: 464

فمن هؤلاء: شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله نص في مواضع على أن مثل السراب: للجهل المركب، ومثل الظلمات: للجهل البسيط.1

إلا أنه في موضع آخر أشار إلى أن مثل السراب للجهل البسيط، ومثل الظلمات للجهل المركب2.

ومن هؤلاء: ابن القيم رحمه الله: وله في ذلك أكثر من قول. ففي قولٍ نصَّ على أن مثل السراب ضرب لأصحاب الجهل المركب، والآخر لأصحاب الجهل البسيط3.

وفي موضع آخر ألمح إلى أن مثل السراب للجهل البسيط، ومثل الظلمات للجهل المركب.4

وفي موضع ذكر أن كل واحد من السراب والظلمات مثل لجموع علومهم وأعمالهم فهي سراب لا حاصل لها، وظلمات لا نور فيها.5

وهذا القول يرجع إلى الاتجاه الأول في تفسير المثلين، الذي سبقت

1 انظر: درء تعارض العقل والنقل، (7/285) ، (5/376) ، ومجموع الفتاوى (4/75) .

2 انظر: درء تعارض العقل والنقل، (1/169) .

3 انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (9، 10) .

4 انظر: الأمثال في القرآن الكريم، لابن القيم، ص (196، 198) .

5 انظر: اجتماع الجيوش الإِسلامية، ص (12) .

ص: 465

الإِشارة إليه.

ومن هؤلاء: الحافظ ابن كثير رحمه الله: حيث نص على أن مثل السراب لأصحاب الجهل المركب، ومثل الظلمات لأصحاب الجهل البسيط1.

والحق أن كلا الاصطلاحين يصدق على كلا المثلين باعتبار، فالمثل الأول - مثل السراب- اتفقت آراء من ذكرنا رأيه على أنه من الجهل المركب، وهو كذلك إلا أن المثل الثاني - مثل الظلمات - أقرب إلى الجهل المركب لدلالة صورته وألفاظه على ذلك، في قوله تعالى:{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} حيث دل على أن كفرهم مركب من ظلمات ناتجة عن جهالات وضلالات، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء اللَّه.

وأيضاً فالجهل المركب متضمن للجهل البسيط2، فكل من المثلين متضمن له. فهناك تداخل باعتبار انطباق الاصطلاحين على كلا المثلين.

ولهذا الاعتبار مع ما تقدم من الاضطراب في أقوال أهل العلم والتحقيق في بيان أيهما الذي للجهل البسيط أو المركب، أرى عدم التركيز على هذين الاصطلاحين في بيان المراد بالمثلين.

والأمر الثاني: الذي اختلف فيه هؤلاء: هو تعيين الذي يصدق عليه

1 انظر: تفسير القرآن العظيم، (296) .

2 انظر: درء تعارض العقل والنقل، (5/376) .

ص: 466

كل مثل:

فمنهم من يرى أن مثل السراب للدعاة إلى كفرهم الذي يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، ومثل الظلمات للمقلدين لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون.1

ومنهم من يرى أن مثل السراب لحال المغضوب عليهم، والظلمات لحال الضالين.2

ومنهم من يرى أن مثل السراب لأهل البدع والأهواء الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثل الظلمات: لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع.3

وليس الغرض استقصاء أقوال المفسرين والعلماء في بيان المعنى المضروب له المثلان، وإنما ذكر بعض النماذج التي تبين اختلاف عباراتهم في ذلك، مما يبرز الحاجة إلى تحرير المقصود بالمثلين ليتضح معناهما، وتتم الاستفادة والاعتبار بهما.

تحرير الغرض الذي ضرب له المثلان:

إن تحديد الغرض الذي ضرب له المثلان يحتاج إلى نظر في المعطيات

1 انظر: تفسير القرآن العظيم، (3/296) .

2 انظر: الأمثال في القرآن الكريم، لابن القيم، ص (196) .

3 انظر: الأمثال لابن القيم، ص (196، 198) .

ص: 467

المستخلصة من السياق، ومن التأمل في ألفاظ كلا المثلين وصورتهما.

ويمكن حصر تلك المعطيات المستفادة من ذلك فيما يلي:

أولاً: تقدم في المبحث السابق1 أن السياق الذي تضمن هذين المثلين والذي بدأ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ

} الآية، وختم بقوله: {لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ

} الآية. يقرر قضية واحدة وما يتصل بها، هذه القضية هي نزول الآيات المبينات للعلم والحق في نصوص الكتاب والسنة، وأثر ذلك في الهداية والاتعاظ، وفي حصول النور في قلوب المؤمنين، وصحة أعمالهم وانتفاعهم بها، وما يضاد ذلك من حال الكفار الذين أعرضوا عن العلم وفقدوا نوره، وأثر ذلك في ظلمة قلوبهم وضلال أعمالهم وعدم انتفاعهم بها.

كما دل التأمل في السياق على أن هذين المثلين ضُربا في مقابل المثل الذي ضُرب لبيان نور العلم والإِيمان في قلوب المؤمنين وأعمالهم وسائر أحوالهم في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} .

وفائدة هذه الدلالة من السياق هي العلم بأن المثلين ضُربا لبيان حال الكفار مع العلم - المستمد من الوحي الإلهي بواسطة الرسل (صلوات اللَّه وسلامه عليهم) - وضلالهم عنه بسعيهم أو بإعراضهم، وأن إعراض

1 ص (480) .

ص: 468

أصحاب مثَل السراب يختلف عن إعراض أصحاب مثل الظلمات.

ثانياً: أن التأمل في صورة المثلين يدل على اختلافهما صورة ومعنى مما يدل على اختلاف الذين ضُرب لهما المثلان، وأن كل مثل ضرب لطائفة معينة، بحسب الطريق الذي كان به ضلالها عن نور العلم والإِيمان.

قال ابن تيمية رحمه الله: "فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم، وبكل حال فليس ما ضُرب له هذا المثل هو مماثل لما ضُرب له هذا المثل، لاختلاف المثلين صورة ومعنى، ولهذا لم يُضرب للإِيمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد فضُرب مثله بالنور، وأولئك ضُرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له، كالسراب بالقيعة، أو بالظلمات المتراكمة"1.

ويمكن بيان اختلاف المثلين فيما يلي:

1-

حال الشخصين مع النور:

إِن المثل الأول لا يتحقق إلا في رائعة النهار والشمس مشرقة، فاللاهث وراء السراب قد استنار ما حوله، ومع وجود النور حوله فإنه لم يهتد إلى موضع الماء الحقيقي، وإنما سار خلف السراب الخادع.

أما في المثل الثاني فنور الشمس محجوب عنه بحجب غليظة، قد حجبها السحاب، وظلمة الأمواج، فالمحيط حوله ظلام دامس.

1 مجموع الفتاوى (7/278) .

ص: 469

والنور الحسي يقابل نور العلم والوحي، وفي المثلين إشارة إلى نورين:

الأول: نور المحيط خارج الشخص الممثّل به، وهو يقابل نور الوحي الذي أنزله اللَّه إلى الناس، فبلغه رسله، وحوته كتبه، وآمنت به بلاد فاستنارت به، وكفرت به أخرى فأظلمت.

الثاني: قدرة الشخص على الإِبصار بعينه.

والمثلان يصوران حال الشخصين مع هذين النورين.

ففي المثل الأول دلالة على أن النور حول اللاهث إلى السراب أتم ما يكون، مما يدل على أن المضروب له المثل يعيش في وسط مستبصر يؤمن بالوحي.

أما نور قلبه فمعدوم أو ضعيف حيث لم يميز السراب وانخدع به، وهذا يدل على أن المضروب له المثل أعمى القلب أو ضعيف البصيرة، بسبب عدم تعلمه من الوحي، وإعراضه عنه.

أما في المثل الآخر - مثل الظلمات - فكلا النورين - نور المحيط حوله، ونور قلبه - معدوم، فالمثل يصور حال من يتقلب في الظلمات ليس بخارج منها.

2-

حال الشخصين الممثّل بهما مع البحث والطلب.

يصور مثل السراب شخصاً عطشاً لهثاً يبحث عن الماء الذي يعرف أهميته، وهو بأشد الحاجة إليه، ففيه معنى شدة البحث والطلب لشيء ثمين

ص: 470

لكن في غير محله.

أما المثل الآخر فهو يصور الشخص الحيران، الذي لا يهتدي إلى طريق، ولا يدري موقع رشده، ولا أين يتجه فهو في عمى تام من أمره.

3-

حالهما مع الماء:

في مثل السراب تصوير لحال من يعرف قيمة الماء، ويحس بالحاجة إليه ويطلبه ويبحث عنه، لكنه ضل في معرفته واتبع شبهه الخادع.

أما الآخر فهو مغمور بالماء، إلا أنه ماء مالح لا يناسبه، لا يروي عطشه بل يزيده، ويقتله.

والمطر والماء العذب يُشَّبه بالعلم والإِيمان، وضده الماء المالح المتغير يشبه بالجهل والأوهام والعقائد الباطلة.

فالأول إذاً يعرف قيمة العلم والإِيمان ويتعطش له، لكنه يطلبه من غير محله ويتبع الشبه الخادع.

والثاني مغمور بالجهل والأوهام والعقائد الضالة لا يستطيع منها خلاصاً.

ثالثاً: التعقيب على المثل الأول بقوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} وعلى المثل الثاني بقوله: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} مناسب لكل منهما.

فالأول عنده أصل التعبد للَّه، ويطلب الحق، ويعمل لما يتوصل إليه

ص: 471

بسعيه، لكن عمله ضال باطل إذ لم يأخذه من مصدره الصحيح من مشكاة النبوة، وإِنما صُرف عنه بشبهات لاحت له ظنَّها علماً ويقيناً، كما حسب الظمآن السراب ماء. وما دام أنه يتعلم ويعمل ويظن أنه يحسن صنعاً، ويرجو ثواباً، فناسب أن يذكر الحساب في ختام المثل.

أما الآخر فليس عنده شيء من العلم باللَّه أو التعبد له، فهو في جاهلية وظلمة مطبقة، وهذا حال الكافر الخالص المستكبر عن عبادة اللَّه، المعرض عما جاء به المرسلون.

وهذا النوع في جهل تام وظلمة مستحكمة، قد بعد جداً عن نور اللَّه، الذي يشبه - بالنسبة له - الشمس التي حال دونها السحاب وظلمة الأمواج، وقد يكون في تلك الظلمات يتطلع إلى نور يأتيه، إلا أنه لن يجده، إذ أن مصدر النور هو الشمس التي فوق السحاب، وقد حيل بينه وبينها، فلن يجد نوراً من غيره.

وكذلك مصدر نور العلم والإِيمان - الذي هو الوحي وهداية اللَّه - قد أعرض وبعد عنه. فناسب أن يختم المثل بقوله: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .

خلاصة التأمل في السياق وألفاظ المثلين:

مما تقدم يتبين أن المثلين يبينان حال فريقين من الكفار مع العلم والإِيمان.

ص: 472

فالمثل الأول: يصور حال من يعرف أهمية العلم والإِيمان، ويبحث عنه، إلا أنه أعرض عن مصدره وهو الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وطلب المعرفة والإِيمان من غير محله، مع أنه في وسط مستبصر لدلالة كون الشمس مشرقة في المثل.

ويدخل في ذلك من طلب القربة إلى اللَّه بوسيلة غير مشروعة لم يدل عليها العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو لاهث خلف السراب.

وهذا النوع من الكفار الذين يكونون بين المسلمين، وقد يؤمنون باللَّه، وينطقون بالشهادتين، ويصدّقون بالرسول صلى الله عليه وسلم، كفروا بسبب إعراضهم عن تلقي العلم من الوحي، واستمدادهم علومهم من مستنقعات الجاهلية، وممارستهم أعمالاً يظنونها قربة أو وسيلة صحيحة، وهي تؤدي بهم إلى الشرك والكفر.

وهذا وصف مجمل يدخل تحته أفراد كثيرون.

فمن أفراده من انتسب إلى المسلمين ثم أعرض عن كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وطلب معرفة ربه ومسائل الإِيمان بميراث الفلاسفة، فكذّب بصريح الكتاب والسنة، ولهث خلف الشبهات التي يظنها بينات ودلائل قاطعات، فأوقعه ذلك في الكفر والضلال.

ومن أفراده من دخل في الإِسلام إلا أنه طلب العلم واليقين من طريق الكشف والفيض وأعرض عن الوحي، فوقع في الكفر والضلال، ولهث خلف الأوهام والظنون ووحي الشياطين، فهو يشبه من طلب

ص: 473

السراب يحسبه ماء.

