المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المعنى الثالث: أن له كل مثل صحيح يُضرب في السموات - الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله - جـ ٣

[عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثالث

- ‌الباب الثالث: الأمثال المضافة إلى الله تعالى

- ‌الفصل الأول: في النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى

- ‌المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى

- ‌المبحث الثاني: المراد بالأمثال التي نهي عن ضربها لله عز وجل

- ‌المبحث الثالث: في أهم الفوائد المستفادة من النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى

-

- ‌الفصل الثاني: في ثبوت تفرد الله بالمثل الأعلى ونماذج مما جرى على قياس الأولى من الأمثال

- ‌المبحث الأول: في دلالة السياق الذي ورد فيه إثبات المثل الأعلى لله تعالى

- ‌المطلب الأول: في دلالة السياق من سورة "النحل" الذي ورد فيه ثبوت المثل الأعلى لله تعالى

- ‌المطلب الثاني: دلالة السياق من سورة "الروم" الذي ورد فيه إثبات المثل الأعْلَى لله تعالى

- ‌المبحث الثاني: في المراد بالمثل الأعلى ومعنى الآيات الدالة على ذلك

- ‌المطلب الأول: في المراد بالمثل الأعلى لله تعالى

- ‌المطلب الثاني: في معنى قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}

- ‌المطلب الثالث: في معنى قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعِيده وهو أهون عليه وله المثل الأَعلى في السماوات والأرض وهو العزِيز الحكيم}

- ‌المبحث الثالث: في دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولي

- ‌المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى

- ‌المطلب الثاني: بيان المراد بالكمال الذي يثبت لله بهذه القاعدة

- ‌المطلب الثالث: كيفية تطبيق قاعدة قياس الأولى على الأمثال القرآنية

-

- ‌المبحث الرابع: نماذج من الامثال الجارية على قياس الاولى

- ‌المطلب الأول: في بيان الحجة في قوله تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

- ‌المطلب الثاني: في بيان الحجة في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

- ‌المطلب الثالث: في بيان الحجة في قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}

- ‌المبحث الخامس: أهم الفوائد التي دل عليها ثبوت المثل الأعلى لله تعالى

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: المعنى الثالث: أن له كل مثل صحيح يُضرب في السموات

المعنى الثالث: أن له كل مثل صحيح يُضرب في السموات أو في الأرض للدلالة على ما هو ثابت له من المثل الأعلى.

"فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض

ومن كل مثل يُضرب في السموات"1.

وقد تقدم أن ضرب الأمثال لله تعالى منه ما هو ممنوع وما هو مشروع بما يغني عن إعادة الكلام عليه.

قوله تعالى في ختام الآية: {هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} .

تقدم بيان أهم المعاني التي يدل عليها هذان الاسمان، ومناسبة ختم آية سورة "النحل" بهما2.

وتلك المعاني معتبرة في هذه الآية من سورة "الروم" حيث إن كلتا الآيتين جاءت في سياق الكلام على ربوبيته، وثبوت المثل الأعلى له سبحانه.

ومن دلالة ختم هذه الآية بهذين الاسمين، أن الله سبحانه يبين بذكرهما كمال قوته وعزته، مما يجعله يفعل ما يريد - ومن ذلك البعث بعد الموت - دون أي ممانعة من المخلوق أو غيره، وأنه سبحانه يفعل ذلك لحكمة كسائر أفعاله المباركة.

1 التفسير الكبير للرازي، (25/117) .

2 انظر: ص (999) وما بعدها.

ص: 1027

خلاصة القول في معنى الآية:

أن قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، ورد في سياق مجادلة كفار العرب الجاحدين للبعث بعد الموت، وتضمنت دليلا عقلياً قاطعاً في إمكان البعث على أصولهم التي يتعارفون عليها.

وتبيّن أن تفسير "أهون" في الآية بهين ليس هو الأولى وإن كان صحيحاً في اللغة والمعنى، وإنما الأنسب تفسيرها على بابها للتفضيل حيث تدل على حجة عقلية.

ويكون قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ} : خبر من الله تعالى يُقرُّ بِهِ المشركون، وهو مقدمة للدليل بعده.

وقوله: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} : هي الدعوى المستدلّ لها والتي ينكرها المشركون.

وقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} : تتضمن حكما متفقا عليه، يقر به المخاطبون بالدليل من المشركين، هذا الحكم هو:

إعادة الصنع أهون على الصانع من ابتدائه.

وحاصل الدليل: إيجاب العقل الحكم لله بهذا الحكم، من كون البعث أهون عليه من خلق الناس أول مرة، وأنه أولى بذلك لكونه أقدر وأعلم منهم.

ص: 1028

ودل قوله تعالى: {وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى} مع تأكيد أنه أولى بهذا الحكم منهم، - لكونه أولى بكل كمال ثابت للمخلوق على ما يليق به سبحانه - على أن له من كل كمال أكمله وأعلاه، مما يزيل الاشتباه بأن بعض الخلق أهون على الله من بعض، ويفيد كمال قدرته التي تستوي عندها المخلوقات مهما عظمت أو كثرت أجزاؤها أو مراحل خلقها.

ودل قوله تعالى: {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} : على تفرده سبحانه بالمثل الأعلى - الدال على اختصاصه وحده بالألوهية والربوبية وأكمل الكمال - في السموات والأرض فليس له مماثل أو مكافئ أو شريك من أهلهما.

وختم سبحانه تلك الآية العظيمة باسمين من أسمائه المباركة، هما (العزيز الحكيم) ، ليبين كمال قوته وعزته، وشمول حكمته لكل أفعاله، وأنه يفعل ما يريد - ومن ذلك البعث بعد الموت - دون أن يكون له ممانع أو مدافع أو معقب، وأن له في ذلك الحكمة البالغة، والله أعلم.

ص: 1029

‌المبحث الثالث: في دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولي

‌المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى

.

المطلب الأول: في بيان المطلبين اللذين يمكن إثباتهما بقاعدة قياس الأولى، ويدل عليهما ثبوت المثل الأعلى لله تعالى.

من القاعدة المتقدمة لقياس الأولى يتبين أنه يتحقق بها نوعان من المطالب:

النوع الأول: إثبات الكمال لله تعالى بطريق الأولى.

وهذا الطريق يستند على أمرين مستقرين في العقول السليمة.

الأول: أن كل كمال في المخلوق فهو مستفاد من الخالق. فالذي أعطاه ذلك الكمال أولى به على ما يليق به.

الثاني: أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالكمال منه.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذين المستندين: "فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكناً للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكناً لما وجوده ناقص، فلأن يمكن لما وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لا سيما وذلك أفضل من كل وجه. فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه. بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به. فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.

ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق والذي جعل غيره كاملاً هو أحق بالكمال منه. فالذي جعل غيره قادراً أولى بالقدرة،

ص: 1032

والذي علّم غيرَه أولى بالعلم، والذي أحيا غيرَه أولى بالحياة1 ".

وهذا النوع دل عليه قول الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} في سورة الروم. وذلك أن الله تعالى بين لأولئك المشركين الذين يقرون بأن الله هو الذي خلق الإنسان، ويثبتون كمالاً في المخلوق يتمثل في أن من صنع شيئاً فإعادة صنعه أهون عليه، فبين لهم الله أنه يلزمهم أن يحكموا له بهذا الحكم، ويقروا بأن إعادة الخلق أهون عليه سبحانه من خلقهم أول مرة، وهو أولى به لكونه أقدر وأعلم. فهو أولى بذلك الكمال الذي يثبتون جنسه للمخلوق.

النوع الثاني: نفي النقص عن الله تعالى بطريق الأولى.

وهذا النوع يستند إلى المستند الثاني المذكور فيما قبله، وهو:

أن الله أعلى وأعظم وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالتنزه عن كل نقص تنزه عنه المخلوق.

ودل على هذا النوع قول الله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} من سورة النحل.

1 الرسالة الأكملية، فيما يجب لله من صفات الكمال، لشيخ الإسلام أحمد عبد الحليم ابن تيمية، تقديم أحمد حمدي إمام، ص (12، 13) مطبعة المدني، القاهرة، 1403هـ.

وانظر: مجموع الفتاوى (6/76، 77) .

ص: 1033

وذلك أن الله قابل أحكامهم السيئة وما نسبوه له من النقص، حيث زعموا أن له شركاء وأولاداً، بقوله تعالى:{وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} ، ليبين لهم أنه أولى بالتنزه عن هذه الأمور التي نسبوها له وهم ينفرون منها، ولا يرضونها لأنفسهم، إذ إنه سبحانه أعز وأعلى وأجل منهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت، فيعدّون هذا نقصاً وعيباً، والربّ تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى. فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجرداً عن النقص. وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه1".

وبهذا يتبين أن قاعدة قياس الأولى يتم بها مطلبان هامان هما:

الأول: إثبات الكمال لله تعالى.

الثاني: نفي النقص عنه سبحانه.

وأن ذلك جار وفق نظر العقول السليمة التي تقطع بأن الله الخالق المبدع أعلى وأجل من المخلوق، وأنه أولى بكل كمال، وأبعد عن كل نقص.

وأشار القرآن الكريم إلى تحقق المطلبين بهذه القاعدة، حيث دل قوله

1 الرسالة الأكملية، ص (17) ، ومجموع الفتاوى (6/81) .

ص: 1034

تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} من سورة الروم على المطلب الأول. وقوله تعالى {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} من سورة النحل على المطلب الثاني. والله أعلم.

ص: 1035

‌المطلب الثاني: بيان المراد بالكمال الذي يثبت لله بهذه القاعدة

.

ثبوت الكمال لله تعالى مستقر في الفِطَر، تذعن له العقول السليمة. وهو يختلف عن كمال المخلوق. ويعتبر في إثبات الكمال لله تعالى ثلاثة أمور يدل عليها النظر الصحيح، بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وخلاصتها:

أولاً: "أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية. لا يكون وجود كمال لا نقصَ فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة.

وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه. فثبوت الحياة يستلزم نفى الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز. وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك1".

وهذا النقل القيم عن شيخ الإسلام يبين أهم الفروق بين كمال الله تعالى وكمال الإنسان الذي هو الأصل الذي تستنج منه قاعدة قياس الأولى. وهي:

1- أن الثابت لله هو أكمل الكمال وأعلاه، الذي يوجب له التفرد

1 الرسالة الأكملية، ص (7) ، مجموع الفتاوى (6/71) .

ص: 1036

به دون غيره. {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} .

2-

أنه كمال لا نقص فيه، بخلاف المخلوق الذي يثبت له الكمال لكن يعتريه النقص، كاتصافه بالحياة، مع سريان النوم والضعف والموت عليه.

3-

أن الله يستحقه بنفسه المقدسة، لا يستفيده من غيره، بخلاف كمال المخلوق الذي استفاده من خالقه.

4-

أنه يستلزم نفي النقيض، كالعلم الذي لا جهل معه، والقدرة التي لا عجز ولا تعب معها. بخلاف كمال المخلوق، الذي يتصف به وبما يناقضه، فيكون عالماً مع جهل، وقادراً مع عجز وضعف، ونحوها.

كما دل هذا النقل عن شيخ الإسلام على فائدة هامة في قياس الأولى، هي أنه يستخدم لتأييد وموافقة ما ثبت لله في الكتاب والسنة الصحيحة. حيث قال:"وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك".

ثانياً: أن يكون الكمال المثبت لله ممكن الوجود1.

فيخرج بذلك ما توهم أنه كمال وهو ممتنع، مما يتعلق بأفعال الله وقدرته. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمثلة على ذلك،

1 الرسالة الأكملية، ص (21) .

ص: 1037

حيث قال: "وكذلك إذا قيل: جعل الشيء الواحد متحركاً ساكناً، موجوداً معدوماً، صفة كمال، قيل: ممتنع لذاته.

وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال. قيل: هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مُبْدَع يقتضي أن لا يكون واجباً بنفسه بل واجباً بغيره.

وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص.

قيل: الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزلياً.

وأيضاً: فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها. وأيضاً فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئاً بعد شيء. فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئاً بعد شيء: فينبغي أن يكون في الأزل، جمع بين النقيض. وأمثال هذا كثير.

فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود. فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له، فضلاً عن أن يقال: هو موجود، أو هو كمال للموجود"1.

1 انظر: الرسالة الأكملية، ص (21، 32، 33) ومجموع الفتاوى (6/85، 86) .

ص: 1038

ثالثاً: أن يكون سليماً من النقص. فإن النقص ممتنع على الله1.

وبهذا الشرط يخرج الكمال النسبي، الذي يكون كمالاً لبعض المخلوقات دون بعض، أو كمالاً بالنسبة للإنسان لكنه في الحقيقة يستلزم نقصاً، فيكون نقصاً بالنسبة للخالق.

وقد بين هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: "أما الشرط الآخر: وهو قولنا: الكمال الذي لا يتضمن نقصاً،

فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق، لاستلزامه نقصاً كالأكل والشرب مثلاً. فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قِوامه بالأكل والشرب. فإذا قدر غير قابل له كان ناقصاً عن القابل لهذا الكمال. لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه. وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به. والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.

ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة

1 انظر: الرسالة الأكملية، ص (21، 32، 33) ومجموع الفتاوى (6/85، 86) .

ص: 1039

إلى الخالق"1.

ومما تقدم يتبين: أن الكمال الذي يثبت لله تعالى بالطريق العقلي على قاعدة قياس الأولى يعتبر فيه عده أمور من أهمها:

1-

أن يثبت لله من كل كمال أكمله وأعلاه.

2-

أن ثبوت الكمال لله مختلف عن ثبوته للمخلوق من أوجه، أهمها: أن الله يستحقه بنفسه ولا يستفيده من غيره، بخلاف المخلوق الذي يستفيده من خالقه؛ وأن كمال الله يستلزم نفي النقيض، بخلاف صفة المخلوق التي يوجد معها نقيضها.

3-

أن الكمال الثابت لله بالطريق العقلي وقاعدة قياس الأولى يؤيد ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكمال.

4-

أن يكون الكمال المثبت لله ممكن الوجود.

ويخرج بذلك ما توهم أنه كمال وهو ممتنع لذاته مما يتعلق بأفعال الله وقدرته.

5-

أن يكون سليماً من النقص.

ويخرج بذلك الكمال النسبي، الذي يكون كمالاً لبعض المخلوقات دون بعض، أو يكون كمالاً بالنسبة للإنسان لكنه في الحقيقة يستلزم نقصاً، فيكون نقصاً بالنسبة للخالق.

1 الرسالة الأكملية، ص (33) ، ومجموع الفتاوى (6/87) .

ص: 1040

‌المطلب الثالث: كيفية تطبيق قاعدة قياس الأولى على الأمثال القرآنية

.

الأمثال التي تضرب لله على قاعدة قياس الأولى، لا تتضمن تشبيهاً لله بأحد من خلقه، ولا الجمع بين الله تعالى وأحد من خلقه في حكم كلي يستوي فيه أفراده1.

