المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(التحميدات التي صدرت بها بعض التواليف المصنفات وهي بعض من كل ويسير من جل) - ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب - جـ ١

[لسان الدين بن الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم

- ‌(التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ)

- ‌الصَّدقَات والبيعات

- ‌الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وصحبة وَسلم تَسْلِيمًا

- ‌(وكتبت فِي مثل هَذَا الْغَرَض إِلَى أَمِير الْمَدِينَة المقدسة على ساكنها من الله أفضل الصَّلَاة وَأطيب السَّلَام)

- ‌التهاني بالصنايع المكيفات

- ‌(وَمن التهاني فِي الإبلال من الْمَرَض مَا صدر عني مهنئا أَمِير الْمُسلمين أَبَا عنان رَحْمَة الله عَلَيْهِ)

- ‌وَصد رعني أَيْضا فِي غَرَض الهنا بشفاء من مرض لسلطان الْمغرب

- ‌كتب التعازي فِي الْحَوَادِث والنائبات

- ‌وَصدر عني فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان أبي عنان فِي غَرَض العزا والهناء

- ‌(وأصحبت فِي معنى العزاء والهنا إِلَيْهِ فِي غَرَض الرسَالَة، كتابا نَصه بعد سطر)

- ‌كتب الشفاعات

- ‌كتب الِاسْتِظْهَار على العداه والاستنجاز للغداه

- ‌كتب الشُّكْر على الْهَدَايَا الواردات

- ‌(كتب تَقْرِير المودات)

- ‌(صدر عَنى مُخَاطبَة السُّلْطَان أَبى الْحسن بن)

- ‌(السُّلْطَان أَبى سعيد ابْن السُّلْطَان أَبى يُوسُف)

- ‌(ابْن عبد الْحق مَا نَصه:)

- ‌جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات

الفصل: ‌(التحميدات التي صدرت بها بعض التواليف المصنفات وهي بعض من كل ويسير من جل)

(التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ)

ثَبت من ذَلِك فِي صدر الْكتاب [المتعدد الْأَسْفَار] الْمُسَمّى ببستان الدول، الَّذِي أذهبت الْحَادِثَة عينه، وشعثت الكاينة زينه: أما بعد حمد الله، الَّذِي قدر تَدْبِير الْوُجُود، بِمُقْتَضى الْغِنَا الْمَحْض والجود، على حسب مَشِيئَته وَمرَاده، وفاضل بَين ضروبه المتشابهة الأشكال، فِي إقطاع حصص الْكَمَال، كل بِحَسب قبُوله واستعداده، فبدت مزية ناطقه على صامته، وَظهر فضل حيه على جماده، وَأتم على نوعٍ الْإِنْسَان جزيل الْإِحْسَان، لما أَهله بِبَيَان اللِّسَان، لقبُول إلهامه وإمداده، وَخَصه بمزبة الإنافة، لما نصب لَهُ كرْسِي الْخلَافَة بَين عباده، وَأحكم سياسة وَضعه عِنْد اختراع صنعه، فَجعل فكره وَزِير عقله، وَلسَانه ترجمان فُؤَاده، وجبله على الافتقار إِلَى أَبنَاء جنسه، وَالْعجز عَن تنَاول مُؤنَة نَفسه، وَتَحْصِيل مَصَالِحه مَعَ استبداده، فَكَانَ مُضْطَرّا إِلَى التآلف والاجتماع، متمدنا بِحَسب الطباع، لَا يقوم أمره مَعَ انْفِرَاده، ثمَّ ضم نشره براع يحوط سوائمه أَن تتناطح وتتردى، ويحفظ عوايده أَن تتجاوز وتتعدى، ويحمله على مصَالح دُنْيَاهُ ومعاده. فسبحان الْحَكِيم الْعَلِيم، مُقَدّر الشَّيْء قبل إيجاده، الَّذِي لَا معقب لحكمه، وَلَا مُقَدّر لعلمه، وَلَا مفلت عَن معاده.

وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي فَضله على الْأَنْبِيَاء برفعة شَأْنه، وعلو مَكَانَهُ، على تَأَخّر زَمَانه، وَقرب ميلاده، وَأثْنى على خلقه وَصِفَاته. وَأقسم بِبَلَدِهِ وحياته، إعلاما بشرف ذَاته وكرم بِلَاده، ووقف على

ص: 21

مظهره [دَرَجَات الْكَمَال] ، وَأَبَان بِلِسَانِهِ الْعَرَبِيّ أَحْوَال الْحَرَام والحلال، وأقامه لإِقَامَة قسطاس الْحق والاعتدال، وَرفع عماده، صلى الله عليه وسلم، وَبَارك وترحم، من صادع بِاللَّه، أَفَادَ روح الْحَيَاة، الساطعة الإفادة لكل حَيّ، وطوي بِسَاط الْعدوان، بسلطانه الْمَنْصُور الأعوان أَي طي، وَقرر فِي مِلَّته رتب السياسة الإلاهية، فَكَانَ يعلم كل شَيْء، وقابل زخرف الدُّنْيَا باقتصاره واقتصاده. والرضى عَن آله وَأَصْحَابه، وخلفائه، أَلْسِنَة جداله، وسيوف جلاده، المستولين من الْكَمَال الْأَقْصَى، والشرف الَّذِي لَا يُحْصى، على نهاياته وآماده، صَلَاة لَا انْقِضَاء لغاياتها، ورضى لَا نِهَايَة لأعداده، مَا أرسل الْبَرْق سفر جياده، وخطب الطير على أعواده. وَهَذَا الْكتاب انْفَرد بترتيب غَرِيب، لاشْتِمَاله على شجرات عشر، أَولهَا شَجَرَة السُّلْطَان، وَآخِرهَا شَجَرَة الرعايا، واستلزام الْكَلَام فِي أَصْنَاف الموجودات. وتعدد إِلَى مَا يُقَارب ثَلَاثِينَ سفرا، ضَاعَت عِنْد الْحَادِثَة، إِلَّا مَالا عِبْرَة بِهِ.

وَثَبت أَيْضا فِي الْكتاب الْمُسَمّى " بتخليص الذَّهَب "

الْمَرْفُوع إِلَى خزانَة السُّلْطَان [الْمُقَدّس الْمُجَاهِد] أبي الْحجَّاج [ابْن نصر

ص: 22

رَحْمَة الله عَلَيْهِ] . أما بعد حمد الله، الَّذِي قصر وصف الْكَمَال الْمَحْض على ذَاته، وَجعل الألسن تَتَفَاوَت فِي رتب الْبَيَان ودرجاته، وَالثنَاء عَلَيْهِ، بِمَا بِهِ على نَفسه أثنى من أَسْمَائِهِ الْحسنى وَصِفَاته، وَالِاعْتِرَاف بالقصور عَمَّا لَا تُدْرِكهُ قوى الأذهان من كنه سُلْطَانه الْعَظِيم الشَّأْن، فكثيرا مَا كَانَ عجب الْإِنْسَان من آفاته. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، الصادع بآياته، المعجز ببيناته، الَّذِي اصطفاه لحمل أَمَانَته الْعُظْمَى، وحباه بِالْقدرِ الرفيع، وَالْمحل الأسمى، وَالله يعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. والرضى عَن آله وَأَصْحَابه [وأحزابه] نُجُوم الدّين وهداته، وأنصار الْحق وحماته.

وَثَبت أَيْضا فِي الْكتاب الْمُسَمّى " بِجَيْش التوشيح " من تأليفي، وَهُوَ الْمَرْفُوع للسُّلْطَان الْمَذْكُور رَحْمَة الله عَلَيْهِ

الْحَمد لله الَّذِي انْفَرد بالكمال الْمَحْض، فِي ملإ السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَصفا ونعتا، وَلم يخص بالفضائل الذاتية والمواهب اللدنية، بَلَدا وَلَا وقتا، مطلع شمس البلاغة وَالْبَيَان، تتجلى من اخْتِلَاف أغراض اللِّسَان فِي مطالع شَتَّى، وَجعل مَرَاتِب حاملي رايتها، متباينات فِي التمَاس غاياتها، فواصلا ومنبتا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، الَّذِي حَاز الْمجد صرفا، والشرف نعتا، ونال من الْكَمَال البشري، غَايَة لَا تحد بإلى وَلَا حتا، وَخير من ركب وَمَشى، وصاف وشتا صَلَاة يَجْعَلهَا اللِّسَان هجيراه، كَيْفَمَا يتَمَكَّن لَهُ أَو يَتَأَتَّى، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، الَّذين اقتدوا بِهِ هَديا وسمتا، وسلكوا من اتِّبَاعه طَرِيقا، لَا ترى

ص: 23

فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، مَا علل الْغَمَام نبتا، وتعاقبت الْأَيَّام أحدا وسبتا، وَمَا وَافق سعى بختا، وآثرت أُمَّهَات القريحة نبتا [ورتبت هَذَا الْكتاب ترتيبا، لَا يخفي أَحْكَامه، وبوبته تبويبا، يسهل فِيهِ مرامه، كلما ذكرت حرفا، قدمت أَرْبَاب الْإِكْثَار، وَأولى الاشتهار، من بعد الِاخْتِيَار، والبراة من عُهْدَة النِّسْبَة، اتهاما للْأَخْبَار. ثمَّ أتيت بِالْمَجْهُولِ مِنْهَا على الْآثَار، حَتَّى كمل على حسب الوسع والاقتدار، فَإِن وَافق الْإِرَادَة، فشكرا لله وحمدا، وَإِن ظهر التَّقْصِير، فخديم استنفد جهدا. وَمن الله نسئل أَن يتغمد الزلل، ويتدارك الْخلَل، ويبلغ من مرضاته الأمل، فَمَا خَابَ لَدَيْهِ من سَأَلَ] .

