المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - باب مقدار ما ينجس من الماء - ديوان السنة - قسم الطهارة - جـ ١

[عدنان العرعور]

فهرس الكتاب

- ‌ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ

- ‌كِتَابُ: المِيَاهِ

- ‌2 - بَابُ ما جاء أن الماء طهور

- ‌3 - بابُ مِقْدَارِ ما يَنْجُسُ مِنَ الْمَاءِ

- ‌4 - بَابُ ما جاء في استعمال المَاءِ المُخْتَلِطِ بِطَاهِرٍ

- ‌5 - بَابُ حُكمِ المَاءِ المُخْتَلِطِ بِنَجَاسَةٍ

- ‌6 - بَابُ حُكْمِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ وما فضل من وضوء الناس

- ‌7 - بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَضُوءَهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ

- ‌8 - بَابُ نَضْحِ مَاءِ الوَضُوءِ فِي وَجْهِ الغَيْرِ

- ‌9 - بَابُ صِفَةِ المَاءِ المُتَغَيِّرِ وَحُكْمِهِ

- ‌10 - بابُ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ

- ‌11 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ

- ‌12 - بابُ التَّطَهُّرِ بِماءِ البَحْرِ

- ‌13 - بابُ التَّطَهُّرِ بِمَاءِ الْمَطَرِ

- ‌14 - بَابُ التَّطَهُّرِ بِمَاءِ الثَّلْجِ والبَرَدَ

- ‌15 - بَابُ التَّطَهُّرِ بِالمَاءِ المُسَخَّنِ

- ‌16 - بَابُ التَّطَهُّرِ بِالمَاءِ الْمُشَمَّسِ

- ‌17 - بَابُ التَّطَهُّر بالنَّبيذِ

- ‌18 - بَابُ التَّطَهُّرِ بِمِيَاهِ الْآبَارِ

- ‌19 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ آبَارِ أَرْضِ ثَمُودَ إِلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ

الفصل: ‌3 - باب مقدار ما ينجس من الماء

‌3 - بابُ مِقْدَارِ ما يَنْجُسُ مِنَ الْمَاءِ

.

35 -

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:

◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ (الْحِيَاضِ الَّتِي بِالْبَادِيَةِ)، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ [قَدْرَ] قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ» .

[الحكم]:

مختلف فيه: فصحَّحه أكثر أهل العلم؛ قال ابن معين، والمنذري:«إسناده جيد» . وصحَّحه الطبري، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، والخطابي، وابن منده، والحاكم، والبيهقي، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، وابن دقيق العيد، والنووي، وابن الأثير، وابن سيد الناس، والعلائي، ومغلطاي، وتاج الدين السبكي، وابن الملقن، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي، والقسطلاني، والمعلمي اليماني، وأحمد شاكر، والمباركفوري، والألباني.

وحسَّنه الجورقاني

(1)

. وقال ابن الصلاح: «حسن ثابت» .

واحتجَّ به: الشافعي، وأحمد، وإسحاق.

(1)

هكذا (بالراء المهملة) على ما رجحه محقق كتاب الأباطيل والصحاح، راجع المقدمة (ص 76 - 81).

ص: 148

بينما ضعَّفه ابن المبارك - وتبعه ابن المنذر -، وإسماعيل القاضي، وأبو بكر الجصاص، وأبو بكر الأبهري المالكي، وابن عبد البر، وابن العربي، وأبو عبد الله القرطبي، والدبوسي، وعمر بن بدر الموصلي، والفيروزآبادي، والعيني.

وحُكِيَ تضعيفه أيضًا: عن علي بن المديني، وأبي داود السجستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية.

والراجح - لدينا -: أنه صحيح، وما أُعِلَّ به غير قادح، كما سنبينه إِنْ شاء الله تعالى.

[الفوائد]:

قال الترمذي بإثره: «قال محمد بن إسحاق: القُلَّة هي الجرار، والقُلَّة التي يستقى فيها. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب» .

قال البغوي: «في هذا الحديث بيان أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة لم تغيره، أنه لا ينجس.

وقوله: «ليس يحمل الخبث» أي: يدفع عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، أي: يأباه ويدفعه عن نفسه» (شرح السنة 2/ 58).

قلنا: ظاهر هذا الحديث يخالف حديثَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» السابق.

وأجاب عن ذلك ابن قتيبة؛ فقال: «إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» على الأغلب والأكثر؛ لأنَّ الأغلب على الآبار والغدران أن يكثر ماؤها، فأخرج الكلام مخرج الخصوص. وهذا كما يقول: (السَّيْلُ لَا

ص: 149

يَرُدُّهُ شَيْءٌ)، ومنه ما يرُدُّه الجِدَار، وإنما يريد الكثير منه لا القليل. وكما يقول:(النَّارُ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ)، ولا يريد بذلك نار المصباح الذي يطفئه النفخ ولا الشرارة، وإنما يريد نار الحريق. ثم بين لنا بعد هذا بالقلتين، مقدار ما تقوى عليه النجاسة من الماء الكثير، الذي لا ينجسه شيء» (تأويل مختلف الحديث ص 470).

وقال ابن حبان: «قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . لفظة أطلقت على العموم تستعمل في بعض الأحوال، وهو المياه الكثيرة التي لا تحتمل النجاسة، فتطهر فيها، وتخصُّ هذه اللفظة التي أطلقت على العموم وُرُود سنةٍ؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» ، ويخصُّ هذين الخبرين الإجماعُ على أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه نجاسة وقعت فيه - أنَّ ذلك الماء نجس بهذا الإجماع الذي يخصُّ عموم تلك اللفظة المطلقة التي ذكرناها» (الصحيح 2/ 352).

[التخريج]:

[د 62، 63/ ت 68 واللفظ له/ ن 52، 332/ كن 59/ حم 4605 والزيادة له ولغيره، 4961/ مي 750/ خز 98/ ك 464 - 467/ عل 5590/ ش 1533، 1534، 37247/ جا 43، 44/ شف 4/ أم 5/ خشف 90/ حميد 817/ طح (1/ 15) / مشكل 2644 - 2646 والرواية له ولغيره/ قط 1 - 4، 7 - 19/ هق 1245 - 1255/ هقغ 198، 199/ هقع 1850، 1854، 1855، 1861، 1867، 1869، 1870/ هقخ 935، 946/ ثحب (8/ 476 - 477) / معر 65، 1408، 1409/ تطبر (مسند ابن عباس 1107 - 1111) / طوسي 56/ سمويه 21/ بغ 282/ بغت (6/ 88) / طيل 321/ تحقيق 6، 7/ كتاب

ص: 150

إسماعيل بن سعيد الكسائي

(1)

(هقع 1867)].

[التحقيق]:

انظر الكلام عليه فيما يأتي.

• وفي رِوايةٍ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ (لَم يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)» .

[الحكم]:

صحيح، وصحَّح هذا الرواية ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي - وأقرَّه النووي -، والألباني. وقال ابن معين:«إسناده جيد» .

[التخريج]:

[د 64 واللفظ له/ جه 521 والرواية له ولغيره، 522/ حم 4803/ مي 749/ خز 98/ حب 1244، 1248/ ك 463/ هق 1256، 1258/ هقع 1876، 1880، 1882، 1885/ هقخ 949، 951/ قط 1، 5 - 6، 26 - 29/ منذ 187/ تطبر (مسند ابن عباس 1106، 1115) / سمويه 22، 23/ تحقيق 8/ مزني 15/ مخلص 2222/ نظام 7].

[التحقيق]:

انظر الكلام عليه فيما يأتي.

(1)

لعله كتابه المشهور: (البيان في فروع الفقه الحنفي). انظر: (تاريخ الإسلام للذهبي 5/ 533)، و (معجم المؤلفين 2/ 271).

ص: 151

• وفي رِوايةٍ - في أوله قصة -: عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنٍ لِابْنِ عُمَرَ فِي الْبُسْتَانِ (بُسْتَانٍ لَنَا أَوْ لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ)[فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَامَ عُبَيْدُ اللهِ إِلَى مَقْرَى الْبُسْتَانِ]، وَثَمَّ جِلْدُ بَعِيرٍ [مَيِّتٍ] فِي الْمَاءِ، فـ[أَخَذَ يَـ]ـتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ (أَتَتَوَضَّأُ مِنْ هَذَا؟ )[وَفِيهِ هَذَا الْجِلْدُ]، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ (فَإِنَّهُ لا يَنْجُسُ)» .

[الحكم]:

صحيح.

[التخريج]:

[طي 2066 واللفظ له/ قط 25 والزيادة الثانية له ولغيره/ جا 45 والروايات والزيادة الأولى والثالثة له ولغيره/ طح (1/ 16) / هقخ 948 / هقغ 200].

[التحقيق]:

هذا الحديث يرويه ابن إسحاق، والوليد بن كثير، وعاصم بن المنذر، وليث بن أبي سليم:

أولًا: طريق ابن إسحاق:

رواه (أبو داود 63): عن أبي سلمة التبوذكي، عن حماد بن سلمة، وعن أبي كامل، عن يزيد بن زُرَيْعٍ.

ورواه (الترمذي 68): عن هناد، عن عَبْدَةَ.

ثلاثتهم: (حماد، ويزيد، وعَبْدَة) عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن

ص: 152

جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر به فذكره بلفظ الرواية الأولى.

ورواه (ابن ماجه 521): عن أبي بكر بن خلَّاد الباهلي حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن إسحاق به فذكره بلفظ الرواية الثانية.

وهذا إسناد حسن؛ رجاله ثقات غير ابن إسحاق فهو صدوق يدلس، وقد صرَّح بالتحديث عند الطبري في (تهذيب الآثار 1111) وغيره، فأمِنَّا من شبهة تدليسه.

وهذا الوجه عن ابن إسحاق هو الصحيح المحفوظ عنه، وقد رواه المغيرة بن سقلاب وابن عياش وعبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحاق، وأخطئوا فيه:

فأما رواية المغيرة وابن عياش فسيأتي الكلام عليهما في محله.

وأما رواية عبد الوهاب:

فأخرجها ابن حبان في (الثقات 8/ 476 - 477)، والدارقطني في (السنن 1/ 19) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحاق، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، به.

كذا قال عبد الوهاب، وهو وهم كما نصَّ عليه الدارقطني في (العلل 6/ 373).

وقال ابن حبان: «وهذا خطأ فاحش، إنما هو محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه» (الثقات 8/ 477).