ومن أفراده من طلب القربة بأسباب كفرية أو شركية، فتقرب إلى اللَّه بما لم يأذن به، بسبب جهله، وطلبه العلم من غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله من لجأ إلى غير اللَّه، وتوكل عليه، وطلب منه جلب النفع أو كشف الضر، وصرف له العبادة، وهو يظن أن ذلك مشروع، وأنه يحسن صنعاً، وهو في الحقيقة لاهث خلف السراب، قد بطل عمله، ووهن سببه.

وأفراد هذا النوع كثيرون، يجمعهم كونهم في وسط مستبصر، توفرت لهم أسباب العلم الصحيح، ومعرفة الدين القويم، قد أشرقت الشمس من حولهم، ولديهم نهمة وطلب لما ينفعهم من العلم والعمل، إلا أنهم تنكبوا الصراط، وساروا خلف الأوهام والشبهات والسراب، فكفروا باللَّه بإعراضهم عن دينه الحق، وعملهم على غير هدى، وحبطت أعمالهم فلا ينتفعون منها بشيء، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ويصدق ذلك على كل من وقع في أمور مكفرة ممن ينتسب إلى الإِسلام بسبب إعراضه عن الوحي وتتبعه للشبهات.

والمثل الثاني: يصور حال الكافر الخالص الذي أعرض عن الوحي وكذب المرسلين، فحجب تكذيبُه عنه نورَ العلم الإلهي، كما حجب السحاب وظلمة الأمواج ضوء الشمس، فهو في ظلمات مستحكمة، قد بَعُد عن العلم الصحيح بُعْد الممثّل به عن ضوء الشمس، وبَعُد عن الإِيمان

ص: 474

بُعْدَه عن الماء العذب.

وأفراد هذا المثل متعددون بتعدد أنواع الكفار المكذبين الجاحدين.

فحال الفريق الأول مع العلم والإِيمان أنهم طلبوه في غير محله وضلوا عنه، وعملوا على غير هدى، ولم يجنوا من سعيهم نفعاً.

أما الفريق الثاني، فإنهم أعرضوا عن العلم والإِيمان، ولم يرفعوا به رأساً، وردوه من البداية، ولم يروا للَّه حقاً، فهم غارقون فيما هم فيه من الكفر والضلال والظلمات.

ص: 475

‌المطلب الثاني: أهمية المثلين

.

تبرز أهمية المثلين في التعقيب بهما على المثل السابق لهما في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} الآية، حيث إنهما سيقا لزيادة تأكيد المعنى والغرض الذي قرر في سياق المثل، وهو:

بيان أن العلم النازل بالوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو الطريق الوحيد لحصول الإِيمان، ومعرفة الحقائق، وأن المؤمنين إِنما استنارت قلوبهم، وصلحت أعمالهم وأحوالهم به، وأنه لا طريق لحصول ذلك سواه.

وهذان المثلان يؤكدان هذا المعنى ببيان حال الضد، حيث يقرران أن من ضل من الكفار أياً كان نوع كفره فمرد كفرهم إلى الإعراض أو مخالفة العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم في الجملة ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: من طلب العلم والإِيمان عارفاً بأهميته، إلا أنه طلبه من غير محله، فضلّ ولم ينتفع من سعيه بشيء.

القسم الثاني: من كذّب الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرض عما جاء به، ولم ير للَّه حقاً، وبقي غارقاً في كفره وضلاله.

فهذه الأمثال متظافرة على تقرير حقيقة هامة، هي:

بيان أن سبب الهداية الأهم، وطريقها الأوحد، هو تعلم ما أنزل اللَّه من الهدى والنور في كتابه المبين، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم والعمل به.

وأن سبب الضلال الأهم هو والإِعراض عن ذلك والجهل به.

ص: 476

فالمثل الوارد في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} يبين أصول الهداية وأسبابها والمثلان الآخران يبينان أصول الضلال وأسبابه كما سيأتي بيانها عند دراسة المثلين.

ولهذا المعنى أهمية عظيمة حيث تضع هذه الأمثال أمام الإِنسان الطريق واضحاً، وذلك أنها تبين فضل من اهتدى، ونعمة اللَّه عليه في ذلك، وأن سبب ذلك من نفسه وهو سلوكه الصراط المستقيم، وتصديقه بما نزل من الوحي والاهتداء به.

وتبين حال من ضل، وما ينتظره من عذاب اللَّه، وأن اللَّه أضله بسبب من نفسه حيث انحرف أو أعرض عن مصدر النور والهداية وهو العلم بالوحي.

فلهذه الأمثال إسهام هام في بيان مسألة الهداية والضلال، التي تبحث عادة في موضوع القدر.

خلاصة هذا المبحث:

تبين مما تقدم أن المثلين ضُربا لبيان حال فريقين من الكفار مع العلم والإِيمان، وأن حال الكفار بالجملة تعود إلى أحد هذين الفريقين:

الفريق الأول: من يعيش بين المسلمين، وينتسب إلى الإِسلام ويعرف أهمية العلم والإيمان، ويبحث عنه، إلا أنه أعرض عن مصدره وهو الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وطلب العلم من غيره، بشبهة خادعة كاذبة، فأوقعه سعيه الضال في الكفر أو الشرك، وطلب القربة إلى اللَّه

ص: 477

بأسباب لم تشرع من جنس البدع الشركية أو الكفرية.

الفريق الثاني: الكفار الخالصون، المستكبرون المعرضون عما جاء به المرسلون، ليس عندهم شيء من العلم باللَّه، أو التعبد له، فهم في جاهلية عمياء وظلمة مطبقة.

كما تبين أهمية هذين المثلين، وأنهما يسهمان في تقرير الحقيقة التي تقدم بيانها في المثل الأول:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} وهي: أن طريق الهداية وسببها الأوحد هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به من العلم والاهتداء به والاستغناء به عن غيره.

كما يدلان على أن الهداية والضلال إِنما هما من اللَّه بأسباب تكون من العباد.. واللَّه أعلم.

ص: 478

‌المبحث الثالث: _25d8_25af_25d8_25b1_25d8_25a7_25d8_25b3_25d8_25a9 _25d8_25a7_25d9_2584_25d9_2585_25d8_25ab_25d9_250518718d45

‌المطلب الأول: نوع المثَل

المطلب الأول: نوع المثَل.

نوع المثَل من جهة القياس: هو قياس تمثيلي، يقوم على تشبيه حال أعمال الكفار، بحال الساعي نحو السراب، ومقايسة هذا بهذا، وإلحاق أحكام الممثّل به بالممثّل له.

ونوعه من جهة الممثّل به: هو تمثيل مركّب حيث شبّه الممثّل له، وهو مصير أعمال الكفار، وما يتصل بها، وحال عمالها، بصورة واقعية مكونة من الهيئة الحاصلة من حال اللاهث وراء السراب وما يلابس هذه الحال، ويحيط بها وما تستلزمه.

ص: 480

‌المطلب الثاني: تعيين الممثّل به

.

إن الصورة التمثيلية المبرزة للتأسي بها والقياس عليها لا تقتصر على الألفاظ الواردة في المثل، بل إنها تشمل المعاني المستنبطة من الحال المصورة لكونها لازمة لها.

ولتجلية صورة الممثّل به أستعرض أولاً ألفاظه مع الإِشارة إلى المعاني المستنبطة من كل منها:

السراب: " ما تراه نصف النهار كأنه ماء".1 أو:

" ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار على صورة ماء"2.

والتفسير العلمي لظاهرة السراب هو:

ما يُرى في الصحراء من لمعان يشبه الماء نتيجة لأشعة الشمس المنعكسة انعكاساً كلياً، عند مرورها وانكسارها في طبقات الهواء المختلفة الكثافة بسبب اختلاف درجات حرارتها وذلك في الصيف عند اشتداد الحرارة.3

1 انظر: ترتيب القاموس المحيط، (2/543) ، عيسى البابي وشركاه، الطبعة الثانية.

2 فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني، (4/38) .

3 انظر: كتاب الفيزياء، المرحلة الثانوية، الصف الثاني، ص (50، 51) الرئاسة العامة لتعليم البنات، بالمملكة العربية السعودية (1415هـ) .

والمعجم العلمي المصور، ص (372) ، إصدار قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالاتفاق مع دائرة المعارف البريطانية، دار المعارف القاهرة، الطبعة الأولى، (1963م) .

ص: 481

ويستنبط من التشبيه بالسراب: إشراق الشمس، وذلك أن السراب لا يكون إلا والشمس مشرقة قد اشتد حرها، كما دل على ذلك حدّه العلمي واللغوي.

فالصورة التمثيلية الممثّل بها تكون في وضح النهار، عند اكتمال بزوغ الشمس، واشتداد حرها.

القيعة: "جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضاً واحد القيعان وهي الأرض المستوية المنبسطة "1.

"والقاع أرض واسعة سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام"2.

ويؤخذ من دلالة هذا اللفظ شدة حاجته إلى الماء، وأن حياته متوقفة عليه، لأنه بأرض هلكة، فإذا لم يجد الماء فهو هالك.

يحسبه: أي يظنه.

حَسِبَ، يَحْسَبُ (كرغِب، يرْغَب) : أي ظن يظن.

"حَسِبْت الشيء: ظننته. أحسِبُه، وأحسَبُه، والكسر أجود

1 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (3/296) .

2 تهذيب اللغة، (3/33) .

ص: 482

اللغتين"1.

وقد يستنبط من هذا أنه اتبع ظنه ولم يتأمل في السراب الذي رآه ويتثبت منه، بل جرى نحوه بمجرد أنه لاح له.

الظمآن: العطشان2.

وتخصيص الظمآن بحسبان السراب ماءً - مع أن الريان يتراءى له السراب كأنه ماء- فيه إشارة إلى أمرين:

الأمر الأول: أن الممثّل به محتاج إلى الماء حاجة شديدة لشدة عطشه، لدلالة لفظ صيغة المبالغة (ظمآن) على ذلك.

الثاني: وجود الدافع لطلب السراب عند الظمآن، وهو الحاجة إلى الماء، وذلك أن الريان، لا يوجد لديه دافع لطلبه، والعالم بحقيقة السراب يمنعه اليأس منه وإنما يندفع إليه من هو محتاج إلى الماء وهو جاهل قليل المعرفة والبصيرة.

قوله: {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} .

الهاء في قوله: {لَمْ يَجِدْهُ} يعود على السراب. والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن الموضع الذي رأى السراب فيه، لم يجد السراب شيئاً.3

1 تهذيب اللغة، (4/331) .

2 جامع البيان لابن جرير، (9/333) .

3 انظر: جامع البيان لابن جرير، (9/333) .

ص: 483

وهذا يدل على خيبة المسعى، وعدم الانتفاع منه بشيء في وقت هو بأشد الحاجة إليه، ووقوعه في الهلكة، وانكشاف الحق بخلاف ما كان يظن ويؤمل.

قوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} .

هذا البيان يتعلق بالممثّل له، وسوف يأتي بيانه في المطلب القادم.

إلا أنه يشير إلى أمر في الممثّل به، وهو هل يتوجه إليه اللوم في ما حصل له كاملاً أو أنه معذور، أو أنه ملوم باعتبار معذور باعتبار، فلأجل اختلاف أحوال اللاهثين خلف السراب جاء بيان المحاسبة بألفاظ تصلح لكل الأحوال، ومؤاخذة كل بما يستحق، فقال:{فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} .

خلاصة حال الممثّل به:

تبين من دراسة ألفاظ الممثّل به أن اللَّه عز وجل ضرب مثلاً لأعمال نوع من الكفار بسراب لاح لشخص في صحراء منبسطة قاحلة، في رائعة النهار، والشمس كأشد ما تكون إضاءة وحرارة، وقد اشتد عطشه وقويت حاجته إلى الماء، فظن ذلك السراب ماء، فجرى نحوه، فلما وصل المكان الذي تراءى له فيه لم يجد ماء ولا شيئاً، ولم يغن عنه سعيه، ولا ظنه في إنقاذه من الهلكة، وباء بالخيبة، ولم يسلم من المؤاخذة.

والممثّل به يشتمل على أمرين:

الأول: بيان بطلان نتيجة السعي، وأنه لا حقيقة له نافعة، ولا

ص: 484

حاصل منه، لكونه لم يقع في محله.

الثاني: بيان السبب الذي أدى إلى هذه النتيجة المؤلمة، وهو جهل هذا المقتحم للصحراء بحالها، وما ينبغي لمن دخلها أن يستعد به من الماء ومعرفة مصادره، وكيفية استخلاصه منها، ومعرفة ما يحصل فيها من المخاطر والأمور الخادعة كالسراب، ونحو ذلك.