وَثَبت أَيْضا من تأليفي فِي الْكتاب الْمُسَمّى " باللمحمة البدرية فِي الدولة النصرية "

الْحَمد لله الَّذِي جعل الْأَزْمِنَة كالأفلاك، ودول الْأَمْلَاك، كأنجم الأحلاك، تطلعها من الْمَشَارِق نيرة، وتلعب بهَا مُسْتَقِيمَة أَو متحيرة، ثمَّ تذْهب بهَا غابرة أَو متغيرة، السَّابِق عجل، وطبع الْوُجُود مرتجل، والحي من الْمَوْت وَجل، والدهر لَا معتذر وَلَا خجل، بَيْنَمَا ترى الدست عَظِيم الزحام، والموكب شَدِيد الالتحام، والوزعة تُشِير، والأبواب يقرعها البشير، وَالسُّرُور قد شَمل الْأَهْل والعشير، والأطراف تلثمها الْأَشْرَاف، وَالطَّاعَة يشهرها الِاعْتِرَاف، وَالْأَمْوَال يحوطها الْعدْل، أَو يبيحها الْإِسْرَاف، والرايات تعقد، والأعطيات تنقد، إِذْ رَأَيْت الْأَبْوَاب مهجورة، والدسوت لَا مؤملة، وَلَا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فَكَأَن لم يسمر سامر، وَلَا نهى ناه وَلَا أَمر آمُر. مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة، والغادية بالرايحة، إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا، كَمَاء أَنزَلْنَاهُ

ص: 24

من السَّمَاء، فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض، فَأصْبح هشيما تَذْرُوهُ الرِّيَاح، فالويل لمن يتْرك حَسَنَة تَنْفَعهُ، أَو ذكرا جميلا يرفعهُ، فَلَقَد عَاشَ عَيْش الْبَهِيمَة النهيمة، وأضاع جَوَاهِر عمره الرفيعة الْقيمَة، فِي السبل غير المستقيمة، وبدد أَمَانَته [سُبْحَانَهُ] فِي المساقط العقيمة. وطوبى لمن عرف الْمصير، وغافص الزَّمن الْقصير، فِي اكْتِسَاب محمدة، تبقى بعده شهابا، وتخليد منقبة، [تبقى بعده] ثَنَاء وثوابا، فالذكر الْجَمِيل كلما تخلد استدعى الرَّحْمَة وطلبها، واستدنى الْمَغْفِرَة واستجلبها. فلمثله فليعمل الْعَامِلُونَ [وغايته فليأمل الآملون] . وَالدَّار الْآخِرَة خير لَو كَانُوا يعلمُونَ.

وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي أوضح حقارة الدُّنْيَا عِنْد الله وَبَين، وحد الْبَلَاغ مِنْهَا وَعين، وخفض الْكَلِمَة وَبَين، وَحسن الدَّار الْآخِرَة وزين، وخفض أَمر هَذِه الدَّار الْغرُور وهين، وَقَالَ صلوَات الله عَلَيْهِ، أَكْثرُوا من ذكر هَادِم اللَّذَّات، كَيْلا تتشبث بهَا يَد، ولتنظر نفس مَا قدمت لغد. وَالرِّضَا عَن آله، الَّذين جازوا على ظهر جسرها الْمَمْدُود ومروا، ولقوا الله وهم لم يغتروا، فَكَانُوا إِذا عَاهَدُوا بروا، وَإِذا تليت آيَات الله عَلَيْهِم خروا، وَكَانُوا عِنْد حُدُود الله لَا يبرحون [وبسوى مذاهبه الْبَاقِيَة لَا يفرحون] أُولَئِكَ حزب الله، أَلا إِن حزب الله هم المفلحون.

ص: 25

وَثَبت فِي صدرالرجز المشروح الْمُسَمّى " برقم الْحلَل فِي نظم الدول "

الْحَمد لله الَّذِي ملكه الثَّابِت لَا يدول وعزه الدايم لَا يَزُول، وأحوال مَا سواهُ تحول، وَإِلَيْهِ وَإِن طَال المدا الرُّجُوع، وَبَين يَدَيْهِ المثول، الَّذِي جعل الدُّنْيَا جِسْرًا، عَلَيْهِ للآخرة الْوُصُول، ومتاع الْحَيَاة القصيرة ابتلاء يتعقبه النكير أَو الْقبُول. فمهما طلع فِي دوَل الْأَيَّام شان، أعقبه الأفول، أَو متع فِي أجوايها ضحى تلاه الطفول. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد، رَسُوله الْمُصْطَفى، وَنعم الرَّسُول، الَّذِي باتباعه يبلغ من رضى الله السول، ويسوغ المأمول. أنصح من بَين قدر الدُّنْيَا، بِمَا كَانَ يفعل وَيَقُول، وغبط بِالآخِرَة الَّتِي فِي مستقرها الأبدي الْحُلُول. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، سيوف دينه، الَّتِي بهَا يصول، إِذا فرقت النصول، وَهُدَاة أمته، وَإِذا تنودى الصَّحِيح الْمَنْقُول [والصريح الْمَعْقُول] ، فَإِن الدُّنْيَا ظهر قلق، ومتاع خلق، وسراب مؤتلق. هَذَا يعد الْجَمِيل فيصرع، وَهَذَا يرى الْجدّة، فيتمزق ويتصدع، وَهَذَا يؤم السراب فيخدع، والمعاد الْمُلْتَقى وَالْمجْمَع، وَمن خسر الله فَفِيمَ يطْمع، وَلَا أجلب للاعتبار، من اسْتَطَاعَ الْإِخْبَار، وَلَا أَبَت فِي عضد الاغترار، من الاستبصار، فِي وقايع اللَّيْل وَالنَّهَار، وتحول الْأَحْوَال، وتطور الأطوار.

وَثَبت فِي الْكتاب الْمُسَمّى أَيْضا " بِالسحرِ وَالشعر " من تأليفي مَا نَصه:

الْحَمد لله الَّذِي راش أَجْنِحَة الأفهام بالإمداد والإلهام، فمضت إِلَى أغراضها

ص: 26

مضى السِّهَام، وأنشأت فِي آفَاق الْعُقُول، سحب الخواطر، مَا بَين المخلف والماطر، والصيب والجهام. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، خير الْأَنَام، الَّذِي جعله فِي روض هَذَا الْوُجُود المجود، بسحاب الْجُود زهرَة الكمام، وَختم ديوَان الْأَنْبِيَاء، من دَعوته الحنيفية السمحة بمسكة الختام. وَالرِّضَا عَن آله البررة الْأَعْلَام، أولى النهى والأحلام، مَا قذفت بشهد الْحِكْمَة نحل الأقلام، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا. وَبعد فَإِنِّي لما يسر الله مني للآداب جالي سماتها، وناشر [رممها] بعد مماتها. وصاقل صفحاتها، وَقد محا محاسنها الصدا، بعد بعد المدا، وموضح طريقتها المثلى، وَقد أضحت طرائق قددا، والغاشي لضوء نورها، لعَلي أجد على النَّار هدى. بذلت فِيهَا من كل دن، وَلم أقتصر من [فنون غرايبها] على فن. فَجعلت عقايلها تتزاحم عَليّ، تزاحم الْحور على سَاكن جنَّات الحبور، فقيدت من شواردها بِالْكتاب، مَا لَا تقله ذَوَات الأقتاب، وأتيت بيوتها من الْأَبْوَاب، فَكَانَ مَا قيدته من الْغرَر، وانتقيته من نفايس تِلْكَ الدُّرَر، أناشيد لَو تجسدت للعيون، لكَانَتْ ياقوتا، أَو استطعمت لكَانَتْ للقلوب قوتا. وَلَو ورد الْأَمر فِي الْخَبَر الْمَنْقُول، بِحِفْظ نتايج القرائح [والعقول] ، لكَانَتْ على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا. من كل عراقية المنتمى، مترددة بَين الرصافة ومحراب الدمى، مَاء الرافدين على أعطافها يسيل، وسر من رأى، مَا انجلى عَنهُ خدها الأسيل. وشامية تقلبت بَين الْجَابِيَة والبلاط أَي مُنْقَلب. وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل حمدَان فِي حلب. وحجازية ورى لَهَا [فِي الفصاحة] الزند، وتضوع من

ص: 27

أذيالها الشيح والرند. ويمنية تعلمت صنعاء مِنْهَا وشى برودها. وخراسانية غَار سحبان ببرودها، ومصرية ضرب على محاسنها الْفسْطَاط، وَهَاجَرت بِسَبَبِهَا الأنباط، وسكنت مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة حَيْثُ الرِّبَاط. وإفريقية تفرق النُّفُوس لتوقع فراقها. وتغار الشموس عِنْد إشراقها. وغربية حطت لَهَا العصم، وطلعت آياتها من الْمغرب، فبهت الْخصم. وأندلسية لَهَا الشفوف، أولياؤها الكموت، وشهودها الصُّفُوف، وخدورها البنود، وظلالها السيوف، وبيوتها الثغور، وغروسها الْجِهَاد الْمَعْرُوف وَهُوَ على تَرْتِيب مَعْلُوم، وَوصف مَوْسُوم، من الْمَدْح وَمَا يُقَارِبه، والنسيب وَمَا يُنَاسِبه، وَالْوَصْف وَإِن تشعبت مذاهبه، وَالْملح وفيهَا محَاسِن الشَّيْء ومعايبه، وَالْحكم والزهد، وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ واجبه، فجَاء تَمَامه نسك، وختامه مسك، ليَكُون أجمع للفكر، وأسهل للذّكر. وَقسمت مَا تضمنه قسمَيْنِ، سحر وَشعر [وَرُبمَا عوجلت بالاستفهام عَن هَذَا الْإِبْهَام، فَنَقُول إِن الشّعْر لَيْسَ فِي أمة من الْأُمَم مَحْصُور، وَلَا على صنف من الْبشر مَقْصُور، وَهُوَ فِيهَا يُوجد الأوايل، ويلفي أَعم من أَن يَشْمَلهُ الْوَزْن المقفى، أَو يخْتَص بِهِ عرُوض يكمل وَزنه فِيهِ ويوفى. فَمن الشّعْر عِنْدهم، الصُّور الممثلة، واللعب المخيلة، وَمَا تأسس على الْمُحَاذَاة، والتخييل ببناه، ككتاب كليلة ودمنة وَمَا فِي مَعْنَاهُ. إِلَّا أَنه فِي سجية الْعَرَب أنهر، وهم بِهِ أشهر. وَلذَلِك يَقُول بعض حكماء الْفرس، الشّعْر حلية اللِّسَان، ومدرجة الْبَيَان، ونظام للْكَلَام، مَفْهُوم غير مَحْظُور ومشترك غير مَقْصُور، إِلَّا أَنه فِي الْعَرَب جوهري، وَفِي الْعَجم صناعي. وَمَتى يخلى الْكَلَام عَن هَذَا الْغَرَض، وَعدل عَن واجبه المفترض، وخاض فِي الْأُمُور الشايعة، والمقدمات الزاهية، وَلم يعدل عَن الْمَشْهُور، فِي مُخَاطبَة الْجُمْهُور، بعد ترك الشّعْر وتعداه، وأفضى بِهِ إِلَى بَاب الْحِكَايَة مداه، وَلكُل مِنْهَا فِي الْكتب المنطقية بَاب يضْبط أُصُوله وَيبين خواصه وفصوله. ثمَّ إِن الْعَرَب لم