ص: 153

ثانيًا: طريق الوليد بن كثير، وقد اختلف عليه على وجوه:

فرواه جماعة، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به. منهم:

1 -

أبو بكر بن أبي شيبة، كما في (المصنف 1534).

2 -

وعبد بن حميد، كما في (المنتخب 817).

3 -

وأبو كريب محمد بن العلاء، كما عند أبي داود (62).

4، 5 - وهناد بن السري، والحسين بن حريث، كما عند النسائي في (الصغرى 52) و (الكبرى 59).

6 -

وإسحاق بن راهويه، كما عند الحاكم في (المستدرك 463).

7 -

والحسن بن علي بن عفان، كما عند ابن الأعرابي في (المعجم 2/ 695) والحاكم (458).

8، 9 - ومحمد بن سليمان القيراطي، وعبد الله بن محمد بن شاكر، كما عند ابن الجارود في (المنتقى 44).

10 -

وأبو عبيدة بن أبي السفر، كما عند الدارقطني في (السنن 1).

11 -

وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، كما عند البيهقي في (السنن الكبرى 1252)، و (الصغرى 198)، و (المعرفة 1854).

وغيرهم كثير، وخالفهم جماعة فرووه، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:

1 -

أبو بكر بن أبي شيبة، كما في (المصنف: ط دار الفاروق 37108،

ص: 154

وط كنوز إشبيليا 38846، وط الحوت 36094)

(1)

، وكذا رواه عنه ابن سمويه في (الفوائد 54).

2 -

ويحيى بن حسان، كما في (سنن الدارمي 723).

3 -

والحسين بن حريث، كما عند النسائي في (الصغرى 332).

4 -

وحاجب بن سليمان، كما في (الزيادات على كتاب المزني للنيسابوري 15).

5 -

وحوثرة بن محمد البصري، كما عند ابن خزيمة في (صحيحه 98).

ورواه جماعة، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:

1، 2 - عثمان بن أبي شيبة، والحسن بن علي بن عفان، كما عند (أبي داود 62).

3، 4، 5 - وحجَّاج بن حمزة، ومحمد بن عثمان الوراق، ومحمد بن سعيد القطان، كما عند ابن الجارود في (المنتقى 43).

6، 7، 8، 9 - والحميدي، ويعيش بن الجهم، وأحمد بن زكريا، وشعيب بن أيوب، كما عند الدارقطني في (السنن 1/ 9 - 10).

10 -

وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، كما عند الدارقطني في (السنن

(1)

ووقع في ط (دار القبلة 37247): "عبد الله"، وقد أشار محقق طبعة كنوز إشبيليا إلى أنه وقع كذلك في بعض النسخ الخطية.

ص: 155

9)، والبيهقي في (السنن الكبرى 1253)، وفي (المعرفة 1855).

وغيرهم كثير، وخالفهم جماعة فرووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:

1 -

أبو بكر بن أبي شيبة، كما عند ابن حبان في (صحيحه 1248) عن الحسن بن سفيان عنه.

2 -

ومحمد بن سعيد بن غالب، كما عند ابن الأعرابي في (المعجم 1/ 56).

حاصل ما سبق: أنه اختلف على أبي أسامة، في شيخ الوليد بن كثير، هل هو محمد بن جعفر بن الزبير أم محمد بن عباد بن جعفر؟

واختلف أيضًا في شيخهما، هل هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر أم عبد الله بن عبد الله بن عمر؟

فاختلف أهل العلم في هذا الاختلاف، فمنهم من عدَّه اضطرابًا يُعَلُّ به الحديث، ومنهم من رجَّح، ومنهم من جمع:

فممن رجَّح:

إسحاق ابن راهويه؛ حيث قال: «غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله، إنما هو عبيد الله» (معرفة السنن والآثار 2/ 86). ومال إليه البيهقي في (المعرفة 2/ 88، 90).

وقال أبو داود السجستاني: «وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن

ص: 156

عباد بن جعفر، [قال أبو داود: وهذا هو الصواب]

(1)

» (السنن عقب رقم 62).

وخالفه أبو حاتم الرازي، فقال:«محمد بن عباد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه» (العلل 1/ 544/ رقم 96).

ووافق أبا حاتم على هذا الترجيح ابن منده، حيث قال:«واختلف على أبي أسامة، فروى عنه، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، وقال: مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير، - وهو الصواب -؛ لأنَّ عيسى بن يونس، رواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم» (الإمام لابن دقيق العيد 1/ 202).

وهو ظاهر قول الخطابي، حيث قال: «وذكروا أنَّ الرواة قد اضطربوا فيه، فقالوا مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وهذا اختلاف من قبل أبي أسامة حماد بن أسامة القرشي.

ورواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث» (معالم السنن 1/ 36).

وقال ابن منده: «واختلف على أبي أسامة، ومحمد بن جعفر هو الصواب» (شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي 2/ 139).

(1)

قول أبي داود: (وهذا هو الصواب)، ليس في أصل طبعة التأصيل، وإنما أشار محققو الطبعة إلى وجودها في هوامش بعض النسخ، أما طبعة المكتبة العصرية فقد أثبتت الزيادة في الأصل عقب الحديث (63).

ص: 157

وجمع بينهما: الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، وعبد الحق الإشبيلي، والنووي، والعلائي، وابن الملقن، وغيرهم؛ فقالوا: بصحة الجميع، وأنه لا مانع أن يكون سمعه الوليد بن كثير من محمد بن جعفر، ومن محمد بن عباد، ولا مانع أيضًا أن يكونا قد سمعاه من عبيد الله وعبد الله ابني عبد الله بن عمر.

ثم إنَّ هذا الاختلاف مما لا يضر؛ لأنه أينما دار دار على ثقة، فأربعتهم: ثقات من رجال الشيخين.

والأقرب عندنا أنَّ كلا الطريقين محفوظان، فقد رواه عن أبي أسامة حماد بن أسامة جمع من الثقات الحفاظ وقالوا فيه:«عن الوليد عن محمد بن جعفر» ، ورواه عنه جمع من الثقات الحفاظ وقالوا فيه:«عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر» ، ومن هؤلاء الثقات الحفاظ من رُوِيَ عنه الوجهين؛ كأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وغيرهم، قال البيهقي:«وفي كل ذلك دلالة على صحة الروايتين جميعًا» (السنن الكبرى عقب رقم 1249).

ومما يقطع أنَّ كلا الوجهين محفوظان:

أنه قد رواه الحاكم - وعنه البيهقي في (السنن) - من طريق شعيب بن أيوب، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.

وكذا رواه الدارقطني في (سننه) من طريق شعيب به، إلَّا أنه ذكر كل طريق على حده.

قال الدارقطني: «فلمَّا اختلف علي أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من

ص: 158

أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر؛ فصحَّ القولان جميعًا عن أبي أسامة. وصحَّ أنَّ الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرَّة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم» (سنن الدارقطني 1/ 13)، وبنحوه في (العلل 6/ 435).

وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته ولم يخرجاه، وأظنُّهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلاف فيه على أبي أسامة على الوليد بن كثير» . ثم ذكر رواية الوليد عن محمد بن جعفر، وروايته، عن محمد بن عباد، وقال: «هذا خلاف لا يوهن هذا الحديث، فقد احتجَّ الشيخان جميعا بالوليد بن كثير [ومحمد بن جعفر بن الزبير، فأما محمد بن عباد فغير محتجٍّ به]

(1)

، وإنما قرَنه أبو أسامة إلى

(1)

ما بين المعكوفين، ساقط من المطبوع، واستدركناه من (الخلافيات للبيهقي 3/ 155)، و (ذيل ميزان الاعتدال للعراقي ص 180). وتعقب البيهقي الحاكم في ذلك فقال:«قول شيخنا رحمه الله في محمد بن عباد بن جعفر: إنه غيرُ محتجٍّ به، سهو منه فقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله حديثه في الصحيح واحتجا به» .

وقال العراقي: «إن أراد الحاكم أنه غيرُ محتجٍّ به في الصحيحين فهو وهم فقد احتجا به في حديثه عن جابر في النهي عن صوم يوم الجمعة، واحتجَّ به البخاري في حديث عن ابن عباس في نزول قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم}، واحتجَّ به مسلم في حديث له عن ابن عمر وحديث له عن أبي هريرة وغير ذلك، وإن أراد أنه غيرُ محتجٍّ به مُطلقًا فليس كذلك فقد وثقه ابن معين وأبو زُرْعَة وأبو حاتم وابن سعد وابن حبان، وروى عنه الأئمة الزُّهْرِيّ وابن جُرَيْج والأوزاعي ولم أرَ لغير الحاكم فيه جرحًا وعلى تقدير أن يكون الحاكم أراد أنه غيرُ محتجٍّ به في الصحيحين فلا ينبغي أن يكون تضعيفًا لأنَّ جماعة من الثقات لم يحتجّ بهم الشيخان ولم يُتكلّم فيهم بجرح، والله أعلم» .

ص: 159

محمد بن جعفر، ثم حدَّث به مرة عن هذا ومرة عن ذاك».

وساق بسنده رواية شعيب بن أيوب، التي قرَن فيها محمد بن جعفر بمحمد بن عباد، ثم قال:«قد صحَّ وثبت بهذه الرواية صحة الحديث وظهر أنَّ أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا؛ فإنَّ شعيب بن أيوب الصريفيني ثقة مأمون وكذلك الطريق إليه» (المستدرك 1/ 463).

قلنا: وكذا الأمر في شيخهما، فالصواب أيضًا أَنَّ كلًّا منهما روى الحديث عن عبيد الله بن عبد الله - المصغر -، وعبد الله بن عبد الله - المكبر - كلاهما عن أبيهما.

قال البيهقي: «فالحديث محفوظ عنهما جميعًا، إلَّا أنَّ غير أبي أسامة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما جميعًا، وكلاهما رواه عن أبيه، وإليه ذهب كثير من أهل الرواية، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، رحمه الله يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله، إنما هو عبيد الله، واستدل بما رواه عن عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم فذكره» (معرفة السنن والآثار 2/ 86 - 87).

وقال الخطابي: «وقد تَكلَّم بعض أهل العلم في إسناده من قِبَلِ أنَّ بعضَ رُواته قال: عن عبد الله بن عبد الله، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه؛ لأنَّ الحديث قد رواه عبيد الله وعبد الله معًا» (معالم السنن 1/ 36).