فجهله وضعف بصيرته هو الذي جعله ينساق بسرعة وراء الشبه الخادع، فلم يغن عنه حسن ظنه، ولا شدة سعيه شيئاً، وأوقعه جهله في المهالك.

ص: 485

‌المطلب الثالث: تعيين الممثّل له

.

لم يرد في ألفاظ المثل مما يتعلق بالممثّل له إلا قوله في بداية المثل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ} وقوله في ختام المثل: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أما بقية حال الممثّل له فلم تُذكر اكتفاء بدلالة الممثّل به عليها، وترك الأمر للسامع للاستدلال عليها.

"وفي هذا المثل الرائع يظهر لنا من خصائص الأمثال القرآنية صدق المماثلة بين المثل والممثّل له، ويظهر لنا أيضاً عنصر البناء على المثل والحكم عليه كأنه عين الممثّل، على اعتبار أن المثل كان وسيلة لإحضار صورة الممثّل له في ذهن المخاطب ونفسه.

وإذا حضرت صورة الممثّل له حسن طي المثل، وهذا ما يلاحظه في قوله:{وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} بعد قوله: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} .

فالنص ينتقل بشكل مفاجئ من المثل إلى الممثّل له، ويأتي ترتيب النتيجة المقصودة على المثل كأنه عين الممثّل له.

ويظهر لنا أيضاً من الخصائص حذف مقاطع من الصورة التمثيلية اعتماداً على ذكاء أهل الاستنباط، وكذلك حذف مقاطع من الممثّل له.

ففي المثل أبرزت صورة السراب، ثم صورة الظامئ الذي ظنه ماءً

ص: 486

ثم خيبته عند وصوله إليه، وحذف ما عدا ذلك لأن الخيال يتم رسمها.

وفي الممثّل له لم يذكر إلا عمل الذين كفروا، وطوى ما عدا ذلك، لأن الفكر قادر على أن يستدعيه، وهذا من بلاغة القرآن"1.

وإذا كان الأمر كذلك فيمكننا بالتأمل والقياس على الممثّل به استخلاص حقيقة الممثّل له.

وقد تقدم الإِشارة إلى شيء من ذلك عند دراسة الغرض الذي ضرب له المثل في المبحث السابق.2

وسوف أكتفي بإيراد خلاصة ما تم بحثه هناك، واستكمال ما لم يبحث.

فأساس الممثّل له هو أعمال صنف من الكفار التي تشبه السراب بتلك الصورة التمثيلية المركبة.

وذلك مستفاد من قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} .

قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ} :

تقدم أن المراد صنف من الكفار، الذين انتسبوا إلى الشرائع السماوية، ويزعمون أنهم أتباع الأنبياء، إلا أنهم طلبوا العلم والإِيمان

1 أمثال القرآن، وصور من أدبه الرفيع، عبد الرحمن حسن حبنكه، ص (132- 133) .

2 انظر ص (492) وما بعدها.

ص: 487

والقربة إلى اللَّه في غير ما جاء به الأنبياء فاتبعوا الشبهات والمتشابهات، وركنوا إلى عقولهم وإلى ميراث الفلاسفة الضالين، ووقعوا في الشرك والبدع المهلكة.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن مثل السراب إنما هو لهذا النوع من الكفار - من كفر ممن ينتسب إلى الشرائع السماوية - وذلك في حديث طويل، قال فيه صلى الله عليه وسلم:

" فَيُدْعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّه. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ: لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّه فَيُقَالُ: لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَيُقَالُ: لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ...."1.

والذي يهمنا - لهذه المسألة - من دلالة هذا الحديث فائدتان:

1 متفق عليه، واللفظ لمسلم، البخاري: كتاب التفسير، باب: إن اللَّه لا يظلم مثقال ذرة، ح (4581) ، الصحيح مع الفتح، (8/249)، ومسلم: كتاب الإِيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ح (183) الصحيح ت: محمد عبد الباقي، (1/167) .

ص: 488

الفائدة الأولى: أن اللَّه عامل اليهود والنصارى في الآخرة بجنس ما كانوا عليه في الدنيا، وذلك أنهم قد تعلقوا بالأوهام والباطل وعبدوا غير اللَّه، فعملهم في الدنيا كالسراب الذي لا حقيقة له.

وأظهر اللَّه لهم جزاءهم الذي يستحقونه على شركهم مثل السراب، حيث تمثلت لهم النار كالسراب فظنوه ماءً فجروا نحوها ووقعوا فيها. وهذا يدل على أن حال الكفار وسعيهم وعملهم في الدنيا يشبه السراب، وحالهم في الآخرة وجزاءهم هو النار التي تشبه لهم بالسراب، والجزاء من جنس العمل.

الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى ممن ينتسب إلى الأديان السماوية، ويدَّعِي الإِيمان باللَّه، ويتقرب إليه، لكن بدون إخلاص واتباع لما نزل من عنده من العلم، وكذبوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فكفروا بذلك.

وهذا يؤيد أن المراد بالمثل هم الذين كفروا باللَّه - ممن ينتسب إلى الأديان السماوية - بسبب إعراضهم عن العلم بالوحي واتباعهم للشبهات الباطلة، والظنون السيئة، كما قال سبحانه عنهم:

{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى} 1.

وقد استدل بعض المفسرين2 بهذا الحديث وأشباهه في سياق تفسير

1 سورة النجم الآية رقم (23) .

2 منهم ابن كثير في تفسير القرآن العظيم، (3/296) ، والشوكاني في فتح القدير، (4/43) .

ص: 489

المثل على اعتبار أن هؤلاء ممن يصدق عليهم المثل.

والكفر الذي يشبه السراب الذي وقع فيه هذا الصنف من الكفار هو الذي يكون بسبب الإعراض عن تعلم الهدى الرباني والإعراض عنه إلى غيره بسبب الشبهات، فتعلموا علوماً واعتقدوا معتقدات، وعملوا أعمالاً من الجهالات والضلالات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فيصدق فيهم قول اللَّه عز وجل:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 1.

أما من كان من أهل الإِيمان الصحيح ووقع في المعاصي والذنوب التي لا يعتقد جوازها ولا القربة بها فإِنه غير داخل في حكم المثل.

وذلك أن هذا الصنف لا يرى عمله قربة، ولا يظنه خيراً، والمثل دل على أن طالب السراب يحسبه ماء، بل أهل المعاصي الذين لا يستحلونها يعلمون حرمتها، ويخافون حوبها فلا تصدق عليهم دلالة المثل.

وسوف يأتي - إن شاء اللَّه - مزيد بيان لهذا الصنف من الكفار عند دراسة الفوائد المستفادة من المثل.

قوله: {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} .

المراد بأعمال الكفار هي: كل عمل يعملونه بقصد القربة إلى اللَّه،

1 سورة الكهف الآيتان رقم (103-104) .

ص: 490

مع ظنهم أنهم على شيء، وأن عملهم مقبول عند اللَّه ويرجون ثوابه.

ويشمل ذلك العلوم التي يتعلمونها من غير الكتاب والسنة وينسبونها إلى دين اللَّه وتوحيده أو شريعته.

كما يشمل العبادات التي يتقربون بها إلى اللَّه، وهي خالية من التوحيد، متلبسة بالشرك، أو جارية على خلاف الشريعة.

وفي العموم كل الأعمال والأقوال والمعتقدات التي يدينون بها وهي باطلة لم يأذن بها اللَّه فيما أنزل من وحيه على عباده فهي داخلة في حكم هذا المثل، فهي كالسراب لا حقيقة لها، ولن يجدوا لها ثواباً مهما كانت دوافعهم، وسوف يؤاخذون ويحاسبون على ذلك.

والسراب كما دل عليه تعريفه هو اللمعان الذي لا حقيقة له، ويقابله في الممثّل له أعمال الكفار فإنها تعجب عامليها في الدنيا ويؤملون عليها الخير والنجاة، إلا أنه لا يحصل لهم شيء من ذلك يوم القيامة عندما تشتد حاجتهم إليها.

ويستنبط من التشبيه بالسراب ضرورة كون الشمس مشرقة كما تقدم.

وهذا يقابله في الممثّل له أن هذا النوع من الكفار بَلَغَتْهُم الرسالة وهم في وسط يدين أهله بالدين الحق، وقد يكونون ممن أسلم وآمن باللَّه والرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنهم طلبوا الهدى في غير ما جاء به، وتقربوا إلى اللَّه بغير شريعته، فشمس النبوة ساطعة حولهم وعليهم، ومع ذلك تبعوا الشبهات

ص: 491

وجروا خلف السراب.

قوله: {بِقِيعَةٍ} .

تقدم أن القيعة: جمع قاع، وهي الأرض المنبسطة، في الصحراء والمفاوز.

ويستفاد من ذلك أنه في أرض مهلكة، شديد الحاجة إلى الماء الذي به نجاته.

ويقابلها في الممثّل له: شدة حاجة الذي شبهت حاله بالسراب إلى العلم والإِيمان في الدنيا، وإلى جزاء أعماله في الآخرة، وسوف لن يجد ثمرة عمله في وقت هو أحوج ما يكون إليه يوم القيامة عند الحساب.

قوله: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً} .

{يَحْسَبُه} : أي يظنه، كما تقدم.

ويقابله في الممثّل له أن هؤلاء الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب إنما اتبعوا الظن، وأعرضوا عن مصدر الحق واليقين، وهو العلم الذي جاء به المرسلون.

وقد بين اللَّه تعالى أن اتباع الظن من أسباب الضلال والإعراض عن الهدى، وسوف أذكر الآيات الدالة على ذلك عند الكلام على الفوائد المستفادة من المثل - إِن شاء اللَّه -.

قوله: {الظَّمْآن} : هو شديد العطش كما تقدم.

ص: 492

ويقابله في الممثّل له: حاجة المضروب لهم المثل للعلم والإِيمان وإدراكهم لأهميته لهم، وأنه لازم لنجاتهم، فعندهم أصل الرغبة في الخير، وحسن القصد، لكن ذلك لا تصح به الأعمال ما لم تكن موافقة لما هدى اللَّه به العباد في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

قوله: {مَآءً} : الماء هو السائل المعروف، الذي يروي من العطش، وجعله اللَّه سبباً في بقاء الحياة، {وَجَعَلْنَا مِنْ المَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} 1.

ويقابله في الممثّل له: الإِيمان والعلم، فهما اللذان يرويان عطش القلوب، وبهما تكون حياتها، ويستحق بهما العبد الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة.

ويتحصل من ذلك: أن هذا الصنف من الكفار لديهم نهمة في العبادة، ورغبة في التدين، أو في تحصيل العلوم الإلهية، إلا أنهم ضلوا السبيل في معرفتها، أو أُضِلُّوا عنه، فوقعوا في الكفر بسبب ذلك.

وفي هذا دليل على أنه لا تنفع الرغبة في الخير، أو حسن القصد ما لم يسلك الطريق الصحيح.

وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المعنى عند ذكر فوائد هذا المثل - إِن

1 سورة الأنبياء الآية رقم (30) .

ص: 493

شاء اللَّه -.

قوله: {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} .

يدل على أن الممثّل به قصد السراب وطلبه.

كما يدل على أنه لم يجد حقيقة لما رآه، وظنه ماء.

وأنه لم يزد على أن يكون بريقاً كاذباً خادعاً.

وهذا يقابله في الممثّل له أمران:

1-

البحث والطلب عند أولئك الكفار الذين ضرب لهم المثل لما ظنوه حقاً في باب العلم والإِيمان، والعمل فيما ظنوه قربة من الأعمال.

2-

أنهم لن يجدوا لسعيهم جزاءً عند لقاء اللَّه في موقف الحساب، الذي يعمل له العاملون، وذلك أنه عمل وسعي باطل لا حقيقة له.

قوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} .

تقدم أن هذه الجملة متعلقة بالممثّل له، حيث ينتقل الكلام من المثل إلى الممثّل له ويرتب الحكم المقصود على المثل وكأنه عين الممثّل له.

وهذا من خصائص أمثال القرآن الكريم التي تكررت في أكثر من مثل، وهذه الخاصية هي:

"البناء على المثل، والحكم عليه كأنه عين الممثّل له، على اعتبار أن المثل كان وسيلة لإِحضار صورة الممثّل له في ذهن المخاطب ونفسه، وإذا

ص: 494

حضرت صورة الممثّل له ولو تقديراً، فالبيان البليغ يستدعي تجاوز المثل، ومتابعة الكلام عن الممثّل له، وتسقط صورة المثل لتبرز القضايا المقصودة"1.