وإنما المراد بها تقرير قاعدة تستنبط من المثل، يقرّ بها من ضُربت له الحجة، تتضمن حكماً ثابتاً لوصف، ومن ثم إلزامهم بالحكم لله بذلك الحكم لكون اتصافه بالوصف أكمل، فهو أحق بذلك الحكم.

ويتم ذلك بالخطوات الآتية:

1-

ضرب مثل يدل على صفة أو حال قائمة بالمخلوق، مع حكم لهذه الحال.

2-

يكون ثبوت الحكم لذلك الوصف أو الحال القائمة بالمخلوق متفقاً عليه من كلا المتحاجين.

3-

اتفاق المتحاجين أيضاً على أن ثبوت ذلك الوصف لله أكمل من ثبوته للمخلوق.

4-

إلزامهم بأن الله أحق بذلك الحكم لما استقر لديهم من أن ثبوت الوصف - المناط به الحكم - لله أكمل.

1 انظر: الرسالة التدمرية، ص (17) ، وما تقدم ص (120) .

ص: 1041

5-

الترقي بهم إلى إثبات الكمال الأعلى لله تعالى من ذلك الوصف الذي لا يشاركه فيه أحد. كما في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} .

تشابه مسمى الوصف بين الله والمخلوق لا يعني تماثلهما في حقيقته:

أساس قاعدة قياس الأولى هو ثبوت الكمال للمخلوق والتوصل به إلى ثبوت ذلك الكمال لله تعالى. وأن له سبحانه أقصى ما يمكن من ذلك الكمال على ما يليق به، على ما تقدم من ضوابط الكمال الذي يثبت لله بهذه القاعدة.

وهذا الأمر يقود إلى تساؤل مفاده: هل التشابه في مسمى الكمال بين الله تعالى والمخلوق يعني المماثلة في حقيقته، وأن صفة الخالق تعالى مثل صفة المخلوق؟

ولبيان إجابة هذا التساؤل أورد مقتطفات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرسالة التدمرية التي بسط فيها القول في إيضاح هذا الأمر. فمن ذلك قوله: "واتفاقهما [يعني الخالق والمخلوق] في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد، ولا في غيره

ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمي بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة

ص: 1042

والتخصيص. ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده - عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص - اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص1".

وقال مستدلاً لهذا المعنى: "فإن الله سبحانه وتعالى أخبر عما في الجنة من المخلوقات من إضافة المطاعم والملابس والمناكح والمساكن: فأخبر أن فيها لبناً وعسلاً وخمراً، وماء ولحماً، وحريراً، وذهباً وفضة، وفاكهة وحوراً وقصوراً، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء"، وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق. ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق2".

وقال رحمه الله في موضع آخر:

1 الرسالة التدمرية، ص (8) .

2 المصدر السابق ص (16) .

ص: 1043

"وهذا1يقتضي أن الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق، وهذا لا ينافي أن ما كان كمالاً للموجود من حيث هو موجود فالخالق أحق به. ولكن يفيد أن الكمال الذي يوصف به المخلوق بما هو منه، إذا وصف الخالق بما هو منه، فالذي للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه. وهذا حق، فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء. فليس له سمي ولا كفؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد، والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق.

فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها2".

قاعدة قياس الأولى.. والميزان العقلي:

قياس الأولى: كغيره من البراهين العقلية "لا بد أن يبدأ من مقدمات يقرّ بها المخالف، ينقل منها عن طريق الإلزام إلى الإقرار بما ينكره، على مبدإ المساواة بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وتسرية الحكم إلى المماثل الذي تحقق فيه الوصف المؤثر، وكون الأكمل في الوصف هو

1 إشارة إلى صفات الكمال التي يستحقها الله دون سواه.

انظر: الرسالة الأكملية، ص (71) .

2 الرسالة الأكملية، ص (73) .

ص: 1044

الأولى بالحكم1".

مثال المساواة بين المتماثلات في قاعدة قياس الأولى:

تقدم2 عند بيان الحجة التي يتضمنها قول الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أن في ذلك إلزاماً للمشركين، الذين يقرون بأن الله هو الذي خلق الإنسان، ويقرون بأن من صنع شيئاً فإعادة صنعه عليه أهون، بأن يحكموا لله بهذا الحكم ويُثبتوا أن إعادة خلق الناس وبعثهم أهون وأيسر عليه من خلقهم أول مرة، وأنه أولى بذلك لكونه أقدر وأعلم، ولكونه أولى بالكمال.

وهذا من باب التسوية بين المتماثلات.

والتساوي هذا بين الله تعالى والمخلوق في المعنى العام للوصف وهو أن كلاً منهما صانع. مع الاختلاف الكبير بين حقيقة صنع الله وصنع المخلوق، كما تقدم قريباً.

والواجب التسوية بينهما في أصل الحكم وهو أن كل صانع أقدر على إعادة صنعه وهو أهون عليه.

1 تقدم ص (1022) .

2 ص (1022) .

ص: 1045

‌المبحث الرابع: نماذج من الامثال الجارية على قياس الاولى

.

إن في الأمثال التي ضربها الله لبيان صحة التوحيد، وقبح الشرك في سورتي "النحل" و"الروم"، اللتين ورد فيهما ذكر المثل الأعلى، كفاية في تحقيق الغرض من هذا المبحث. وهو إيراد نماذج من الأمثال الجارية على قياس الأولى، وتطبيق القاعدة عليها.

كما أن هذه الأمثال الواردة في هاتين السورتين ضربت لبيان جانب من جوانب الإيمان بالله الذي هو موضوع هذا البحث.

والكلام على هذه الأمثال - في هذا المبحث - سيقتصر على بيان الحجة العقلية التي دل عليها المثل، وفهمها على قاعدة قياس الأولى. وذلك أنه سبق الكلام على دلالة السياق ونحوه عند الكلام على الآيتين اللتين دلتا على ثبوت المثل الأعلى لله رب العالمين في كلتا السورتين.

ويكون ذلك في ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في بيان الحجة في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 1.

1 سورة النحل (75) .

ص: 1047

‌المطلب الأول: في بيان الحجة في قوله تعالى:

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

.

هذا المثل ورد في سياق من سورة "النحل" نهى الله تعالى فيه عن ضرب الأمثال، معللاً النهي بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . ثم ضرب سبحانه وتعالى هذا كمثل لتعليمهم أمراً يتعلق بالقضية التي ناقشها السياق، وهي إبطال الشرك، حيث قال سبحانه قبل ذلك:

{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} 1.

نوع المثل:

هذا المثل من الأمثال الأنموذيجية، حيث جعلت نتيجة المقارنة بين المثلين - العبد المملوك، ومن رزقه الله رزقاً حسناً - أنموذجاً منصوباً أمام عقل السامع ليقيس عليه ما يناسبه ويعتبر به، فيسوي بين المتماثلات في الأحكام ويفرق بين المختلفات.

1 سورة النحل الآيتان (73-74) .

ص: 1049

ونوع القياس:

القياس في هذا المثل من قياس الأولى الشمولي.

وقد تقدم أن قياس الأولى يكون شمولياً، ويكون تمثيلياً1.

وتقدم2 بيان أن القياس الشمولي يشتمل على قضايا وأحكامٍ عامة تشمل سائر الأفراد المماثلة لما جاء في المثل. وأنه يستند إلى مبدإ شمول الأحكام للمتماثلات الذي تقضي به أصول الحقائق، فينتج أحكاماً عامة تشمل سائر الأفراد المماثلة لما جاء في المثل.

ويختلف قياس الأولى الشمولي عن سائر أنواع القياس الشمولي في أن تسرية الحكم فيه للمضروب له المثل لا تكون بدخوله كفرد من أفراده، وإنما باستحقاقه ذلك عن طريق الأَوْلى، بالقاعدة التي تقدم إيضاحها قريباً.

والقياس في هذا المثل من قياس العكس، وهو القياس القائم على التفريق بين المختلفات.

قال ابن القيم رحمه الله مبيناً نوع القياس في هذا المثل والمثل الذي ذكره الله بعده: "وهذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس، وهو نفي الحكم

1 ص (118) .

2 ص (109) .

ص: 1050

لنفي علته وموجبه.

فإن القياس نوعان: قياس طرد1 يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه. وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه2".

بيان المضروب له المثل:

للمفسرين في المراد بالمضروب له المثل قولان:

الأول: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر.

وقال به من السلف: ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة رحمه الله وغيرهما3.

الثاني: أنه مثل ضربه الله لنفسه - تعالى - والآلهة التي تُعبد من دونه. وقال به مجاهد رحمه الله وغيره4.

قال ابن القيم رحمه الله: "فالمثل الأول: ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان، فإن الله سبحانه هو المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على عبيده سراً وجهراً،

1 قياس الطرد: يقوم على مبدإ التسوية بين المتماثلات.

2 الأمثال في القرآن الكريم، ص (204) .

3 انظر: جامع البيان، لابن جرير (7/622) ، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (2/578) ، والأمثال في القرآن الكريم ص (205)

4 المصادر السابقة نفسها.

ص: 1051

ليلاً ونهاراً، يمينه ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار. والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف تجعلونها شركاء لي تعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين. هذا قول مجاهد وغيره.

وقال ابن عباس: وهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده، ثم رزقه منه رزقاً حسناً فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سراً وجهراً، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز، لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟ والقول الأول أشبه بالمراد. فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسباً بقوله تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ".1

تحرير المضروب له المثل:

في النقل المتقدم رجح ابن القيم رحمه الله أن المثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان. وذكر أهم الأدلة على هذا الترجيح، وهي:

1-

اتفاقه مع الموضوع الذي يعالجه السياق، وهو بيان تفرد الله بالألوهية، وإبطال الشرك. عبّر عنه بقوله:

1 الأمثال في القرآن الكريم، ص (205) .

ص: 1052

"فإنه أظهر في بطلان الشرك". وقد ورد قبل المثل قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا} الآية، فناسب أن يذكر مثلاً يبين فيه عدم صحة مساواة من لا يقدر على شيء بمن بيده ملك كل شيء في الألوهية.

2-

أن الله نهى المشركين والجاهلين عن ضرب الأمثال له سبحانه معللاً ذلك بأنه يعلم وهم لا يعلمون، فناسب أن يضرب لهم مثلاً يعلمهم وينبه به عقولهم إلى صحة التوحيد وبطلان الشرك.

3-

في قوله: "وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة"، إشارة إلى أن اعتبار المراد بالمثل المؤمن والكافر، خروج من كون المثل حجة على المشركين إلى كونه خبراً لا يسلّم به إلا المؤمنون. وذلك يتبين في وجهين:

الأول: أن المثل يصبح المقصود به بيان حال المؤمن بتشبيهه بمن رزقه الله رزقاً حسناً، وبيان حال الكافر بتشبيهه بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. ولا يكون هناك حجة يلزم بها المشركون.

الثاني: أن المشركين لا يقرون بهذا وينكرون أن تكون حالهم - وهم الكفار - مثل الذي لا يقدر على شيء. ويستدلون لإبطال هذا الخبر بحالهم وحال أغلب المسلمين في مكة حيث إن الغالب أن المال والجاه والزعامة بأيدي المشركين، والغالب على المسلمين الرق والضعف والفقر.

ص: 1053

لذلك قال ابن القيم رحمه الله: "وأوضح عند المخاطب".

فلهذه الاعتبارات يكون المراد بالمثل هو: إقامة حجة لإثبات تفرد الله بالألوهية واستحقاقه وحده للعبادة، وبطلان الشرك، وعدم صحة المساواة بينه وبين الأصنام أو غيرها من المخلوقات في الألوهية.

بيان الحجة التي دل عليها المثل:

تدور أقوال أهل العلم في تفسير هذا المثل على أنه يدل على إلزام المشركين ببطلان التسوية بين الله المتصف بالكمال والغنى والقدرة التامة، وبين الأصنام ونحوها المتصفة بالنقص والعجز، في الألوهية واستحقاق العبادة. ومن أقوالهم في ذلك:

قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فبيّن أن كونه مملوكاً عاجزاً صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا. وهذا لله وذاك لما يُعبد من دونه1".

قوله: "وهذا لله": يشير إلى صفة الكمال. وقوله: "وذاك لما يُعبد من دونه": يشير إلى صفة النقص.

وتقدم كلام ابن القيم رحمه الله حول المثل، ومنه قوله: "فإن الله سبحانه هو المالك لكل شيء

والأوثان مملوكة عاجزة،

1 انظر: الرسالة الأكملية، ص (16) ، ومجموع الفتاوى (6/80)

ص: 1054

لا تقدر على شيء، فكيف تجعلونها شركاء لي تعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ "1.

وقال الشوكاني رحمه الله: "قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً} لما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} : أي بالمعلومات التي من جملتها كيف تُضرب الأمثال، {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

علّمهم الله سبحانه وتعالى كيف تُضرب الأمثال فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً} ، أي: ذكر شيئاً يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه وبين ما جعلوه شريكاً له من الأصنام.." إلى أن قال: "أي هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر؟ ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم. فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه؟ "2.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم، أنهم يعبدون من دونه آلهة اتخذوها شركاء لله.

1 الأمثال في القرآن الكريم، ص (205) .

2 فتح القدير (3/181) .

ص: 1055

والحال أنهم لا يملكون لهم رزقاً من السموات والأرض

فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسموات، الذي له الملك كله، والحمد كله، والقوة كلها؟!.

ولهذا قال: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه. {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم، وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال، فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يُعبد من دونه.

أحدهما: عبد مملوك، أي رقيق لا يملك نفسه، ولا يملك من المال والدنيا شيئاً.

والثاني: حر غني قد رزقه الله منه رزقاً حسناً، من جميع أصناف المال، وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سراً وجهراً. هل يستوي هذا وذاك؟! مع أنهما مخلوقان، وغير محال استواؤهما.

فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق والعبد، الذي ليس له ملك ولا قدرة، ولا استطاعه، بل هو فقير من جميع الوجوه، بالرب المالك لجميع الممالك، القادر على كل شيء؟!.

ولهذا حمد نفسه، واختص بالحمد بأنواعه، فقال:{الْحَمْدُ لِلَّهِ} .

فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فَلِمَ سوَّى المشركون آلهتهم بالله؟ قال:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فلو علموا حقيقة العلم، لم يتجرؤوا على

ص: 1056

الشرك العظيم"1.

وقال صاحب "صفوة التفاسير": "هذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي أشركوها مع الله جلّ وعلا. أي مثل هؤلاء في إشراكهم مثل من سوَّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وتعالى، فما الظن برب العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات؟ "2.

إيضاح الحجة على قاعدة قياس الأولى:

تقدم أن قاعدة قياس الأولى تقوم على خطوات يُلزم بها المخاطبون بالقضية التي ضُرب لها المثل. أذكر فيما يلي تلك الخطوات وما يمثل كلَّ خطوة في المثل المذكور في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا

} الآية.

أولاً: تقدم أنه يذكر في المثل صفة أو حال قائمة بالمخلوق متفق على حكمها بين المتحاجين.