ص: 160

وقال ابن الأثير: ((فلهذا الاختلاف تركاه؛ لأنَّه على خلاف شرطهما، لا لطعن في متن الحديث، فإنَّه في نفسه حديث مشهور معمول به، ورجاله ثقات معدلون، وليس هذا الاختلاف مما يوهنه؛ لأنه يكون قد رواه عبد الله وعبيد الله أبناء عبد الله بن عمر معًا، ورواه محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر معًا)) (الشافي في شرح مسند الشافعي 1/ 80 - 81).

وما ذهبوا إليه هو الصواب، خلافًا للحافظ ابن حجر، حيث قال:((والجواب أنَّ هذا ليس اضطرابًا قادحًا فإنَّه على تقدير أن يكون الجميع محفوظًا انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق الصواب أنَّه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم)) (التلخيص 1/ 17).

وقد تعقبه العلامة أحمد شاكر، فقال:((وما قاله الحافظ من التحقيق غير جيد، والذي يظهر من تتبع الروايات أن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، وأنَّ كلاهما روياه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما)). انظر: (تعليق الشيخ على سنن الترمذي 1/ 99).

قلنا: وهو كما قال الشيخ أحمد شاكر، فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة - وهو ثقة ثبت حافظ -، ومحمد بن سعيد بن غالب - وهو ثقة -، كلاهما عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن عباد عن عبيد الله بن عبد الله، به. وقد سبق ذكر هذا الوجه.

ص: 161

وممن قال بصحة هذه الوجوه جميعًا، غير من ذكرنا:

1 -

عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوسطى 1/ 154 - 155) و (الصغرى 1/ 113).

2 -

وابن الجوزي في (التحقيق 1/ 35 - 36).

3 -

والضياء المقدسي، كما في (تصحيح حديث القلتين للعلائي ص 43).

4 -

والنووي في (المجموع 1/ 112 - 114).

5 -

والعلائي في (تصحيح حديث القلتين ص 43).

6 -

وابن الملقن في (البدر المنير 1/ 408).

7 -

والمعلمي اليماني في (التنكيل 2/ 758 - 759).

وأعله ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما بالاضطراب وغيره، وسيأتي الجواب عليهم إن شاء الله.

ثالثًا: طريق عاصم بن المنذر:

رواه الطيالسي في (مسنده 2066) قال: قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، قال: كُنَّا مَعَ ابنٍ لابنِ عُمَرَ فِي البُسْتَانِ، وثَمَّ جِلْدُ بَعِيرٍ فِي المَاءِ، فَتَوضَّأَ مِنْهُ، فَقُلتُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ ! فقال: حَدَّثَني أَبي، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

فذكره بلفظ الرواية الثالثة.

ورواه (أبو داود 64) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي،

فذكره بلفظ الرواية الثانية.

ورواه ابن الجارود في (المنتقى 45)، قال: حدثنا محمد بن يحيى،

ص: 162

قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني عاصم بن المنذر، قال: كُنَّا فِي بُسْتَانٍ لنَا أَوْ لعُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فذكره.

قلنا: وهذا سند جيد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير عاصم بن المنذر، فقد روى له أبو داود وابن ماجه، وقال عنه أبو زُرْعَةَ:((هو صدوق))، وقال أبو حاتم:((صالح الحديث)) (الجرح والتعديل 6/ 350)، وقال البزار:((ليس به بأس)) (تهذيب التهذيب 5/ 57)، وذكره ابن حبان فى (الثقات 7/ 256). وقال ابن حجر:((صدوق)) (التقريب 3079).

ولذا جوّده ابن معين، كما سيأتي.

وقال البيهقي: ((هذا إسناد صحيح موصول)) (معرفة السنن والآثار 2/ 89)، وأقرَّه النووي في (المجموع 1/ 112).

وقال الألباني: ((إسناده صحيح)) (صحيح أبي داود 1/ 108).

وقد أُعلَّ هذا الطريق بمخالفة حماد بن زيد وابن علية لحماد بن سلمة؛ حيث رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه موقوفًا. ذكره الدارقطني في (السنن 1/ 19) وغيره معلقًا.

وقيل: عن حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. ذكره العلائي في (جزء في حديث القلتين ص 48).

ورواه إسماعيل بن علية - كما في (مصنف ابن أبي شيبة 1537)، و (تهذيب الآثار للطبري (مسند ابن عباس) 1104) - عن عاصم بن المنذر،

ص: 163

عن رجل - لم يسمه -، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا.

وقد أشار أبو داود إلى هذه العلة بقوله - بإثر رواية حماد بن سلمة -: ((حماد بن زيد وقفه، عن عاصم)).

وقد ردَّ هذه العلة يحيى بن معين، حيث سُئل عن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر بن الزبير؟ فقال:((هذا خير الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيد الإسناد)). قيل له: فإنَّ ابن علية، لم يرفعه. قال يحيى:((وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير)). قال الدوري: ((يعني يحيى: في قصة الماء لا ينجسه شيء)) (تاريخ ابن معين - رواية الدوري 4/ 240/ رقم 4152).

وأقرَّ ابنَ معين، ابنُ الملقن في (تحفة المحتاج 11).

وقد ردَّ العلائي - أيضًا - هذه العلة من وجهين:

الأول: أنَّ حماد بن سلمة ثقة إمام فلا يضره وقف الحديث من حماد بن زيد وابن علية على طريقة الفقهاء والأصوليين إذِ الرفع زيادة من ثقة.

قلنا: وهذا فيه نظر على طريقة جمهور المحدثين، إذْ ليس لديهم قانونًا عامًا لقبول الزيادة أو ردِّها، وإنما لكلِّ زيادة حكم خاص بها بحسب القرائن المحتفة بها، كما هو الحال هنا كما في:

الوجه الثاني: أنَّ الرواية الموقوفة لا تُعِلُّ المرفوعة لكونهما متغايرين في السند، فحماد بن سلمة إنما رواه عن عاصم عن عبيد الله بن عبد الله، أما

ص: 164

حماد بن زيد وابن علية فإنَّما روياه عن عاصم عن أبي بكر بن عبيد الله، فاختلف شيخا عاصم فيه، فكان عنده متصلًا عن عبيد الله، وموقوفًا أو مرسلًا عن أبي بكر بن عبيد الله)). اهـ ملخصًا، من (جزء في تصحيح حديث القلتين ص 49).

رابعًا: طريق الليث بن أبي سليم:

رواه (الدارقطني) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، نا عبد الله بن الحسين بن جابر، نا محمد بن كثير المصيصين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به مرفوعًا.

وهذا إسناد تالف؛ فيه عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي، قال ابن حبان:((يقلب الأخبار ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)) (المجروحين 2/ 10)، واعتمّده الذهبي في (الميزان 4269)، وتبعه الحافظ في (اللسان 4199).

وقد قلب هذا الإسناد فرفعه، والمحفوظ فيه الوقف، فقد رواه الدارقطني في (السنن 30) من طريق معاوية بن عمرو (وهو ثقة من رجال الشيخين)، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفًا.

ولذا قال الدارقطني: ((رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة موقوفًا وهو الصواب)).

وقد توبع زائدة على الوقف، فرواه ابن المنذر في (الأوسط 177) عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، به موقوفًا.

وهذا الموقوف ضعيف أيضًا؛ لضعف ليث بن أبي سليم، وقد خولف في

ص: 165

هذا الحديث، فرواه أبو إسحاق السبيعي وغيره عن مجاهد من قوله، فمثل هذا لا يُعَلُّ به المرفوع، ولو سلَّمنا جدلًا بصحة الموقوف من طريق مجاهد، وكان لا بدَّ من الترجيح بينه وبين المرفوع من طريق عبيد الله، لرجحنا المرفوع؛ لأنَّ عبيد الله أولى في أبيه وأخص به من مجاهد، فكيف وقد تابعه أخوه عبد الله؟ راجع (بذل الإحسان 2/ 42).

خلاصة ما سبق: أن حديث القلتين ثابت صحيح من ثلاثة طرق عن ابن عمر، وقد احتجَّ به وصحَّحه أئمة الحديث:

فاحتجَّ به أحمد، كما في مسائله (رواية أبي داود ص 6)، و (رواية صالح بن أحمد 85، 86، 249)، و (رواية عبد الله بن أحمد 8)، وكذا في (سنن الأثرم 52).

وكذا احتجَّ به الشافعي في (اختلاف الحديث ص 85 وما بعدها) وألزم به مخالفه (ص 89).

وكذا إسحاق بن راهويه، كما في (مسائل الكوسج 2/ 305 - 307).

وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.

والطبري في (تهذيب الآثار / مسند ابن عباس 2/ 736).

والطحاوي في (شرح معاني الآثار 1/ 16)، ونقل النووي تصحيحَه للحديث في (المجموع 1/ 114)، وابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق 1/ 21).

وصحَّحه أيضًا: ابن حزم في (المحلى 1/ 151).

وقال ابن منده: ((فهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم في عبيد الله بن

ص: 166

عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير)). نقله ابن دقيق العيد في (الإمام 1/ 204) ثم قال:((وكأنَّ أبا عبد الله ابن منده حكم بالصحة على شرط مسلم من جهة الرواة، وأعرض عن جهة الرواية وكثرة الاختلاف فيه والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه لذلك)) (الإمام 1/ 206).

قلنا: لم يعرض ابن منده عن الاختلاف فيه، بل رجَّح أحد الأوجه، وسبق نقل قوله.

وقال الجورقاني: ((هذا حديث حسن)) (الأباطيل والصحاح 1/ 511).

وقال ابن الصلاح: ((حسن ثابت)) (النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي 1/ 385).

وقال المنذري: ((إسناده جيد لا غبار عليه)) (فيض القدير 1/ 313).

وقال ابن دقيق العيد: ((هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم وهو صحيح، على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإِنْ كان مضطرب الإسناد مختلفًا في بعض ألفاظه فإنَّه يجاب عنها بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الرِّوايات، ولكني تركته؛ لأنَّه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين)) (التلخيص الحبير 1/ 137). ولذا قال تاج الدين السبكي: ((صحَّح الشيخ تقي الدين حديث القلتين واختار ترك العمل به لا لمعارض أرجح بل لأنَّه لم يثبت عنده بطريق يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين لمقدار القلتين)) (طبقات الشافعية 9/ 245).