وهذه الجملة من الآية وهي قوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} .

والتي قبلها وهي قوله: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تتضمنان حكم اللَّه في هذا النوع من الكفار وأعمالهم.

فحكم اللَّه على أعمالهم في قوله: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} أنها باطلة لا ثواب لها مهما كانت دوافعها ما دامت غير موافقة لما شرع، واستمدت من غير ما أنزل من الوحي على رسل اللَّه.

وحكمه سبحانه عليهم بقوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} فيه بيان بأن اللَّه سوف يؤاخذهم على إعراضهم عن الإِيمان والعلم الحق الذي جاء به الكتاب المبين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ونظراً لاختلاف هذا الصنف في دوافعهم وأسباب كفرهم، إذ منهم الأئمة الداعون إلى الضلال، ومنهم المقلدون، ونحو ذلك لم يحدد سبحانه عقاباً بعينه يعم هذا الصنف، بل بين ذلك بلفظ عام يوحي بأن كل نوع

1 أمثال القرآن، وصور من أدبه الرفيع، د. عبد الرحمن حسن حبنكه، ص (135) .

ص: 495

سيأخذ ما يستحقه من الحساب والجزاء الموافق لحاله وأسباب ضلاله.

خلاصة وصف الممثّل له:

من ألفاظ المثل المتعلقة بالممثّل له، ومن مقايسته على الممثّل به، تبين أن هذا المثل ضرب لبيان حكم أعمال صنف من الكفار، وجزائهم عليها.

هذا الصنف من الكفار تميزوا بأنهم من المنتسبين إلى الإِسلام، ويدَّعون الإِيمان باللَّه ويطلبونه، دل على ذلك كون السراب لا يكون إلا والشمس مشرقة، فالنور قد غمرهم، وهم قد ضلوا بإعراضهم عن الإِيمان الحق الذي دل عليه كتاب اللَّه المحفوظ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وطلبوا ذلك من مستنقعات الضلال. فهم يتعلمون ويعملون لكن على غير هدى.

فدل المثل على حكم أعمالهم وأنها باطلة، كما أن صاحب السراب لم يجده شيئاً، والحكم عليهم بأن كلاً سوف يلاقي جزاءه المناسب لحاله وأعماله.

ص: 496

المطلب الرابع: الفوائد المستنبطة من المثل:

تضمن المثل العديد من الفوائد، من أهمها:

الفائدة الأولى: دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار.

الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن.

الفائدة الثالثة: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات.

الفائدة الرابعة: دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة.

الفائدة الخامسة: دلالة المثل على اختلاف دوافع، وحساب الضالين الذين شبهت أعمالهم بالسراب.

ص: 497

الفائدة الأولى: دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار.

تقدم1 أن هذا المثل فقرة في مضمار تأكيد أن العلم النازل من اللَّه المدلول عليه بالوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الطريق للهداية.

وأن الإعراض عنه بأي شكل من الأشكال، ولأي دافع من الدوافع هو السبب في الضلال.

وهذا المثل يدل بوضوح على أن سبب ضلال الممثّل به - صاحب السراب - وخيبة مسعاه هو تطلب الماء من الشبه الكاذب الخادع وضلاله عن مصدره الصحيح.

وكذلك الممثّل له - كما يقتضيه الاعتبار والقياس - سبب كفره وضلال عمله هو تطلبه العلم والإِيمان من مصادر ضالة خادعة لاحت له فظنها حقاً، وأعرض عن مصدر الهدى الصحيح وهو العلم بالكتاب والسنة.

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن تمام ذلك أن يعرف أن للضلال تشابهاً في شيئين: أحدهما: الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني: معارضته بما يناقضه، فمن الثاني الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة.

1 انظر ص (282) .

ص: 498

فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإِيمان باللَّه واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه، سواء اعتقد ذلك بقلبه، أو قاله بلسانه.

وهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء من أهل الجهل المركب، الذين أعمالهم كسراب بقيعة"1.

وقال ابن القيم رحمه الله: "

القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به والظلم باتباع أهوائهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى} 2.

وهؤلاء قسمان: أحدهما: الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء إلا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً

.

فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله بسراب يراه

1 درء تعارض العقل والنقل، (5/376 -377) .

2 سورة النجم الآية رقم (23) .

ص: 499

المسافر في شدة الحر فيؤمه فيخيب ظنه ويجده ناراً تلظى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب.."1.

وقال أيضاً - في حال من لم يأخذ علومه من الوحي -:

".. ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 2، وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير اللَّه عز وجل، أو على غير سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال، وكناسة أفكارهم، فأتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال والانتصار لهم، وفهم ما قالوه وبثه في المجالس والمحاضر، وأعرضوا عم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صفحاً، ومن به رمق منهم، يعيره أدنى التفات طلباً اجاءللفضيلة. وأما تجريد اتباعه وتحكيمه وتفريغ قوى النفس في طلبه وفهمه وعرض آراء الرجال عليه ورد ما يخالفه منها وقبول ما وافقه

فهذا أمر لا تكاد ترى أحداً منهم يحدث به نفسه

1 اجتماع الجيوش الإِسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص (9-10) .

2 سورة الكهف الآيتان رقم (103-104) .

ص: 500

فضلاً عن أن يكون (بغيته) ومطلوبه"1.

قوله: "ومَنْ به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلباً للفضيلة":

يدل على أن هؤلاء الذين وصفهم منتسبون للإِسلام معظمون للقرآن والسنة، ويقرؤونها طلباً للأجر والبركة تارة، وتارة يزخرفون بها باطلهم، ويلبسون الحق بالباطل.

كما يدل على إن إعراضهم هو إعراض عن تعلمه والاهتداء به، وليس إعراض التكذيب.

وهذا الإِعراض سببه الخوض في علوم الأمم الجاهلية المتقدمة، ومسايرتهم في الحيرة وتتبع الشهبات، وهذا من أصول ضلال من ضل من المنتسبين إلى الإِسلام، والتي بينها اللَّه بقوله:

{وَعَدَ اللَّه المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّه وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوآ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوآ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ} 2.

1 اجتماع الجيوش الإِسلامية، ص (25) .

2 سورة التوبة الآيتان رقم (68-69) .

ص: 501

قوله سبحانه: {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الآية، دليل على أنه نتجعن استمتاعهم بخلاقهم وخوضهم كفرهم وحبوط أعمالهم. كما قال سبحانه في الآية الأخرى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} 1.

فهذه الآيات تبين أن سبب الكفر والضلال بعد الهدى أمران:

أحدهما: الخوض في الشبهات، والثاني: الاسترسال مع الشهوات المحرمة والذي قد يؤدي إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدين: إمّا أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق.

والأول: هو البدع ونحوها. والثاني: فسق الأعمال ونحوها.

والأول: من جهة الشبهات. والثاني: من جهة الشهوات"2.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية -: "ما أشبه الليلة بالبارحة {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، هؤلاء بنو إسرائيل،

1 سورة المنافقين الآية رقم (3) .

2 اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، (1/102-103) .

ص: 502

شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده، لتتبعنّهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه"1.

وكلام ابن عباس رضي الله عنهما يدل على معنى دقيق وهو الربط بين الآية وما ورد من النهي عن التشبه بالأمم السابقة في إعراضهم عما نزل عليهم من ربهم من الهدى واتباعهم للأمم الجاهلية، وخاصة الفلاسفة، وقد نهوا عن ذلك وحذروا أشد التحذير، قال تعالى:{قُلْ يَآ أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوآ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَآءِ السَّبِيلِ} 2.

وقد ورد التحذير الشديد لهذه الأمة من التشبه بأهل الكتاب وغيرهم، سواء كان ذلك باتباعهم وتقليدهم في باطلهم، أو كان باتباعهم بالتشبه بالأمم الضالة الأخرى.

قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لتأخذن كما أخذ الأمم من قبلكم: ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه! ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم القرآن: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوآ أَشَدَّ مِنْكُمْ

1 رواه ابن جرير بسنده، جامع البيان (6/413) .

2 سورة المائدة الآية رقم (77) .

ص: 503

قُوَّةً

} الآية، قالوا يا رسول اللَّه، كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟ "1.

ومن هذا يتبين أن الضلال الناتج عن التشبه بالأمم الضالة اليهودية أو النصرانية أو الفارسية أو غيرها نوعان:

الأول: ضلال علمي اعتقادي ينتج عن الإِعراض عما دل عليه الكتاب والسنة، وتطلب العلم واليقين بالخوض فيما عند الأمم الجاهلية من قديم وجديد من علوم الديانات، والفلسفة، والآداب، والنظريات الضالة في علم النفس والاجتماع والسياسة ونحوها.

ومن هذا النوع تظهر البدع والفرق الضالة والمدارس المنحرفة.

وهذا النوع ضُرب له مثَل السراب الذي تجري دراسته في هذا المبحث.

الثاني: الضلال العملي الناتج عن الإعراض عن العمل بما يدل عليه العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والاستمتاع بالخلاق المتمثل بالإخلاد إلى

1 رواه ابن جرير، جامع البيان (6/412) ، وذكره ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (2/368) وقال:"وهذا الحديث له شاهد في الصحيح"، وقد اخترت هذه الرواية لكونها تربط بين الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه بالأمم السابقة وبين الآية.

وشاهده في البخاري ح (7319) ، كتاب الاعتصام.. باب "لتتبعن سنن من كان قبلكم، الصحيح مع الفتح (13/300) .

ص: 504

الأرض واتباع الهوى والشهوات المحرمة.

وهذا النوع ضُربت له أمثال منها مثل الكلب في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الغَاوِينَوَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 1.

ومما تقدم يتبين لنا أن من الأسباب الرئيسة في ضلال من ضل من المنتسبين للإسلام الإعجاب والجنوح إلى تعلم علوم الجاهلين والضُلَاّل عموماً، من كان منهم منتسباً للأديان السماوية، أو الاتجاهات الفلسفية، أو الأديان الوثنية، أو المدارس الأدبية الفكرية.

كذلك من أعرض عن الكتاب المحفوظ وصحيح السنة وزعم أن طريقه إلى العلم هو القياس العقلي أو الكشف والفيض القلبي الصوفي، أو الأئمة المعصومون أو نحو ذلك، فقد فتح لنفسه باباً للضلال.

وكل هؤلاء يصدق عليهم حكم المثل، وهو أنهم اتبعوا شبهات حسبوها علماً وإِيماناً، وهي سراب خادع، نتج عنها حبوط أعمالهم وإفلاسهم يوم القيامة. نعوذ باللَّه من الخذلان.

1 سورة الأعراف الآيتان رقم (175-176) .

ص: 505

سبب الضلال من الإِنسان:

إِن من المتقرر في القواعد الإِيمانية المستفادة من الكتاب والسنة أن الهداية والضلال يكونان بسبب من الإِنسان وفعل من اللَّه العزيز الحكيم، وقد وردت نصوص كثيرة تبين هذه القاعدة.

ففي مجال الهداية، قال اللَّه تعالى:{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} 1.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} 2.

وفي مجال الضلال، قال تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوآ أَزَاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ} 3.

وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} 4.

وقال: {وَيُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّه مَا يَشَآءُ} 5.

وهذا المثل - مثل السراب - بيّن فِعل هؤلاء الكفار الذي فعلوه

1 سورة الرعد الآية رقم (27) .

2 سورة محمد الآية رقم (17) .

3 سورة الصف الآية رقم (5)

4 سورة النساء الآية رقم (155) .

5 سورة إبراهيم الآية رقم (27) .

ص: 506

فاستحقوا ما يناسبه من فعل اللَّه عز وجل، حيث زاغوا عن طريق الهداية، فأزاغ اللَّه قلوبهم.

واللَّه عليم بما العباد عاملون، واقتضت حكمته أن يعامل كلاً بما يستحق، فقدّر عليهم - سبحانه - من أفعاله ما يناسب أفعالهم التي علم أنهم يعملونها، فمشيئة العباد محكومة بمشيئة اللَّه ومشيئة اللَّه مقيدة بمقتضى أسمائه الحسنى من العلم والحكمة، وعدم الظلم، وأن رحمته سبحانه تسبق غضبه. قال تعالى:{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاًوَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَآءَ اللَّه إِنَّ اللَّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} 1.

وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة - إِن شاء اللَّه - في الفوائد المستفادة من المثل في قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ..} .

والمراد هنا هو إبراز أن المثل دل على أن ضلال هؤلاء كان بسبب من أنفسهم حيث أعرضوا عن الكتاب والسنة، وساروا خلف الشبهات، وموارد العلوم الضالة فأضلهم اللَّه.