وهي هنا: المقارنة بين حال رجل عبد مملوك لا يملك أمر نفسه، ولا

1 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (4/221، 222) .

2 محمد علي الصابوني، (2/136) ، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الثالثة، 1402هـ.

ص: 1057

يملك من المال والدنيا شيئاً، وحال رجل حر غني أعطاه الله رزقاً حسناً يتصرف فيه كما يشاء. ونتيجة المقارنة وهي: عدم استوائهم مسلمة عند المخاطبين.

ثانياً: الحكم وهو نتيجة المقارنة الذي تقطع به العقول وهو: عدم استوائهما في الحقوق والمنزلة بين الناس، وأن التسوية بينهما جهل وسفه.

ثالثاً: إقرار المخاطبين بأن تحقق وصف الكمال الثابت لذلك المخلوق في الله تعالى أتم وأكمل، وأنّ تحقق وصف النقص والعجز الثابت للآخر في الأصنام أتم.

رابعاً: إلزامهم بوجوب الحكم لله بهذا الحكم، وهو عدم التسوية بينه وبين الأصنام ونحوها في الحقوق. وأن الله أَوْلَى بأن لا تُجعل تلك الأصنام مساوية له في الألوهية واستحقاق العبادة، وذلك يبطل الشرك الذي هم متلبسون به.

خامساً: يُنقَلون بعد هذا - إذا أقروا به - إلى إثبات "المثل الأعلى" وهو أن الله أعلى وأكمل من كل مخلوق، فلا يوجد من يساويه في الكمال، وعليه فلا يوجد من يساويه فيكون نداً له في الألوهية واستحقاق العبادة. والله أعلم.

ص: 1058

‌المطلب الثاني: في بيان الحجة في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

1.

هذا المثل ورد في سورة "النحل" بعد المثل الذي تم بيان الحجة التي يدل عليها في المطلب السابق.

والقول في: دلالة السياق، ونوع المثل والقياس الذي تضمنه، والغرض الذي ضرب من أجله، كالقول في المثل قبله.

فهذا المثل هو حجة أخرى بيّنها الله تعالى لإبطال الشرك، وأن التسوية بين الكامل والناقص غير صحيحة في دلالة العقول.

بيان الحجة التي دل عليها المثل:

تدور تفاسير أهل العلم لهذا المثل على أنه يتضمن الاحتجاج على المشركين بنظر العقول الصحيحة التي تحكم ببطلان التسوية بين الكامل الذي يتكلم ويدل على الخير وهو مستقيم على الحق لا يزول عنه، وبين الناقص الأبكم الذي لا يأتي بخير. وبذلك يبطل ما يزعمه المشركون من

1 سورة النحل (76)

ص: 1059

التسوية بين الله تعالى والأصنام حيث جعلوها آلهة مع الله تعالى عن ذلك.

قال ابن جرير رحمه الله: "وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه، والآلهة التي تُعبد من دونه، فقال تعالى ذكره:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئاً، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع، لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر عنه

{هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ} يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكَلّ على مولاه، الذي لا يأتي بخير حيث توجه، ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق، ويدعو إليه، وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته؟ يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف"1.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا مثل آخر. فالأول: مثل العاجز عن الكلام وعن الفعل، الذي لا يقدر على شيء، والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فهو عادل في أمره، مستقيم في فعله

فلا يستوي هذا، والعاجز عن الكلام والفعل"2.

1 جامع البيان، (7/622، 623) .

2 مجموع الفتاوى، (6/80) .

ص: 1060

وقال الشوكاني رحمه الله ما معناه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً} أي مثلاً آخر أوضح مما قبله، وأظهر منه

لأن حاصل أوصاف الأول عدم استحقاقه لشيء، وحاصل أوصاف الثاني أنه مستحق أكمل استحقاق. والمقصود الاستدلال بعدم تساوي هذين المذكورين على امتناع التساوي بينه سبحانه وما يجعلونه شريكاً له1.

وقال محمد بن علي الصابوني: "هذا هو المثل الثاني للتفريق بين الإله الحق والأصنام الباطلة، قال مجاهد: هذا مثل مضروب للوثن والحق تعالى: فالوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير، ولا يقدر على شيء بالكلية، لأنه إما حجر أو شجر. {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} أي ثقيل عالة على وليه، {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي حيثما أرسله سيده لم ينجح في مسعاه لأنه أخرس، بليد ضعيف. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي هل يستوي هذا الأخرس، وذلك الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة، مستنير بنور القرآن؟ وإذا كان العاقل لا يسوِّي بين هذين الرجلين، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو

1 انظر: فتح التقدير، (3/182) .

ص: 1061

القادر العليم، الهادي إلى الصراط المستقيم"1.

إيضاح الحجة على قاعدة قياس الأولى:

أولاً: تضمن المثل ذكر حال رجلين: أحدهما: أبكم لا يقدر على شيء، ولا يستفاد منه خير. والآخر: متكلم فصيح عادل في أمره، مستقيم في فعله. والمراد لفت عقول المخاطبين إلى المقارنة بينهما. ونتيجة المقارنة مسلمة عندهم.

ثانياً: الحكم وهو نتيجة المقارنة، حيث تقطع بعدم استوائهما وأن التسوية بينهما جهل وضلال.

ثالثاً: إقرار المخاطبين بالمثل - وهم المشركون من كفار العرب - بأن تحقق الوصف الكامل في الله تعالى أتم، وأنه أعلى وأجل، وتحقق الوصف الناقص في الأصنام أتم، وهي أعجز من ذلك الرجل الأبكم الموصوف في المثل.

رابعاً: إلزام المشركين بوجوب الحكم لله بهذا الحكم. وهو عدم التسوية بينه وبين الأصنام في الألوهية واستحقاق العبادة. وأنه أولى بهذا الحكم، لأن الفرق بينه وبين تلك الأصنام أعظم مما بين المخلوق والمخلوق ممن ذكرت أوصافهم.

وبذلك يبطل الشرك الذي يتلبسون به.

1 صفوة التفاسير، (2/136) .

ص: 1062

خامساً: ينقلون بعد هذا - إذا أقروا به - إلى إثبات "المثل الأعلى" لله تعالى، وهو أن الله أعلى وأكمل من كل مخلوق، فلا يوجد من يساويه في الكمال، وعليه فلا يوجد من يساويه فيكون نداً له في الألوهية واستحقاق العبادة.

ص: 1063

مثال التفريق بين المختلفات في قاعدة قياس الأولى:

مما ورد في ذلك قول الله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} 1.

ففي هذه الآية الكريمة ينكر سبحانه على من ساوى بينه وبين تلك الآلهة المزعومة في الألوهية والعبادة، مبيناً أن مقتضى النظر العقلي هو عدم التسوية. وذلك أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، والذين يدعون من دونه لا يخلقون شيئاً، وهذا بإقرارهم، فيلزمهم التفريق بين الله وهذه الآلهة الباطلة إذ لا يجوز أن يُسوَّى بين الخالق لكل شيء وبين من لا يخلق شيئاً في الألوهية واستحقاق العبادة؛ والتسوية بينهما ظلم وجهل.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم"2.

وهذا المعنى - هو جريان الأمثال والحجج العقلية على مبدإ التفريق بين المختلفات - كثير في أمثال القرآن الكريم.

وسوف يأتي مزيد تطبيقات على قاعدة قياس الأولى في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.

1 سورة النحل (17)

2 الرسالة الأكملية، ص (16) .

ص: 1064

‌المطلب الثالث: في بيان الحجة في قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}

1.

نوع المثل:

نوع المثل والقياس مثل الأمثال المتقدمة. وقد تقدم بيان ذلك في المطلب الأول2.

دلالة السياق:

تقدم3 بيان أن سورة "الروم" تتحدث عن قضيتين هامتين:

الأولى: إثبات البعث بعد الموت. وقد جرى بيانها في النصف الأول من السورة.

الثانية: إثبات التوحيد، وإبطال الشرك وعبادة الأصنام الذي كان عليه مشركو العرب. وتولى بيانها النصف الثاني من السورة.

وأن الآية التي ورد فيها إثبات المثل الأعلى لله تعالى جاءت في وسط

1 سورة الروم (28) .

2 ص (1049) .

3 ص (889) .

ص: 1064

السورة. وهي تشتمل على دليل من أوضح الأدلة العقلية على إثبات البعث بعد الموت. وجاء بعدها مباشرة هذا المثل، الذي هو من أوضح الأدلة العقلية على بطلان الشرك، ووجوب توحيد الله وإفراده بالعبادة.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 1.

الغرض من ضرب المثل:

هذا المثل مضروب لإبطال الشرك، ببيان الفرق العظيم بين الله تعالى المتصف بالكمال والغنى، وبين تلك الأصنام وغيرها من المخلوقات الناقصة، وبطلان التسوية بينها وبين الله تعالى في الألوهية، والعبادة.

قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا دليل قياس، احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم. ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ

1 سورة الروم (27، 28) .

ص: 1065

الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها"1.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "هذا مثل ضربه الله لقبح الشرك وتهجينه، مثلاً من أنفسكم، لا يحتاج إلى حل وترحال، وإعمال الجمال"2.

وقال الشوكاني رحمه الله: "أي مثلاً منتزعاً ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك، كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً"3.

بيان الحجة التي دل عليها المثل:

هذا المثل يتضمن حجة لإبطال الشرك من وجهين:

الأول: إبطال التسوية بين السيد والعبد في الاستحقاق في دلالة العقول السليمة، مما يلزمهم بالحكم بعدم التسوية بين الله وتلك الآلهة الباطلة التي هي من جملة عبيده، وأنه أولى بهذا الحكم.

الثاني: أنهم إذا كانوا يعدون مشاركة عبيدهم لهم نقصاً يتنزهون منه، فإن الله أولى بالتنزه من هذا النقص، وأولى بأن لا يكون له من عبيده شريكاً إذ هو سبحانه أولى بكل كمال وأبعد من كل نقص.

1 الأمثال في القرآن الكريم، ص (202) .

2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/123)

3 فتح القدير، (4/223) .

ص: 1066

فهذا المثل مع إيجاز لفظه تضمن حجتين عظيمتين في إبطال الشرك. لذلك ذكر الله أنه من الأمثال التي يفصّل بها آياته لهداية الناس، فقال سبحانه معقباً على المثل:{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

وأقوال المفسرين لا تخرج عن هاتين الحجتين، وأكثرهم يكتفي بذكر الحجة الثانية - وهي أن الله أولى منهم بالتنزه من مشاركة العبيد - لأنها تتضمن الحجة الأولى - وهي إبطال المساواة بين العبد وسيده في الحقوق.

قال ابن جرير رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: مثَّل لكم أيها القوم ربكم مثلاً من أنفسكم، هل لكم مما ملكت أيمانكم، يقول: من مماليككم، من شركاء فيما رزقناكم من مال، فأنتم فيه سواء وهم. يقول: فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء في عبادتكم إياي، وأنتم وهم عبيدي ومماليكي، وأنا مالك جميعكم"1.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال

1 جامع البيان، (10/181) .

ص: 1067

والغنى منكم؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد"1.

قوله: "لما في ذلك من النقص والظلم" فيه إشارة إلى تضمن المثل للحجتين.

فالنقص: إنما يكون من نسبة الشركاء لله وهم عبيده، وذلك ما يعتبره المشركون أنفسهم نقصاً يتنزهون منه.

والظلم: يكون في التسوية بين الله، وبين عبيده في الألوهية.

وقال ابن القيم رحمه الله: "والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك

؟ فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم لي من خلقي من هو مملوك لي، فإن كان هذا الحكم باطلاً في خاطركم وعقولكم

فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي؟ مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي. فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول"2.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "أي: هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء، يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء

؟

1 مجموع الفتاوى، (6/80) .

2 الأمثال في القرآن الكريم، ص (203) .

ص: 1068

ليس الأمر كذلك، فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم، شريكاً لكم فيما رزقكم الله تعالى

فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكاً من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلاً له في العبادة، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ "1.

وقال الشيخ محمد الشوكاني رحمه الله: "والمراد: إقامة الحجة على المشركين. فإنهم لا بد أن يقولوا لا نرضى بذلك. فيقال لهم: فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟

فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله، ولم يبقَ إلا أنه الرب وحده لا شريك له"2.

إيضاح الحجة على قاعدة قياس الأولى:

أولاً: تضمن هذا المثل العظيم حجة ترتكز على حال يعرفها المشركون من أنفسهم هي:

- عدم تسويتهم بين أنفسهم وعبيدهم في الحقوق.

- وعدم قبولهم ورضاهم أن يشاركوا عبيدهم فيما رزقهم الله من

1 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/124) .

2 فتح القدير، (4/223) .

ص: 1069

الأموال والممتلكات.

ثانياً: الحكم - وهو النتيجة المستفادة من الاعتبار بالمثل. والحكم المستفاد من هذا المثل له شقان:

الأول: حكمهم بعدم استواء السادة مع العبيد في الحقوق. ومن ذلك حق التملك والمشاركة.

الثاني: حكمهم بأن مشاركة العبد لسيده فيما يملك نقص، وعدم قبولهم ورضاهم بذلك.

ثالثاً: إقرار المحتج عليهم بأن الله هو المالك السيد لكل شيء، وأن كل ما سواه فهم مماليكه وعبيده، ومن ذلك الأصنام التي عبدوها من دون الله تعالى.

رابعاً: إلزام المشركين بأن يحكموا لله بتلك الأحكام المستفادة من الاعتبار بصورة المثل.

فالحكم الأول: أنه لا يجوز أن يسوى بين الله وبين تلك الأصنام - التي هي من عبيده ومماليكه في حقه سبحانه، فيجعلون شركاء له في الألوهية والعبادة. وذلك أنه - سبحانه - أولى بهذا الحكم لأن ملكه وسيادته أتم، فهو الذي كمل سؤدده، ولأن تحقق العبودية في الأصنام أتم. فالفرق بينها وبين الله تعالى أعظم من الفرق بين السادة وعبيدهم.

والحكم الثاني: أن الله تعالى أولى بالتنزه من هذا النقص الذي لا يرضاه المشركون لأنفسهم، وهو مشاركة عبيدهم لهم في أموالهم

ص: 1070

وممتلكاتهم، فالله أعلى وأجل منهم وأولى بالتنزه من كل نقص، وأولى بأن لا يكون له شريك من عبيده ومماليكه في الألوهية والعبادة.

خامساً: يتعدى مدى المثل هذا - وهو إبطال صحة اتخاذ الأصنام شركاء لله في العبادة - إلى إثبات (المثل الأعلى) لله تعالى بإثبات تفرده بالألوهية. وذلك أن كل ما سوى الله فهو عبد لله مملوك له، سواء في ذلك الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين وغيرهم. فلا يوجد من يساويه في الألوهية، لعدم جواز مساواة العبد لسيده، ولأن إشراك أحد من خلق الله وعبيده في الألوهية نقص يتعالى ويتنزه الله عنه.