ص: 28

تعْتَبر هَذَا التَّنْصِيص، وعممت فَسَمت الشّعْر كل كَلَام يحضرهُ الْوَزْن والقافية، وَيقوم الروي لجنابه مقَام الخافية، وَيخْتَص بِهِ من الأعاريض المتعارفة فروض، وَيقوم بِهِ نظام مَعْرُوف، وَوزن مَفْرُوض. وعددها حَسْبَمَا نقل وأشتهر، خَمْسَة عشر، وَيَقْتَضِي أَكثر من ذَلِك التَّقْسِيم والتفعيل، لَكِن نبا بهم عَن لسانهم المقيل، وَلم يركب منجها القيل، واضطرد على هَذِه الوتيرة الشّعْر، فطما مِنْهُ الْبَحْر الزاخر، وتبعت الأوايل الْأَوَاخِر، وَثبتت فِي ديوانه الوقايع والكواين، والمكارم والمفاخر، وَمَات الْحَيّ، وحيي الْعظم الناخر، فَمَا جنح إِلَى التخييل مِنْهُ والتشبيه، وَحل مَحل الِاسْتِعَارَة بِالْمحل النبيه، لم ينم عَنهُ عرق أَبِيه، وَأغْرقَ فِي بَاب الشّعْر أتم الإغراق، وَكَانَ شعرًا على الْإِطْلَاق. وَمَا قعد عَن دَرَجه، وَلم يعرج على منعرجه، فَهُوَ عِنْدهَا شعر تستحسنه وترتضيه، ويوجبه لساننا ويقتضيه. وَإِذا تقرر هَذَا التَّقْسِيم، وتضوع من روض الْبَيَان النسيم، وبهر الْحق الْوَجْه الوسيم؛ فلنرجع إِلَى غرضي الَّذِي اعتمدته، ومطلبي الَّذِي قصدته. وَلما كَانَ السحر قُوَّة، ظهر فِي النُّفُوس انفعالها، وَاخْتلفت بِحَسب الْوَارِد أحوالها، وتراءى لَهَا فِي صُورَة الْحَقِيقَة خيالها، ويبتدىء فِي هَيْئَة الْوَاجِب مجالها، وَكَانَ الشّعْر يملك مقادتها، ويغلف عَادَتهَا، وينقل هيئتها، ويسهل بعد الاستصعاب جيئتها، ويحملها فِي قده على الشَّيْء وَحده. وَإِذا عضد بِمَا يُنَاسِبه، وتفضى إِلَيْهِ مذاهبه، وقرنت بِهِ الألحان، عظم الْأَثر، وَظَهَرت العبر، فشجع وأقدم؛ وسهر ونوم، وأضحك وأبكى، وَكثير من ذَلِك يحْكى. وَهَذِه قوى سحرية، وَمَعَان بالإصابة إِلَى السحر حريَّة، فَمن الْوَاجِب أَن يُسمى الصِّنْف من الشّعْر، الَّذِي يخلب النُّفُوس ويفزها، وَيسْتَثْنى الأعطاف ويهزها، باسم السحر الَّذِي ظَهرت عَلَيْهِ آثَار طباعه، وَتبين أَنه نوع من أَنْوَاعه. وَمَا قصر عَن هَذِه الْغَايَة القاصية، والمزية الأبية، على المدارك المتعاصية، سمى شعرًا، تخْتَلف أَحْوَاله عِنْد الأعتبار، ويتبين شبهه من النظار.

ص: 29

فَمِنْهُ مَا يلفظ، عِنْدَمَا بِهِ يلفظ، فَلَا يروي وَلَا يحفظ. وَمِنْه مَا يبْعَث بِهِ ويسخر، وَلَا يقتنى وَلَا يدّخر. وَمِنْه اشْتَمَل على لفظ فصيح، وَمعنى صَحِيح، وقافية وَثِيقَة، ومثارة أنيقة، واشتمل على الحكم والأمثال، ومعظم الشّعْر على هَذَا الْمِثَال. وَلكُل قسم بَيت مَشْهُور، وَشَاهد مَذْكُور، وَإِذا قلت شعرًا فعلى هَذِه الْمَقَاصِد المنوية، وَإِذا قلت سحرًا، فالتخصيص والمزية، بِمَعْنى الْأَوْلَوِيَّة. وَظهر بعد اسْتِمْرَار هَذَا التَّرْتِيب، بُرْهَة من نظم هذَيْن السمطين، وَاخْتِيَار هذَيْن النمطين، أَن الْفرق بَينهمَا، كثير الدقة واللطافة، وَأَن الِاخْتِيَار من بَاب القافية، وَأَن التحسين والتقبيح من بَاب الْإِضَافَة، إِذْ أشخاص المحبوبات، تقع بَينهَا وَبَين النُّفُوس الَّتِي تكلّف بهَا، وتتعلق بِسَبَبِهَا، علاقات لَا تدْرك، ومناسبات تعجز عي المدارك عَنْهَا فَتتْرك. وَكَثِيرًا مَا عشق الْعقل من الْجمال لهَذَا السَّبَب، وأخلاق نفوس الْبشر مثار الْعجب. وَتركت الِاخْتِيَار، بعد أَن أشرقت مطالعه، ووكلته لمن يقف عَلَيْهِ أَو يطالعه، فإنني إِذْ أغفلت الِاخْتِيَار، حزت على الأس الْخِيَار، فيظن النَّاظر فِيهِ، بعد تحكيم ذوقه، واستنزال روحانية التَّمْيِيز من فَوْقه، أَن نَظَرِي مُوَافق لنظره، وَأَن أثرى حَذْو أَثَره. ورتبته على الْحُرُوف، ليَكُون أنسب للتَّرْتِيب، وأليق بِالْمَعْنَى العجيب] . فجَاء مجموعا قَلما اتّفق أَو تَأتي، ومصنوعا لَا ترى فِيهِ عوجا وَلَا أمتا، رَيْحَانَة الأنوف الشم، وخبيئة الجيب والكم، لم يَقع غَيْرِي على مِثَاله، وَلَا نسج بِهَذَا الصقع سواي على منواله، وَهَذَا حِين ابتدى. وَالله ولي المرشد، فِي هَذَا الْقَصْد

ص: 30

وَثَبت أَيْضا فِي صدر كتابي الَّذِي يشْتَمل على " تَارِيخ غرناطة " فِي إثني عشر سفرا، مَا نَصه:

[أما بعد حمد الله، الَّذِي أحصى الْخَلَائق عددا، وابتلاهم الْيَوْم لِيَجْزِيَهُم غَدا، وَجعل جيادهم تتسابق فِي ميادين الْآجَال إِلَى مدا، وباين بَينهم فِي الصُّور والأخلاق، والأعمال والأرزاق، فَلَا يَجدونَ عَمَّا قسم محيصا، وَلَا فِيمَا حكم ملتحدا، ووسعهم علمه على تبَاين أفرادهم، وتكاثف أعدادهم، والدا وَولدا، ونسبا وبلدا، ووفاة ومولدا. فَمنهمْ النبيه والخامل، والحالي والعاطل، والعالم وَالْجَاهِل، وَلَا يظلم رَبك أحدا. وَجعل لَهُم الأَرْض ذلولا، يَمْشُونَ فِي مناكبها، ويتخذون من جبالها بُيُوتًا، وَمن متاعها عددا. وَخص بعض أقطارها بمزايا تَدْعُو إِلَى الأغتباط والأعتمار، وتحث على السّكُون والاستقرار، متبوءا فسيحا، وهوءا صَحِيحا، وَمَاء نميرا، وإمتناعا شهيرا، وَرِزْقًا رغدا. فسبحان من جعل التَّفَاضُل فِي المساكن والساكن، وَعرف الْعباد عوارف اللطف، فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَلم يتْرك شَيْئا سدا.

وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، الَّذِي مَلأ الْكَوْن نورا وَهدى، وأوضح سَبِيل الْحق وَقد كَانَ طرايق قددا، أَعلَى الْأَنَام يدا، وأشرف الْخلق ذاتا، وَأكْرمهمْ محتدا، الَّذِي أنْجز الله بِهِ من نصر دينه [الْحق]

ص: 31

موعدا حَتَّى بلغت دَعوته، مَا زوى لَهُ، من هَذَا الْمغرب الْأَقْصَى، فَرفعت بِكُل هضبة معلما، وَبنت بِكُل قلعة مَسْجِدا. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين كَانُوا لسماء سنته عمدا، لُيُوث العدا، وغيوث الندى، [مَا أقل ساعد يدا، وَعمر بكر خَالِدا؛ وَمَا صباح بدا، وأورق شدا] . فَإِن الله عز وَجهه، جعل الْكتاب لشوارد الْعلم قيدا، وجوارح اليراع تثير مِنْهُ فِي سهول الرّقاع صيدا. وَلَوْلَا ذَلِك لم يشْعر آتٍ فِي الْخلق بذاهب، وَلَا اتَّصل شَاهد بغايب، فَمَاتَتْ الفضايل بِمَوْت أَهلهَا، وأفلت نجومها، من أعين مجتليها، فَلم يرجع إِلَى خبر ينْقل، وَلَا دَلِيل يعقل، وَلَا سياسة تكتسب، وَلَا أَصَالَة إِلَيْهَا ينتسب؛ فهدى سُبْحَانَهُ وألهم، وَعلم الْإِنْسَان بالقلم علم مَا لم يعلم، حَتَّى ألفينا المراسم بادية، والمراشد هادية، وَالْأَخْبَار منقولة، والأسانيد مَوْصُولَة، والأصولة محررة، والتواريخ مقررة، وَالسير مَذْكُورَة، والْآثَار مآثورة، والفضايل من بعد أَهلهَا بَاقِيَة خالدة، والمآثر ناطقة شاهدة، كَأَن نَهَار الطرس، وليل المداد، ينافسان اللَّيْل وَالنَّهَار، فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد، فمهما طويا شَيْئا، ولعا بنثره، أَو دفنا ذكرا دعوا إِلَى نشره. وَلَو أَن لِسَان الدَّهْر نطق، وَتَأمل هَذِه المناقضة وَتحقّق، لأتي بِمَا شَاءَ من عتب ولوم، وَأنْشد: أعلمهُ الرماية كل يَوْم.