ولعل من تمام الفائدة أن أختم بكلام لشيخ الإِسلام أحمد بن تيمية

1 سورة الإنسان الآيتان رقم (29-30) .

ص: 507

فأمر بطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء إذا لم يتنازعوا، وهو يقتضي أن اتفاقهم حجة، وأمرهم بالرد عند التنازع إلى اللَّه والرسول، فأبطل الرد إلى إمام مقلد أو قياس عقلي فاسد.

وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّه النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} 1.

فبين أنه بالكتاب يحكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه.

وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ذَلِكُمُ اللَّه رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} 2.

وقال تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 3.

ففرض اتباع ما أنزله من الكتاب والحكمة، وحظر اتباع أحد

1 سورة البقرة الآية رقم (213) .

2 سورة الشورى الآية رقم (10) .

3 سورة الأعراف الآيتان رقم (2-3) .

ص: 509

من دونه.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنْزَلْنَآ عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 1 فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل.

وقال تعالى: {يَآ مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} 2

وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 3.

وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوآ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ} 4.

1 سورة العنكبوت الآية رقم (51) .

2 سورة الأنعام الآية رقم (130) .

3 سورة الإسراء الآية رقم (15) .

4 سورة الزمر الآية رقم (71) .

ص: 510

وقال تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلقِْيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌقَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍوَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} 1.

فدلت هذه الآيات على أن من أتاه الرسول فخالفه فقد وجب عليه العذاب، وإِن لم يأته إمام ولا قياس، وأنه لا يُعذَّب أحد حتى يأتيه الرسول وإِن أتاه إمام أو قياس.

وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ} 2.

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُوَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} 3.

1 سورة الملك الآية رقم (8-11) .

2 سورة النساء الآية رقم (69) .

3 سورة النساء الآيتان رقم (13-14) .

ص: 511

وقد ذكر سبحانه هذا المعنى في غير موضع، فبين أن طاعة اللَّه ورسوله موجبة للسعادة، وأن معصية اللَّه موجبة للشقاوة، وهذا يبين أن مع طاعة اللَّه ورسوله لا يحتاج إلى طاعة إمام أو قياس، ومع معصية اللَّه ورسوله لا ينفع طاعة إمام أو قياس.

ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسنة، وهو أصل الإِسلام (شهادة أن لا إِله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه) وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والإِيمان قولاً واعتقاداً.."1.

وهذا الأصل - الذي بينه شيخ الإِسلام - أصل عظيم من أصول السلامة والسعادة لمن استمسك به، ويضاف إليه معرفة طرق العلوم الضالة ومصادرها ليحذرها ويحذر منها، ومعرفة نواقض الإِسلام2 وخصائص الجاهلية ليكون في مأمن من الانزلاق فيها.3

1 مجموع الفتاوى (19/66-68) .

2 انظر: شرح نواقض التوحيد، لحسن بن علي العواجي.

3 من الكتب النافعة في هذا الموضوع:

- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإِسلام ابن تيمية.

- مجموعة كتب ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كمسائل الجاهلية، وكشف الشبهات وغيرها.

- إغاثة اللَّهفان في مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية.

ص: 512

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أن السبب الأساس في ضلال من ضل ممن ينتسب إلى الشرائع السماوية هو إعراضهم عما أنزله اللَّه إليهم من الهدى والنور وتطلب العلم والإِيمان من غيره، وهذه الفائدة هي الدلالة الأهم التي يبينها المثل بمجموع ألفاظه وصورته المركبة.

وعكس هذا الفائدة هو: أن السبب الرئيسي للهداية هو الاستمساك بكتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونهج السلف الصالح، والحذر الشديد من البدع والمحدثات ومصادر العلوم الضالة، وذلك هو الاعتصام بحبل اللَّه المتين وصراطه المستقيم.

ص: 513

الفائدة الثانية: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن.

ومأخذ هذه الفائدة من قوله سبحانه: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً} . فالممثّل به جرى نحو السراب حيث ظن أنه ماءٌ نافعٌ يروي عطشه وينقذ نفسه من الهلكة بسبب شبه السراب الخادع بالماء.

وكذلك الممثّل لهم - الذين كفروا - ساروا في تطلب العلوم الضالة والأعمال المبتدعة ظانين أنها علومٌ نافعةٌ وأعمالٌ صالحة، تسد حاجتهم من العلم وتقربهم إلى اللَّه، بسبب الشبهات وزخرف القول، فصدق عليهم قول اللَّه عز وجل:{وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ} 1.

وهذا الصنف من الكفار داخل فيمن وصفهم اللَّه بقوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 2.

قال ابن جرير رحمه الله:

1 سورة فصلت الآية رقم (23) .

2 سورة الكهف الآيتان رقم (103، 104) .

ص: 514

"والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن اللَّه عز وجل عنى بقوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} كل عامل عملاً يحسبه فيه مصيباً

وعن طريق أهل الإِيمان به جائر

وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم باللَّه كفرة، من أهل أي دين كانوا.

وقوله: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم اللَّه به بل على كفر منهم به، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك للَّه مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون.."1.

وهذا المعنى - وهو بيان أن اتباع الظن من أسباب الضلال - كثير في القرآن الكريم.

فمن ذلك قول اللَّه تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} 2.

1 جامع البيان في تأويل القرآن، (8/492، 293) .

2 سورة الأنعام الآية رقم (116) .

ص: 515

قال ابن جرير رحمه الله: "فأخبر جل ثناؤه أنهم على ظن عند أنفسهم وحسبان على صحة عزم عليه، وإن كان خطأ في الحقيقة، {وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} يقول: ما هم إلا متخرصون، يظنون ويوقعون حزراً، لا يقيناً"1.

فأخبر - سبحانه - أن أكثر الناس واقعون في الضلال، وأن مستند ضلالهم هو الظن والتخرص، وأن طاعتهم من أسباب ضلال أهل الإِسلام.

ففي الآية تحذير من الجنوح إلى ما عندهم من العلوم، ومن الاغترار بزخرف قولهم، كما أن فيها إرشاداً إلى إعمال العقول في معرفة أصول الأشياء ومستنداتها ليتبين من يقيم أمره على نور وبرهان ممن يقيمه على ظن وتخرص.

وقال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} 2

قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الحَقِّ شَيْئاً} أي أنه: "لا يقوم في

1 جامع البيان، (5/315) .

2 سورة يونس الآية رقم (36) .

ص: 516

شيء مقامه، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين"1.

فالظن وإن صدقه أصحابه واعتقدوه فلن ينفع في تصويب أعمالهم التي لم يستندوا فيها إلى الهدى الذي بينه اللَّه بواسطة رسله.

ولن ينفعهم تصديقهم بهذه الظنون وعملهم بها عند اللَّه، كما لم ينتفع صاحب السراب منه بشيء، وسوف يجازيهم عليها بما يستحقون.

وقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الهُدَى} 2.

وهذه الآية تضيف معنى آخر إلى ما دلت عليه الآيات السابقة، وهو كون الضالين قبلوا تلك الظنون لموافقتها لهوى نفوسهم دون أن يعرضوها على عقولهم ويُنْعِمُوا فيها النظر ليتبين لهم زيغها.

كما دلت الآية على أن الهدى جاءهم من ربهم بواسطة رسله وكتبه، وأنهم أعرضوا عنه إلى الظنون وما تهوى الأنفس، فأوقعهم ذلك في الضلال.

وأخطر الظنون السيئة المردية الظن السّيّئ باللَّه تعالى، والذي مردّه إلى الجهل أو الضلال في باب التوحيد.

فالخلل في معرفة الخالق تبارك وتعالى، أو حكمته وقدره، أو حقه

1جامع البيان، (6/561) .

2 سورة النجم الآية رقم (23) .

ص: 517

على عباده، يوجد سوء ظن باللَّه يتناسب مع هذا الخلل، سواء كان بجهل أسماء اللَّه وما تدل عليه من الصفات، أو جهل بعض تفاصيل القدر وتوحيد الألوهية، أو كان بفهمها فهماً يخالف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.

والظن السيئ دافع إلى الضلال، ومولد لإرادات الشر وخواطره في القلب، وهو منفذ للشيطان لإضلال الإِنسان.

وقد بيّن اللَّه تعالى أن الظن السّيّئ باللَّه - عند طائفة من الكفار - كان سبباً في ضلالهم وهلاكهم، حيث قال سبحانه:{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَوذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخَاسِرِينَ} 1.

فانظر إلى هذا الظن السّيّئ - الناتج عن جهلهم بصفات اللَّه وعلمه المحيط، وهو اعتقادهم أن اللَّه لا يعلم كثيراً مما يعملون - وما نتج عنه من الأعمال الضالة الشريرة التي أركستهم في الضلال والخسران.

وهذا البيان المتكامل في آيات القرآن يؤكد على أن سبيل

1 سورة فصلت الآيتان رقم (22-23) .

ص: 518

الهدى الأوحد هو اتباع كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والتعلم منهما والاكتفاء بهما.

وأن طريق الزيغ والضلال هو الإعراض عنهما، واتباع الظنون وما تهوى الأنفس، والأقيسة الفاسدة، والموارد الضالة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا"1.

ففي هذا الحديث نهي عن العمل بالظن، وإبطال له، حيث قال:

"فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ".

والمراد الظن الذي لا يستند إلى دليل أو بينة حسية أو شرعية.

وهذا الحديث ورد في المعاملات الجارية بين المسلمين، وإفادته للنهى عن العمل بالظن في العقائد والعبادات من باب أولى.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل في قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} دل على أن الظن وما تهوى الأنفس من أسباب الضلال والإعراض عن كتاب اللَّه وسنة

1 متفق عليه، البخاري: كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه، ح (5143) الصحيح مع الفتح (9/198) . ومسلم: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن، ح (2563) الصحيح بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (4/1984) .

ص: 519

رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه السبب في ضلال كثير من الناس، ومن أجل ذلك نهى اللَّه عنه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة بعباده وتحذيراً لهم من هذا السبيل المردي.

ص: 520

الفائدة الثالثة: دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات.

وهذه الفائدة مستفادة من قوله تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً} .

وذلك أن الممثّل به - صاحب السراب - لاح له لمعان يشبه الماء وليس بماء، فجرى نحوه، ولم يجده شيئاً.

وكذلك الممثّل لهم - الذين كفروا - لاحت لهم شبهات ظنوها بينات، فانساقوا نحوها، فأوقعتهم في الضلال والخسران.

والشبهات اصطلاح، من معانيه: ما يكون بينه وبين الحق تشابه من وجه من الوجوه غير مؤثر في إلحاقه به حكماً.

والشبهات أنواع كثيرة، وهي تنقسم في الجملة إلى قسمين.

القسم الأول: ما بينه وبين الحق تشابه في أصل الخلقة أو الوضع.

وهذا القسم اعتبر من المتشابه في أصل الخلق أو الوضع باعتبار أن اللَّه سبحانه خلقها كذلك، أو جعل المتشابه من آيات كتابه، فتنة واختباراً، "ابتلى اللَّه فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يُصْرفن إلى الباطل ولا يُحْرفن عن الحق"1.

1 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (1/345) .

ص: 521

وهذا القسم أنواع:

أ - ما يكون التشابه فيه ظاهرياً مع الاختلاف التام في الحقيقة. ومن هذا النوع التشابه في الشكل والصورة بين الحيوان مثلاً وصورته وتمثاله.

ومنه التشابه الحاصل بين صورة الماء وصورة السراب في عين الرائي.

ب - التشابه في الألفاظ والمعاني العامة المشتركة دون الحقائق والكيفيات. ومن هذا النوع التشابه في اللفظ والمعنى المشترك بين أسماء اللَّه عز وجل والأسماء التي تطلق على بعض خلقه.1

ومن ذلك: التشابه في المسميات بين ثمرات الدنيا وثمرات الجنة ونحو ذلك.2

جـ - المتشابه من الألفاظ التي يخفى علمها على كثير من الناس، ويعلمها الراسخون في العلم، وكثيراً ما يقع في المراد بها خلاف بين الناس بسبب أنها:"تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد"3.

وهذه الأنواع المتشابهة في الألفاظ والمعاني داخلة في مدلول قول

1 انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإِسلام أحمد بن تيمية (الرسالة التدمرية)(3/9، 10، 62-64) .

2 انظر: مجموع الفتاوى (3/28) .

3 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (1/344) .

ص: 522

اللَّه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآ أُوْلُوا الألبَابِ} 1.

قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : "أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يعرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال اللَّه تعالى: {ابْتِغَآءَ الفِتْنَةِ} : أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم.. وقوله تعالى: {وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ} : أي تحريفه على ما يريدون"2.