وقد تقدم قريباً كلام الشوكاني رحمه الله الذي أشار فيه إلى هذا المعنى، حيث قال:"فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد لله، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له"1.

1 فتح القدير (4/223) .

2الأمثال القرآنية القياسية للدكتور عبد الله الجربوع

ص: 1071

‌المبحث الخامس: أهم الفوائد التي دل عليها ثبوت المثل الأعلى لله تعالى

.

استغرق الحديث عن المثل الأعلى والآيات التي ورد فيها إثباته لله تعالى في المباحث السابقة، ما يتعلق بالفوائد التي تستفاد من ذلك. وذلك يغني عن التفصيل فيها. لذلك سأكتفي في هذا المبحث بحصر أهم الفوائد، وذكر مأخذ كل فائدة، مع البيان لما أرى أنه يحتاج إلى بيان مما لم يرد فيما تقدم من المباحث.

وأهم الفوائد التي دل عليها ثبوت المثل الأعلى لله تعالى هي:

الفائدة الأولى: اتصاف الله بصفات الكمال وتفرده بها.

ومأخذ الفائدة من دلالة المعنى الأول والأساس الذي يفسر به "المثل الأعلى" وهو: المثل الأعلى الحقيقي القائم بذات الله تعالى، الذي يدل على: تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية وخصائصهما من جميع صفات الكمال.

والقاعدة في ذلك: أن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق ثابت لله تعالى وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه.

وتقدم الحديث عن هذا المعنى، وبعض النصوص الدالة عليه بما يغني عن إعادته1.

1 انظر: ص (956) وما بعدها.

ص: 1073

الفائدة الثانية: أن الأصل في معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه على عباده، وغيرها من المطالب الدينية، هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومأخذ هذه الفائدة من المعنى الثاني الذي يفسر به المثل الأعلى.

وهو: المثل الأعلى العلمي الخبري، الدال على وجود صفات الله تعالى وذكرها في نصوص الكتاب والسنة1.

الفائدة الثالثة: أن أصل الإيمان هو ما يقوم في قلوب المؤمنين من إثبات المثل الأعلى لله تعالى باعتقاد تفرده بالربوبية والألوهية وسائر صفات الكمال.

ومأخذ هذه الفائدة من المعنى الثالث الذي يفسر به المثل الأعلى لله تعالى، وهو: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لرب العالمين.

وتقدم2 أن المراد به هو: توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية، وأن له الأسماء الحسنى، وله من كل كمال أكمله وأعلاه على ما يليق به سبحانه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وذكره وعبادته.

كما تقدم3 أن ثمرة إثبات المثل الأعلى لله تعالى هي: توحيد الله

1 انظر ما تقدم ص (931) وما بعدها.

2 ص (932) .

3 ص (934) .

ص: 1074

وإقامة الدين له.

وهذه الفائدة تدل على أهمية تعلم التوحيد وتحقيقه لسلامة الإيمان وقوته، مما يوجب العناية بتعلّم ما ورد في الكتاب والسنة مما يتعلق بتوحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.

الفائدة الرابعة: أن تفرد الله بالألوهية، هو الوصف الأساس في ثبوت المثل الأعلى لله تعالى، وكل الصفات الأخرى هي من خصائص الإله الحق تبارك وتعالى، ودالة عليه.

وتقدم1 أن الربوبية هي أخص أوصاف الإله الحق، وآثارها في الكون أكبر دليل على تفرده بالألوهية؛ وأن ذلك مراد أهل العلم بقولهم: الإقرار بتفرد الله بالربوبية يستلزم الإقرار بتفرده بالألوهية.

كما تقدم أن سائر صفات الكمال من خصائص الإله الحق، ويخبر بها عن اسمه تعالى (الله) الدال على اتصافه بالألوهية.

وأجمع الآيات التي تدل على هذا المعنى ما ورد في أواخر سورة الحشر، حيث بدأ بذكر اسمه (الله) الدال على ألوهيته سبحانه، ثم ذكر تفرده بها بقوله (لا إله إلا هو) ثم أخبر عن ذلك بجملة من أسمائه.

قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ

1 ص (764) .

ص: 1075

الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} 1.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " (الله) عَلَم على الرب تبارك وتعالى

ويقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ

} إلى آخر السورة. فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له"2.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: " (الله) هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية، التي هي صفات الكمال"3.

1 سورة الحشر (22/24) .

2 تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، ص (28) . وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم، (1/27) ، تحقيق بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الرياض، الطبعة الأولى، 1415 هـ.

3 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، فصل في شرح أسماء الله الحسنى (5/620) .

ص: 1076

وثمرة هذه الفائدة هي العناية بتوحيد الألوهية، وإخلاص العبادة له، في جميع المجالات العلمية والدعوية، والتربوية، والإعلامية، وغيرها.

الفائدة الخامسة: أن معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة من صفات الله تعالى هي المحرك للمحبة في قلوب المؤمنين.

فقيام المثل الأعلى الاعتقادي في قلوبهم لله رب العالمين، وتحقيق التوحيد، هو الذي يجذبها إلى الله. وتهيج المحبة في قلوب المؤمنين كلما ذَكروا أو ذُكِّروا بأسماء الله وصفاته وإنعامه.

ومأخذ هذه الفائدة ما تقدم1 من وجود تلازم بين قيام المعرفة بأسماء الله وصفاته وإثباتهم المثل الأعلى له سبحانه وبين محبتهم له. وأن المحب يتمثل صفات محبوبه وأسماءه. وهذا التمثل هو علمه بها، وتذكرها أو ذكره بها.

وتقدم2 أن المثل الأعلى العلمي الاعتقادي شامل لما يقوم في قلب المؤمن من حقائق التوحيد: من معرفة الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية. وسائر صفات الكمال وما ينتج عن ذلك من أعمال القلوب كالمحبة ونحوها.

ولذلك فأهل العلم والإيمان يجدون لقراءة القرآن وسماعه ومدارسته

1 ص (927) .

2 ص (932) .

ص: 1077

حلاوة خاصة، حيث يتلذذون بسماع كلام محبوبهم الرحمن الرحيم، وذكر أسمائه وصفاته، وما أعده لعباده وأوليائه، من الكرامة في الدنيا والآخرة، وغير ذلك مما ينير لهم الطريق، ويبين لهم الحكم.

فيكسبهم سماع القرآن حالاً عجيباً، بينه الله تعالى بقوله:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَآءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 1.

في هذه الآية وصف الله عباده المؤمنين حقاً بصفتين:

الأولى: في قوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} .

"لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف"2.

ومن ذلك سماعهم لأسماء الله التي تبعث في القلب الخوف والخشية كالجبار، والقهار، والعزيز، ونحوها.

الثانية: في قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .

1 سورة الزمر (23) .

2 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (4/50) .

ص: 1078

أي يذهب انقباض جلودهم وقلوبهم وتسكن وتطمئن عند سماع ما يذكره الله من ثوابه ورحمته وجنته1. ومن ذلك سماعهم لأسماء الله التي تبعث في القلب المحبة والرجاء، كالكريم، والمؤمن، والرحيم.. ونحوها.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في المراد بقوله {مَثَانِيَ} : "أي: تثنى فيه القصص والحكايات، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته.

وهذه من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب بمنزلة الماء لسقي الأشجار"2.

وقد بيّن الإمام ابن كثير رحمه الله الفرق بين سماع عباد الله المتقين والأبرار وبين غيرهم من اللاهين والفجار، فقال: "فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:

(أحدها) : أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.

(الثاني) : أنهم إذا تليتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً

1 انظر: فتح القدير، للشوكاني (4/459) .

2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/464) .

ص: 1079

بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم

(الثالث) : أنهم يلزمون الأدب عند سماعهم كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله لم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة"1.

ومما تقدم تبين الأثر العظيم لكتاب الله تعالى في إثارة الخوف والمحبة والرجاء لله تعالى في قلوب المؤمنين، وإقبال المؤمنين على كتاب الله يستمدون به من الله تلك الآثار المباركة وغيرها من الهدايات.

وهذه الفائدة تبين خطأ وضلال من ينتسب إلى الزهد والعبادة والذكر من جهال المتصوفة الذين لبّس عليهم الشيطان فأوهمهم أن أفضل مايحرك محبة الله في القلوب هو سماع وإنشاد القصائد الغزلية، التي يناجي فيها الشاعر محبوبته ويتغنى بجمالها وأوصافها.

ولم يزل بهم حتى أضافوا إليها الدفوف والمزامير والأصوات المطربة.

وتمادى ببعضهم الغي حتى فضل السماع بهذه الطريقة في إثارة كامن الحب لله تعالى على القرآن الكريم، وحشد الدلائل على ذلك،

1 تفسير القرآن العظيم، (4/51) .

ص: 1080

وزخرف الشبهات1.

وبذلك نفقت سوق الأشعار والغناء بين مُدّعي العبادة والزهد، وأقبلوا عليها يحفظونها ويتقربون إلى الله بها بزعمهم، وصُرفوا بها عن السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك من جهلهم بالله العظيم.

فلو قام المثل الأعلى الاعتقادي في قلوبهم، لما ارتاحت نفوسهم ولا أنست قلوبهم إلا للمثل الأعلى العلمي المبين في الكتاب والسنة. الذي يحدثهم عن ربهم ومعبودهم الحق، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظيمة، وسننه المباركة. ولوجدوا لذلك أعلى مراتب الأنس والبهجة واللذة. لذلك قال الله تعالى في ختام الآية:{ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَآءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 2.

الفائدة السادسة: أن ربوبية الله تعالى، وأفعاله المشاهدة في الكون هي أكبر دليل على تفرد الله بالمثل الأعلى، وأنه الإله الحق المستحق وحده للعبادة.

ومأخذ هذه الفائدة من دلالة السياق في السورتين اللتين ورد فيهما ذكر المثل الأعلى. وهما سورة "النحل"، وسورة "الروم".

فقد تقدم في تلخيص ما دل عليه سياق سورة "النحل" أنه تضمن

1 انظر: ما تقدم ص (434) وما بعدها.

2 انظر للاستزادة: إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، (1/344-406) .

ص: 1081

"بيان دلائل الحق على تفرد الله بالمثل الأعلى، وأنه إله واحد لا شريك له في ألوهيته أو ربوبيته وصفاته، وذلك بالإكثار من ذكر أسمائه وصفاته، وأفعاله، ومظاهر ربوبيته"1.

وورد في تلخيص ما دلّ عليه السياق في القسم الأول من سورة "الروم" أنه ركز "على ذكر الدلائل العقلية على إمكان البعث وكان محور الاستدلال على ذلك هي مظاهر ربوبية الله، وآثار أفعاله التي يشاهدها الناس، وذكر أهم خصائص الربوبية من تفرد الله بالملك، والأمر الكوني، والخلق والتدبير التي توجب لمن تأملها القطع بقدرة الله العظيمة على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء، ومن ذلك البعث بعد الموت".2

وتقدم أن السياق في القسم الثاني من سورة "الروم" ذكر فيه بعض الأدلة العقلية على تفرد الله بالربوبية مما يوجب إفراده بالألوهية والتعبد.

والاستدلال بتفرد الله بالربوبية على تفرده بالألوهية، هو ما يعبر عنه أهل العلم بقولهم: الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية.

بل إن ما يشاهد من آثار ربوبية الله يستلزم إفراده سبحانه بالألوهية وسائر أوصاف الكمال، لما تدل عليه أفعاله وما يشاهد من آثارها من قوة الله وعظمته وجماله وجلاله، وغيرها من مدلولات أسمائه الحسنى

1 تقدم في ص (772) .

2 تقدم ص (899) .

ص: 1082

تبارك وتعالى.

وهذا معنى عزيز، ورد كثيراً في القرآن الكريم، ومن أجمع ما ورد لعناصر هذا الدليل، تلك الآيات المباركة من سورة "النمل" حيث قال تعالى:{قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} 1.

فكل آية من هذه الآيات تتضمن دليلاً عقلياً على تفرد الله تعالى

1 سورة النمل الآيات (59-64)

ص: 1083

بالألوهية، وبطلان ألوهية ما سواه. وهذه الأدلة من جنس واحد، وتتشابه في الأمور الآتية:

1-

الأسلوب القائم على الاستفهام الإنكاري، الذي يدل على نفي التسوية بين من يملك الربوبية، ومن لا يملك منها شيئاً.

2-

استناد الحجة في كل آية إلى مظهر من مظاهر ربوبية الله تعالى، وهو أساس الدليل.

3-

تقدير تمام الاستفهام فيها جميعاً بنحو: "كمن لا يقدر على شيء من ذلك؟ ".

ويكون تقدير المفهوم من قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} الآية، كمن لا يَقْدِر على شيء من ذلك؟ وهكذا في الآيات بعدها.

4-

ختم الآية بما يدل على نتيجة الدليل في قوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} وهو استفهام إنكاري آخر مبني على الاستفهام الأول في قوله: {أَمَّنْ} . يدل على عدم صحة التسوية بين الله وغيره في الألوهية، لعدم صحة التسوية بينه سبحانه وبينهم في الربوبية.

فاتصاف الإله المعبود بالربوبية هو الوصف المؤثر والأصل في تأله

ص: 1084

العبد - حيث إنه يتوجه بالعبودية والدعاء لمن يملك نفعه، ودفع الضر عنه، ونصره، وجلب الرزق له، وتحقيق الخير له في الدنيا والآخرة.

فالحكم بتفرد الله بالألوهية مناط بالوصف المؤثر وهو اعتقاده تفرد الله بالربوبية.

فإذا أقر العبد بالربوبية لله دون سواه، لزمه أن لا يتخذ له إلهاً يعبده سواه سبحانه.

وهذا المعنى هو الذي تتظافر هذه الأدلة لإثباته وإلزام المخاطبين بالقرآن من المشركين به.

قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} : "استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع تعالى يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره

وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة، من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى:{أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} أي: أإله مع الله يُعبد، وقد تبيّن لكم ولكل ذي لب

أنه الخالق الرازق؟

ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} فَعَل هذا؟

وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: "ليس ثَمَّ أحد فعَل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره

ص: 1085

وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} 1 الآية.

وقوله تعالى ههنا: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} ، (أمن) : في هذه الآيات كلها تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر، لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك"2.

الفائدة السابعة: دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولى.

وتقدم البيان لمأخذ هذه الفائدة، وبعض ما يتعلق بها في المبحث الثالث من هذا الفصل3.

الفائدة الثامنة: إبطال الشرك بالأدلة العقلية المتجلية بالأمثال المضروبة الجارية على قياس الأولى.

ومأخذ هذه الفائدة من الأمثال التي وردت في سياق الآيتين اللتين ورد فيهما ذكر المثل الأعلى. وتم بيان ما في تلك الأمثال من الأدلة على

1 سورة النحل (17) .

2 تفسير القرآن العظيم (3/369) .

3 ص (1031) وما بعدها.

ص: 1086

إبطال الشرك في المبحث الرابع من هذا الفصل1.

الفائدة التاسعة: إثبات البعث بعد الموت بالدلائل العقلية الجارية على قاعدة قياس الأولى.