وقال النووي: ((رواه الثلاثة، وهو صحيح صحَّحه الحفاظ. قال يحيى بن معين: إسناده جيد. وقال الحاكم: صحيح)) (خلاصة الأحكام 1/ 66).

وقال ابن الملقن: ((هذا الحديث صحيح ثابت)) (البدر المنير 1/ 404).

ص: 167

ونحوه في (تذكرة المحتاج 16).

وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في (أماليه): ((قد صحَّح هذا الحديث الجَمُّ الغفير من أئمة الحفاظ: الشافعي، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن منده، والحاكم، والخطابي، والبيهقي، وابن حزم، وآخرون)) (قوت المغتذي على جامع الترمذي 1/ 70).

وقال ابن حجر: ((وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده لكن رواته ثقات وصحَّحه جماعة من الأئمة)) (فتح الباري 1/ 342). وقال أيضًا: ((وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التغيّر وعدمه وهو قوي لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه)) (الفتح 1/ 348).

ورمز لصحته السيوطي في (الجامع الصغير 512).

وصحَّحه القسطلاني في (إرشاد الساري 1/ 301).

وقال صاحب عون المعبود: ((حديث القلتين صحيح ثابت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعمول به)) (عون المعبود 1/ 74).

وقال الشيخ أحمد شاكر: ((لم يتكلم الترمذي على هذا الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذين أخذوا به، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده. وهو حديث صحيح، أطال العلماء القول في تعليله، لاختلاف طرقه ورُواته، وليس الاختلاف فيه مما يؤثر في صحته)). اهـ انظر تعليق الشيخ على (سنن الترمذي 1/ 98).

وقال المباركفوري: ((والحاصل أن حديث الباب صحيح قابل للاحتجاج وكل ما اعتذروا به عن العمل والقول به فهو مدفوع)) (تحفة

ص: 168

الأحوذي 1/ 184).

وصحَّحه المعلمي اليماني وأجاب عمّا أُعلَّ به وأطال النفس جدًّا، فأحسن وأجاد. انظر:(التنكيل 2/ 754 - 769). وسيأتي نتف من كلامه.

وصحَّحه الألباني في (الإرواء 23)، وفي (صحيح أبي داود 1/ 104) وقال عن سند أبي داود:((إسناده صحيح على شرط الشيخين)).

ومع هذا ضعفه جماعة من أهل العلم، وأعلَّوه بعدة أمور:

الأول: اضطراب سنده ومتنه:

قال أبو بكر الجصاص: ((هذا حديث لا يجوز إثبات أصل من أصول الشريعة بمثله؛ لضعف سنده واضطراب متنه، واختلاف الرواة في رفعه، ولأنَّ مثله لا يجوز أن يكون وروده مورد البيان في إيجاب الحد الفاصل بين القليل والكثير. فأما ضعف سنده، فلأنه مختلف فيه، يقول بعضهم: محمد بن عباد بن جعفر. وبعضهم يقول: محمد بن جعفر. ثم يقول بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وآخرون يقولون: عبد الله بن عبد الله. وهذا يدل على أن الحديث غير مضبوط الإسناد.

ثم يقفه بعضهم على ابن عمر رضي الله عنهما، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم) (شرح مختصر الطحاوي 1/ 255).

وقال ابن عبد البر: ((وهو حديث يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير جميعًا عن محمد بن جعفر بن الزبير. وبعض رواة الوليد بن كثير يقول فيه عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر.

ولم يختلف عن الوليد بن كثير أنه قال فيه: عن عبد الله بن عبد الله بن

ص: 169

عمر، عن أبيه يرفعه.

ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.

وعاصم أيضًا فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله. ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله.

ورواه عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه فاختلف فيه عليه أيضًا:

فقال حماد بن سلمة: عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.

وقال فيه حماد بن زيد: عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر ابن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر.

وقال حماد بن سلمة فيه: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)). وبعضهم يقول فيه: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ

(1)

الْخَبَثَ)). وهذا اللفظ محتمل للتأويل.

ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث إلى أنَّ القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه)) (التمهيد 1/ 329).

(1)

صحفت الكلمة في المطبوع إلى: يحصل! وهي على الصواب في ((موسوعة شرح الموطأ 2/ 508)، وأشار محققوها إلى أنه وقع في نسخة: يحصل.

ص: 170

وقال أبو عبد الله القرطبي: ((وقال الشافعي بحديث القلتين، وهو حديث مطعون فيه، اختلف في إسناده ومتنه)) (تفسير القرطبي 13/ 42).

وقال ابن العربي: ((وحديث القلتين مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف. وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي. واختلفت رواياته فقيل: ((قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا))، رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. ورُوِيَ:((أَرْبَعُونَ قُلَّةٍ)). ورُوِيَ: ((أَرْبَعُونَ غَرْبًا))، ووقف على عبد الله بن عمرو، وعلى أبي هريرة. ولقد رام الدارقطني أن يتخلص من رواية هذا الحديث بجريعة الذقن، فاغتص بها، وعلى كثرة طرقه لم يخرجه من شَرَطَ الصحة)) (عارضة الأحوذي 1/ 84).

وقال الزيلعي: ((وقد أجاد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في كتاب الإمام جمع طرق هذا الحديث ورواياته واختلاف ألفاظه، وأطال في ذلك إطالة تلخص منها تضعيفه له فلذلك أضرب عن ذكره في كتاب الإلمام مع شدة احتياجه إليه)) (نصب الراية 1/ 105).

وقال بدر الدين العيني: ((وأما حديث القلتين ففيه اضطراب لفظًا ومعنى، أما اضطرابه في اللفظ فمن جهة الإسناد والمتن

)) وذكر نحوًا مما سبق. (شرح أبي داود 1/ 191)، وبنحوه في (عمدة القاري 3/ 168)، و (نخب الأفكار 1/ 99، 100، 114).

وأجيب على ذلك بأنَّ:

((مثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعًا، فحدَّث به أبو أسامة عن الوليد على

ص: 171

الوجهين، وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعًا عن أبيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة، وعن هذا تارة)) (تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 1/ 76).

وقال ذهبي العصر المعلمي اليماني: ((فالاضطراب الضَّار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتدُّ بحيث يدل أنَّ الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط، وليس الأمر في هذا الحديث كذلك، كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني)، و (المستدرك)، و (سنن البيهقي))) (التنكيل 2/ 758).

وقد سبق تقرير ذلك، بما لا يدع مجالًا لمزيد من الكلام، وانظر:(النفح الشذي لابن سيد الناس 2/ 133 - 134).

الأمر الثاني: أنَّ رَاويه محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر ليسا بحجة فيما انفردا به:

قال ابن عبد البر أيضًا: ((وأما الحديث الذي ذهب إليه الشافعي في هذا الباب - حديث القلتين -؛ فإنه حديث يدور على محمد بن جعفر بن الزبير؛ وهو شيخ ليس بحجة فيما انفرد به،

وعاصم بن المنذر عندهم: ليّن ليس بحجة)) (التمهيد 24/ 18).

وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في (أحكام القرآن): ((هذان شيخان يعني محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر لا يحتملان التفرُّد بمثل هذا الحكم الجليل ولا يكونان حجة فيه)) (التمهيد 24/ 19). وانظر: (الاستذكار 2/ 102).

ص: 172

قلنا: وهذا فيه نظر، فمحمد بن جعفر ومحمد بن عباد ثقتان من رجال الصحيحين، فتفردهما - إِنْ تفردا - حجة، كيف ولم يتفردا به؟ ! .

وعاصم بن المنذر: وثقه أبو زُرْعَة وابن حبان، وقال أبو حاتم:((صالح الحديث))، وقال البزار:((ليس به بأس))، انظر (تهذيب التهذيب 5/ 57). ثم إنه لم يتفرد، به.

الأمر الثالث: أن الوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق متكلم فيهما:

قال أبو بكر الأبهري: ((هو خبر ليس بصحيح عند أكثر أهل النقل، لاسيّما عند علماء أهل المدينة،

رواه الوليد بن كثير، وهو كثير الغلط، ورواه محمد بن إسحاق وهو ضعيف الحديث؛ تَكلَّم فيه مالك وهشام بن عروة، ويحيى القطان وغيرهم)) (الجامع لمسائل المدونة 1/ 208 - 209).

وتبعه تلميذه أبو الحسن بن القصار المالكي

(1)

فقال -جوابًا عن العمل بالحديث-: "إنه ليس بثابت عند أهل النقل؛ لأن ابن إسحاق قد رواه، وقد تكلم فيه الأئمة مثل: مالك وهشام بن عروة ويحيى القطان.

وقال غير مالك: إنما يأخذ عنه ما رواه من المغازي دون غيرها، وهو ضعيف عندهم.

وأما الوليد بن كثير فكثير الغلط مضطرب الرواية، طعن عليه أحمد بن حنبل وغيره"، ثم قال: "وجملته أن الوليد مطعون عليه كثير الغلط". (عيون

(1)

هو شيخ المالكية القاضي أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي، المعروف بابن القصار (ت 397 هـ)، وثقه الخطيب وأثنى عليه أبو إسحاق الشرازي والقاضي عياض، وقال أبو ذر:"هو أفقه من لقيت من المالكيين وكان ثقة قليل الحديث"، انظر:(سير أعلام النبلاء 17/ 107).

ص: 173

الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار 2/ 869 - 872).

وقال ابن العربي: ((وقال الشافعي بحديث القلتين، ورواه عن الوليد بن كثير؛ حُسْنَ ظَنٍّ بِهِ وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ. والحديث ضعيف. وقد رَام الدارقطني - على إمامته - أن يصحَّح حديث القلتين فلم يستطع، واغتص بجريعة الذقن فيها، فلا تعويل عليه،

وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة مرارًا، فقال: إنَّ أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه، إذ لا حديث في الباب يعول عليه، وإنما المعول على ظاهر القرآن)) (أحكام القرآن 3/ 439).

وقال في عارضته: ((وحسبك أنَّ الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي)) (عارضة الأحوذي 1/ 84).

وقال القدوري الحنفي: ((هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير

وقد ضعَّفه الساجي)) (التجريد 1/ 299).