1 سورة آل عمران الآية رقم (7) .

2 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (1/529) .

ص: 523

وطريقة الراسخين في العلم في المتشابهات: رد اللفظ المتشابه إلى المعنى المحكم والعمل بهما جميعاً، "كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح اللَّه الراسخين وذم الزائغين"1.

د - التشابه بين شيئين في بعض الصفات.

والصفات المشتركة قد تكون مؤثرة فيتشابهان في الحكم، وقد تكون غير مؤثرة فيفترقان، وغالب ما يكون هذا في الأحكام والحلال والحرام.

وهذا النوع هو ميدان المجتهدين من العلماء في تحقيق مناط الحكم وتحديد الصفات والعلل المؤثرة، وتقرير الأحكام المناسبة.

وفي هذا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّه مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي

1 تفسير القرآن العظيم، (1/529) .

ص: 524

الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ"1.

قال ابن رجب رحمه الله: "ومع هذا فلا بد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهاً عليه، ولا يكون عالماً بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجوراً غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في المتشابهات: "لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" فدل على أن من الناس من يعلمها، وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء"2.

وقال أيضاً:

1 متفق عليه واللفظ لمسلم، البخاري: كتاب الإِيمان، باب: من استبرأ لدينه، ح (52) الصحيح مع الفتح (1/126)، مسلم: كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، ح (1599) الصحيح بتحقيق محمد عبد الباقي (3/1219) .

2 إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم لابن رجب، لسليم الهلالي، ص (111) .

ص: 525

"ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند اللَّه في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند اللَّه عز وجل، وغيره ليس بعالم بها، بمعنى أنه غير مصيب لحكم اللَّه فيها في نفس الأمر، وإن كان يعتقد فيها اعتقاداً يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلاً، ويكون مأجوراً على اجتهاده، ومغفوراً له خطؤه لعدم اعتماده"1.

وقد يكون الاشتباه في هذا النوع بسبب القياس الفاسد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل، حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل، والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه.

فمن عرف الفصل بين الشيئين: اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، والقياس الفاسد"2.

1 إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم، ص (115) .

2 مجموع الفتاوى، (3/62) .

ص: 526

قوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ": فيه دلالة على قاعدة شرعية هامة في التعامل مع المتشابهات، وهي: الابتعاد عنها حتى يتبين له حكمها، وأن ذلك من أسباب سلامة الدين، والبعد عن الفتن.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ": دليل على أن بعض الناس يعلم حكمها وبيانها، وأولى الناس بذلك هم الراسخون في العلم أهل الذكر، ففيه الإشارة إلى تطلب علمها منهم.

وهاتان الفائدتان ينبغي أن تكونا نصب عين كل مسلم، ليتعامل بهما مع كل ما يسمعه ويشاهده من بوادر الفتن، من الإشاعات والشبهات، التي قد يكون فيها شبه من الحق من جهة، وتفارقه من جهة، أو يكون فيها جانب مصلحة وجانب مفسدة، فيتوقف ولا يسارع في قبولها حتى يصل إليه حكمها من الراسخين في العلم والإِيمان. وإن كانت من جنس الإشاعات فإِنه لا يصدّق بها إلا إذا تبين له صدقها، ولا يحدّث بها إلا إذا تبين له أيضاً أن في الإخبار بها مصلحة راجحة.

القسم الثاني: الشبهات التي من نوع لبس الحق بالباطل.

وفارق هذا النوع عن الذي قبله أن تلك مشتبهة في طبيعتها، ويخفى بيانها على كثير من الناس، أما هذا النوع فالأمر غالباً لا يخفى، وبيانها واضح، لو تُرِك الناس وفطرتهم وسليقتهم اللغوية، لكن بفعل المجرمين الذين يلبسون الحق بالباطل، ويزخرفون القول، يلتبس أمرها على من قل

ص: 527

حظه من العلم والبصيرة، فتكون من الحق الذي يراد به باطل.

ومن ذلك الإشاعات التي تطلق ضد رجال الإِسلام القائمين بنصره والذب عنه من العلماء والأمراء والدعاة والقادة ونحوهم.

وهذه الشبه والإشاعات هي التي يلقيها الشياطين إلى بعضهم ويتواصون بنشرها ليغروا بها الناس ويلبسوا عليهم دينهم ويفسدوا أمرهم. قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَوَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} 1.

فشياطين الجن يوحون إلى أوليائهم من شياطين الإنس من الضلالات والشبهات والتلبيسات، ما يتعرضون به إلى المؤمنين لإضلالهم وإفساد دينهم. قال تعالى:

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} 2.

1 سورة الأنعام الآيتان رقم (112-113) .

2 سورة الأنعام الآية رقم (121) .

ص: 528

وكذلك شياطين الإنس يتلقى بعضهم الشر عن بعض، كما قال تعالى:

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوآ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوآ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} 1

وأخطر المروِّجين للشبهات والإِشاعات المنافقون وأهل الأهواء والمناهج المنحرفة، الذين يكونون بين المسلمين، وفي المسلمين من يستمع لهم وينخدع بزخرف قولهم، قال تعالى:

{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} 2.

وترويج الشبهات والإشاعات أسلوب ينتهجه كل صاحب فكرة أو مبدإ أو منهج منحرف، وينخدع به من قل حظه من العلم والبصيرة بكتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة.

قال ابن القيم رحمه الله: "ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة

1 سورة البقرة الآية رقم (14) .

2 سورة التوبة الآية رقم (47) .

ص: 529

الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سَيّئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث اللَّه به رسوله، فهو من الذين قال اللَّه تعالى فيهم:{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُس} 1

وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.

ولا يُنجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإِيمان وشرائع الإِسلام

وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة"2.

ولذا فإن من أسباب السلامة من الاغترار بالشبهات ملازمة أهل الذكر من العلماء الراسخين المتمسكين بكتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونهج سلف الأمة، أهل العلم والدين والعقل والنصح لله ولعباده.

قال اللَّه تعالى:

1 سورة النجم الآية رقم (23) .

2 إغاثة اللَّهفان في مصايد الشيطان، (1/239-240) .

ص: 530

{وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَاّ قَلِيلاً} 1.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "هذا تأديب من اللَّه لعباده،

وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر.

بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولى الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح، والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها.

فإِن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين، وسروراً لهم، وتحرزا من أعدائهم، فعلوا ذلك.

وإِن رأوا ما فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه.

ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.

1 سورة النساء الآية رقم (83) .

ص: 531

وهذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإِنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطإ.

وفيه النهي عن العجلة والتسرع، لنشر الأمور، من حين سماعها والأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه، هل هو مصلحة؟ فيقدم عليه الإِنسان، أم لا؟ فيحجم عنه"1.

ولعل أشد مكر المفسدين الناشرين للشبهات والإشاعات هو استهداف العلماء والدعاة ورجال الأمة الناصحين بالشبهات والإِشاعات الجائرة، بغرض زعزعة ثقة الناس بهم، وصدهم عن الاستماع إليهم، والاسترشاد بعلمهم وتوجيهاتهم، وبذلك تخلو الساحة لهؤلاء المفسدين.

وقريباً من ذلك: إذا وقع هذا الداء بين العاملين للإِسلام من طلبة العلم والدعاة ونحوهم، فيتراشقون بالإِشاعات، ويثيرون حول بعضهم الشبهات، فتلك قاصمة الظهر، وبادرة من بوادر الخذلان، ومنفذ خطير للمفسدين لإِضرام نار الفتنة.

وأسوؤهم حالاً، وأعظمهم جرماً وشؤماً من يدعي العمل للإسلام ويتصدى للدعوة وإنكار المنكر، ثم يستهدف أهل العلم والتوحيد،

1 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (2/113-114) .

ص: 532

والدعوة إلى السنة، والذب عن الإِسلام والتحذير من البدع والمحدثات، والمناهج المنحرفة، يستهدفهم بنشر الشبهات والإشاعات عنهم، بقصد صرف الناس عنهم واستجلابهم إليه، أو بصدهم عن جهودهم، فيكونون بعيدين عن النور والبصيرة، فيسهل عليه توجيههم لما يريد من البدع المستحدثة والمناهج المنحرفة.

وإنما يلجأ إلى هذا الأسلوب من يرى نفسه في موقف ضعيف أمام من هو أرسخ منه، محاولة منه في تقوية جانبه، واستجلاب الناس إليه، ولا يمتطي هذا النهج إلا ضعيف الإِيمان والورع والتقوى.

وهذه الفتنة ليس لها إلا الفرار إلى اللَّه، وإحسان الظن به، والتجرد للحق، والبعد عن الهوى والظنون، وملازمة الراسخين في العلم والإِيمان يُستنار بعلومهم وفتاويهم وتوجيهاتهم.

ثم اجتهاد أهل العلم والغيرة على دين اللَّه وعباده، في مقاومة كيد المفسدين، ومصابرتهم، وكشف عوارهم، وإبطال زيغهم.

وقد قلت في هذا المعنى: [ملف الجداول]

وخص منها من بدينه افتتن

ونحتمي باللَّه من عصر الفتن

فاطلب لها يا صاح أهل الأثر

فإن تراءت شبهات أو كدر

بنص وحي واضح مسددا

تجد لديهم كشفها المؤيدا

بعد الكتاب ذاك نهج يقتفى

إذ دأبهم في العلم قال المصطفى

ص: 533

أهل التقى والنور والفعال

أكرم بهم من عصبة المعالي

نصحاً وإرشاداً وقمعاً للفتن

في نصرة الدين وإحياء السنن

واتبع الحق إذا استبان

واللَّه مولى من به استعان

وأحسن الظن بما قضاه

وأسلم الأمر إلى مولاه

أو أمن مكر من شديد الغضب

من غير تفريط بفعل السبب

الراسخين في التقى والفهم

مسترشداً برأي أهل العلم

ونهج أهل السنة التليد

يقدمون دعوة التوحيد

قبل ظهور البدع المستنكرة

في عصر أصحاب الرسول البررة

السادة الأخيار أصحاب المتون

والتابعين دربهم خير القرون

ولا يبعد عن هذا ما يحصل من إثارة الشبهات والشكوك من أصحاب الأهواء والمناهج الثورية، حول ولاة أمور المسلمين من الحكام والأمراء الذين يقيمون الصلاة ومعالم الدين. ويصدر منهم أخطاء ومخالفات.

فإن ما يحصل من الفساد بسبب إِطلاق الألسن في ولاة الأمر وتناقل الإِشاعات التي تستهدفهم، لا يقل عن الفساد الذي يحصل من التعرض للعلماء حماة الدين. إذ ينتج عن الأول فساد الدنيا، وعن الآخر فساد الدين.

ص: 534

قال سهل1 بن عبد اللَّه التستري رحمه الله: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح اللَّه دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين، أفسد دنياهم وأخراهم"2.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه اللَّه - مبيناً هذا المعنى: "فاللَّه اللَّه في منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإِثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها.

فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر، ضاع الشرع والأمن، لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإن تكلم

1 أبو محمد، سهل بن عبد اللَّه بن يونس التستري، ولد سنة (200هـ) ، له كلمات نافعة، ومواعظ حسنة، توفي سنة (283هـ) .

انظر: سير أعلام النبلاء (13/330) ، ووفيات الأعيان لابن خلكان، (1/218) .

2 الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي، (5/260) ، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، الطبعة الأولى، (1387هـ) .

ص: 535

الأمراء تمردوا على كلامهم، وحصل الشر والفساد.

فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبط الإِنسان نفسه، وأن يعرف العواقب.

وليعلم أن من يثور إِنما يخدم أعداء الإِسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة"1.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على أن اتباع الشبهات من أسباب الضلال، ودلت النصوص والواقع على ضلال كثير من الناس بها، وأنها من أخطر أساليب أهل الزيغ والإِفساد في إضلال الناس وصدهم عن الحق، وينخدع بها ضعاف العلم والإِيمان والبصيرة، وأن المخرج من ذلك يكون بالاعتصام بكتاب اللَّه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والاسترشاد برأي الراسخين في الإِيمان والعلم، أهل السنة، السائرين على نهج سلف الأمة. واللَّه أعلم.

1 نقلاً عن: نبذة مفيدة عن حقوق ولاة الأمر، د. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ص (15، 16) ، الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الرياض، الطبعة الأولى.

ص: 536

الفائدة الرابعة: دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة.