وَلما كَانَ هَذَا الْفَنّ التاريخي فِيهِ مأرب الْبشر، [وداع إِلَى ترك الْأَثر] ، ووسيلة إِلَى ضم النثر، يعْرفُونَ بِهِ أنسابهم، وَفِي ذَلِك شرعا وطبعا مَا فِيهِ، ويكتسبون بِهِ عقل التجربة فِي حَال السّكُون والترفيه، ويستدلون بِبَعْض

ص: 32

صفحة فارغة

ص: 33

صفحة فارغة

ص: 34

صفحة فارغة

ص: 35

صفحة فارغة

ص: 36

صفحة فارغة

ص: 37

صفحة فارغة

ص: 38

صفحة فارغة

ص: 39

صفحة فارغة

ص: 40

صفحة فارغة

ص: 41

صفحة فارغة

ص: 42

صفحة فارغة

ص: 43

صفحة فارغة

ص: 44

صفحة فارغة

ص: 45

صفحة فارغة

ص: 46

صفحة فارغة

ص: 47

صفحة فارغة

ص: 48

الجسوم، مَا أكذب رايدها المطري، وأخبث زخرفها المغرى، وأقصر مُدَّة استمتاعها، وَأكْثر المساوى تَحت قناعها:

(على وَجه مي مسحة من ملاحة

وَتَحْت الثِّيَاب الْعَار لَو كَانَ باديا)

مَا ثمَّ إِلَّا أنفاس تردد وتخبث، وَعلل تنشأ ثمَّ تحدث، وزخارف حسن تعهد ثمَّ تنكث، وتركيب يَطْلُبهُ التَّحْلِيل بِدِينِهِ، وَيَأْخُذ أَثَره بعد عينه، وَأنس يفقد، واجتماع كَأَن لم يعْقد، وفراق إِن لم يكن فَكَأَن قد:

(وَمن سره أَن لَا يرى مَا يسوء

فَلَا يتَّخذ شَيْئا يخَاف لَهُ فقدا)

آخر:

(منغص الْعَيْش لَا يأوي إِلَى دعة

من كَانَ ذَا بلد وَكَانَ ذَا ولد)

(والساكن النَّفس من لم ترض همته

سُكْنى مَكَان وَلم يسكن إِلَى أحد)

وَقلت، وَقد فَاتَ سكن عَزِيز على أَيَّام تغريبي بِمَدِينَة سلا [حرسها الله] [عظم عَلَيْهِ جزعى] :

(يَا قلب كم هَذَا الجوى والخفوت

ذماءك استبق لِئَلَّا يفوت)

(فَقَالَ لَا حول وَلَا قَول لي

قد كَانَ مَا كَانَ فحسبي السُّكُوت)

(فارقني الرشد وفارقته لما تعشقت بِشَيْء يَمُوت)

وَالزَّمَان لَا يعْتَبر، وَحَاصِله خبر، والحازم من نظر فِي العواقب نظر المراقب، وَعرف الإضاعة، وَلم يَجْعَل الْحلم بضَاعَة. إِنَّمَا الْحبّ الْحَقِيقِيّ حب يصعدك ويرقيك، ويخلدك ويبقيك، ويطعمك ويسقيك، ويخلصك إِلَى فِئَة السَّعَادَة

ص: 49

مِمَّن يشقيك، وَيجْعَل لَك الْكَوْن أَرضًا، ومشرب الْحق حوضا، ويجنبك زهر المنى، ويغنيك عَن أهل الْفقر والغنى، ويخضع التيجان للنعلك. وَيجْعَل الْكَوْن متصرف فعلك. لَيْسَ إِلَّا الْحبّ ثمَّ الْوَصْل، ثمَّ الْقرب، ثمَّ الشُّهُود [ثمَّ البقا] ، [بعد مَا اضمحل الْوُجُود] ، فشفيت اللآلام، وَسقط اللَّام، وَذَهَبت الأضغاث والأحلام، وَاخْتصرَ الْكَلَام، ومحيت الرسوم، وعفيت الْأَعْلَام، وَلمن الْملك الْيَوْم وَالسَّلَام. فالحذر الحذر، أَن تعجل النَّفس سَيرهَا، وَيُفَارق القفص طيرها، وَهِي بِالْعرضِ الفاني متشبطة، وبثاء الثقيل مرتبطة، وبصحبة الفاني مغتبطة، فالمرء مَعَ من أحب. يَمُوت الْمَرْء على مَا عَاشَ عَلَيْهِ [ويحس على مَا مَاتَ عَلَيْهِ] أَن تَقول نفس يَا حسرتي على مَا فرطت فِي جنب الله، وَإِن كنت لمن الساخرين. أَو تَقول لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ، أَو تَقول حِين ترى الْعَذَاب لَو أَن لي كرة فَأَكُون من الْمُحْسِنِينَ. وَفِي مثل ذَلِك قلت:

(أعشاق غير الْوَاحِد الصَّمد الباق

جنونكم وَالله أعيت على الراق)

(جننتم بِمَا يفني ويبقي مضاضة

تعذب بعد الْبَين مهجة مشتاق)

(وتربط بالأجسام نفسا حَيَاتهَا

مباينة الْأَجْسَام بالجوهر الراق)

(فَلَا هِيَ فازت بِالَّذِي ظَفرت بِهِ

وَلَا رَأس مَال كَانَ ينفعها بَاقٍ)

(فِرَاق وقسر وَانْقِطَاع وظلمة

قِنَا الْبعد عَن نيل السَّعَادَة ياواق)

(كَأَنِّي بهَا بعد مَا كشف الغطا

صريعة أحزان لربقة أشواق)

ص: 50

(تقلب كفيها بخيط موصل

وثيقته من دون سَبْعَة أطباق)

(فَلَا تطعموها السم فِي الشهد ضلة

فَذَلِك سم لَا يداوي [صَحِيح درياق] )

(بِمَا اكْتسبت تسْعَى إِلَى مستقرها

فإمَّا بوفر محسب أَو بإملاق)

(وَلَيْسَ لَهَا بعد التَّفَرُّق حِيلَة

سوى نَدم يزري مدامع آماق)

(وَلَو كَانَ مرمى الْحزن مِنْهَا إِلَى مدى

لهان الأسى مَا بَين وخد وأعناق)

(فجدوا فَإِن الْأَمر جد وشمروا

بِفضل ارتياض أَو بإصلاح أَخْلَاق)

(وَلَا تطلقوا فِي الْحس ثنى عنانها

وشيموا بهَا للحق لمحة إشراق)

(ودسوا لَهَا الْمَعْنى رويدا وأيقظوا

بصيرتها من بعد نوم وإغراق)

(وعاقبة الفاني اشرحوا وتلطفوا

بإخلاقها المرضى تلطف إشفاق)

(وَمهما أفاقت فافتحوا لاعتبارها

مصاريع أَبْوَاب وأقفال أغلاق)

(فَإِن سكرت واستشرفت عِنْد سكرها

لماهية السقيا وَمَعْرِفَة السَّاق)

(أطيلوا على روض الْجمال خطورها

إِلَى أَن يقوم الْحبّ فِيهَا على سَاق)

(وخلوا لهيب الشيب يطوي بهَا الفلا

إِلَى الوجد فِي مسرى رموز وأذواق)

(فَمَا هُوَ إِلَّا أَن تحط رِحَالهَا

بمثوى التجلي وَالشُّهُود بِإِطْلَاق)

(وتفنى إِذا مَا شاهدت عَن شهودها

وَقد فنى الفاني وَقد بَقِي الباق)

(هُنَالك تلقى الْعَيْش تضفو ظلاله

وتنعم من روض الْحَيَاة برقراق)

(وَمَا قسم الأرزاق إِلَّا عَجِيبَة

فَلَا تطرد السُّؤَال يَا خير رواق)

ص: 51

[وَثَبت فِي صدر كتابي الْمُسَمّى " باستنزال اللطف الْمَوْجُود فِي أسرار الْوُجُود "، وَهُوَ مِمَّا جمعته لهَذَا الْعَهْد

الْحَمد لله الَّذِي خلق الْإِنْسَان مهيضا جنَاحه، بالافتقار لما فِيهِ صَلَاحه، كسيرا، وَقدر عمره، وَإِن طَال المدا، وَسَالم الردى يَسِيرا، وأقامه عانيا فِي أَيدي الأقدار، وَحكم اللَّيْل وَالنَّهَار أَسِيرًا. وَجعل مرام الْخَلَاص من قيود الْوُجُود عَلَيْهِ إِلَّا بلطف الْمَوْجُود عَلَيْهِ عسيرا. وَملك نَاصِيَة فضا لايجد فِيهِ مراعا، وَلَا يَسْتَطِيع عَنهُ مسيرًا، ومزاجا مُحْتَاجا إِلَى المراعاة مَعَ السَّاعَات فَقِيرا، وتكليفا يَأْخُذ بأطواقه عَن تراضي أشواقه فَلَا يملك لنَفسِهِ قبيلا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا دبيرا، وسياسة يُطِيع فِيهَا مرعاه رَاعيا، وَيتبع مأموره مِنْهَا أَمِيرا، ومعاشا يضْطَر فِيهِ إِلَى إمداد حَيَاته وَصَلَاح ذَاته، اضطرارا كَبِيرا، ومعاشرة بأبناء جنسه تكون السَّلامَة لأَجله مِنْهُم، وَإِدْرَاك الكفاف من أَيْديهم حظا أثيرا، وابتلاه بِمَا يلْحق هَذِه الملكات، علاوة على أحماله المهلكات، فَلَا تَجِد غَيره وليا وَلَا نَصِيرًا، وخياله الْمَكْرُوه فِي المحبوب ابتلاء وتطهيرا، والمحبوب الْمَكْرُوه فِي الْمَكْرُوه إخفاء لسيره المحجوب فِي اسْتعَار الغيوب وتدبيرا. فَقَالَ وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا، وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا. ثمَّ أتاح الرَّاحَة مِنْهُم لمن اصطنعه، وأنشأه من الحضيض الأوهد، وَرَفعه فجلل قامه تنويرا، ومهد لَهُ التَّوْفِيق سريرا، وَجعل الْفِكر السديد بهدايته لنَفسِهِ الناطقة وزيرا، واتصال عقله الْمُسْتَفَاد بِالْعقلِ الْبري، من لواحق الْكَوْن وَالْفساد كمالا أخيرا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله الَّذِي، بَعثه مبشرا وَنَذِيرا، ودليلا إِلَى حَضْرَة الْحق، من أقرب المآخذ على الْخلق، تَنْبِيها وتحذيرا، وإرشاد وتبصيرا، وأنيط بسعيه فِي هَذَا الْوُجُود الأول، والحلم المسلول، عينا، يشرب بهَا عباد الله، يفجرونها تفجيرا. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، الَّذين أوسعوا هَدْيه بَيَانا وتفسيرا، مَا أطلع الروش من روح السَّمَاء، فِي عذير الظلماء وَجها منيرا، ولمع برق الْغَمَام فِي السحب السجام، سَيْفا طريرا