قلنا: والجواب على هذا: بأنَّ مجرد تلبس الراوي برأي من آراء أهل البدع لا يخرجه عن حيّز القبول والاحتجاج بخبره، إذا كان صدوقًا ضابطًا لحديثه، وهذا هو حال الوليد بن كثير، فقد اتفقت كلمة الأئمة النقاد على توثيقه، واتفقا الشيخان على الاحتجاج به في صحيحيهما. وانظر ترجمته في (التهذيب) وأصوله وفروعه.

وفي (تهذيب التهذيب 11/ 148): ((قال الساجي: ((صدوق ثبتٌ يحتجُّ به)))). فقول القدوري: ((ضعَّفه الساجي)) وهم، والله أعلم.

وأما ابن إسحاق، فالجمهور على توثيقه، وكلام مالك وغيره فيه، قد أجاب عليه أهل العلم، انظر: (القراءة خلف الإمام للبخاري ص 38 -

ص: 174

40)، و (تهذيب التهذيب 9/ 40 - 45).

الأمر الرابع: أنَّ الحكم في الحديث علق على مجهول (يعني تقدير القلتين)، ولو علَّق الشرع عليه الحكم، لَعلَّقَه على معلوم؛

قال ابن العربي: ((أَلا ترى أنَّ الشافعي تعلَّقَ بحديث القلتين، وجعله تقديرًا، وخفي عليه أنَّ الحديث ليس بصحيح، بدليل أنَّ الحديث بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّق عليه الحكم، وهو مجهول ساقط، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم علَّق عليه الحكم لعلَّقه على معلوم، كما علم الصاع والوسق، حتى كان الحكم المعلَّق عليه شرعًا، المقدّر به صحيحًا)) (أحكام القرآن 3/ 446).

وأجاب عن ذلك المعلمي اليماني، فقال: ((أقول: قال الله عز وجل: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} ، ومن المساكين: الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير، وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلًا كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمّى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخل في الحكم

ص: 175

منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهود حينئذ داخل في الحكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط

أما الاختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة

)) (التنكيل 2/ 759 - 761).

الأمر الخامس: أنه معلول بالوقف:

قال ابن العربي في عارضته: ((وحديث القلتين مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف

واختلفت رواياته فقيل: ((قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا))، رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة. وروي:((أَرْبَعُونَ قُلَّةً)). ورُوِيَ: ((أَرْبَعُونَ غَرْبًا))، ووقف على عبد الله بن عمرو وعلى أبي هريرة)) (عارضة الأحوذي 1/ 84).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع؛ وبيّن أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم)(مجموع الفتاوى 21/ 35).

وقد نقل ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود 1/ 78)، وابن أبي العز الحنفي في (التنبيه على مشكلات الهداية 1/ 334): عنه وعن الحافظ المزي أنهما رجحا وقفه

(1)

.

(1)

وقد اختلفت أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية، في الحكم على هذا الحديث، فمال مرة إلى قول من حسنه، فقال:((وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتجُّ به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه)) (الفتاوي 21/ 41)، وتوقف فيه أخرى، فقال:((وحديث القلتين إنْ صحَّ)) (مجموع الفتاوى 20/ 520). وتارة رجحَّ وقفه كما ذكرنا، ونقل عنه ابن نجيم أنه جزَم بضعفه، وسيأتي نصُّ كلامه قريبًا.

ص: 176

قلنا: إنما وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفًا لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعًا.

فإن قلنا: الرفع زيادة، وقد أتى بها ثقة، فلا كلام.

وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض، فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد، لملازمته له وعلمه بحديثه، ومتابعة أخيه عبد الله له. انظر:(تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 1/ 75 - 76).

وقال ابن سيد الناس: ((وأما تعليل مرفوعه بموقوفه؛ فليس بمستقيم أيضًا من وجهين:

أحدهما: ما يقتضيه النظر من أن الرافع إذا كان ثقة لا يضر الحديث المرفوع عنه تقصير من قصَّر به فلم يرفعه إذ هي زيادة من ثقة فسبيلها أن تقبل ومن رفعه ثقة، فتوجه الحكم لمرفوعه على موقوفه.

الثاني: ما هو قياس في تصرف أئمة هذا الشأن غالبًا من اعتبار الترجيح بالأحفظ والأكثر والحكم للأكثر والأحفظ، على ما هو دونه فيهما أو في أحدهما رفعًا كان أو وقفًا.

وقد تبيّن بما ذكرناه من طرق هذا الحديث أنَّ من رفعه أكثر وأحفظ ممن وقفه بكثير فالحكم على هذا الوجه أيضًا للمرفوع لا للموقوف)) (النفح الشذي 2/ 133 - 134).

ص: 177

الأمر السادس: أن الصحابة والتابعين لم يعملوا به:

قال الدبوسي: ((هو خبرٌ ضعيفٌ ومُعلٌّ بمَن لم يَقْبَلْهُ؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به)).

وتعقبه مغلطاي فقال: ((ولم يصنع شيئًا رحمه الله لما أسلفناه من بيان صحته وزوال علته، والله تعالى أعلم)) (شرح ابن ماجه 2/ 142).

قلنا: وقد صحَّ عن ابن عمر القول به كما سبق.

وقد أطلق بعضهم ضعفه:

فقال ابن المنذر: ((حديث القلتين يدفعه ابن المبارك، ويقول: ليس بالقوي، ولو ثبت حديث القلتين لوجب أن يكون على قول من يقول بعموم الأخبار على كُلِّ قُلْةٍ صغرت أو كبرت)) (الأوسط 1/ 379).

ونقل الكاساني الحنفي، عن علي بن المديني أنه قال:((لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم)، ونقل أيضًا عن أبي داود السجستاني أنه قال: ((لا يكاد يصحُّ لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء

(1)

)) (بدائع الصنائع 1/ 72). وتبعه على هذا النقل غير واحد من الحنفية، كابن مازة الحنفي في (المحيط البرهاني 1/ 93)، والعيني في (عمدة القاري 3/ 169)، وغيرهما.

وقال المرغيناني الحنفي في (الهداية 1/ 21): ((ضعَّفه أبو داود))

(2)

.

(1)

قال ابن نجيم معلقًا على قول أبي داود: ((ويلزم منه تضعيف حديث القلتين)) (البحر الرائق 1/ 147).

(2)

لكن ما ذكروه عن علي بن المديني وأبي داود، لم نقف عليه في شيء من مظانه، ولا نقله عنهم أحد من أئمة الحديث المعتنون بذلك، ولذا تعقب قول المرغيناني في نقله تضعيف أبي داود، غير واحد من أهل العلم؛

فقال مغلطاي: ((لم أرَ ما قاله في كتابه قطُّ)) (شرح سنن ابن ماجه 2/ 142).

وقال الزيلعي: ((وقول صاحب الكتاب: (وما رواه الشافعي ضعَّفه أبو داود)، هذا غير صحيح، فإن أبا داود روى حديث القلتين وسكت عنه، فهو صحيح عنده على عادته في ذلك، ثم أردفه بكلام دلَّ على تصحيحه له، وتضعيفه لمذهب مخالفه)) (نصب الراية 1/ 114).

وقال ابن أبي العز الحنفي: ((نسبة التضعيف إلى أبي داود فيه نظر؛ قال السروجي: فقد خرَّجه أبو داود في سننه ولم يَتكلَّم فيه بشيء)) (التنبيه على مشكلات الهداية 1/ 328).

وقال ابن حجر: ((ولم نجد هذا عند أبي داود بل أخرج حديث القلتين وسكت عليه في جميع الطرق عنه، ولم يقع منه فيه طعن في سؤالات الآجري ولا غيرها

)) (الدراية 1/ 57).

وقال المناوي: ((وقول صاحب هداية الحنفية: ضعَّفه أبو داود، وهمٌ)) (فيض القدير 1/ 313).

ص: 178

وقال عمر بن بدر الموصلي: ((باب (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) لم يصحَّ في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وفي الصحيحين ضد ذلك)) (المغني عن الحفظ والكتاب 17). وتبعه الفيروزآبادي في (رسالة في بيان ما لم يثبت فيه حديث صحيح 14).

وقال ابن نجيم الحنفي: ((وقد بالغ الحافظ عالم العرب أبو العباس ابن تيمية في تضعيفه، وقال: يشبه أن يكون الوليد بن كثير غلط في رفع الحديث وعزوه إلى ابن عمر فإنه دائمًا يفتي الناس ويحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي رواه معروف عند أهل المدينة وغيرهم لا سيّما عند سالم ابنه ونافع مولاه وهذا لم يروه عنه لا سالم ولا نافع ولا عمل به أحد من علماء المدينة، وذكر عن التابعين ما يخالف هذا الحديث ثم قال: فكيف تكون

ص: 179

هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عموم البلوى فيها ولا ينقلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان إلَّا رواية مختلفة مضطربة عن ابن عمر لم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الشام ولا أهل الكوفة)) (البحر الرائق 1/ 150).

قلنا: والذي نراه أن الحديث صحيح؛ لصحة أسانيده، وضعف ما أُعِلَّ به، لا جرم قد صحَّحه أكثر أئمة الحديث وجهابذته. والله تعالى أعلم

(1)

.

* * *

رِوَايةُ: لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ:

• وفي رواية: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ تَرِدُهُ السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ؟ فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ)).

[الحكم]:

صحيح المتن، دون قوله:(وَالكِلَابُ) فغريب، كما قال البيهقي، والتبريزي.

[التخريج]:

[سمويه 21 واللفظ له/ هق 1255/ هقخ 947].

[السند]:

قال (سمويه): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه،

(1)

وانظر: (جنة المرتاب للحويني ص 171).

ص: 180

به.

ورواه البيهقي في (السنن والخلافيات) من طريق عبيد الله بن محمد بن عائشة، عن حماد بن سلمة، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد رجاله ثقات غير ابن إسحاق فصدوق مدلس، إلَّا أنَّه قد سمعه من ابن جعفر كما سبق بيانه في الروايات السابقة.

ولكن قوله: ((وَالْكِلَابُ)) غير محفوظ في هذا الحديث؛ والمحفوظ: ((الدَّوَابُ والسِّبَاعُ))، ولذا قال البيهقي:((كذا قال: ((الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ)) وهو غريب)) (السنن 2/ 282).

وكذا استغربه التبريزي في (الأحاديث الضعيفة على الأبواب 26).