وهذه الفائدة مأخوذة من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} بعد قوله: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً} ، فإِن طالب السراب لم ينفعه ظنه بأن السراب ماء، ولا اجتهاده في طلبه، ولا شدة حاجته إليه، في تغيير حقيقة السراب.

وكذلك أعمال الذين كفروا الممثّل لها التي عملوها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وربما اجتهدوا في عملها، وأحسنوا القصد بالتوجه بها إلى اللَّه، إلا أن ذلك لا يغير من شريعة اللَّه شيئاً، ولا يعتبر في تصحيح الأعمال المبتدعة، والعقائد المستحدثة، والمناهج الضالة، التي لم يأذن اللَّه بها، ولم ينزل بها سلطاناً، وذلك أن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان موافقاً لهديه الذي أنزله على رسله.

فقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} يدل على حكم أعمال الذين كفروا - الممثّل لها - وأنها باطلة حابطة.

وهذا المعنى مثل قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا} 1.

1 سورة الفرقان الآية رقم (23) .

ص: 537

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "هذا يوم القيامة حين يحاسب اللَّه العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم، شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع اللَّه، فكل عمل لا يكون خالصاً، وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معاً فتكون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا}

وذلك أنهم عملوا أعمالاً اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحداً إذا بها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوآ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ البَعِيدُ} 1.

وقال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ

1 سورة إبراهيم الآية رقم (18) .

ص: 538

فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّه لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} 1.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُمَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} "2.

كما بين اللَّه تعالى هذا المعنى في قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 3.

قال ابن كثير رحمه الله مرجحاً عموم هذه الآية في كل عامل على غير هدى: "وإنما هي عامة في كل من عبد اللَّه على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال

1 سورة البقرة الآية رقم (264) .

2 تفسير القرآن العظيم، (3/314) .

3 سورة الكهف الآيتان رقم (103-104) .

ص: 539

تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌعَامِلَةٌ نَاصِبَةٌتَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} 1، وقال تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا} 2.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُمَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} 3 وقال في هذه الآية الكريمة: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ} أي نخبركم {بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} ثم فسرهم فقال: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} أي يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون"4.

ويلاحظ أن ابن كثير ربط بين هاتين الآيتين، وهما:{وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُورًا} الآية، وقوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ

1 سورة الغاشية الآيات رقم (2-4) .

2 سورة الفرقان الآية رقم (23) .

3 سورة النور الآية رقم (39) .

4 تفسير القرآن العظيم، (3/107) .

ص: 540

أَعْمَالاً

} الآية، وبين المثل في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ

} .

كما نبه رحمه الله على أن سبب حبوط أعمال المذكورينفي الآيات الثلاث هو فقدها لشروط الصحة، ويؤيد هذه النتيجة أناللَّه تعالى في سورة الكهف في سياق قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً

} الآية، ذكر شروط صحة العمل وختم بها السورة في قوله سبحانه:

{قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} 1.

وهذا المقام يقودنا إلى التطرق إلى شروط صحة العمل.

شروط صحة العمل:

إن العمل لا يكون صحيحاً مقبولاً عند اللَّه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط على وجه الإِجمال، دل عليها الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وهذه الشروط هي:

الشرط الأول: أن يكون العامل مؤمناً موحّداً.

1 سورة الكهف الآية رقم (110) .

ص: 541

الشرط الثاني: الإخلاص وهو أن يقصد بعمله وجه اللَّه عز وجل.

الشرط الثالث: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يعمل مهتدياً بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم من دون غلو أو ابتداع.

وقد جمع اللَّه هذه الشروط الثلاثة في قوله سبحانه: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًاوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} 1

بيّن ابن كثير رحمه الله أن اللَّه سبحانه في هاتين الآيتين: "شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإِيمان

ثم قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي أخلص العمل لربه عز وجل فعمل إيماناً واحتساباً، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي اتبع في عمله ما شرعه اللَّه، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما أي يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعاً للشريعة، فيصح ظاهره بالمتابعة وباطنه

1 سورة النساء الآيتان رقم (124-125) .

ص: 542

بالإخلاص. فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقاً، وهم الذين يراؤون الناس. ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً. ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.."1.

كما جمع اللَّه بين هذه الشروط الثلاثة في قوله سبحانه: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} 2.

قوله: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ} : هذا شرط الإخلاص، إذ المراد أنه أخلص في عبادة اللَّه ليفوز وينال كرامته في الدار الآخرة.

ويدل على ذلك مقابلة إرادة الآخرة: بعدم الإخلاص، وإرادة الدنيا. كما قال قبل ذلك:{مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} 3.

وهذا المعنى كثير في القرآن، وهو التعبير عن الإخلاص بإرادة

1 تفسير القرآن العظيم، (1/559) .

2 سورة الإسراء الآية رقم (19) .

3 سورة الإسراء الآية رقم (18) .

ص: 543

الآخرة ومقابلته بإرادة الدنيا، كما في قوله تعالى:{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} 1.

وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِمِنْهَا} 2.

قوله: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} : فيه تقرير شرط المتابعة، حيث إن سعي الآخرة هو الأعمال الصالحة وتحقيق العبودية كما ورد بيانها في الكتاب والسنة.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} : "أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.."3.

قوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} : نص على شرط الإِيمان.

قوله: {فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} دليل على أن من حقق

1 سورة آل عمران الآية رقم (152) .

2 سورة آل عمران الآية رقم (145) .

3 تفسير القرآن العظيم، (3/33) .

ص: 544

الشروط الثلاثة كان عمله مشكوراً أي مقبولاً.1

الشرط الأول: شرط الإِيمان.

قوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} جملة حالية، أي حال كونه متلبساً بالإِيمان، وهو شرط في صحة الأعمال كما تقدم قريباً في كلام ابن كثير رحمه الله.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "وهذا شرط لجميع الأعمال لا تكون صالحة، ولا تقبل، ولا يترتب عليها الثواب، ولا يندفع بها العقاب، إلا بالإِيمان.

فالأعمال بدون الإِيمان، كأغصان شجرة، قطع أصلها وكبناء بنى على موج الماء.

فالإِيمان هو الأصل والأساس، والقاعدة، التي يبنى عليها كل شيء.

وهذا القيد، ينبغي التفطن له، في كل عمل مطلق، فإِنه مقيد به"2.

وقد ورد التنبيه إلى هذا الشرط في آيات أخر منها: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ

1 انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، (4/268) ، وفتح القدير للشوكاني، (3/217) .

2 تيسير الكريم الرحمن، (2/176-177) .

ص: 545

مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.

وقوله سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} 2. وقوله: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} 3.

ونحو ذلك من الآيات.

تحقق هذا الشرط:

هذا الشرط - اللازم لصحة العمل وقبوله وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة - يتحقق بأمرين:

الأمر الأول: صحة العقد، وذلك بأن يأتي بأصل الإِيمان صحيحاً.

وقد تقدم الكلام عليه في بيان أصل الإِيمان في "مقدمات في تعريف الإِيمان" في الباب الأول4.

الأمر الثاني: الذي يتحقق به شرط الإِيمان: هو استدامة صحة الإِيمان، وذلك بأن لا يتلبس بعمل يوجب له الكفر والخروج من الإِسلام.

1 سورة النحل الآية رقم (97) .

2 سورة الأنبياء الآية رقم (94) .

3 سورة غافر الآية رقم (40) .

4 تقدم (197-236) .

ص: 546

وقد جمع بعض أهل العلم أهم نواقض الإِيمان، وحصرها فيما يلي1:

1-

الشرك في عبادة اللَّه.

2-

من جعل بينه وبين اللَّه وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.

3-

من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كَفَر.

4-

من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

5-

من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر.

6-

من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثواب اللَّه أو عقابه كفَر.

7-

السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفَر.

8-

مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.

9-

من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة النبي محمد

1 انظر: مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قسم العقيدة والآداب، (1/385-387) .

ص: 547

صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر1 الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

10-

الإعراض عن دين اللَّه تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به.2

1 الخضر قيل: اسمه بليا بن ملكان، ويكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وأنه من أبناء الملوك، وقيل إنه رسول، وقيل نبي، وقيل ولي ليس بنبي، والنصوص تشهد لنبوته، قال ابن كثير رحمه الله:

"وقوله تعالى: {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف 82] . أي هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة اللَّه بمن ذكرنا.. وما فعلته عن أمري أي لكني أمرت به، ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام، مع ما تقدم من قوله:{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف 65] .

وزعم بعض أهل العلم أنه لا يزال باقياً إلى يوم القيامة، واستدلوا بأحاديث وآثار لا يصح منها شيء، كما قاله ابن كثير رحمه الله.

والذي عليه جمهور أهل العلم من المحدثين وغيرهم، أنه هلك وأنه لم يكتب لأحد من بني آدم الخلد، واحتجوا لذلك بقوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء:34] وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حياً لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع الثقلين الجن والإِنس، وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الأدلة.

انظر كل ما تقدم: تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، (3/99، 100) .

2 انظر لبيان هذه النواقض وأدلتها: شرح نواقض التوحيد، لحسن بن علي العواجي.

ص: 548

الشرطان الآخران:

جمع اللَّه بين شرط الإخلاص في العبادة، وشرط المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم فيها في أكثر من آية، من ذلك الآيات المتقدمة، وهي:

{ومن أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} 1.

وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} 2.

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان لزوم هذين الشرطين لصحة العبادة وقبولها:

"والعبادة والطاعة، والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد ولها أصلان:

أحدهما: أن لا يُعبد إلا اللَّه.

والثاني: أن يُعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ

1 سورة النساء الآية رقم (125) .

2 سورة الكهف الآية رقم (110) .

ص: 549

أَحَدًا} ، وقال تعالى:{مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} 1، وقال تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} .

فالعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات هي ما أحبه اللَّه ورسوله، وهو ما أمر به من إيجاب واستحباب.

فما كان من البدع التي في الدين ليست مشروعة، فإِن اللَّه لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن ما يعلم أنه فجور كالفواحش، والظلم، ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح.

أما قوله: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ، وقوله:{أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} : فهو إخلاص الدين لله وحده.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "اللَّهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".

وقال الفضيل2 بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ

1 سورة البقرة الآية رقم (112) .

2 الإمام أبو علي الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي، ولد بسمرقند، وسكن مكة، له قدم في العلم والصلاح وأثر عنه أقوال نافعة، توفي سنة (187هـ) .

انظر: سير أعلام النبلاء (8/421) ، وميزان الاعتدال (3/361) .

ص: 550

عَمَلاً} 1 قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟، قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة".2

وقد وردت نصوص كثيرة تبين أهمية الإخلاص، وأنه أساس قبول العمل من ذلك: قول اللَّه تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} 3.

وقوله: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ} 4.

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه:

"فَإِنَّ حَقَّ اللَّه عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"5.

1 جزء من الآية رقم (7) من سورة هود، ومن الآية رقم (2) من سورة الملك.

2 كتاب العبودية لابن تيمية، ص (17) ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (1401هـ) .

3 سورة البينة الآية رقم (5) .

4 سورة الزمر الآية رقم (3) .

5 متفق عليه، البخاري: كتاب الجهاد، باب اسم الفرس..، ح (2856) الصحيح مع الفتح (6/58)، ومسلم: كتاب الإِيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً، ح (30)(1/58) .

ص: 551

كما حذر - سبحانه - من الشرك والرياء، مبيناً أنها محبطة للعمل كما في قوله:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الخَاسِرِينَ} 1

وقوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّه لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} 2.

والشرك نوعان أكبر وأصغر، كما أن الإخلاص يطلق ويراد به أمران:

الأول: عقد التوحيد في القلب، وهو العزم على أن لا يعبد إلا اللَّه، وهذا النوع داخل في الشرط الأول، وهو شرط الإِيمان، ويضاده الشرك الأكبر المخرج من الإِسلام، والمحبط للعمل جميعاً.

1 سورة الزمر الآية رقم (65) .

2 سورة البقرة الآية رقم (264) .

ص: 552

الثاني: الإخلاص، وهو ابتغاء وجه اللَّه في العبادة المعينة ويضاد ذلك الرياء اليسير أو الطارئ على العبادة.

وهو المقصود بهذا الشرط، حيث يقال: إن العبادة لا تقبل إلا إذا توفر فيها شرطا الإِخلاص، والمتابعة.

وإذا فقدت العبادة شرط الإخلاص فهي حابطة.1

قال صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّه تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"2.

أما شرط المتابعة فقد وردت نصوص كثيرة في بيان أهميته لصلاح الأعمال، وأن التفريط به من أسباب الضلال.

فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 3.