ومأخذ هذه الفائدة القسم الأول من سورة "الروم" الذي ناقش قضية البعث بعد الموت. وقد بيّنتُ أنواع الأدلة على البعث التي وردت في السورة فيما سبق من الحديث عن دلالة ذلك السياق2.

1 ص (1047) وما بعدها.

2 ص (890) وما بعدها.

ص: 1087

الخاتمة

بعد هذه المسيرة الممتعة المباركة - إن شاء الله تعالى - لما تم بحثه من الأمثال، والآيات المتعلقة بها، والتي جرت دراستها - بحمد الله - في ثلاثة أبواب، أختم هذه الدراسة بذكر أهم النتائج التي أنجزت فيها، وتوصيات تتعلق بالأمثال.

أهم النتائج:

تحقق بهذا البحث - بفضل الله - نتائج كثيرة، من أهمها:

أولاً: رسم منهج واضح متكامل - إن شاء الله - لدراسة الأمثال القرآنية.

وقد بينت أهم معالمه في المقدمة.

ثانياً: اشتمل البحث على كثير من أقوال شيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله في بيان الأمثال من جهتين:

الجهة الأولى: في بيان طبيعة الأمثال باعتبارها أسلوباً متميزاً من أساليب اللغة، وبيان ما تدل عليه من القياس، وأنواعه، وكثير من أحكامه.

الجهة الثانية: جهوده في بيان أمثال القرآن، وخاصة منها الأمثال الجارية على قياس الأَوْلى.

وهذه الجهود في كلا الاتجاهين متميزة ونادرة، ولها إسهامها الهام في إيضاح الأمثال القرآنية، وبيان عظمتها، ودلائلها العميقة على الحجج

ص: 1091

والعبر.

ولم تلق أقوال شيخ الإسلام عناية من الباحثين في الأمثال قديماً وحديثاً، إلا ما كان من الإمام ابن القيم رحمه الله في كلامه على الأمثال - الَّذِي أشرت إليه في المقدمة - من ذكر بعض أقواله، وذلك لا يساوي شيئا أمام ما تزخر به كتب الإمام ابن تيمية رحمه الله من فوائد حول الأمثال. وهذه ميزة هامة لهذا البحث.

ثالثاً: وضع مقدمة للتعريف بالأمثال، وأهم معالمها.

وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:

أ - أن لفظ "مثَل" يدل على أربعة معان رئيسية هي:

1-

المثَل بمعنى القول السائر.

2-

المثَل بمعنى وصف الشيء، أو الجامع لأوصاف الشيء وحقائقه.

3-

المثَل بمعنى المِثل وهو النظير.

4-

المثَل بمعنى المِثال أو الأنموذج من ذي أفراد متعددة.

وقد أوردت لكل نوع ما تيسر من الشواهد له من اللغة والقرآن الكريم والسنة المطهرة.

ب- بيان أهم المقومات التي يشتمل عليها المثل القرآني وهي أمران:

1-

اشتماله على القياس: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القياس التمثيلي، وقياس الشمول، وقياس الأولى.

ص: 1092

وتم بيان طبيعة كل قسم، وشواهده من الأمثال القرآنية.

2-

اشتماله على الحكمة: وذلك لتضمن الأمثال القرآنية المعاني الحسنة، والبراهين الواضحة، مما يعين على التدبر والتفكر والتذكر الذي يؤدي إلى معرفة الحق وقبوله.

جـ- بيان أهمية الأمثال القرآنية: وتجلت أهمية الأمثال في عدة أمور، أهمها:

1-

أسلوبها القائم على القياس التمثيلي أو الشمولي المتميز في الإقناع، وسرعة التفهيم، وإزالة الإشكال وإبراز الحجج والمواعظ وتقريبها إلى ذهن السامع.

2-

إشادة القرآن بأمثاله. ودل على ذلك عدة أمور.

- منها: الإشارة إليها بـ "تلك" التي تدل على عظم شأنها وبالغ أثرها.

- ومنها: الإشارة إلى أنها ضُربت للناس، مما يدل على حاجتهم إليها وكونها من الطرق الموضحة للعلوم والمبينة للحجج الهادية إلى الحق.

- ومنها: وصفها بأنها {مَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ} لكونها تُضرب للأمور الكبار والمطالب العالية والمسائل الجليلة.

- ومنها: تعليل ضربها برجاء تفكر الناس فيها وتدبرهم لها واعتبارهم بها، مما يدل على خاصيتها في تسهيل ذلك عليهم وتقريبه لهم.

3 -

أن السر في تلك الأهمية للأمثال القرآنية هو كونها من

ص: 1093

موازين الحق التي أنزلها الله في كتابه ونبه بها عقول عباده إلى الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلات في الأحكام والأوصاف والتفريق بين المختلفات وذلك عن طريق الصيغ التي جاءت بها الأمثال القرآنية من صيغ قياس الشمول، أو صيغ قياس التمثيل، أو قياس الأَوْلى.

4-

أن الأمثال التي يضربها الله للناس هي من تمام حجة الله على خلقه، حيث ضرب الله الأمثال لجميع الأمم السابقة، وفصّلها في خاتم كتبه القرآن الكريم، وضربها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فكمل بذلك البيان، واستنار الطريق، وتمت حجة الله على عباده.

د- بيان أهم الأغراض التي تُضرب لها أمثال القرآن الكريم وتبين أن الأمثال القرآنية ضُربت لأغراض متعددة من أهمها: 1- بيان الممثل له وتقريب صورته إلى ذهن المخاطبين.

2-

إقامة الدليل القاطع والبرهان الساطع على القضية المرادة.

3-

الإقناع بحسن الأمر الممثل له بإبراز محاسنه ومزاياه، أو الإقناع بقبحه وفساده، بإبراز مساويه وخزاياه.

4-

الدلالة على كثير من الحِكَم والفوائد العلمية.

5-

التربية بإبراز النماذج الخيِّرة الصالحة، وبيان أعمالهم وأحوالهم وما آل إليه مصيرهم في الدنيا، وما سيصيرون إليه في

ص: 1094

الآخرة، لتكون قدوة يُرغَّب ويُحثُّ على الإقتداء بهم، وإبراز النماذج الشريرة الضالة، وتجلية صفاتهم وأعمالهم وكيف كانت عاقبتهم، ليُحذر منهم ومن طريقهم.

6-

أن أمثال القرآن تُعين على تعبير الرؤيا، وكل ما كان الإنسان بها أعرف كان على تعبير الرؤيا أقدر.

كما تبين أن الأمثال القرآنية بهذه الأغراض المتعددة والهامة أصبحت من أسباب الهداية الهامة.

رابعاً: وضع مقدمة للتعريف بالإيمان.

وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:

أ- تعريف الإيمان في اللغة، وتبين أن تفسير الإيمان في اللغة بالتصديق المجرد لا يفي بمعناه، إذ لا بدّ أن يشتمل معنى الإيمان على الأمن الَّذِي اشتُق منه.

وتبين أن الأقرب تفسير الإيمان في اللغة بالإقرار الَّذِي يدل مع التصديق على عمل قلبي مناسب لما يؤمن به أو له، كالثقة والاطمئنان للمخبر، وقبول خبره، والإذعان له.... ونحوه.

ب- بيان تنوع المراد بلفظ الإيمان شرعا، وأدلة ذلك. وتلخص من ذلك أن لفظ الإيمان الشرعي يراد به ثلاثة معان، هي:

- الأول: أصل الإيمان، الركن الأول من أركان الإيمان القلبي، وهو أول الإيمان وابتداؤه، الَّذِي يدخل به العبد في الإسلام، ويعصم به دمه

ص: 1095

وماله، وهو شرط لصحة الأعمال وقبولها.

وتقدم من أدلته حديث جبريل عليه السلام حيث فرق فيه بين الإيمان المسئول عنه - والإيمان بالله الوارد في الجواب، ودلت إجابة النبي صلى الله عليه وسلم على أن الإيمان المسئول عنه هو كمال الإيمان القلبي، والإيمان بالله الوارد في الجواب هو أصله.

كما يدل عليه كل دليل جُعل فيه الإيمان شرطا لصحة الأعمال، فإن أقل ما يشترط لذلك هو انعقاد أصل الإيمان.

- الثاني: الإيمان القلبي، أو الإيمان بالغيب، المتضمن للإقرار بالأركان الستة، والمستلزم للإيمان المطلق الكامل.

وتقدم من أدلته حديث جبريل عليه السلام حيث فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالأركان الستة الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

ومن أدلته - أيضا - كل دليل اقترن فيه لفظ الإيمان بلفظ الإسلام أو الأعمال الصالحة.

- الثالث: الإيمان المطلق الكامل، الَّذِي يشمل كل الدين.

وأدلة هذا المعنى كل دليل ورد فيه لفظ الإيمان مطلقا غير مقترن بلفظ الإسلام، أو الأعمال الصالحة، أو أي قيد آخر، والله أعلم.

جـ - تعريف أصل الإيمان واشتمل على معنى الشهادتين، والمراد بالكفر بالطاغوت. وخلاصة الأمور التي ينعقد بها أصل الإيمان هي:

ص: 1096

- الأول: النطق بالشهادتين.

- الثاني: معرفة المشهود لهما، ويتضمن:

1-

الإقرار بأصل توحيد الأسماء والصفات، من أن الله واحد، فرد صمد لم يلد ولم يولد متصف بالكمال، ليس له كفؤ، وليس كمثله شيء.

2-

الإقرار بأصل توحيد الربوبية، من أن الله هو الرب الحق، المتفرد بالملك والخلق والتدبير للسموات والأرض ومن فيهن، لا شريك له في ذلك.

3-

الإقرار بأن محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه بشر ليس له شيء من الألوهية أو الربوبية، وأنه صادق في كل ما أخبر به، وأنه خاتم النبيين.

- الثالث: محبة المشهود لهما، ومحبة الدين.

- الرابع: اعتقاد ما دلتا عليه، ويتضمن:

1-

أصل توحيد الألوهية، باعتقاد تفرد الله بالألوهية، واستحقاق العبادة.

2-

أصل الكفر بالطاغوت، بالحكم بالبطلان على كل من عُبد من دون الله، وعلى كل عبادة صُرفت لغير الله.

3-

اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وما يستلزمه ذلك من أن ما أرسل به هو الدين الحق، الخاتم، الناسخ لما قبله من شرائع الأنبياء، وأنه وحده

ص: 1097

الموصل إلى الله المقبول عنده.

- الخامس: قبول ما دلتا عليه، ويكون بما يلي:

1-

العزم على عبادة الله وحده، والبراءة من الشرك وأهله.

2-

العزم على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وعبادة الله بشريعته.

فإذا جاء بهذه الأمور دخل في الإسلام ظاهرا وباطنا ثم هو مطالب بالإيمان القلبي بالإقرار بالأركان الخمسة الأخرى، ثم تكميل إيمانه بالالتزام ببقية شعب الإيمان.

د ـ تعريف الإيمان القلبي.

وتبيين أن الإيمان القلبي يشتمل على ستة أركان هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.

وأنه يزيد ويقوى بزيادة العلم بتفاصيل هذه الأمور، وقوة التصديق، وبمقدار حظه مما تستلزمه من أعمال القلوب.

هـ ـ تعريف الإيمان الكامل. وخلاصته:

أن الإيمان الكامل، الَّذِي يتولى الله أهلَه، ويوجب لهم الأمن من عقوباته في الدنيا والآخرة، يشمل جميع الطاعات القلبية، والقولية، والفعلية. وهذا المعنى هو المقصود بتعاريف علماء السلف للإيمان بأنه: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.

ص: 1098

وهو يشمل جميع شعب الإيمان ابتداء من أركان الإيمان القلبية الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وجميع الواجبات والمستحبات، كما يشمل الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله، واجتناب الكبائر، وترك المحرمات والمكروهات.

وكلما زاد في الالتزام بشعب الإيمان علما وعملا، زاد إيمانه وتقواه، وترقى في كماله.

وأن الإيمان لا يتحقق إلا إذا التزم بأسس هامة تنحصر فيما يلي:

1-

الإخلاص لله في كل عباداته.

2-

المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها، وترك البدع، والغلو، والمعاصي.

3-

العلم والبصيرة في الدين.

خامساً: دراسة مثل النور في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ....} الآية.

وخلاصة النتائج المستفادة من ذلك هي:

أ- أن هذا المثل بين أصولا هامة تتعلق بحصول الإيمان في القلب وزيادته، وعلاقتها ببعضها، وهي:

1-

فعل الله بالتوفيق للإيمان وقذفه في قلوب عباده الذين شاء هدايتهم، وعلاقة ذلك بالفطرة السليمة حيث شبه فعله سبحانه الذي يشرح به صدر من أراد هدايته للإسلام بإيقاد المصباح، والنور الحاصل من ذلك بنُور المصباح، والفتيلة الصالحة تقابلها

ص: 1099

الفطرة السوية.

2-

أثر العلم الواصل للقلب في بناء العقائد الإيمانية في القلب وفي زيادتها، وزيادة نُور القلب وبصيرته، حيث شبه العلم بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكيف أن زيادته وجودته تؤثر في قوة الإضاءة وصفائها، وكذلك نُور القلب يزيد بزيادة العلم المستقى من الوحي المطهر، ويصفو بخلوصه من العلوم الدخيلة.

3-

أثر هذا النور المركب من نُور العلم والإيمان في سلامة القلب وبصيرته وسلامة تعقله، وصلاح جميع أعماله حيث شبهت أعمال القلب واستنارتها بنُوره بالزجاجة التي تنعكس عليها الأشعة من المصباح فتتلألأ عليها فتنفذ من خلالها إلى الخارج، فتضيء الطريق لصاحب المصباح، فيمشي بذلك النور في الناس مشيا سديداً رشيداً.

4-

أن هذا المثل بين الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة المتعلق بمنهج التلقي حيث دل على أن العلوم والمعارف المتعلقة بالمطالب الدينية إنما تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بتشبيه العلم بما نزل من الوحي بالزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.

وبقوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} حيث أجمع المفسرون على أن أحد

ص: 1100

النورين هو نُور القرآن والعلم، وحيث بدأ السياق بقوله:{وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} .

وهذا كله يدل على أن نُور الله لا يكمل في القلب إلا إذا غُذِّي بالعلم بالكتاب والسنة.

ب- دل المثل على فوائد أخرى هامة منها:

1-

إثبات " النور " اسما من أسماء الله وصفة من صفاته.

2-

دلالة المثل على أن للإيمان والعلم نُورا حقيقيا.

3-

دلالة المثل على إعداد الله الإنسان بالفطرة السليمة، واستدعائها لنور الإيمان.

4-

دل سياق المثل على أثر النور والبصيرة على أعمال المؤمنين حيث كشف لهم معالي الأمور، وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق فلازموها ولم يشتغلوا عنها بما هو دونها من أمور الدنيا، وذلك في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

} الآيات.