ص: 52

أما بعد، فَإِنَّهُ جرى بِبَعْض هَذِه الْمجَالِس، الَّتِي نَجْعَلهَا لكلال الأحباب جماما، ولعلل المتلومين عَن الْعِلَل غماما، وَفِي أَوْقَات التَّذْكِير الَّتِي لَا تخلق، والْمنَّة لله، محن مَعَ السَّاعَات لبسكب، وسبيل إِلَى الْخَلَاص يركب، وَحِكْمَة يطارد شاردها، حَتَّى يلقى المقادة، ويمتاح مواردها حَتَّى تملأ مزاد السَّعَادَة، ذكر مَا يعتور الْإِنْسَان فِي هَذَا الْعَالم من القواطع المساجلة، والعوايق عَن آماله العاجلة والآجلة، ويحف بِهِ فِي هَذِه الأحلام من ضروب الآلام، ويناله من القسر فِي هَذَا الآسر، وَمَا الْحِيلَة فِي تسليس قيوده الثقال، وتوسعة محابسه الضيقة الاعتقال، إِلَى أَن تقع رَحْمَة الافتكاك والانتقال، وتوسعة الصدا بإدالة الصقال، وَيصِح الْمقَام من بعد الْمقَال. فوعدت من لَهُ عناية بِنَفسِهِ، وارتقاب لمطلع شمسه، من الْأَصْحَاب المتعلقين بأهداب النّظر، والمتشوقين إِلَى الْخَبَر من بعد الْخَبَر، والحرص على قطع هَذِه المرحلة الحلمية بِحَال السَّلامَة، وارتفاع عتاب وملامة، واستشعار جنَّة المكاره ولامه، أعلن فِي ذَلِك مقَالَة، تخْفض البث، وتعمل فِي طلب الْخَلَاص الْحَث، فتخف لأَجلهَا العلائق، وَيَأْخُذ بحظه مِنْهَا الْمُبْتَدِي والفايق، وَالله ولي الْهِدَايَة فِي كل سَبِيل، والوقاية من كل مرعى وبيل. وَلما تحصل الْوَعْد، وَقع فِي الاقتصاد الإلحاح والاستنجاز الصراح، وَلم يَقع الإعفا، وَلم يسع إِلَّا الوفا] .

[وتبث فِي صدر تأليفي الْمُسَمّى " بالوصول لحفظ الصِّحَّة فِي الْفُصُول "

الْحَمد لله الَّذِي فصل الْفُصُول بحركات الشَّمْس، وَجعل الْحس مَدِينَة لتِلْك النَّفس، واستخدم لَهُ فِيهَا حَرَكَة الْحَواس الْخمس، بَين السّمع وَالْبَصَر والشم والذوق واللمس. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، شرف النَّوْع وَالْجِنْس، بسعادة الْجِنّ وَالْإِنْس. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، الَّذين، أمنت حقائق فَضلهمْ

ص: 53

من اللّبْس، مَا تعاضد الظَّن بالحدس، وتعاقب الْيَوْم مَعَ الأمس. وَبعد، فَإِن الصنايع إِن تشرفت بغاياتها، وتميزت عِنْد التَّعَامُل براياتها، فعلوم الْأَدْيَان والأبدان، صادعة فِي الْفضل بآياتها، متوصلة إِلَى النُّفُوس الناطقة بإفادة كمالها، وَحفظ حَيَاتهَا، وَلذَلِك مَا صرفت إِلَيْهِمَا الأنظار والأفكار أَعِنَّة عناياتها. وَرُبمَا كَانَت عُلُوم الْأَبدَان، لسواها أصولا، وَلم يرج الراجي لعلم الْأَدْيَان، قبل علم الْأَبدَان، حصولا. فَإِن مَقَاصِد الشَّرْع صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه، إِنَّمَا تنَال الصَّحِيح السوي، والمطبق الْقوي. وَهَذِه الْحَالة حسية فِي الْغَالِب عَن سياسة الْجِسْم، بِحِفْظ الصِّحَّة، وَإِزَالَة السقم. فوضح فضل صناعَة الطِّبّ وَتبين، وتقرر غنَاؤُهَا وَتبين. وَلما كَانَ غرضها المهم، وغايتها الَّتِي بِالْفَصْلِ إِلَيْهَا تتمّ، حفظ الصِّحَّة إِذا حصلت، وردهَا إِلَى معتادها كلما انْتَقَلت وَارْتَحَلت، وَكَانَت النَّفس لَا تقدر قدر الْحَاصِل المصاحب، وَلَا تسير من إِيجَاب حَقه على السّنَن اللاحب شَأْنهَا فِي الصِّحَّة والشباب، والتمتع بالأحباب، والغنى والأمان، ومساعدة الزَّمَان حَتَّى إِذا ذهب، واسترجع الله مِنْهُ مَا وهب، قدر حنين قدره، وَأعظم أمره، وَكثر عَلَيْهِ الأسف واللهف، وأمل الْعود، وَرمى الْخلف، على هَذَا تبع السّلف الْخلف، إِلَّا من بَان لَدَيْهِ بالحكمة الكلف. كَانَت الْعِنَايَة باسترجاع نعْمَة الصِّحَّة أَشد وَالْكَلَام فِيهَا أمد، والتدوين قد جَاوز الْحَد، فكثرت كنانيش الْعَالم ودواوينه، وتعددت أغراضه وأفانينه، وألفى القَوْل فِي حفظ الصِّحَّة المستقرة وصون حماها من طرق الْغرَّة، تافها من كثير، وَلَفْظَة من نثير، وَلَو حكم الأنصاف لَكَانَ حفظ الصِّحَّة أولى بالعناية، وأحق بالإفصاح وَالْكِنَايَة، إِذْ لَو حفظ مِنْهَا الْعرض، لقل أَن يروع سربها الْمَرَض، فَظهر لي أَن نعتني بِمَا أغفل وأهمل، وَاعْتبر وتؤمل، وَأَن أفصل وأجمل، وأتمم وأكمل، وأدون فِيهِ كتابا، يعظم فِي الْخلق نَفعه وجدواه، ويحق الافتقار لما سواهُ، وَأَرْجُو بِهِ إِحْسَان الله، وَلكُل امرىء مَا نَوَاه] .

ص: 54

وكتبت عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج ابْن السُّلْطَان أبي الْوَلِيد بن نصر رحمه الله إِلَى التربة المقدسة تربة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَهِي من أوليات مَا صدر عني فِي هَذِه.

(إِذا فَاتَنِي ظلّ الْحمى ونعيمه

كفاني وحسبي أَن يهب نسيمه)

(ويقنعني أَنِّي بِهِ متكيف

فزمزمه دمعي وجسمي حطيمه)

(يعود فُؤَادِي ذكر من سكن الفضا

فيقعده فَوق القضا ويقيمه)

(وَلم أر يَوْمًا كالنسيم إِذا سرى

شفى سقم الْقلب المشوق سقيمه)

(نعلل بالتذكار نفسا مشوقة

يُدِير عَلَيْهَا كاسه ويديمه)

(وَمَا شفني بالغور قد مرنم

وَلَا شاقني من وَحش وَجدّة ريمه)

(وَلَا سهرت عَيْني لبرق ثنية

من الثغر يَبْدُو موهنا فأشيمه)

(براني شوق للنَّبِي مُحَمَّد

يَوْم فؤادى بحده مَا يسومه)

ص: 55

(أَلا يَا رَسُول الله ناداك ضارع

على الْبعد مَحْفُوظ الوداد سليمه)

(مشوق إِذا مَا اللَّيْل مد رواقه

تهم بِهِ تَحت الظلام همومه)

(إِذا مَا حَدِيث عَنْك جَاءَت بِهِ الصِّبَا

شجاه من الشوق الحَدِيث قديمه)

(أيجهر بالنجوى وَأَنت سميعها

ويشرح مَا يخفي وَأَنت عليمه)

(وتعوزه السقيا وَأَنت غياثه

وتتلفه الْبلوى وَأَنت رحيمه)

(بنورك نور الله قد أشرق الْهدى

فأقماره وضاحة ونجومه)

(وَمن فَوق أطباق السما بك اقْتدى

خَلِيل الَّذِي أوطأ لَهَا وكليمه)

(لَك الْخلق الأرضي الَّذِي جلّ ذكره

ومجد فِي الذّكر الْحَكِيم عظيمه)

(يجل مدى علياك عَن مدح مادح

فَهُوَ سر در القَوْل فِيك عديمه)

(ولي يَا رَسُول الله فِيك وراثة

ومجدك لَا ينسى الذمام كريمه)

(وَعِنْدِي إِلَى أنصار دينك نِسْبَة

هِيَ الْفَخر لَا يخْشَى انتقالا مقيمه)

(وَكَانَ بودي أَن أَزور مبوأ

بك افتخرت أطلاله ورسومه)

(وَقد يجْهد الْإِنْسَان طرف اعتزامه

ويعوزه من بعد ذَاك مرومه)

(وعذري فِي تسويف عزمي ظَاهر

إِذا ضَاقَ عذر الْعَزْم عَمَّن يلومه)

(عدتني بأقصى الغرب عَن تربك العدا

جلالقة الثغر الْغَرِيب ورومه)