1 انظر تفصيل ذلك في كتاب: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، شرح حديث "إنما الأعمال بالنيات".

2 رواه الإِمام مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير اللَّه، ح (2985) ، (4/2289) .

3 سورة الأنعام الآية رقم (153) .

ص: 553

وقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} 1.

وقال سبحانه: {اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 2.

فبين - سبحانه - أن ضلال من ضل إنما كان بسبب إعراضهم عن دينه القويم، وعدم اتباع نبيه الكريم، واتباعهم لأهوائهم، أو أوليائهم، أو لما وجدوا عليه آباءهم، وسلوكهم للسبل المنحرفة المخالفة لصراط اللَّه المستقيم.

وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا} 3.

قال ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله"4.

1 سورة طه الآية رقم (123) .

2 سورة الأعراف الآية رقم (3) .

3 سورة الأحزاب الآية رقم (21) .

4 تفسير القرآن العظيم (3/474) .

ص: 554

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الابتداع في الدين، كما في قوله:"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"1.

وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"2.

وفي رواية: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"3.

قال ابن رجب رحمه الله: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة": من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "من

1 رواه الإمام أحمد: المسند (4/126) ، واللفظ له، مسند العرباض بن سارية، وابن ماجة: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، ح (35) (1/10) ت: محمد الأعظمي، ورواه الترمذي: أبواب العلم، باب 16، (4/149) .

وقال: "حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في إرواء الغليل (8/107) .

2 متفق عليه، البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور، ح (2697) ، الصحيح مع الفتح (5/301)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام، ح (1781)(3/1343) .

3 رواه مسلم، المصدر السابق، (3/1344) .

ص: 555

أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة"1.

وقال: "والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة"2.

وكما حذر صلى الله عليه وسلم من البدع والمحدثات، حذر من التشدد والتنطع في الدين، حيث قال:"هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.3

وقال: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"4.

قوله: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي": يشمل الانصراف عن هديه وسنته إلى الغلو والتنطع، كما تدل على ذلك مناسبة الحديث، كما يشمل العمل

1 إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم لابن رجب، لسليم عيد الهلالي. ص (402) ، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، (1412هـ) .

2 المصدر السابق، ص (401) .

3 رواه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ح (2670) ، (4/2055) .

4 متفق عليه. تقدم تخريجه، ص (269) .

ص: 556

بالبدع والمحدثات.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل دل على بطلان أعمال الكفار التي عملوها على غير هدى من اللَّه، والتي فقدت شروط الصحة، وأن ظنهم بأنها حق، أو حسن قصدهم لا يعتبر في تصحيحها.

كما جرى الكلام على شروط صحة العمل، وأنها ثلاثة:

الأول: كون العامل مؤمناً موحداً، قد جاء بأصل الإِيمان على الوجه الصحيح، ولم يبطل إِيمانه بأي عمل مكفر مخرج من الإِسلام.

الثاني: الإخلاص: وهو أن يبتغي بأعماله وجه اللَّه.

الثالث: المتابعة، وذلك بأداء العمل وفق شريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 557

الفائدة الخامسة: دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الضالين الذين شبهت أعمالهم بالسراب.

ومأخذ هذه الفائدة من ختام المثل حيث قال سبحانه: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} فلم يقل سبحانه فعذبه، أو أدخله النار، أو نحو ذلك، وإنما جاء بختام يناسب جميع الكفار الذين شبهت أعمالهم بالسراب على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، فكل سينال الجزاء الذي يستحقه، وسيجري حسابهم كل كما يتناسب مع حاله.

ويمكن تلمس بعض الاحتمالات للدوافع التي تدفع أصحابها إلى تتبع الشبهات والعمل بالضلال، قياساً على ما يحتمل من حال اللاهث وراء السراب، ونستخلص من ذلك عدة صور:

منها: أن يكون صاحب السراب معذوراً حيث لم يجد ماء ولا من يرشده إلى الماء، ودفعه شدة العطش، وحب الحياة إلى التمسك بأي شيء، فاندفع نحو السراب بمجرد أن لاح له.

ومثل هذا: المتدينون من أهل الفترة الذين لم يجدوا من يدلهم على الطريق الصحيح، ومثلهم: من يكون في مجتمع ينتسب إلى الإِسلام لكن غلب على أهله الجهل، ولا يوجد فيه عالم مستبصر، فيمارس المتدينون أعمالاً من جنس البدع والمحدثات، يظنونها هدى، وهي ضلال ما أنزل اللَّه بها من سلطان، كبعض المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام في الدول

ص: 558

الشيوعية كالصين، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي - سابقاً - ونحوها.

ومنها: أن يكون مخدوعاً، شاهد أناساً كثيرين، بينهم من يحسن الظن به، منساقين نحو السراب، فانساق معهم.

ومثل هذا: أتباع الفرق، والطوائف، والطرق الضالة، فإنهم ينساقون خلف أئمتهم وساداتهم ويحسنون الظن بهم، كما قال تعالى:{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَارَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ العَذَابِ وَالعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} 1.

وقال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُوَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ} 2.

ومنها: أن يكون صاحب السراب مغروراً معجباً برأيه وعقله وعلمه، مع احتقاره لمن يصادفهم في الصحراء، فيستكبر عن سؤالهم، ويرى نفسه أعلم وأقدر منهم على التمييز بين الأشياء، ومعرفة الحقائق،

1 سورة الأحزاب الآيتان رقم (67-68) .

2 سورة البقرة الآيتان رقم (166-167) .

ص: 559

فيحمله ذلك على أن ينساق وراء السراب الخادع مع وجود من يهديه إلى موارد الماء، ويعرفه بحقيقة السراب، وربما نصحوه وبينوا له فلم يلتفت إليهم.

ومثل هذا النوع: الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام، وكل من اعتمد المنهج العقلي في معرفة حقائق الدين وخاصة في المطالب الإلهية والأمور الغيبية، فأعرض عن هدى الكتاب والسنة وازدرى علماء الشريعة.

ومنها: أن يكون طالب السراب خادعاً غروراً، يعلم حقيقة السراب وأنه ليس بشيء، ولكنه يسير إليه ليغرر غيره بذلك لوجود مصلحة له في ذلك، أو عداوة لمن يغرر بهم ليهلكهم.

ومثل هذا النوع: إبليس، ومردة الشياطين، وكثير من المفسدين من شياطين الإنس الذين يضلون الناس على علم.

وقد وصف اللَّه هذا الصنف بقوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} 1.

وكل هؤلاء على اختلاف دوافعهم سيصيرون إلى اللَّه، وسوف

1 سورة الأعراف الآية رقم (146) .

ص: 560

يحاسبهم ويجازيهم بما يستحقون، كما دل على ذلك ختام المثل {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} .

وإذا كان المثل جاء بختام صالح لبيان جزاء أولئك الضُلَاّل الذين شبهت حالهم بطالب السراب، على اختلاف دوافعهم وأحوالهم، إلا أنه ورد ببيان حاسم لبطلان تلك الأعمال وعدم انتفاعهم منها البتة، وذلك في قوله:{لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} وقد تقدم بيان هذا المعنى.

هل يحاسب الكفار؟

لقد دل ختام المثل على أن الكفار المشبهة أعمالهم بالسراب يحاسبون عليها يوم القيامة، حيث قال سبحانه {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} .

وحساب الكفار دلت عليه نصوص كثيرة منها ما يدل بعمومه على حساب الكفار وغيرهم، كما في قوله تعالى:{وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِسَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُلِيَجْزِيَ اللَّه كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} 1.

1 سورة إبراهيم الآيات رقم (49-51) .

ص: 561

وقوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَلَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} 1.

وقوله سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِّرٌلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍإِلَاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَفَيُعَذِّبُهُ اللَّه العَذَابَ الأَكْبَرَإِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} 2.

كما وردت آيات تدل على حساب الكفار والمشركين كقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} 3.

وقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} 4.

وقوله: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا

1 سورة الأنبياء الآيات (1-3) .

2 سورة الغاشية الآيتان رقم (21-26) .

3 سورة آل عمران الآية رقم (19) .

4 سورة المؤمنون الآية رقم (117) .

ص: 562

فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ} 1.

والحساب والجزاء مرتبطان، حيث إن الجزاء هو نتيجة الحساب، والحساب إنما هو لتقدير الجزاء.

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله في تعريف الحساب: "وإنما هو في الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازَى بحسبه"2.

والحساب يكون يوم القيامة عندما يلقى العباد ربهم، ويوقفهم على أعمالهم التي عملوها، ويكشف لهم حقائقها، ويشمل ذلك:

ما يقوله لهم من السؤال أو التقرير أو التوبيخ، وما يجيبونه من الاعتذار أو الإنكار ونحوه، كما يشمل: إقامة الحجج عليهم، وإحضار الشهود، وتقدير الأعمال ووزنها.

والناس يختلفون يوم القيامة باعتبار الحساب، وليس حساب الكفار كحساب الظالمين أنفسهم من المسلمين.

قال ابن تيمية في بيان طبيعة حساب الكفار: "وفصل الخطاب أن الحساب: يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات، فإِن أريد

1 سورة الرعد الآية رقم (18) .

2 المفردات في غريب القرآن ص (116) .

ص: 563

بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار.

وإن أريد المعنى الثاني: فإن قصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر.

وإِن أريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلت سيئاته، ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب، كما أن أبا طالب1 أخف عذاباً من أبي لهب2 وقال تعالى:

1 أبو طالب: أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة والده، ونصره ودافع عنه بعد بعثته، إلا أنه مات على غير الإِسلام.

انظر: الإِصابة، (4/115) .

وقول شيخ الإِسلام رحمه الله: "كما أن أبا طالب أخف عذاباً.." يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله العباس رضي الله عنه: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال:"نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح". رواه مسلم كتاب الإِيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، ح (209) ، (1/195) .

2 أبو لهب: عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير الأذى للرسول صلى الله عليه وسلموالصد عن دعوته.

انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (4/564) .

ويشير شيخ الإسلام إلى أنه من أشد الكفار عذاباً حيث نزلت فيه وفي زوجته أم جميل أروى بنت حرب سورة المسد، وفيها:{سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍوَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِفِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد:3-5] .

ص: 564

{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ} 1.

وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} 2، والنار دركات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذاباً من بعض - لكثره سيئاته وقلة حسناته - كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة"3.

وعلى هذا فالحساب يراد به ثلاثة معان:

الأول: العرض، وهو نوعان:

عرض تقرير ثم صفح وستر، وهو الحساب اليسير، كما في قوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِفَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 4.

وعرض توبيخ وتبكيت، تكشف به مخازي المجرمين، ويوقفون على معاصيهم ويلامون عليها، ويسألون سؤال تقريع.

وهذا النوع حاصل للكافرين.

الثاني: موازنة السيئات بالحسنات، وهذا يكون للظالمين أنفسهم من

1 سورة النحل الآية رقم (88) .

2 سورة التوبة الآية رقم (37) .

3 مجموع الفتاوى، (4/305-306) .

4 سورة الانشقاق الآيتان رقم (7، 8) .

ص: 565

المسلمين، حيث توزن أعمالهم بميزان له كفتان.

الثالث: تقدير الأعمال لبيان مراتب المؤمنين، أو دركات الكافرين، وهذا النوع لا يكون فيه إلا نوع واحد من الأعمال، إما الحسنات فقط بالنسبة للمؤمنين الأبرار، أو السيئات فقط بالنسبة للكافرين ويكون تقديرها بالموازين المناسبة، كما قال اللَّه تعالى:{وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ} 1.

فالجمع: {مَوَازِينَ} قد يكون باعتبار تعددها، وقد يكون باعتبار تنوعها. واللَّه أعلم.

وخلاصة هذه الفائدة:

أن المثل جاء في ختامه بقوله: {وَوَجَدَ اللَّه عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّه سَرِيعُ الحِسَابِ} ببيان لحساب اللَّه لهذا الصنف من الكفار، وأنهم يختلفون باعتبار دوافعهم وأحوالهم، من حيث شدة الكفر أو ضعفه، أو وجود ما قد يعذرون به من عدمه، وأنه سبحانه سوف يحاسب الجميع، ويوقفهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها بما يستحقون، على حد قوله تعالى: {لَا

1 سورة الأنبياء الآية رقم (47) .

ص: 566

يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إِلَاّ مَا آتَاهَا} 1 وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَرَسُولاً} 2.واللَّه أعلم.

1 سورة الطلاق الآية رقم (7) .

2 سورة الإسراء الآية رقم (15) .

ص: 567