قلنا: ووجه غرابته أنه قد رواه عن ابن إسحاق جمع من الثقات الحفاظ - سبق ذكر بعضهم -، وليس في رواياتهم ذكر الكلاب.

وكذلك رواه الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، به.

وكذلك رواه عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله، فالله أعلى وأعلم.

ص: 181

رِوَايةُ: قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا

• وفي رِوايةٍ: ((

إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)).

[الحكم]:

صحيح دون قوله: ((أَوْ ثَلَاثًا)) فشاذ، وقال بشذوذها النووي، وابن الملقن - وأقرَّه الشوكاني -، والألباني.

[التخريج]:

[جه 523 واللفظ له، (زيادات أبي الحسن القطان عقبه) / حم 4753، 5855/ طهور 166/ تطبر (مسند ابن عباس 1112، 1113، 1114) / قط 22 - 24/ ك 468/ هق 1257/ هقع 398/ حميد 818/ تحقيق 8، 9/ جص (1/ 255)].

[السند]:

رواه (ابن ماجه) قال: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.

ورواه (أحمد) عن وكيع، به.

ورواه (عبد بن حميد)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن حماد، به.

[التحقيق]:

قال الحاكم: وقد رواه عفان بن مسلم وغيره من الحفاظ، عن حماد بن سلمة، ولم يذكروا فيه:((أَوْ ثَلَاثًا)).

قال الدارقطني: ((وكذلك رواه إبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد وكامل بن طلحة، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد قالوا فيه: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ

ص: 182

ثَلَاثًا))

ورواه عفان بن مسلم ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار المكي وموسى بن إسماعيل وعبيد الله بن محمد العيشي، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد وقالوا فيه:((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ)) ولم يقولوا: أَوْ ثَلَاثًا)) (السنن 1/ 20 - 21).

قلنا: رواه عفان بن مسلم عنه بالوجهين، مرة بالشك كما عند (أحمد 5855)، ومرة بدونها كما عند (ابن الجارود 45).

ولكن قال البيهقي عقبه: ((ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أولى، والله تعالى أعلم)).

قلنا: وهو كذلك؛ لموافقتهم لرواية محمد بن إسحاق، ورواية الوليد بن كثير، ثم إنَّ هذا الاختلاف على حماد في متن الحديث إنما هو من حماد نفسه؛ لأنَّ من رواه عنه بالشك جماعة من الثقات وفيهم الحفاظ، وكذلك من رواه عنه بالجزم بلا شك، بل من هؤلاء الحفاظ من رواه عن حماد على الوجهين كعفان بن مسلم، ويزيد بن هارون وغيرهما، مما يجعلنا نجزم بأنَّ هذا التردد في المتن إنما هو من حماد، وهو وإِنْ كان ثقة إمام إلَّا أنَّه يغلط أحيانًا، وقد تغيَّر بأَخَرَةٍ، وما قصة سماع ابن معين لحديث حماد بن سلمة من سبعة عشر رجلًا من أصحابه عنك ببعيد، فتأمل.

قال النووي: ((الرواية الصحيحة المعروفة المشهورة ((قُلَّتَيْنِ)) ورواية الشك شاذة غريبة)) (المجموع 1/ 115).

وقال ابن الجوزي: ((قد اختلف عن حماد فروى عنه إبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد وكامل بن طلحة فقالوا: ((قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا)).

وروى عنه عفان ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السري والعلاء

ص: 183

ابن عبد الجبار وموسى بن إسماعيل وعبيد الله بن محمد العيشي: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ)) ولم يقولوا (ثَلَاثًا).

واختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن الصباح بالشك، وروى عنه أبو مسعود بغير شك. فوجب العمل على قول من لم يشك)) (التحقيق 1/ 37).

وقال ابن الملقن: ((شاذة غير ثابتة)) (البدر المنير 1/ 410). وأقرَّه الشوكاني في (نيل الأوطار 1/ 47).

وكذلك قال بشذوذها الألباني في (صحيح سنن أبي داود 1/ 109).

* * *

رِوَايةُ: قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ:

• وفي رواية: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ (بِقِلَالِ) هَجَرَ لَمْ يُنْجِسْهُ شَيْءٌ (لَا يَحْمِلُ نَجَسًا))). وذكر أنهما فرقان.

[الحكم]:

ضعيف منكر بذكر ((قِلَالِ هَجَرَ))، وضعَّفه ابن عدي، والدارقطني، والعلائي، وابن حجر، والألباني.

[التخريج]:

[عد (9/ 575) واللفظ له/ هقخ 955 والروايتان له، 956].

[السند]:

رواه (ابن عدي) - ومن طريقه البيهقي -: عن أحمد بن خالد بن عبد الملك، ثنا عمي، ثنا مغيرة بن سقلاب، عن محمد بن إسحاق، عن

ص: 184

نافع، عن ابن عمر، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف؛ فيه: المغيرة بن سقلاب، وهو مختلف فيه:

فقال فيه أبو حاتم: ((صالح الحديث))، وقال أبو زُرْعَة:((ليس به بأس)) (الجرح والتعديل 8/ 223).

وضعَّفه الدارقطني، كما في (اللسان 6/ 78). وقال ابن عدي:((منكر الحديث))، وأسند عن أبي جعفر النفيلي قوله:((لم يكن مؤتمنًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)(الكامل 9/ 573). وقال علي بن ميمون الرّقي: ((كان يسوى بعرة)) (الضعفاء للعقيلي 3/ 611)، وقال ابن حبان:((كان ممن يخطئ، ويَروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام، فاستحق الترك)) (المجروحين 3/ 340).

وقد أخطأ مغيرة في هذا الحديث سندًا ومتنًا:

* فأما خطؤه في السند: ففي قوله: ((عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر)).

وهذا وهم كما نصَّ عليه الدارقطني في (العلل 6/ 372)، وقال العلائي:((غلط بلا شك)) (جزء في تصحيح حديث القلتين للعلائي ص 47).

والصواب: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه كما تقدم قريبًا.

* وأما خطؤه في المتن: ففي ذكره هذه الزيادة المقيدة للقلتين بـ (قلال هجر)، وقد روى هذا الحديث عن ابن إسحاق جمع من الثقات الحفاظ كابن المبارك ويزيد بن هارون ويزيد بن زريع وحماد بن سلمة وعَبْدَة بن سليمان وغيرهم فلم يذكروا هذه الزيادة، وهو لا يقارن بأحدهم فضلًا عن

ص: 185

جميعهم، ومن أخطأ في السند فخطؤه في المتن أقرب، وحينئذٍ فلا يُقبل من ابن الملقن تقويته مرسل يحيى بن يعمر الآتي بهذا الطريق كما في (البدر المنير 1/ 415)، لا سيّما وقد عرف لابن سقلاب انفرادات وشذوذات وروايات لا يتابع عليها - كما قال ابن عدي - فلا يحتمل هذا أن يقوي غيره، فضلًا عن كونه أخطأ فيه والخطأ أبدا خطأ لا يصير صوابًا بمجيئه من وجه آخر، ثم إنَّ هذا الوجه الآخر - المرسل - ضعيف لا يثبت أيضًا كما سيأتي.

قال ابن عدي: ((قوله في متن هذا (من قلال هجر) غير محفوظ، ولم يذكر إلَّا في هذا الحديث من رواية مغيرة هذا عن محمد بن إسحاق)) (الكامل 9/ 575).

وقال ابن حجر: ((وفي إسناده المغيرة بن سقلاب وهو منكر الحديث)) (التلخيص 1/ 137)،

وقال في موضع آخر: ((قد تقدَّم أنه غير صحيح)) (التلخيص 1/ 139). قال الألباني: ((يعني بهذه الزيادة)) (الإرواء 1/ 60).

وأما قوله: ((وذكر أنهما فرقان))، فقد قال ابن الملقن:((أن هذه اللفظة مدرجة في الحديث)) (البدر المنير 1/ 418).

وقد رُوِيَ التقييد بقلال هجر من طريق آخر، ظاهره الرفع وليس كذلك، وسيأتي الكلام عليه في مرسل ابن جُرَيجٍ؛ حديث رقم (

).

ص: 186

رِوَايةُ بِئْرِ بُضَاعَةَ:

◼ وفي رِوَايةٍ: ((أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ والجِيَفُ

)) الحديث.

[الحكم]:

إسناده ضعيف بهذا السياق.

[التخريج]:

[مع (مغلطاي 2/ 135)]

[السند]:

أخرجه أحمد بن منيع في (مسنده): عن أبي معاوية، ثنا ابن إسحاق، عن رجل أخبره، عن عبيد الله، عن أبيه، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف؛ لإبهام الراوي عن عبيد الله، والحديث محفوظ عن ابن إسحاق وغيره بدون ذكر بئر بضاعة.

ص: 187

رواية: والقلة أربع أَصْوُعٍ

• وفي رواية زاد في آخره مرفوعًا: ((وَالقُلَّةُ أَرْبَعَةُ أَصْوُعٍ)).

[الحكم]:

منكر بهذه الزيادة.

[التخريج]:

[عد (9/ 574)].

[السند]:

قال (ابن عدي): أخبرنا أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح، ثنا عمي الوليد بن عبد الملك، ثنا المغيرة بن سقلاب، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف أخطأ فيه المغيرة؛ قال ابن عدي: ((والمغيرة ترك طريق هذا الحديث وقال: عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، وكان هذا أسهل عليه، ومحمد بن إسحاق يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر)) (الكامل 9/ 574)، أي من حديث عبيد الله عن أبيه، وليس من حديث نافع فتأمل.

والمغيرة بن سقلاب تقدم الكلام فيه قريبًا، وقد أخطأ على ابن إسحاق في سنده وزاد في متنه ما لم يأت به غيره من الحفاظ - على ما بينَّاه قريبًا -، وهذا مع ما سبق مما يقوي جانب الجرح فيه على جانب التعديل والله أعلم، وانظر ما سبق.

ص: 188

36 -

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ: عَنِ الْقَلِيبِ يُلْقَى فِيهِ الْجِيَفُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْكِلَابُ وَالدَّوَابُّ؟ فَقَالَ: ((مَا (إِذَا) بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَ

(1)

ذَلِكَ لَمْ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)).

[الحكم]:

ضعيف بهذا السياق، وضعَّفه الدارقطني، والبيهقي، والعلائي، والألباني.

[اللغة]:

القليب: هي ((البِئرُ العاديَّةُ القَديمة التي لا يُعْلَم لها ربٌّ ولا حافِرٌ)) (تاج العروس 1/ 74).