(أجاهد مِنْهُم فِي سَبِيلك أمة

هِيَ الْبَحْر يَعْنِي أمرهَا من يرومه)

(فلولا اعتناء مِنْك يَا ملْجأ الورى

لريع حماه واستبيح حريمه)

(فَلَا تقطع الْحَبل الَّذِي قد وصلته

فمجدك موفور النوال عميمه)

(وَأَنت [لنا] الْغَيْث الَّذِي نستدره

وَأَنت لنا الظل الَّذِي نستديمه)

(وَلما نأت دَاري وأعذر مطمعي

وأقلقني شوق يشب جحيمه)

ص: 56

(بعثت بهَا جهد الْمقل معولا

على مجدك الْأَعْلَى الَّذِي جلّ خيمه)

(وكلت بهَا همي وَصدق قريحتي

فساعد فِي هَاء الروى وميمه)

(فَلَا تنسني يَا خير من وطىء الثرى

فمثلك لَا ينسى لَدَيْهِ خديمه)

(عَلَيْك صَلَاة الله مَا در شارق

وَمَا راق من وَجه الصَّباح وسيمه)

إِلَى رَسُول الْحق، إِلَى كَافَّة الْخلق، وغمام الرَّحْمَة، الصَّادِق الْبَرْق، والحايز فِي ميدان اصطفاء الرَّحْمَن، قصب السَّبق، خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَإِمَام الْمَلَائِكَة السَّمَاء، وَمن وَجَبت لَهُ النُّبُوَّة، وآدَم بَين الطين وَالْمَاء، شَفِيع أَرْبَاب الذُّنُوب، وطبيب أدواء الْقُلُوب، ووسيلة الْخلق إِلَى علام الغيوب، نَبِي الْهدى، الَّذِي طهر قلبه، وَغفر ذَنبه، وَختم بِهِ الرسَالَة ربه، وَجرى فِي النُّفُوس مجْرى الأنفاس حبه، المشفع يَوْم الْعرض، الْمَحْمُود فِي ملأالسموات وَالْأَرْض، صَاحب اللِّوَاء المنشور، والمؤتمن على سر الْكتاب المسطور، ومخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، الْمُؤَيد بكفاية الله وعصمته، [الموفور حَظه من عنايته وحرمته] ، الظل الخفاق على أمته، من لَو حازت الشَّمْس بعض كَمَاله، مَا عدمت إشراقا، أَو كَانَت للآباء رَحْمَة قلبه، ذَابَتْ [نُفُوسهم] إشفاقا، فآيته الْكَوْن وَمَعْنَاهُ، وسر الْوُجُود، الَّذِي يبهر الْوُجُود سناه، وصفى حَضْرَة الْقُدس، الَّذِي لَا ينَام قلبه إِذا نَامَتْ عَيناهُ. البشير الَّذِي سبقت لَهُ الْبُشْرَى، وَرَأى من آيَات ربه الْكُبْرَى، وَنزل فِيهِ سُبْحَانَ الَّذِي أسرى. الْأَنْوَار من عنصر نوره مستمدة، والْآثَار [تخلق و] آثاره مستجدة. من طوى بِسَاط الْوَحْي لفقده، وسد بَاب [النُّبُوَّة والرسالة] من بعده. وأوتي جَوَامِع الْكَلم، فوقفت البلغاء حسرى دون حَده، الَّذِي انْتقل

ص: 57

فِي الْغرَر الْكَرِيمَة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشَّام وقصوره، وطفقت الْمَلَائِكَة تحييه وفودها وتزوره، وأخبرت الْكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء بأسمائه وَصِفَاته، فجَاء بِتَصْدِيق الْخَبَر ظُهُوره، [وَأخذ عهد الْإِيمَان بِهِ على من اتَّصَلت بمبعثه مِنْهُم أَيَّام حَيَاته] المفزع الأمنع، يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر، والسند الْمُعْتَمد فِي أهوال الْمَحْشَر، ذُو المعجزات الَّتِي أثبتتها الْمُشَاهدَة والحس، وَأقر بهَا الْجِنّ والأنس، من جماد يتَكَلَّم، وجذع لفراقه يتألم، وقمر لَهُ ينشق، وَحجر يشْهد أَن مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحق، وشمس بدعايه عَن مسيرها تحبس، وَمَاء من أَصَابِعه يتفجر، وغمام باستسقايه يصوب، وركية بَصق فِي أجاجها، فَأصْبح مَاؤُهَا، وَهُوَ العذب المشروب، الْمَخْصُوص بمناقب الْكَمَال وَكَمَال المناقب، الْمُسَمّى بالحاسر العاقب، ذُو الْمجد الْبعيد المراقي والمراتب، أكْرم من بعثت إِلَيْهِ، وَسِيلَة الْمُعْتَرف المغترب، [ونجحت لَدَيْهِ قربَة الْبعيد المغترب] سيد الرُّسُل، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب، الَّذِي فَازَ بِطَاعَتِهِ المحسنون، واستنقذ بِشَفَاعَتِهِ المذنبون، وَسعد باتباعه الَّذين لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ، صلى الله عليه وسلم، مَا لمع برق وهمع ودق، وطلعت شمس، وَنسخ الْيَوْم أمس، من عَتيق شَفَاعَته، وعهد طَاعَته، المعتصم بِسَبَبِهِ، الْمُؤمن بِاللَّه ثمَّ بِهِ، المستثفى بِذكرِهِ كلما تألم، المفتتح بِالصَّلَاةِ كلما تكلم، الَّذِي يمثل طلوعه بَين أَصْحَابه وَآله، وَإِن هَب النسيم العاطر، وجد فِيهِ طيب خلاله، وَإِن سمع الآذان تذكر صَوت بلاله، وَإِن ذكر الْقُرْآن، تردد جِبْرِيل بَين معاهدة وجلاله، لاثم تربه، ومؤمل

ص: 58

قربه، ورهين طَاعَته وحبه، المتوسل بِهِ إِلَى رضى الله وربه، يُوسُف بن إِسْمَاعِيل ابْن نصر، كتبه إِلَيْك يَا رَسُول الله، والدمع ماح، وخيل الوجد ذَا جماح، عَن شوق يزْدَاد، كلما نقص الصَّبْر، وانكسار لَا يتاح لَهُ إِلَّا بدنو مزارك الْجَبْر، وَكَيف لَا يعي مشوقك الْأَمر، وتوطى على كبده الْحجر، وَقد مطلت الْأَيَّام بالقدوم على ترتبك المقدسة اللَّحْد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الْوَعْد، وَانْصَرف الرفاق، وَالْعين بإثر ضريحك مَا اكتحلت، والركايب إِلَيْك مَا ارتحلت، والعزايم قَالَت وَمَا فعلت، والنواظر فِي تِلْكَ الْمشَاهد الْكَرِيمَة لم تسرح، وَظُهُور الآمال عَن ركُوب الْعَجز لم تَبْرَح، فيا لَهَا من معاهد، فَازَ من حياها، ومشاهد مَا أعطر رياها. بِلَاد نيطت بهَا عَلَيْك التمايم، وأشرقت بنورك مِنْهَا النجُود والتهايم، وَنزل فِي حجراتها عَلَيْك الْملك، وانجلى بضيا فرقانك فِيهَا الحلك. مدارس الْآيَات والسور، ومطالع المعجزات [السافرة الْغرَر] ، حَيْثُ قضيت الْفُرُوض وحتمت، وافتتحت سور الْوَحْي وختمت، وأبدئت الْملَّة الحنيفية وتممت، وَنسخت الْآيَات وأحكمت. أما وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ هاديا، وأطلعك لِلْخلقِ نورا باديا، لَا يطفي غلتي إِلَّا شربك، وَلَا يسكن لوعتي إِلَّا قربك، فَمَا أسعد من أَفَاضَ من حرم الله إِلَى حَرمك، وَأصْبح بعد أَدَاء، مَا فرضت، عَن الله ضيف كرمك، وعفر الخد فِي معاهدك، ومعاهد أسرتك، وَتردد مَا بَين دَاري بَعَثْتُك وهجرتك. وَإِنِّي لما عاقتني عَن زيارتك العوايق، وَإِن كَانَ شغلي عَنْك بك، وصدتني الأعدا فِيك عَن وصل سببي يسببك، وأصبحت

ص: 59

بَحر تتلاطم أمواجه، وعدو تتكاثف أفواجه، ويحجب الشَّمْس عِنْد الظهيرة عجاجه، فِي طايفة من الْمُؤمنِينَ، بك وطنوا على الصَّبْر نُفُوسهم، وَجعلُوا التَّوَكُّل على الله وَعَلَيْك لبوسهم، وَرفعُوا إِلَى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا فِي مرضاة الله ومرضاتك نُفُوسهم، يطيرون من هيعة إِلَى أُخْرَى، وينفلتون، والمحاربون عَن يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة، جموعا كجموع قَيْصر وكسرى، لَا يبلغون [من عَدو هُوَ الذَّر عِنْد] انتشاره معشار معشاره، قد باعوا من الله الْحَيَاة الدُّنْيَا، لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فيا لَهُ من سرب مروع [وصريخ عَنْك مَمْنُوع] وَدُعَاء إِلَيْك وَإِلَى الله مَرْفُوع، وصبية حمر الحواصل، تخفق فَوق أوكارها أَجْنِحَة المناصل، والصليب قد تمطى يمد ذِرَاعَيْهِ، وَرفعت الأطماع بضبعيه، وَقد حجبت بالقتام السما، وتلاطمت أمواج الْحَدِيد، والبأس الشَّديد فَالتقى المَاء وَلم يبْق إِلَّا الذما، وعَلى ذَلِك فَمَا ضعفت البصاير، وَلَا ساءت الظنون، وَمَا وعد بِهِ الشهدا تعتقده الْقُلُوب، حَتَّى تكَاد تشاهده الْعُيُون، إِلَى أَن أتلقاك غَدا إِن شَاءَ الله، وَقد أبلينا الْعذر، وأرغمنا الْكفْر، وأعملنا فِي سَبِيل الله وسبيلك الْبيض والسمر. استنبت رقعتي هَذِه إِلَيْك لتطير بجناح خافق، [وتشعر نيتي] الَّتِي تصحبها برفيق مرافق، فَيُؤَدِّي عَن عَبدك ويبلغ، ويعفر الخد فِي تربك ويمرغ، ويطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وَيقف وقُوف الْخُشُوع والخضوع تجاه تابوتك، وَيَقُول بِلِسَان التملق، عِنْد التشبث بأسبابك، والتعلق منكسرة الطّرف، حذرا بمرجها من عدم الصّرْف، يَا غياث الْأمة وغمام الرَّحْمَة، ارْحَمْ غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك، قصر باعي، وقو على هيئتك خور طباعي. فكم جزت من لج مهول، وَجَبت من حزون وسهول، وقابل بِالْقبُولِ نيابتي،