5-

أن هذا المثل ميزان توزن به المناهج الحادثة في بيان الطريق لتلقي الحق في المطالب اليقينية الدينية، كطريقة المتكلمين الذين زعموا أن الطريق لمعرفة ذلك إنما هي الدلائل العقلية، وليس أدلة الكتاب والسنة، وطريقة المتصوفة القائلين بأن الطريق لمعرفة الحق في كل المطالب إنما هو الكشف والفيض دون تعلم أو نظر

ص: 1101

عقلي، والاعتبار بالمثل يبطل هذه المزاعم الضالة.

سادساً: دراسة مثل السراب، في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوآ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ....} الآية.

وقد تبين من دراسة هذا المثل ما يلي:

أ- نوع المثل: يقوم هذا المثل على القياس التمثيلي، وهو تمثيل مركّب، شبه فيه الممثل له وهو: مصير أعمال الكفار، وما يتصل بها، وحال عملها، بمصير وحال اللاهث وراء السراب، وما يلابس هذه الحال، ويحيط بها، وما تستلزمه.

ب- الممثل به: سراب لاح لشخص في صحراء منبسطة، في رائعة النهار، والشمس كأشد ما تكون إضاءة وحرارة، وقد اشتد عطشه وقويت حاجته إلى الماء، فظن ذلك السراب ماء، فجرى نحوه، فلما وصل المكان الذي تراءى له فيه لم يجد ماء ولا شيئاً، ولم يُغنِ عنه سعيه، ولا ظنه في انقاذه من الهلكة، وباء بالخيبة، ولم يسلم من المؤاخذة.

جـ- الممثل له: بيان حال صنف من الكفار من حيث سبب ضلالهم، وحكم أعمالهم، وجزائهم عليها.

هؤلاء الكفار تميزوا بأنهم من المنتسبين إلى الإِسلام، ويدَّعون الإِيمان باللَّه، ويطلبونه

إلا أنهم ضلوا بإعراضهم عن الإِيمان الحق الذي دل عليه كتاب اللَّه المحفوظ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وطلبوا ذلك من

ص: 1102

مستنقعات الضلال، فهم يتعلمون ويعملون ولكن على غير هدى.

فدل المثل على حكم أعمالهم وأنها باطلة، والحكم عليهم بأن كلاً سوف يلاقي جزاءه المناسب لحاله وأعماله.

د- دل المثل على جملة فوائد من أهمها:

1-

دلالة المثل على سبب كفر هذا الصنف من الكفار.

2-

دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الظن.

3-

دلالة المثل على أن من أسباب الضلال اتباع الشبهات.

4-

دلالة المثل على أن حسن القصد غير معتبر في تصحيح الأعمال إذا خالفت شروط الصحة.

5-

دلالة المثل على اختلاف دوافع وحساب الكفار الذين شُبهت أعمالهم بالسراب.

سابعا: دراسة مثل الظلمات، في قوله تعالى:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} .

وخلصتُ من ذلك بالنتائج التالية:

أ- أن المثل من النوع القائم على القياس التمثيلي المركّب، وذلك أن كلاً من الممثّل به والممثّل له عبارة عن صورة مركّبة من جملة أفراد

ص: 1103

تعطي في مجموعها الوصف المعتبر والحكم المشترك بين المشبه والمشبه به.

ب- أن صورة الممثل به هي: حال شخص كائن في مكان مظلم في قاع بحر عظيم مضطرب الموج، قد حُجب الضوء عنه بحجب كثيرة: من السحاب، والموج المتلاطم على سطح البحر، والموج الداخلي، فلا ينفذ من هذه الحجب شيء من الضوء إلى قاع البحر.

كما دل المثل على أن هذه الحجب هي ظلمات تسهم مجتمعة في انعكاس الضوء وتكسره ثم ارتداده، مما يجعله عند حد معين لا ينفذ منه شيء إلى أسفل، ويكون ما تحته مظلماً ظلمة تامة. كما دل المثل على أن ذلك المكان في قاع البحر مع ظلمته المطبقة مكان مفزع مخوف، بسبب الظلمة وتلاطم الأمواج وترددها من فوقه.

ودل المثل على أن حاصل حال الممثل به هو: عدم قدرة الكائن في ذلك المكان على إِبصار طريق خلاصه وفكاكه، وأن أي فعل يفعله فهو تخبط وضلال وعمى، وأنه بعيد جداً عن مصدر النور، ولا طريق له إليه مع وجود تلك الحجب، وذلك البعد السحيق.

جـ- أن الممثل له هو: حال قسم من الكفار، أحاطت بهم الظلمات من كل جانب، فقلوبهم مغمورة في بحر عميق واسع من الجهالة والكفر والضلالة والفساد، مظلمة ظلمة تامة، بعيدة جداً عن مصدر الهدى والنور الإِلهي، بسبب حجب حجبتها عنه، من أهمها: ظلمة الجهل الناتج عن التكذيب والإعراض عما أنزل اللَّه من الآيات البينات، وظلمة

ص: 1104

أعمالهم الكفرية الضالة القولية والفعلية، وظلمة ضُربت عليهم من اللَّه، حيث ختم على قلوبهم وأسماعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، جزاءً موافقاً لما تلبسوا به من الإعراض والكفر والضلال.

وأنهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ومتوقف بعضها على بعض، وذلك أن ظلمة القلوب وعماها انعكس على أعمالهم فأظلمها. وظلمة الأعمال حجبت عن قلوبهم أنوار الهداية. والختم والطبع الذي حصل لهم إنما هو بسبب إِعراضهم وتماديهم في الغي والكفر.

وأنهم مع ما هم فيه من الظلمات والضلال والغي والعمى، في خوف وفزع واضطراب وحيرة.

وأنهم لن يهتدوا أبداً ما دام حجاب اللَّه مضروباً عليهم، وطبعه وختمه مستمراً على قلوبهم، حيث حجب به عنهم نوره وهداه، وليس عندهم إلا الظلمات والعمى. فأنى لهم الفكاك مما هم فيه؟ ومن أين لهم نور يهتدون به؟

{وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} .

د- دل المثل على فوائد من أهمها:

1-

أن الكفار يتقلبون في الظلمات الحالكة لا ينفكون منها.

2-

دلالة المثل على سبب ضلال هذا النوع من الكفار.

3-

دلالة المثل على فعل الله في إضلال الكفار، وختمه

ص: 1105

على القلوب والأسماع.

4-

دلالة المثل على أن الكفار في حيرة وقلق وخوف دائم.

5-

إفادة المثل حقائق علمية ومعجزة نبوية.

ثامنا: بيان المراد بالنهي عن ضرب الأمثال لله تعالى في قوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} .

وخلصتُ من ذلك إلى النتائج التالية:

أ- أن الأمثال المنهي عن ضربها لله تعالى تشمل: اتخاذ الشركاء والأنداد، واعتقاد مماثلة أحد من الخلق لله في ذاته وأسمائه وصفاته، أو ألوهيته واستحقاق العبادة، أو ربوبيته وأفعاله.

كما يشمل النهيُ الأمثال القولية الفاسدة التي يضربها لله المشركون الجاهلون بالله ومَن في حكمهم في الجهل.

وتبيّن أن الأمثال القولية المضروبة لله، منها ما هو ممنوع ومنها ما هو مشروع. فالممنوعة: هي الأمثال التي يضربها لله المشركون أو غيرهم من الجاهلين لمعارضة دين الله وتوحيده، أو لتصحيح الشرك، أو المتضمنة للتسوية بين الله وبين أحد من الخلق. ويدخل في ذلك الأمثال التمثيلية، والأمثال الشمولية.

والمشروع منها: التي تصدر عن العالِمين بالله، ولا تتضمن التسوية بين الله وخلقه، أو معارضة الدين، وإنما تؤيد ما أثبت الله لنفسه من الصفات، وتنفي عنه ما لا يليق به من النقص والعيب؛ وتكون جارية

ص: 1106

على قياس الأولى.

ب- دلالة قوله تعالى: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} على فوائد، من أهمها:

1-

النهي عن الشرك في عبادة الله.

2-

النهي عن اتخاذ الأمثال لله، باعتقاد أن لله مماثلا في ذاته أو أسمائه وصفاته.

3-

النهي عن ضرب الأمثال القولية القياسية الفاسدة لله تعالى.

تاسعاً: دراسة الآيات الدالة على ثبوت المثل الأعلى لله تعالى.

وخلاصة النتائج المستفادة من ذلك هي:

أ - أن الدلائل المختلفة - المتحصلة من دلالة السياق، والمعنى اللغوي للفظ "مثل"، ووصف المثل بالأعلى، وأقوال أهل العلم - تدل على أن "المثل الأعلى" الثابت لله تعالى يفسر بأكثر من معنى صحيح.

وهذه المعاني منها معنى هو الأساس والأصل، وهو ثبوت المثل الأعلى الحقيقي لله تعالى وقيامه بذاته المقدسة كما تقدم بيانه، والمعاني الأخرى دالة عليه أو نتيجة له، فهي توصف بأنها الأعلى باعتبار موافقتها له ودلالتها عليه. فليست معان متضادة، وإنما يطلق "المثل الأعْلَى" على كل منها باعتبار صحيح.

وهذه المعاني الصحيحة هي:

ص: 1107

- الأول: المثَلُ الأعْلَى الحقيقي القائم بذات الله تعالى.

وهو: تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية، وخصائصهما من جميع صفات الكمال. وأن الوصف الأكمل من كل كمال مطلق ثابت لله تعالى وحده حقيقة على ما يليق به سبحانه.

- الثاني: المثَلُ الأعْلَى لله تعالى العلمي الخبري.

وهو: وجود صفات الله تعالى العلمي، الَّذِي هو الخبر عنها وذكرها في نصوص الكتاب والسنة، حيث تضمنت النصوص بيان تفرد الله تعالى بالألوهية، والربوبية، وفصلتْ التعريف بأسمائه وأفعاله وصفاته.

كما اشتملت على البراهين والأمثال المضروبة للاستدلال على ذلك.

الثالث: المثل الأعلى العلمي الاعتقادي القائم في قلوب المؤمنين لله رب العالمين.

وهو توحيد الله باعتقاد تفرده بالألوهية والربوبية وأن له الأسماء الحسنى، وله من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وما ينتج عن ذلك من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وعبادته وذكره.

كما تبين أن الله متفرد بالمثل الأعلى في سائر المعاني التي يفسر بها، والدلائل على ذلك.

ب- بيان معنى قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} ، وخلاصته:

ص: 1108

أن الله تعالى بين أن الكفار الَّذِين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وجمعوا بين الشرك بالله، والكفر باليوم الآخر هم مجمع السوء ومثله.

فآلهتهم التي يعبدونها آلهة سيئة، فهم عبدوا الطاغوت، والأوثان، التي لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنهم شيئا، واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، وقلوبهم فاسدة، هي مجمع الشرك والعقائد الباطلة، والظنون السيئة بالله تعالى، وما يتولد عنها من الإرادات الخبيثة.

وأعمالهم وأقوالهم وأحوالهم خبيثة سيئة، صائرة إلى الشر والفساد، لا يردعهم عنه رادع. وهم المستحقون لذلك النار مثل السوء، ومجمع الشر ومنتهاه، أعاذنا الله منها.

وأن الله قابل تلك الأحكام السيئة التي وصفوه بها، مِن جَعلهم له الشركاء والبنات ونحوها، ببيان تفرده بالمثل الدال على تفرده بالألوهية والربوبية، وسائر صفات الكمال، وأن له من كل كمال مطلق أكمله وأعلاه، وأنه بين ذلك فيما نزل من الوحي، وقام موجب ذلك في قلوب عباده المؤمنين فأثبتوا له المثل الأعلى.

ودلت تلك المقابلة على حجة لفت الله العقول إليها، وهي: إذا كان هؤلاء الكفار ينسبون له البنات وهم يكرهونهن لأنفسهم، ويجعلون لبعض خلقه جزءاً وشركاً في حقه، وهم لا يقبلون إشراك عبيدهم فيما يملكون! فينبغي أن يعلموا أن الله أجل وأعلى منهم وأولى بالتنزه عن البنات والشركاء، بل له الكمال الأعلى فليس له ولدٌ أو شريك البتة.

ص: 1109

ثم ختم تبارك وتعالى الآية بذكر اسمين عظيمين من أسمائه هما: (العزيز الحكيم) ، الدالان على كمال قوته، ونفوذ مشيئته في خلقه، وحكمته في ذلك. واللذان تشاهد آثارهما ودلائلهما في خلقه وتدبيره. فيدل على أن من كملت عزته وقوته وحكمته فهو المتفرد بالألوهية المستحق لأن يُفرد بالعبادة، وهو المستحق للتسبيح والتنزيه عن الشركاء والأولاد، وعن كل نقص وسوء.

وأن ما يجري في الكون، وعلى العباد ومنهم، بما في ذلك طاعات الطائعين، ومعصية العاصين، إنما هي بإذن الله وتقديره، لا يفعل أحد في ملك العزيز إلا وقد أذن له فيه ومكّنه من فعله، وله في كل ذلك الحِكَمُ البالغة.

جـ- بيان معنى قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} وخلاصة ما دلت عليه:

أن قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، ورد في سياق مجادلة كفار العرب الجاحدين للبعث بعد الموت، وتضمنت دليلا عقلياً قاطعاً في إمكان البعث على أصولهم التي يتعارفون عليها.

وتبيّن أن تفسير {أَهْوَنُ} في الآية بهيّن ليس هو الأولى وإن كان صحيحا في اللغة والمعنى، وإنما الأنسب تفسيرها على بابها للتفضيل حيث

ص: 1110

تدل على حجة عقلية.

ويكون قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ} : خبر من الله تعالى يقرُّ به المشركون، وهو مقدمة للدليل بعده.

وقوله: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} : هي الدعوى المستدل لها والتي ينكرها المشركون.

وقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} : تتضمن حكماً متفقا عليه، يُقرُّ به المخاطبون بالدليل من المشركين، هذا الحكم هو:

إعادة الصنع أهون على الصانع من ابتدائه.

وحاصل الدليل: إيجاب العقل الحكم لله بهذا الحكم، من كون البعث أهون عليه من خلق الناس أول مرة، وأنه أولى بذلك لكونه أقدر وأعلم منهم.

ودل قوله تعالى: {وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى} مع تأكيد أنه أولى بهذا الحكم منهم - لكونه أولى بكل كمال ثابت للمخلوق على ما يليق به سبحانه - على أن له من كل كمال أكمله وأعلاه، مما يزيل الاشتباه بأن بعض الخلق أهون على الله من بعض، ويفيد كمال قدرته التي تستوي عندها المخلوقات مهما عظمت أو كثرت أجزاؤها أو مراحل خلقها.

ودل قوله تعالى: {فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} : على تفرده سبحانه

ص: 1111

بالمثل الأعلى - الدال على اختصاصه وحده بالألوهية والربوبية وأكمل الكمال - في السموات والأرض فليس له مماثل أو مكافئ أو شريك من أهلهما.

وختم سبحانه تلك الآية العظيمة باسمين من أسمائه المباركة، هما (العزيز الحكيم) ، ليبين كمال قوته وعزته، وشمول حكمته لكل أفعاله، وأنه يفعل ما يريد - ومن ذلك البعث بعد الموت - دون أن يكون له ممانع أو مدافع أو معقب، وأن له في ذلك الحكمة البالغة.

د- دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على قاعدة قياس الأولى.

وحاصل هذه القاعدة: أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به على ما يليق به سبحانه، وكل ما ينزَّه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزه عنه.

وأن هذه القاعدة تستند على أمرين مستقرين في العقول السليمة هما:

الأول: أن كل كمال في المخلوق فهو مستفاد من الخالق، فالذي أعطاه ذلك الكمال أولى به على ما يليق به سبحانه.

الثاني: أن الله أعظم وأعلى وأكمل من المخلوق، فهو أولى بالكمال منه.

وأنه يستدل بهذه القاعدة على أمرين:

الأول: إثبات الكمال لله بطريق الأولى. ودل عليه، قول الله تعالى:{وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى} في سورة "الروم".

ص: 1112

الثاني: نفي النقص عن الله تعالى بطريق الأولى.

ودل عليه قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} من سورة "النحل".

وأن الكمال الَّذِي يثبت لله تعالى بالطريق العقلي على قاعدة قياس الأولى يعتبر فيه عدة أمور من أهمها:

1-

أن يثبت لله من كل كمال أكمله وأعلاه.

2-

أن ثبوت الكمال لله يختلف عن ثبوته للمخلوقين من أوجه أهمها: أن الله يستحق بنفسه ولا يستفيده من غيره، بخلاف المخلوق الَّذِي يستفيده من خالقه. وأن كمال الله يستلزم نفي النقيض، بخلاف صفة المخلوق التي يتصف بها وبنقيضها.

3-

أن الكمال الثابت لله بالطريق العقلي وقاعدة قياس الأولى يؤيد ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكمال.

4-

أن يكون الكمال المثبت لله ممكن الوجود.

ويخرج بذلك ما توهم أنه كمال وهو ممتنع لذاته مما يتعلق بأفعال الله وقدرته.

5-

أن يكون سليما من النقص.

ويخرج بذلك الكمال النسبي، الَّذِي يكون كمالا لبعض المخلوقات دون بعض، أو يكون كمالا بالنسبة للإنسان لكنه في الحقيقة يستلزم نقصا، فيكون نقصا بالنسبة للخالق.

وأن تطبيق قاعدة قياس الأَوْلى على الأمثال والحجج العقلية الجارية

ص: 1113

على هذا القياس يكون بالخطوات الآتية:

1-

ضرب مثل يدل على صفة أو حال قائمة بالمخلوق، مع حكم لهذه الحال.

2-

يكون ثبوت الحكم لذلك الوصف أو الحال القائمة بالمخلوق متفقاً عليه من كلا المتحاجين.

3-

اتفاق المتحاجين - أيضا - على أن ثبوت ذلك الوصف لله أكمل من ثبوته للمخلوق.

4-

إلزامهم بأن الله أحق بذلك الحكم لما استقر لديهم من أن ثبوت الوصف - المناط به الحكم - لله أكمل.

5-

الترقي بهم إلى إثبات الكمال الأعلى لله تعالى من ذلك الوصف الَّذِي لا يشاركه فيه أحد، كما في قوله:{وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} .

هـ- بيان الحجة في بعض الأمثال الجارية على قياس الأولى التي أبطل الله بها الشرك.

وهي الأمثال التي ضربها الله في الآيات التالية:

1- قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ

ص: 1114

كُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 3.

و دلالة ثبوت المثل الأعلى لله تعالى على فوائد كثيرة من أهمها:

1-

اتصاف الله تعالى بصفات الكمال وتفرده بها.

2-

أن الأصل في معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه على عباده، وغيرها من المطالب الدينية، هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

3-

أن أصل الإيمان ما يقوم في قلوب المؤمنين من إثبات

_________

1 سورة النحل آية (75) .

2 سورة النحل آية (76) .

3 سورة الروم آية (28) .

ص: 1115

المثل الأعلى لله تعالى باعتقاد تفرده بالربوبية والألوهية وسائر صفات الكمال.

4-

أن تفرد الله بالألوهية، هو الوصف الأساس في ثبوت المثل الأعلى لله تعالى. وكل الصفات الأخرى هي من خصائص الإله الحق تبارك وتعالى، ودالة عليه.

5-

أن معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة من صفات الله تعالى، هي المحرك للمحبة في قلوب المؤمنين. فقيام المثل الأعلى في قلوبهم وتحقيق التوحيد يجذبها إلى الله، وتتهيج المحبة كلما ذَكرت أو ذُكرت بأسماء الله وصفاته، وإنعامه.

6-

أن آثار ربوبية الله تعالى وأفعاله المشاهدة في الكون هي أكبر دليل على تفرد الله بالمثل الأعلى وأنه الإله الحق المستحق وحده للعبادة.

7-

إبطال الشرك بالأدلة العقلية المتجلية بالأمثال المضروبة الجارية على قاعدة قياس الأولى.

8-

إثبات البعث بعد الموت بالدلائل العقلية الجارية على قياس الأولى.

9-

دلالة ثبوت المثل الأعلى على قاعدة قياس الأولى.

ص: 1116

أما التوصيات فأهمها ثنتان:

الوصية الأولى:

الاستمرار في بحث الأمثال القرآنية المتعلقة بالإيمان، وأطرح بين يدي المهتمين العناوين التالية للبحوث التي تدعو الحاجة إلى بحثها استكمالا لما أنجز في هذا البحث:

1-

الأمثال القرآنية المضروبة لتوحيد العبادة، وما يضاده من الشرك، مع مقدمة لبيان حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك، وتتضمن الأمثال المضروبة للمؤمن الكامل.

2-

الأمثال المضروبة لكتب الله. ويدخل فيها أمثال العلم.

3-

الأمثال المضروبة للرسل. ويدخل فيها ما ضرب لأزواجهم وأممهم ونحوها.

4-

الأمثال المضروبة لليوم الآخر. ويدخل فيها الأمثال المضروبة للبعث بعد الموت.

5-

الأمثال المضروبة للدنيا وسرعة زوالها، وعدم الاغترار بها. وذلك أن الركون إلى الدنيا صارف عن العلم والإيمان.

الوصية الثانية:

الاستفادة من أمثال القرآن الكريم، والأمثال النبوية في جميع مجالات التعليم والتوجيه والتربية، ليستفاد من أسلوبها المتميز في إيضاح المراد، وسرعة التفهيم، وما تتضمنه من معالم الهدى. ومن أبرز تلك المجالات:

ص: 1117

1-

خطبة الجمعة، حيث تخصص بعض الخطب للحديث عن مثل من الأمثال وما يتضمنه من الفوائد.

2-

في المحاضرات والدروس العامة.

3-

في مراحل التعليم المختلفة، تُضمَّن الكتب الدينية، ومواد اللغة العربية، أمثالا من القرآن والسنة، مع بيان ما دلت عليه من العلم، وتُبسَّط الأمثال للناشئة لكي تنمو فطرهم على الحكمة التي ترشد إليها الأمثال، وغيرها من نصوص الكتاب والسنة.

4-

في مجال التأليف، فإذا كتب في موضوع من المواضيع الشرعية، فإنه يُضمَّن ما ورد فيه من أمثال في الكتاب والسنة.

5-

في وسائل الأعلام تُخصص برامج للحديث عن الأمثال القرآنية والنبوية، وبيان ما فيها من الهدايات والفوائد.

هذا وفي الختام أحمد الله عودا على بدء، فله الحمد أولاً وآخراً، وله الحمد فبنعمته تتم الصالحات. واستغفر الله من الخطإ والزلل، وأسأله القبول لصالح العمل. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

ص: 1118

‌مصادر ومراجع

161-

المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني، تحقيق / مُحَمَّد سيد كيلاني، دار المعرفة ـ بيروت ط الأولى، بدون تاريخ.

162-

المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، تَحْقِيْق / محي الدين ديب وآخرون، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، بيروت، ط. الأولى، 1417 هـ.

163-

مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الرابعة، 1398هـ.

164-

الملل والنحل: لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ت / محمد السيد الكيلاني، دار المعرفة، بيروت، 1404 هـ.

165-

من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: د. حسن أبو العينين، مكتبة العبيكان، الرياض، ط الأولى، 1416 هـ.

166-

المنجد في اللغة: لويس معلوف، دار المشرق، ط الثانية عشرة.

167-

منهج القرآن في الدعوة إلى القرآن، للدكتور علي بن ناصر فقيهي، ط: الأولى، 1405هـ.

168-

الموسوعة العربية العالمية: لنخبة من الأساتذة المتخصصين، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، ط. الأولى، 1416 هـ.

ص: 1027

169-

الموسوعة الفلسفية المختصرة، يشرف على تحريرها بورسوتن، تصدر باللغة الإنجليزية، ترجمة نخبة من المترجمين، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1963 م.

170-

ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت: علي محمد البجاوي، وفتحية علي البجاوي، ط: الأولى، ت: بدون.

171-

ميزان العمل لأبي حامد الغزالي، ت: محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة، ت: بدون.

172-

نبذة مفيدة عن حقوق ولاة الأمر، د. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الرياض، ط: الأولى.

173-

النحو الوافي: لعباس حسن، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط / الخامسة، ت: بدون.

174-

النحو الوافي: لعباس حسن، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط / الرابعة 1976 م.

175-

نزهة الخاطر العاطر، لعبد القادر مصطفى بدران، شرح روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة، دار الكمتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، ت: بدون.

176-

نقد أصول الشيوعية: للشيخ صالح بن سعد اللحيدان، مكتبة الحرمين، ط. الأولى، 1401 هـ.

ص: 1028

177-

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأحمد بن محمد بن خلكان، تَحْقِيْق / د. إحسان عباس، دَار صادر - بيروت، ت بدون.

ص: 1029

فهرس المصادر والمراجع

1-

القرآن الكريم.

2-

أبو حامد الغزالي والتصوف: لعبد الرحمن دمشقية، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط: الأولى، 1406هـ.

3-

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، لعبد الله بن عبد الرحمن الجربوع، بحث الماجستير، مقدم لقسم العقيدة بكلية الدعوة بالجامعة الإسلامية، إشراف الدكتور أحمد بن عطية الغامدي، عام 1412هـ.

4-

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ت: شعيب الأرناؤط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية، 1414هـ.

5-

إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، الناشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط: الأولى، 1358هـ.

6-

إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، الناشر: دار القلم، بيروت، ط:3، ت: بدون.

7-

أدب الدنيا والدين لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ت: مصطفى السقا، شركة مصطفى الحلبي، مصر، ط: الرابعة، 1393هـ.

8-

آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، لعمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط: الأولى، ت: بدون.

ص: 1207

9-

الأربعين في أصول الدين لأبي حامد الغزالي، ت / محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، ط: الأولى، 1384 هـ.

10-

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل مُحَمَّد بن ناصر الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الثانية، 1405 هـ.

11-

أسد الغاية في معرفة الصحابة، لعز الدين ابن الأثير أبي الحسن بن علي بن محمد الجزري، ت: عمر بن إبراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور، ط: الشعب.

12-

إشارة التعيين وتراجم النحاة واللغويين، لعبد الباقي اليماني، تحقيق: د. عبد المجيد دياب، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، ط: الأولى، 1406هـ.

13-

الأصول الثلاثة وأدلتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مكتبة الشباب، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1387هـ.

14-

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ مُحَمَّد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط: الأولى، 1415 هـ.

15-

الإعراب المفصل لكتاب الله المنزّل لبهجة عبد الواحد صالح، دار الفكر العربي للنشر والتوزيع، عمان، ط: الأولى، 1414هـ.

16-

الأعلام (قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين) لخير الدين الزركلي، ط 6، 1984، دار العلم للملايين - بيروت لبنان.

ص: 1208

17-

إعلام الموقعين: لابن قيم الجوزية، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط الأولى، 1388 هـ.

18-

إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، ت: محمد عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، 1407هـ.

19-

أمثال الحديث للقاضي أبي محمد الرامهرمزي، ت: عبد الحميد، الدار السلفية، بومباي.

20-

الأمثال العربية ومصادرها من التراث،: لمحمد أبو صومة، مكتبة الأقصى، ط الأولى، 1302 هـ.

21-

الأمثال العربية، دراسة تحليلية،: د. عبد المجيد قطامش، دار الفكر، دمشق، ط الأولى، 1408 هـ.

22-

أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع تأملات وتدبر، لعبد الرحمن ابن حسن حبنكه الميداني، دار القلم، دمشق، ط: الثانية، 1412هـ.

23-

الأمثال في الحديث النبوي للحافظ أبي الشيخ الأصبهاني، ت: د. عبد العلي عبد الحميد حامد. الدار السلفية، بومباي، ط: الثانية، 1408هـ.

24-

الأمثال في القرآن الكريم د. الشريف منصور بن عون العبدلي، عالم المعرفة، جدة، ط: الأولى، 1406هـ.

ص: 1209

25-

الأمثال في القرآن الكريم، لابن القيم، ت: سعيد محمد نمر الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ط: الثانية، 1403هـ.

26-

الأمثال من الكتاب والسنة، لمحمد بن علي الحكيم الترمذي، تَحْقِيْق / مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط. الأولى، 1409 هـ.

27-

أمثال ونماذج بشرية من القرآن العظيم، للشيخ أحمد بن طاحون، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط: الأولى، 1411هـ.

28-

أنوار التنزيل وأسرار التأويل: لأبي الخير عبد الله بن عمر البيضاوي، مطبعة البابي الحلبي - القاهرة، ط/2 - عام 1388 هـ.

29-

إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، إعداد سليم بن عيد الهلالي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: الأولى، 1412هـ.

30-

الإيمان للحافظ أبي بكر محمد بن أبي شيبة، ت: محمد ناصر الدين الألباني، ضمن رسائل أربع، دار الأرقم، الكويت، ط: الأولى، 1385هـ.

31-

الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية، 1403هـ.

32-

اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو الجهمية والمعطلة: للإمام ابن القيم الجوزية، المكتبة السلفية، المدينة النبوية ط الأولى، بدون تاريخ.

ص: 1210

33-

اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: د. ناصر عبد الكريم العقل، مطابع العبيكان، ط: الأولى، 1404هـ.

34-

بدائع الفوائد: لابن قيم الجوزية، ت / بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الرياض، ط الأولى، 1415 هـ.

35-

البداية والنهاية: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، دار الفكر العربي، ط بدون، ت بدون.

36-

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: لمحمد بن علي الشوكاني، الناشر: معروف عبد الله باسندوه، مطبعة السعادة، القاهرة، ط الأولى، 1348 هـ.

37-

البرهان في علوم القرآن: ت / محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، سوريا، ط الأولى، 1376 هـ.

38-

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة القرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: د. موسى بن سليمان الدويش، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: الأولى، 1408هـ.

39-

البلاغة الاصطلاحية: د. عبده عبد العزيز قليقلة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط الأولى، 1406 هـ.

ص: 1211

40-

البلاغة العربية لأحمد مطلوب، وزارة التعليم العالي، بغداد، 1400هـ.