وقيل: هي ((البئر قبل أن تطوى)) (مختار الصحاح 1/ 560).

وقال الأزهري: (((القليب) عند العرب البئر العادية القديمة مطوية كانت أو غير مطوية)) (المصباح المنير 2/ 512).

[التخريج]:

[قط 20 واللفظ له/ هقخ 977 والرواية له].

[السند]:

رواه الدارقطني في (السنن) قال: نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد وعمر بن عبد العزيز بن دينار، قالا: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، نا محمد بن وهب السلمي، نا ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، به.

ورواه البيهقي في (الخلافيات) من طريق أحمد بن عتبة، ثنا أبو إسماعيل

(1)

تحرفت في مطبوع الخلافيات إلى (نتن).

ص: 189

الترمذي، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف؛ ابن عياش هو إسماعيل بن عياش، وهو ثقة في روايته عن أهل بلده، أما في غيرهم فمخلط يأتي بالمناكير - لاسيما في المدنيين -، وابن إسحاق مدني، وقد أخطأ عليه ابن عياش في سند هذا الحديث ومتنه؛

أما في السند ففي قوله: ((عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة)).

والمحفوظ عن ابن إسحاق ما رواه الثقات عنه، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيدالله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به كما سبق.

قال الدارقطني: ((وقيل: عن إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة، ولا يصحُّ.

والمحفوظ: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه)) (العلل 6/ 436). وبنحوه قال الدارقطني في (السنن 1/ 19)، والبيهقي في (الخلافيات 3/ 206)، والعلائي في (جزء في تصحيح حديث القلتين ص 47 - 48).

وأما في المتن ففي قوله: ((فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ))، فهذه زيادة لم يذكرها الحفاظ الذين رووه عن ابن إسحاق.

قال الألباني: ((وابن عياش ضعيف في روايته عن الحجازيين، وهذه منها، وقد زاد في متن الحديث ما ليس فيه: ((فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ)))) (صحيح أبي داود 1/ 107/ الأم).

ص: 190

37 -

حَدِيثُ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ مُرْسَلًا:

◼ عن مُحَمَّد [بْن يَحْيَى]

(1)

؛ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا وَلا بَأْسًا)).

قَالَ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ: قِلالُ هَجَرَ؟ قَالَ: قِلالُ هَجَرَ. قَالَ [محمدٌ: فَرَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرٍ]، وَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ.

[الحكم]:

المرفوع منه صحَّ من حديث ابن عمر - وقد تقدَّم قريبًا -، وهذا إسناد ضعيف مرسل.

[التخريج]:

[قط 32 والزيادة الأولى له/ هق 1264، 1265 والزيادة الثانية له/ هقع 1894 - 1899/ هقخ 953/ مزني 16 واللفظ له/ أبو أحمد الحاكم (حبير 1/ 137)].

[السند]:

أخرجه أبو بكر النيسابوري في ((الزيادات على كتاب المزني)) - وعنه الدارقطني، ومن طريق الدارقطني: البيهقي في كتبه الثلاثة - قال: حدثني أبو حميد المصيصي، نا حجَّاج، نا ابن جُرَيجٍ، أخبرني محمد، أن يحيى بن عقيل أخبره، أن يحيى بن يعمر حدثه، فذكره.

ورواه أبو أحمد الحاكم، والبيهقي في (السنن، والمعرفة) من طريق أبي قُرَّة موسى بن طارق، عن ابن جُرَيجٍ، به.

(1)

جاء هكذا في بعض النسخ المخطوطة من (سنن الدارقطني)، وهو ما رجَّحه محققو طبعة الرسالة، وانظر:(السنن الكبرى للبيهقي 2/ 289)، (نصب الراية 1/ 111).

ص: 191

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:

الأولى: الإرسال، فيحيى بن يعمر، تابعي من الثالثة، كما في (التقريب 7678).

الثانية: جهالة محمد بن يحيى شيخ ابن جُرَيجٍ، قال ابن حجر:((وكيف ما كان فهو مجهول الحال)) (التلخيص 1/ 138).

وبهاتين العلتين أعلَّه ابن التركماني؛ حيث قال: ((وفي هذا أيضًا أشياء، أحدها: أنه مرسل، الثاني: أن محمد المذكور فيه وهو ابن يحيى على ما قاله أبو أحمد الحافظ، يحتاج إلى الكشف عن حاله)) (الجوهر النقي 1/ 264).

وقد تبيّن بهذا أن تقدير القلتين بقلال هجر، لا يثبت مسندًا، بل ولا مرسلًا، حتى في نسبته ليحيى بن عقيل التابعي لا يصحُّ لضعف السند إليه.

وقد قال الدارقطني في العلل: ((وروي عن ابن جُرَيجٍ بإسناد مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَنْجُسُ))، والتوقيت

(1)

غير ثابت)) (العلل 6/ 373).

وقال ابن الأثير: ((وهذا الحديث مرسل، فإنَّ يحيى بن يعمر تابعي مشهور)) (البدر المنير 1/ 415).

قال ابن الملقن: ((وإذا كان مرسلًا، فيعتضد بما رواه ابن عدي من رواية

(1)

أي: تقدير القلة بمقدار معين، وفي (اللسان: 2/ 107): ((كل ما قدرت غايته فهو مؤقت)) اهـ، ومنه حديث ابن عباس:((لَمْ يَقِتْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمْرِ حَدًّا))؛ أي لم يقدر ولم يحده بعدد مخصوص)) (تاج العروس 5/ 133).

ص: 192

ابن عمر

ليس في إسناده سوى: المغيرة بن سقلاب

)) (البدر المنير 1/ 415).

قلنا: وقد بينَّا عند الكلام على رواية المغيرة بن سقلاب، أنه أخطأ - من غير شك -، لمخالفته الثقات الأثبات، وقد نصَّ على خطئه هذا غير واحد، فالخطأ أبدًا خطأ، لا يمكن تقويته. والله أعلم.

ص: 193

38 -

حَدِيثُ ابن جُرَيجٍ مُرْسَلًا:

◼ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا وَلَا بَأْسًا)). قال ابنُ جُرَيجٍ: زَعَمُوا أَنَّها قِلَالُ هَجَرَ.

[الحكم]:

المرفوع منه صحَّ من حديث ابن عمر بنحوه كما سبق، وإسناده ضعيف لإرساله بل لإعضاله، وضعَّفه ابن المنذر، وابن العربي.

[التخريج]:

[عب 260/ منذ 188/ خطابي (1/ 35)].

[السند]:

رواه (عبد الرزاق) - ومن طريقه (ابن المنذر، والخطابي) - عن ابن جُرَيجٍ به معضلًا.

[التحقيق]:

هذا إسناد مرسل، بل معضل؛ لأنَّ ابن جُرَيجٍ وإِنْ عُدَّ من صغار التابعين، إلَّا أنَّه لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة.

قال ابن المنذر: ((وحديث ابن جُرَيجٍ مرسل لا يثبت،

فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة، وقد فصل ابن جُرَيجٍ بين الحديثين وبين من قال برأيه حيث قال:(زعموا)، وقوله:(زعموا) حكاية عمن لم يسمه، ولو سماه بعد أن يكون من أهل عصره لم يكن حجة، ولو كان الذي أخبره ثقة)) (الأوسط 1/ 380 - 381).

وقال ابن العربي: ((وتعلق الشافعي بحديث مداره على ابن جُرَيجٍ: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ))، وهو حديث لم يصحَّ)) (القبس في شرح الموطأ ص 130).

* * *

ص: 194

رِوَايةُ: "بِقِلَالِ هَجَرَ":

• وفي رواية عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ - بسندٍ لَمْ يَتَذَكَّرُهُ الشَّافِعِيُّ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا)) وقالَ في هَذَا الحديثِ: ((بِقِلَالِ هَجَرَ)). قال ابنُ جُرَيجٍ: قَدْ رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، فالْقُلَّةُ تَسَعُ قِربَتينِ أَوْ قِربَتينِ وَشَيئًا.

[الحكم]:

إسناده ضعيف، وذكر قلال هجر في هذه الرواية ظاهره الرفع وليس كذلك في حقيقة الأمر، وتقدير القلتين بِقَلالِ هَجَرَ أو غيرها لا يثبت كما قال ابن المنذر، والدارقطني، وابن القيم، والزيلعي، والألباني، وغيرهم.

[التخريج]:

[شف 5 واللفظ له/ أم 6/ خشف 95/ هق 1263/ هقع 1888/ هقخ 952].

[السند]:

قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيجٍ بإسناد لا يحضرني ذكره

وذكر الحديث.

وهكذا رواه عنه البيهقي في كتبه الثلاثة.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف؛ فيه: مسلم بن خالد، وهو الزنجي؛ متكلم فيه، وقال الحافظ:((صدوق كثير الأوهام)) (التقريب 6625).

ثم إنه معضل بين ابن جُرَيجٍ والنبي صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا السند الذي لم يحضر الشافعي ذكره، هو ما رواه حجاج بن محمد وأبو قُرَّة موسى بن طارق -

ص: 195

كما سبق في مرسل يحيى بن يعمر -، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن يحيى، عن يحيى بن عقيل من قوله.

وهذا يعني أن تقييد القلال بـ ((قِلَالِ هَجَرَ))، ليس بمرفوع، بل ولا موقوف، إنما هو من قول أحد التابعين، وليس بثابت عنه أيضًا، لضعف السند إليه، كما سبق بيانه.

قال الدارقطني: ((ورُوِي عن ابن جُرَيجٍ بإسناد مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَنْجُسُ)). والتوقيت غير ثابت)) (العلل 2799).

وقال الزيلعي - عقب إسناد الشافعي هذا -: ((وهذا فيه أمران، أحدهما: أن سنده منقطع ومن لا يحضره مجهول فلا يقوم بهذا الحجة عنده.

والثاني: أن قوله (وقال في الحديث: بقلال هجر) يوهم أن هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وليس كذلك)) (نصب الراية 1/ 110).

واستدل على ذلك بما رواه (الدارقطني والبيهقي) من طريق حجاج بن محمد وأبي قُرَّة عن ابن جُرَيجٍ

، ثم قال الزيلعي:((فهذان الوجهان ليس فيهما رفع هذه الكلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان مرسلًا فإن يحيى بن عقيل ليس بصحابي)) اهـ.