ص: 60

وَعجل بِالرِّضَا إجَابَتِي، وَمَعْلُوم من كَمَال تِلْكَ الشيم، وسخاء تِلْكَ الديم، أَن لَا يخيب قصد من حط بفنايها، وَلَا يظمأ وَارِد أكب على مَا يها. اللَّهُمَّ يَا من جعلته أول الْأَنْبِيَاء بِالْمَعْنَى، وَآخرهمْ بالصورة، وأعطيته لِوَاء الْحَمد، يسير آدم فَمن دونه، تَحت ظلاله المنشورة وملكت أمته، مَا زوى لَهُ من زَوَايَا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمته المجبولة على حبه، المؤملة لقُرْبه [المفطورة، وشوقتني إِلَى معاهده المبرورة ومشاهده المزورة] ووكلت لساني بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وقلبي بالحنين إِلَيْهِ، ورغبتني فِي التمَاس مَا لَدَيْهِ، فَلَا تقطع عَنهُ أسبابي وَلَا تحرمني فِي حبه أجر ثوابي، وتداركني بِشَفَاعَتِهِ، يَوْم أَخذ كتابي. هَذِه يَا رَسُول الله وَسِيلَة من بَعدت دَاره، وشط مزاره، وَلم يَجْعَل بِيَدِهِ اخْتِيَاره. فَإِن لم تكن [هَذِه] للقبول أَهلا، فَأَنت للإغضاءٌ [والسمح] أهل، وَإِن كَانَت ألفاظها وعرة، فجنابك للقاصدين سهل، وَإِذا كَانَ الْحبّ يتوارث كَمَا أخْبرت، وَالْعُرُوق تدس، حَسْبَمَا إِلَيْهِ أَشرت، فلى بانتسابي إِلَى سعد عميد أنصارك [مزية] ووسيلة أثيرة خُفْيَة، فَإِن لم يكن لي عمل أرتضيه فلي نِيَّة، فَلَا تنسني، وَمن بِهَذِهِ الجزيرة [الَّتِي افتتحت] بِسيف كلمتك، على أَيدي خير أمتك، فَإِنَّمَا نَحن وَدِيعَة تَحت بعض أقفالك، نَعُوذ بِوَجْه رَبك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايك نفحة، ونرتقب من محيا قبولك لمحة، ندافع بهَا عدوا طَغى وبغى، وَبلغ من مضايقتنا مَا ابْتغى. فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وأرخ، وَالْبَحْر قد أصمتت [بواعث لججه] من استصرخ، والطاغية فِي الْعدوان

ص: 61

مستبصر، والعدو محلق [وَالْمولى منصر] . وبجاهك نستدفع مَا لَا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق [فَلَا تفردنا وَلَا تهملنا وناد رَبك فِينَا رَبنَا لَا تحملنا، وطوايف أمتك حَيْثُ كَانُوا عناية مِنْك تكفيهم] وَرَبك يَقُول وَقَوله الْحق: وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْك يَا خير من طَاف وسعى، وَأجَاب دَاعيا إِذا دَعَا، وَصلى على جَمِيع آحزابك وآلك بِمَا يَلِيق بجلالك ويحق لكمالك، وعَلى ضجيعيك وصديقيك وحبيبيك ورفيقيك، خلفيتك فِي ملتك، وفاروقك الْمُسْتَخْلف بعده على ملتك، وصهرك ذُو النورين، الْمَخْصُوص ببرك وتجلتك، وَابْن عمك سَيْفك المسلول على [حلتك] بدر سمايك، ووالد أهلتك، [وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْك وَعَلَيْهِم كثيرا] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَكتب بِجَزِيرَة الأندلس، غرناطة، صانها الله ووقاها، وَدفع عَنْهَا ببركتك كيد عَداهَا.

وكتبت لهَذَا الْعَهْد عَن وَلَده أَمِير الْمُسلمين أبي عبد الله إِلَى ضريح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وضمنت ذَلِك مَا فتح الله بِهِ عَلَيْهِ وَسَاقه من الفتوحات السنيات إِلَيْهِ، وَفِي أَوَائِل عَام أحد وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة

(دعَاك بأقصى المغربين غَرِيب

وَأَنت على بعد المزار قريب)

(مدل بِأَسْبَاب الرجا وطرفه

غضيض على حكم [الْمحيا ويهيب] )

(يُكَلف قرص الْبَدْر حمل تَحِيَّة

إِذا مَا هوى وَالشَّمْس حِين تغيب)

ص: 62

(لنرجع من تِلْكَ المعالم غدْوَة

وَقد ذاع من ورد التَّحِيَّة طيب)

(ونستودع الرّيح الشمَال شمايلا

من الْحبّ لم يعلم بِهن رَقِيب)

(وَيطْلب فِي جيب الْجنُوب جوابها

إِذا مَا أطلت والصباح منيب)

(ويستفهم الْكَفّ الخضيب ودمعه

غراما بحناء النجيع خضيب)

(وَيتبع آثَار الْمطِي مشيعا

وَقد زَمْزَم الْحَادِي وحن نجيب)

(إِذا آثر الأحباب لاحت مُحَاربًا

يخد عَلَيْهَا رَاكِعا وينيب)

(ويلقى ركاب الْحَج وَهِي قوافل

طلاح وَقد لبا للنداء لَبِيب)

(فَلَا قَول إِلَّا أَنه وتوجع

وَلَا حول إِلَّا زفرَة ونحيب)

(غليل وَلَكِن من قبولك منهل

عليل ولاكن من رضاك طَبِيب)

(أَلا لَيْت شعري والأماني ضلة

وَقد تخطىء الآمال ثمَّ تصيب)

(أينجد نجد بعد شط مزاره

وَيكْتب بعد الْبعد مِنْهُ كثيب)

(وتقضي ديوني بعد مَا مطل المدا

وَينفذ بيعي وَالْمَبِيع معيب)

(وَهل [اقْتضى دهري] فيسمح طالعا

وأدعو بحظي مسمعا فيجيب)

(وَيَا لَيْت شعري هَل لحومي مورد

لديك وَهل لي فِي رضاك نصيب)

(وَلَكِنَّك الْمولى الْجواد وجاره

على أَي حَال كَانَ لَيْسَ يخيب)

(وَكَيف يضيق الذرع يَوْمًا بقاصد

وَذَاكَ الجناب المستجار رحيب)

(وَمَا هاجني إِلَّا تألق بارق

يلوح بفود اللَّيْل مِنْهُ مشيب)

(ذكرت بِهِ ركب الْحجاز وجيرة

أهاب بهَا نَحْو الحبيب مهيب)

(فَبت وجفني من لآلىء دمعه

غنى وصبري للشجون سليب)

ص: 63

(تريحني الذكرى ويهفو بِي الجوى

كَمَا مَال غُصْن فِي الرياض رطيب)

(وأحضر تعليلا لشوقي بالمنى

ويطرق وجد غَالب فأغيب)

(مناي لَو أَعْطَيْت الْأَمَانِي زورة

يبث غرام عِنْدهَا ووجيب)

(فَقَوْل حبيب إِذْ يَقُول تشوقا

عَسى وَطن يدنو إِلَيّ حبيب)

(تعجبت من سبقي وَقد جَاوز الفضا

وقلبي فَلم يسكبه مِنْهُ مذيب)

(وأعجبت أَن لَا يورق الرمْح فِي يَدي

وَمن فَوْقه غيث الشوق سكيب)

(فياسرح ذَلِك الْحَيّ لَو أخلف الحيا

لأغناك من صوب الدُّمُوع صبيب)

(وَيَا هَاجر الجو الجديب تلبثا

فعهدي رطب الْجَانِبَيْنِ خصيب)

(وَيَا قَادِح الزند الشجاح ترفقا

عَلَيْك فشوقي الْخَارِجِي شبيب)

(أيا خَاتم الرُّسُل المكين مَكَانَهُ

حَدِيث الْغَرِيب الدَّار فِيك غَرِيب)

(فُؤَادِي على جمر البعاد فِيك مُقَلِّب

يماح عَلَيْهِ للدموع قليب)

(فوَاللَّه مَا يزْدَاد إِلَّا تلهفا

لأبصرت مَاء ثار عَنهُ لهيب)

(فليلته ليل السَّلِيم ويومه

إِذا شدّ للشوق العصاب عصيب)

(هُدَايَ هوى فِيك اهتديت بنوره

ومنتسبي للصحب مِنْك نسيب)

(وحسبي علا أَنِّي لصحبك منتم

وللخزرجيين الْكِرَام نسيب)

(عدت عَن مغانيك المشوقة للعدا

عقارب لَا يخفي لَهُنَّ دَبِيب)

(حراص على إطفاء نور قدحته

فمستلب من [دونهَا ونسيب] )

(فكم من شَهِيد فِي رضاك مجدل

يظلله نسر وَينْدب ديب)

ص: 64

(تمر الرِّيَاح الغفل فَوق كلومهم

فتعبق من أنفاسها وتطيب)

(بنصرك عَنْك الشّغل من غير منَّة

وَهل يتساوى مشْهد ومنيب)

(فَإِن صَحَّ مِنْك الْحَظ طاوعت المنا

وَيبعد مرمى السهْم وَهُوَ مُصِيب)

(ولولاك لم تعجم من الرّوم عودهَا

فعود الصَّلِيب الأعجمي صَلِيب)

(وَقد كَانَت الْأَحْوَال لَوْلَا مراغب

ضمنت ووعد بالظنون تديب)

(فَمَا شيت من نصر عَزِيز وأنعم

آثاب بِهن الْمُؤمنِينَ مثيب)

(مَنَابِر عز أذن الْفَتْح فَوْقهَا

وأفصح للعضب الطرير خطيب)

(تقود إِلَى هيجائها كل صاهل

كَمَا ريع مَكْحُول اللحاظ ربيب)