41-

تاج العروس للسيد محمد مرتضى الزبيدي، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي، ط: الأولى، 1386هـ.

42-

تاريخ بغداد أو مدينة السلام: للحافظ أَحْمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، مصورة عن الطبعة القديمة.

43-

ترتيب القاموس المحيط للظاهر أحمد الزاوي، عيسى البابي، ط: الثانية.

44-

تغلب على الخوف: من سلسلة في سبيل موسوعة نفسية: لمجموعة من علماء النفس الغربيين، عرض وتقديم: د. مصطفى غالب، مكتبة الهلال، بيروت 1985 م.

45-

تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، دار التراث، القاهرة، ط الأولى، ط. بدون تاريخ.

46-

التفسير الكبير، لمحمد بن عمر الرازي، دار الكتب العلمية، طهران، ط: الثانية، ت: بدون.

47-

التقريب لحد المنطق والمدخل إليه، لمحمد بن حزم الأندلسي، ت د / إحسان عباس، دار مكتبة الحياة.

ص: 1212

48-

تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي، إعداد: خالد فوزي عبد الحميد، دار التربية والتراث، مكة المكرمة، ط. الأولى، 1417 هـ.

49-

التمهيد: لابن عبد البر، ت / سعيد أَحْمد اعراب، طبعة وزارة الأوقاف المغربية، 1981 م

50-

تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، مصور عن طبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، بالهند، ط: الأولى، ت: بدون.

51-

تهذيب اللغة: لمحمد بن أحمد الأزهري، ت / إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، ط الأولى، 1967 م.

52-

تهذيب اللغة: لمحمد بن أحمد الأزهري، ت / علي حسن هلالي، الدر المصرية.

53-

توحيد الخالق: عبد المجيد عزيز الزنداني، دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، ط الثانية، 1408 هـ.

54-

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثالثة، 1397هـ.

55-

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي،، الرئاسة العامة لإدرات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض، ط الأولى 1404 هـ

ص: 1213

56-

جامع البيان في تأويل القرآن: لأبي جعفر ابن جرير الطبري، شركة مصطفى البابي، مصر، ط الثالثة 1388 هـ.

57-

الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الثانية، ت. بدون.

58-

الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، ط الأولى، 1387 هـ.

59-

جمهرة أنساب العرب، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، ت/ عبد السلام محمد هارون، دار المعارف، القاهرة، ط الخامسة، ت بدون.

60-

جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، ط: الأولى، 1384هـ.

61-

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام ابن القيم، المطبعة السلفية، ط. الأولى، 1394 هـ.

62-

جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الأولى، بدون تاريخ.

63-

الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد ليوسف بن الحسن بن عبد الهادي، ت: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط: الأولى، 1407هـ.

64-

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى، 1409

ص: 1214

65-

خزانة الأدب وغاية الأرب: لتقي الدين أبي بكر علي المعروف بابن حجة الحموي،، دار مكتبة الهلال - بيروت، 1987 م.

66-

درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط: الأولى، 1402هـ.

67-

دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، موريس بوكاي، دار المعارف، القاهرة، ط. الرابعة، 1977 م.

68-

الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة: لأحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق/ محمد سيد جاد الحق، دَار الكتب الحديثة - القاهرة ط/ 2 عام 1385 هـ.

69-

دقائق التفاسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: محمد السيد الجنيد، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، ط: الثانية، 1404هـ.

70-

ديوان أبي العتاهية، دار صادر، بيروت، ط: الأولى، 1384هـ.

71-

ديوان إيليا أبو ماضي، نيويورك، 1919 هـ.

72-

ديوان الخنساء: تماضر بنت عمرو، دار صادر، بيروت، ت: بدون.

73-

ديوان المتنبي: أحمد بن الحسين الجعفي، دار صادر، بيروت، ط: الأولى، بدون تاريخ.

ص: 1215

74-

ديوان الهذليين، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، عام 1385هـ.

75-

ديوان امرئ القيس ابن حجر الكندي، دار صادر، بيروت، ط: الأولى، 1385هـ.

76-

ديوان حسان بن ثابت، تحقيق: د. سيد حنفي وحسن كامل، المكتبة العربية، القاهرة، ط: الأولى، 1394هـ.

77-

ديوان عبيد بن الأبرص الأسدي، تحقيق: د. حسين نصار، مصطفى الباب الحلبي، مصر، ط: الأولى، 1377هـ.

78-

الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ت: بدون.

79-

رسائل في العقيدة، للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، الرسالة الأولى، دار طيبة، الرياض، ط الثانية ـ 1406 هـ.

80-

الرسالة الأكملية فيما يجب لله من صفات الكمال: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تقديم / أحمد حمدي إمام، مطبعة المدني، القاهرة - 1403 هـ.

81-

الرسالة التدمرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط الثالثة، 1400 هـ.

82-

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للسيد محمود الألوسي، إحياء التراث العربي، بيروت.

ص: 1216

83-

روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، لحسن بن غنام، ت: د. ناصر الدين الأسد، قابله على أصله الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ط: الثالثة، 1403هـ.

84-

زهر الكم في الأمثال والحكم للحسن اليوسي، ت: محمد حجبي ود. محمد الأخضر، الدار البيضاء دار الثقافة، ط: الأولى، 1401هـ.

85-

زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، د. عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، دار القلم والكتاب، الرياض، ط: الأولى، 1416هـ.

86-

سبائك الذهب في معرفة فبائل العرب، لأبي الفوز محمد أمين البغدادي، الشهير بالسويدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1409هـ.

87-

سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الخامسة، 1405 هـ

88-

سير أعلام النبلاء: لمحمد بن أحمد الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية، 1402 هـ.

89-

الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب، تعليق محمد منير الدمشقي الأزهري، توزيع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط: 1395هـ.

ص: 1217

90-

شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لابن العماد عبد الحي بن محمد الحنبلي الدمشقي، ت/ محمود الإرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط الأولى، 1406 هـ.

91-

شرح ابن عقيل (على ألفية ابن مالك) : لعبد الله بن عقيل العقيلي، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - دار التراث، القاهرة، ط / 20، 1400 هـ.

92-

شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد تعليق أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، ت: عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط: الثانية، 1408هـ.

93-

شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الرابعة، 1391هـ.

94-

شرح القصائد العشر لأبي زكريا يحيى الشيباني، مطبعة السعادة، القاهرة، ط: الثانية، 1384هـ.

95-

شرح النووي على صحيح مسلم: للإمام يحيى بن شرف النووي، المطبعة المصرية ومكتبتها، بدون تاريخ.

96-

شرح نواقض الإسلام: لحسن بن علي العواجي، مكتبة لينة، دمنهور، ط الأولى، 1413 هـ.

97-

شعب الإيمان للبيهقي، تأليف أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت / أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية بيروت، ط الأولى، 1410 هـ

ص: 1218

98-

الصحاح في اللغة والعلوم، إعداد ندايم وأسامة مرعشلي، دار الحضارة، بيروت، ط: الأولى، 1975م.

99-

صحيح الإمام البخاري، مع فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط السلفية.

100-

صحيح مسلم: ت/ محمد عبد الباقي، رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، 1400 هـ.

101-

صفوة التفاسير، لمحمد بن علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، ط الثالثة، 1402 هـ.

102-

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: لابن قيم الجوزية، تحقيق / د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط: الأولى (1408 هـ) .

103-

الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة: لابن قيم الجوزية، تحقيق/أ. د. أَحْمد عطية الغامدي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط، الأولى، 1410 هـ.

104-

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لشمس الدين محمد عبد الرحمن السخاوي - منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت، ط، بدون تاريخ.

ص: 1219

105-

طبقات الشافعية الكبرى: تأليف عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، ت / عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، دار إحياء الكتب العربية.

106-

طبقات الشعراء: لابن سلام، مطبعة بريل، ليدن، 1916 م.

107-

ظاهرة الأمثال من الكتاب والسنة وكلام العرب وآثارها في تربية الجيل المسلم، لمصطفى عيد الصياصنة، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، ط: الأولى، 1412هـ.

108-

العقائد الإسلامية: السيد سابق، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. الأولى، ت/ بدون.

109-

علم البيان، د. عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، بيروت، ط: الأولى، 1405هـ.

110-

علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1398هـ.

111-

علماء ومفكرون عرفتهم، لمحمد المجذوب، عالم المعرفة، ط: الثانية، 1403هـ.

112-

فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، الرئاسة العاملة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط: الدار السلفية.

ص: 1220

113-

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، من علم التفسير: لمحمد بن علي الشوكاني، شركة مصطفى البابي، مصر، ط الثانية، 1383 هـ.

114-

فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ت: د. الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، دار الصميعي للنشر، الرياض، ط: الأولى، 1415هـ.

115-

الفتوى الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار المعارف، القاهرة، ط الثالثة، 1398 هـ.

116-

فخر الدين الرازي وآراؤه الفلسفية والكلامية، د. محمد صالح الزركان، دار الفكر، بيروت، ت، ط بدون.

117-

الفرق الكلامية الإسلامية (مدخل ودراسة) د. علي عبد الفتاح المغربي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط: الأولى، 1407هـ.

118-

الفرق بين الفرق: لعبد القاهر البغدادي، ت / محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، ط الثالثة، بدون تاريخ.

119-

الفريد في إعراب القرآن المجيد: لحسين بن أبي العز الهمداني، ت. د / فهمي النمر، وفؤاد مخيمر، دار الثقافة، الدوحة، ط الأولى، 1411هـ.

120-

فضائل القرآن: لأحمد بن شعيب النسائي، ت: د / فاروق حمادة، الشركة الجديدة دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط الأولى، 1400 هـ.

ص: 1221

121-

فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، ت: حسن ضياء الدين العتر، دار البشائر، بيروت، ط: الأولى، 1408هـ.

122-

الفيزياء العامة والتجريبية، بير فلوري، جان بول، مطبوعات جامعة دمشق، ط. الأولى، 1394 هـ.

123-

الفيزياء العامة والتطبيقية، تَحْقِيْق / محمد بشير مكي، مديرية المطبوعات، جامعة حلب، 1969م.

124-

الفيزياء للمرحلة الثانوية، الصف الثاني، الرئاسة العامة لتعليم البنات بالمملكة العربية السعودية، الرياض، 1415 هـ.

125-

قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض ـ ط: الأولى، 1404هـ

126-

قانون التأويل لأبي بكر بن العربي، ت: محمد السليماني، دار القبلة، جدة، ط: الأولى، 1406هـ.

127-

القضاء والقدر لمحمد بن عمر الرازي، ت: محمد المعتصم بالله، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1410هـ.

128-

القلق الإنساني: د. محمد إبراهيم الفيومي، دار الفكر القاهرة، ط. الثانية، 1405هـ.

ص: 1222

129-

القياس الفاسد لأحمد بن شاكر الحذيفي: رسالة دكتوراة مقدمة لقسم العقيدة بكلية الدعوة، الجامعة الإسلامية عام 1417 هـ.

130-

كتاب العبودية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، 1401هـ.

131-

كتاب المناظر: للحسن بن الهيثم، تَحْقِيْق / عبد الحميد صبره، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط الأولى، 1983م.

132-

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، لابن رجب الحنبلي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الخامسة، 1399هـ.

133-

كليلة ودمنة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط: الأولى، 1393هـ.

134-

لسان العرب: لابن منظور، دار صادر ـ ودار بيروت، بيروت، 1375 هـ.

135-

مبادئ الفيزياء للكليات والمعاهد التربوية والهندسية، د. محمد عبد المقصود الجمال، دار الراتب الجامعية، بيروت، ط الأولى 1411 هـ.

136-

مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد الميداني، ت: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، مصرن ط: الثانية، 1379هـ.

ص: 1223

137-

مجموع الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب / عبد الرحمن بن قاسم، الناشر رئاسة الحرمين الشريفين، 1404 هـ.

138-

مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن ـ الرياض، ط الثانية، 1413 هـ.

139-

مجموعة التوحيد، مجموعة رسائل لنخبة من علماء المسلمين، الرسالة الأولى، المطبعة السلفية، بدون تاريخ.

140-

مختصر إحياء علوم الدين للغزالي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: الأولى، 1406هـ.

141-

مختصر الصواعق المرسلة عن الجمهية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصار محمد بن الموصلي، المطبعة السلفية، مكة المكرمة، ط: الأولى، 1349هـ.

142-

مختصر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن قيم الجوزية، اختصار خالد بن عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيروت، ط: الأولى، 1416هـ.

143-

مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لعبد الله بن أحمد النسفي، المكتبة الأموية، بيروت، ت: بدون.

144-

مدخل إلى الفلسفة، تأليف جون هرمان راندال، وجوستاس يوخلر، ترجمة: د. ملحم قربان، دار العلم للملايين، بيروت، 1963 م.

ص: 1224

145-

مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ط: الرابعة، 1397هـ.

146-

المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، دار الفكر ـ بيروت، ط بدون، 1398 هـ.

147-

مشكاة الأنوار لأبي حامد الغزالي، ت: د. أبو العلاء عفيفي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، ط: الأولى، 1383هـ.

148-

مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى كفر ابن العربي، للبقاعي، ت: د. عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1400هـ.

149-

معارج الصعود إلى تفسير سورة هود، للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، كتبه عنه عبد الله بن أحمد قادري، دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، ط: الأولى، 1408هـ.

150-

معالم التنزيل للإمام الحسين بن مسعود البغوي، تَحْقِيْق / محمد النمر وآخرون، دار طيبة، الرياض، ط الأولى 1411 هـ.

151-

معالم السنن: لأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي، الناشر: محمد راغب الطباخ، حلب، ط. الأولى، 1352 هـ.

152-

المعجزة القرآنية، الإعجاز العلمي والغيبي، محمد حسن هيتو، دار الرسالة، بيروت، ط الثانية 1415 هـ.

ص: 1225

153-

معجم البلاغة العربية: د. بدوي طبانة، دار المنارة، جدة، 1408 هـ.

154-

المعجم العلمي المصور، إصدار قسم النشر بالجامعة الأمريكية، بالقاهرة، بالاتفاق مع دائرة المعارف البريطانية، دار المعارف بالقاهرة، ط: الأولى، 1963م.

155-

المعجم الفلسفي د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط: الأولى، 1979م.

156-

معجم المؤلفين - تراجم مصنفي الكتب العربية - لعمر رضا كحالة - مكتبة المثنى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط بدون.

157-

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، إعداد: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، ط: الرابعة، 1414 هـ.

158-

معجم متن اللغة، للشيخ أحمد رضا دار مكتبة الحياة، بيروت، 1378هـ.

159-

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين بن هشام الأنصاري، تَحْقِيْق / مازن المبارك، ومحمد علي رحمة الله، دار الفكر، بيروت، ط: الخامسة، 1979 م.

160-

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لأحمد مصطفى الشهير بطاش كبري زادة، ت: كامل بكري، عبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة.

ص: 1226