قلنا: وقد رُوِيَ عن ابن جُرَيجٍ غير هذا؛ فرواه عبد الرزاق في (مصنفه 260) عنه بلفظ: حُدِّثتُ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا وَلَا بَأْسًا)). قال ابن جُرَيجٍ: ((زَعَمُوا أَنَّهَا قِلَالُ هَجَرَ)). فهذا يؤكد أن هذه الجملة ليست مرفوعة في حديثه.

قال الحافظ: ((وهو كذلك إلَّا في الرواية التي تقدَّمت قبل من رواية

ص: 196

المغيرة بن سقلاب وقد تقدَّم أنَّه غير صحيح)) (التلخيص 1/ 19).

قال ابن المنذر: ((فأما تحديد من حدد القلتين بخمس قرب أو بأربع قرب وشيء أو بكبار القرب أو بأوساطها أو ست قرب أو قول من قالها أنها الحباب أو أنها الجرة أو ما يقله المرء من الأرض فتلك تحديدات واستحسانات من قائلها لا يرجع القائل منهم في ذلك إلى حجة من كتاب أو سنة ولا إجماع وحديث ابن جريح مرسل لا يثبت:

وذكر رواية عبد الرزاق السابقة وقال: ((فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة، وقد فصل ابن جُرَيجٍ بين الحديثين وبين من قال برأيه حيث قال: (زعموا) وقوله: زعموا: حكاية عمن لم يسمه)) (الأوسط 1/ 271 - 272).

وقال ابن القيم: ((وأما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء أصلًا، وأما ما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله (بِقِلَالِ هَجَرَ) فيه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرَّح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم والحدّ الفاصل بين الحلال والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلَّا بلفظٍ شاذٍّ بإسنادٍ منقطعٍ؟ ! وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم) (تهذيب سنن أبي داود 1/ 78).

ص: 197

39 -

حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مُرْسَلًا:

◼ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنْجِسْهُ شَيْءٌ)).

[الحكم]:

صحيح المتن من حديث ابن عمر، وهذا مرسل إسناده ضعيف جدًّا.

[التخريج]:

[عب 267 واللفظ له/ هقع 1885].

[السند]:

رواه (عبد الرزاق) - ومن طريقه (البيهقي) -: عن إبراهيم بن محمد، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه - مع إرساله -: إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو ((متروك)) كما في (التقريب 241). بل وكذَّبه غير واحد من الأئمة. انظر:(تهذيب التهذيب 1/ 158 - 161).

وقد صحَّ الحديث من طريق محمد بن جعفر وعاصم بن المنذر، عن عبيد الله، عن أبيه، وقد تقدَّم قريبًا.

ص: 198

40 -

حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَمْدَانِيِّ - مُعْضَلًا -:

◼ عَنْ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا)).

[الحكم]:

صحيح المتن من حديث ابن عمر، وهذا إسناد معضل.

[التخريج]:

[طهور 167/ تطبر (مسند ابن عباس 2/ 705)].

[السند]:

قال (أبو عبيد): ثنا عباد بن عوام، عن واصل مولى أبي عُيَينَة، عن خالد بن كثير، به.

ورواه (الطبري) من طريق هشام بن حسان، عن واصل، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد معضل، رجاله لا بأس بهم، إلَّا أنَّ خالد بن كثير من الطبقة السادسة التي لم يثبت لها سماع أحد من الصحابة. فحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم معضل.

[تنبيه]:

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ((لا يُعْلم عباد بن العوام سمع من واصل غير هذا)) (الطهور 167).

ص: 199

41 -

حَدِيثُ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ:

◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذا بَلَغَ الْماءُ أَرْبَعينَ قُلَّةً فَإِنَّهُ لا يَحْمِلُ الْخَبَثَ)).

[الحكم]:

منكر، وإسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه العقيلي، وأبو علي الحافظ، والدارقطني، وابن عدي، والبيهقي، وابن طاهر المقدسي، والجورقاني، والإشبيلي، والغساني، والذهبي، والعلائي، وابن الملقن، وابن حجر، وغيرهم. وذكره ابن الجوزي والشوكاني في الموضوعات، وحكم عليه الألباني بالوضع.

[التخريج]:

[قط 38 واللفظ له/ هق 1261/ هقخ 958/ عد (8/ 608 - 609) / عق (3/ 376) / طيل 320/ ضو 926/ تحقيق 10].

[السند]:

قال (الدارقطني): نا عبد الصمد بن علي وبرهان بن محمد بن علي بن الحسن الدينوري قالا: حدثنا عمير بن مرداس، نا محمد بن بكير الحضرمي، نا القاسم بن عبد الله العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.

ومداره عند الجميع على القاسم بن عبد الله العمرى، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:

الأولى: القاسم بن عبد الله العمرى: واهٍ بمرّة؛ قال أحمد: ((كذاب كان

ص: 200

يضع الحديث. ترك الناس حديثه)). وقال يحيى بن معين، وابن المديني:((ليس بشيء)). وقال سعيد بن أبي مريم، وأبو حاتم، وأبو زُرْعَة، والنسائى، ويعقوب بن سفيان وغيرهم:((متروك الحديث)). ولذا قال البخارى: ((سكتوا عنه)). انظر: (تهذيب التهذيب 8/ 320 - 321). وقال فيه الحافظ: ((متروك رمَاه أحمد بالكذب)) (التقريب 5468).

وبه أَعلَّ الحديث غيرُ واحد من الأئمة:

قال ابن عدي: ((وهذا بهذا الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه غير القاسم، عن ابن المنكدر وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير)) (الكامل 6/ 609).

وذكره العقيلي في مناكير القاسم (الضعفاء 3/ 376).

وقال البيهقي: ((فهذا حديث تفرد به القاسم العمري هكذا وقد غلط فيه، وكان ضعيفًا في الحديث جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم من الحفاظ)) (السنن الكبرى 2/ 285 - 286).

وقال ابن طاهر المقدسي: ((رواه القاسم بن عبد الله العمري، وهذا لا يرويه عن ابن المنكدر غيره، وهو متروك الحديث)) (ذخيرة الحفاظ 233).

وقال ابن الجوزي: ((لا يصحُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتهم بالتخليط فيه القاسم بن عبد الله العمرى)) (الموضوعات 2/ 353) وبنحوه في (التحقيق 10).

وقال ابن الملقن: ((تفرَّد به القاسم العمري، عن ابن المنكدر، وهي مردودة بالقاسم)) (البدر المنير 1/ 410، 411).

قلنا: وقد خولف في إسناده أيضًا، وهذه هي:

ص: 201

العلة الثانية: المخالفة، فقد رواه:

1) سفيان الثوري - ثقة حافظ إمام علم -، عند ابن أبي شيبة في (المصنف 1535)، وابن المنذر في (الأوسط 179)، والطبري في (تهذيب الآثار 1087، 1088)، والدارقطني في (السنن 1/ 28 - 29) والبيهقي في (السنن الكبرى 1262) من طرق عن سفيان.

2) ومعمر بن راشد - ثقة ثبت -، عند الطبري في (تهذيب الآثار 1095)، والدارقطني في (السنن 1/ 29)، والبيهقي في (السنن الكبرى 1262) من طرق عن عبد الرزاق عنه.

3) وروح بن القاسم - ثقة حافظ -، كما عند الطبري في (تهذيب الآثار 1089)، والدارقطني في (السنن 1/ 28).

ثلاثتهم: عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.

وخالفهم أيوب السختياني، فرواه عن ابن المنكدر من قوله، كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف 1543) عن ابن علية عنه.

قلنا: والأقرب إلى الصواب رواية الجماعة: عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.

ولذا قال أبو علي الحافظ

(1)

: ((حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً)) خطأ، والصحيح عن محمد بن المنكدر

(1)

هو الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري، كان واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع مقدّمًا في مذاكرة الأئمة كثير التصنيف. قاله الخطيب في (تاريخه 8/ 622).

ص: 202

عن عبد الله بن عمرو قوله)) (سنن البيهقي الكبرى 1/ 286).

وقال الدارقطني: ((كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ، وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد رووه عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه)) (السنن 1/ 28).

وقال الذهبي: ((فهذا خبر ساقط لأنَّ القاسم قال أحمد وغيره: كان يكذب، وقد رواه الثقات عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله)) (تنقيح التحقيق 1/ 13).

وقال العلائي: ((الحديث ضعيف، تفرَّد به القاسم العمري،

والقاسم هذا ضعيف بالاتفاق جدًّا.

وقد خالفه في هذا الحديث الثوري ومعمر وروح بن القاسم

فثبت أنَّ الحديث مرفوعًا ليس بصحيح، ولا يجوز الاحتجاج به)) (جزء في تصحيح حديث القلتين ص 58) باختصار.

وقال ابن حجر: ((إسناده واهٍ، والصحيح عن محمد بن المنكدر قوله)) (الدراية 1/ 56).

ولذا قال عبد الحق الإشبيلي: ((ليس صحيحًا)) (الأحكام الوسطى 1/ 155).

وذكره الغَسَّاني في (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني ص 3).

وقال النووي: ((هذا لا يصحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم)(المجموع 1/ 115).

ص: 203

وذكره الشوكاني في (الفوائد المجموعة 5)، وضعَّفه المباركفوري في (تحفة الأحوذي 1/ 183).

وحكم عليه الألباني بالوضع، في (السلسلة الضعيفة 1622).

[تنبيه]:

زعم السيوطي في (اللآلئ 2/ 5) أنَّ لهذا الحديث طريقًا آخر غير طريق القاسم؛ فقال بعد أن ذكره من طريق ابن عدي: ((قلت: له طريق آخر عن جابر، أخرجه الدارقطني في سننه، قال: حدثنا عبد الصمد بن علي وبرهان بن محمد بن علي بن الحسن الدينوري، قالا: حدثنا عمير بن مرداس، حدثنا محمد بن بكير الحضرمي، عن جابر بن عبد الله، مرفوعًا، به، ثم قال:

الخ)) اهـ، وذكر كلام الدارقطني السابق، وفي هذا النقل سقط ظاهر، إذ سقط من السند القاسم وشيخه ابن المنكدر، ولعلَّ لهذا ظنَّ السيوطي أنه طريق آخر غير طريق ابن عدي وهما يلتقيان فيه عند القاسم كما سبق فتنبّه.

ص: 204