الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: في دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولي
المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى
.
…
المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى.
من القاعدة المتقدمة لقياس الأولى يتبين أنه يتحقق بها نوعان من المطالب:
النوع الأول: إثبات الكمال لله تعالى بطريق الأولى.
وهذا الطريق يستند على أمرين مستقرين في العقول السليمة.
الأول: أن كل كمال في المخلوق فهو مستفاد من الخالق. فالذي أعطاه ذلك الكمال أولى به على ما يليق به.
الثاني: أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالكمال منه.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذين المستندين: "فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكناً للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكناً لما وجوده ناقص، فلأن يمكن لما وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه. فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه. بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به. فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.
ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملاً هو أحق بالكمال منه. فالذي جعل غيره قادراً أولى بالقدرة،
والذي علّم غيرَه أولى بالعلم، والذي أحيا غيرَه أولى بالحياة1 ".
وهذا النوع دل عليه قول الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} في سورة الروم. وذلك أن الله تعالى بين لأولئك المشركين الذين يقرون بأن الله هو الذي خلق الإنسان، ويثبتون كمالاً في المخلوق يتمثل في أن من صنع شيئاً فإعادة صنعه أهون عليه، فبين لهم الله أنه يلزمهم أن يحكموا له بهذا الحكم، ويقروا بأن إعادة الخلق أهون عليه سبحانه من خلقهم أول مرة، وهو أولى به لكونه أقدر وأعلم. فهو أولى بذلك الكمال الذي يثبتون جنسه للمخلوق.
النوع الثاني: نفي النقص عن الله تعالى بطريق الأولى.
وهذا النوع يستند إلى المستند الثاني المذكور فيما قبله، وهو:
أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالتنزه عن كل نقص تنزه عنه المخلوق.
ودل على هذا النوع قول الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} من سورة النحل.
1 الرسالة الأكملية، فيما يجب لله من صفات الكمال، لشيخ الإسلام أحمد عبد الحليم ابن تيمية، تقديم أحمد حمدي إمام، ص (12، 13) مطبعة المدني، القاهرة، 1403هـ.
وانظر: مجموع الفتاوى (6/76، 77) .
وذلك أن الله قابل أحكامهم السيئة وما نسبوه له من النقص، حيث زعموا أن له شركاء وأولاداً، بقوله تعالى:{وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} ، ليبين لهم أنه أولى بالتنزه عن هذه الأمور التي نسبوها له وهم ينفرون منها، ولا يرضونها لأنفسهم، إذ إنه سبحانه أعز وأعلى وأجل منهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت، فيعدّون هذا نقصاً وعيباً، والربّ تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى. فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجرداً عن النقص. وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه1".
وبهذا يتبين أن قاعدة قياس الأولى يتم بها مطلبان هامان هما:
الأول: إثبات الكمال لله تعالى.
الثاني: نفي النقص عنه سبحانه.
وأن ذلك جار وفق نظر العقول السليمة التي تقطع بأن الله الخالق المبدع أعلى وأجل من المخلوق، وأنه أولى بكل كمال، وأبعد عن كل نقص.
وأشار القرآن الكريم إلى تحقق المطلبين بهذه القاعدة، حيث دل قوله
1 الرسالة الأكملية، ص (17) ، ومجموع الفتاوى (6/81) .
تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} من سورة الروم على المطلب الأول. وقوله تعالى {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} من سورة النحل على المطلب الثاني. والله أعلم.