(ونجتاب من سود الْيَقِين مدارعا

يكيفها من يجتني ويثيب)

(إِذا اضطرت الخطى حول غديرها

يروقك مِنْهَا لجة وقضيب)

(فعذرا وإغضاء وَلَا تنس صَارِخًا

بعزك يَرْجُو أَن يُجيب مُجيب)

(وجاهك بعد الله نرجو وَإنَّهُ

لحظ حلى بِالْوَفَاءِ رغيب)

(عَلَيْك سَلام الله مَا طيب الفضا

عَلَيْك مطيل بالثناء مُطيب)

(وَمَا اهتز قد للغصون مرنح

وَمَا افتر ثغر للبروق شنيب)

إِلَى حجَّة الله، الْمُؤَيد ببراهين أنواره، وفايدة الْكَوْن ونكتة أدواره وصفوة نوع الْبشر ومنتهى أطواره، إِلَى الْمُجْتَبى، وموجود الْوُجُود، لم يغن بِمُطلق الْجُود عديمه، والمصطفى من ذُرِّيَّة آدم، قبل أَن يكسو الْعِظَام أديمه، الْمَخْتُوم فِي الْقدَم، وظلمات الْعَدَم، عِنْد صدق الْقدَم [تَقْدِيمه وتفضيله] ، إِلَى وَدِيعَة النُّور، الْمُنْتَقل فِي الجباه الْكَرِيمَة وَالْغرر، [ودرة الْأَنْبِيَاء الَّتِي لَهَا الْفضل على

ص: 65

الدُّرَر] ، وغمام الرَّحْمَة الهامية الدُّرَر، إِلَى مُخْتَار الله الْمَخْصُوص باجتبايه، وحبيبه الَّذِي لَهُ المزية على أحبايه، من ذُرِّيَّة أَنْبيَاء الله آبايه. إِلَى الَّذِي شرح صَدره وغسله، ثمَّ بَعثه وَاسِطَة بَينه وَبَين الْعباد، وأرسله، وَأتم عَلَيْهِ إنعامه، الَّذِي أجزله، وَأنزل عَلَيْهِ من [النُّور وَالْهدى] مَا أنزلهُ. إِلَى بشرى الْمَسِيح والذبيح، وملهم التَّجر الربيح، الْمَنْصُور بِالرُّعْبِ وَالرِّيح، الْمَخْصُوص بِالنّسَبِ الصَّرِيح. إِلَى الَّذِي جعله فِي المحول غماما، وللأنبياء إِمَامًا، وشق صَدره لتلقي روح أمره غُلَاما، وَأعلم بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إعلاما، وَعلم الْمُؤمنِينَ صَلَاة عَلَيْهِ وَسلَامًا. إِلَى الشَّفِيع الَّذِي لَا ترد فِي العصاة شَفَاعَته، والوجيه الَّذِي قرنت بِطَاعَة الله طَاعَته، والرؤوف الرَّحِيم، الَّذِي خلصت إِلَى الله فِي أهل الجرايم ضراعته، صَاحب الْآيَات الَّتِي لَا يسع ردهَا، والمعجزات الَّتِي أربى على الْألف عدهَا. فَمن قمر يشق، وجذع يحن لَهُ وَحقّ، وبنان يتفجر بِالْمَاءِ، فَيقوم بري الظماء، [وَطَعَام يشْبع الْجمع الْكثير يسيره، وغمام] يظلل بِهِ مقَامه ومستقره خطيب الْمقَام الْمَحْمُود، إِذا كَانَ الْعرض، وَأول من تشق عَنهُ الأَرْض [ووسيلة الله الَّتِي مَا أقْرض الْقَرْض] وَلَا عرف النَّفْل وَالْفَرْض، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف الْمَحْمُود الْخلال من ذِي الْجلَال، الشاهدة بصدقه صحف الْأَنْبِيَاء وَكتب الْإِرْسَال، وآياته الَّتِي أثلجت الْقُلُوب بِبرد الْيَقِين السلسال، صلى الله عَلَيْهِ، مَا در شارق، وأومض بارق، وَفرق بَين الْيَوْم الشامس وَاللَّيْل الدامس فَارق، صَلَاة تتأرج عَن شذا الدَّهْر، وتنبلج عَن سنا

ص: 66

الْكَوَاكِب الزهر، وتتردد بَين السِّرّ والجهر، وتستغرق سَاعَات النَّهَار، وَأَيَّام الشَّهْر، وتدوم بدوام الدَّهْر، من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أنصاره فِي منتداه، وَبَعض سهامه المفوقة إِلَى [نحور] عداهُ، مُؤَمل الْعتْق من النَّار بِشَفَاعَتِهِ، ومحرز طَاعَة الْجَبَّار بِطَاعَتِهِ، الآمن باتصال رعيه، من إهمال الله وإضاعته، متخذ الصَّلَاة عَلَيْهِ وسايل نجاة، وذخاير فِي الشدايد أَي مرتجاة، ومتاجر بضايعها غير مزجاة، الَّذِي مَلأ بحبه جوانح صَدره، وَجعل فكره هَالة لبدره، وَأوجب قدره، على قدر العَبْد لَا على قدره، مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْأنْصَارِيّ الخزرجي، نسيب سعد بن عبَادَة من أَصْحَابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دَار هجرته، ظلله الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر، من رضاك عَنهُ، بظلال الْأمان، كَمَا أنار قلبه من هدايتك بأنوار الْهدى وَالْإِيمَان، وَجعله من أهل السياحة فِي فضاء حبك والهيمان. كتبه إِلَيْك يَا رَسُول الله، واليراع يَقْتَضِي مقَام الهيبة، صفرَة لَونه، والمداد يكَاد أَن يحول سَواد جونه، وورقة الْكتاب، يخْفق فؤادها حرصا على حفظ اسْمك الْكَرِيم وصونه، والدمع يقطر، فتنقط بِهِ الْحُرُوف، وتفصل الأسطر، وتوهم المثول بمثواك الْمُقَدّس، لَا يمر بالخاطر سواهُ وَلَا يخْطر، عَن قلب بالبعد عَنْك قريح، وجفن بالبكاء جريح، كلما هَب من أَرْضك نسيم ريح، وانكسار لَيْسَ لَهُ إِلَّا جبرك، واغتراب لَا يُونُس فِيهِ إِلَّا قربك، وَإِن لم يقْض فقبرك. وَكَيف لَا يسلم فِي مثلهَا الأسى، ويوحش الصَّباح المسا، ويرجف جبل الصَّبْر بعد مَا رسى، لَوْلَا وَلَعَلَّ وَمَا وَعَسَى. فقد سَارَتْ الركاب إِلَيْك، وَلم يقْض مسير، وحومت الأسراب عَلَيْك، والجناح كسير، ووعدت الْأَمْلَاك فأخلفت، وَحلفت العزايم،

ص: 67

فَلم تف بِمَا حَلَفت، وَلم تحصل النَّفس من تِلْكَ الْمعَاهد ذَات الشّرف الأمثل، إِلَّا على التَّمْثِيل، وَلَا من المعالم الملتمسة التَّنْوِير، إِلَّا على التَّصْوِير، مهبط وَحي الله، ومتنزل أسمايه، ومتردد ملايكة سماية، ومرافق أوليائه، وملاحد خيرة [أَصْحَاب] أنبيائه، رَزَقَنِي الله الرضى بقضايه، وَالصَّبْر على جاحم الْبعد ورمضايه.

من حَمْرَاء غرناطة [حرسها الله] دَار ملك الْإِسْلَام بالأندلس، قاصيه سبلك، ومسلحة رجلك، يَا رَسُول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك، ومساحب ذيلك، حَيْثُ مصَاف الْجِهَاد، فِي سَبِيل الله وسبيلك، قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطلعت مِنْهُ الإعتام، وأسواق بيع النُّفُوس من الله، قد تعدد لَهَا الأيامي والأيتام، حَيْثُ الْجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، وَالشُّهَدَاء تحف بهَا الْحور، والأمم الغريبة، قد قطعتها عَن المدد البحور، حَيْثُ المباسم المفترة، تجلوها المصارع الْبرة، فتجيبها بالعدا ثغور الأزاهر، وتندبها المفترة، تجلوها المصارع الْبرة، فتجيبها بالعدا ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح، برنات تِلْكَ المزامر، [وتحلى السَّحَاب أشلاؤها المعطلة من طلها بالجواهر] حَيْثُ الْإِسْلَام من عدوه المكايد بِمَنْزِلَة قَطْرَة من عَارض غمام، وحصاة من نثير أَو سمام، وَقد سدت الطَّرِيق، وَأسلم للفراق الغريق، وأغص الرِّيق، ويئس من السَّاحِل الغريق. إِلَّا أَن الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْجِهَة المستمسكة بِحَبل الله وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سَالم وَالْحَمْد لله من الانصداع، محروس بِفضل الله من الابتداع، مقدود من جَدِيد الْملَّة، مَعْدُوم فِيهِ وجود الطوايف المضلة، إِلَّا مَا يخص الْكفْر من هَذِه الْعلَّة، والاستظهار على جمع

ص: 68

الْكَثْرَة من جموعه بِجمع الْقلَّة. ولهذه الْأَيَّام يَا رَسُول الله أَقَامَ الله أوده برا بِوَجْهِك الْوَجِيه، ورعيا، وإنجازا [بوعدك وسعيا] ، وَهُوَ الَّذِي لَا يخلف وَعدا، وَلَا يخيب سعيا، وَفتح لنا فتوحات، أشعرتنا بِرِضَاهُ عَن وطننا الْغَرِيب، وبشرتنا مِنْهُ تَعَالَى بتغمد التَّقْصِير ورفيع التثريب، وَنَصَرنَا وَله الْمِنَّة، على عَبدة الصَّلِيب، وَجعل لألفنا الرديني، ولامنا السردي حكم التغليب. وَإِذا كَانَت الموالى الَّتِي طرقت الْأَعْنَاق مننها، وقررت العوايد الْحَسَنَة سَيرهَا وسننها. تبادر إِلَيْهَا نوابها الصرما، وخدامها النصحا، بالبشاير والمسرات، الَّتِي تشاع فِي العشاير، وتجلو لَدَيْهَا نتايج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها ونهاديها بمجابى جناتها، وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بِطرف بواديها، فبابك يَا رَسُول الله أولى بذلك وأحق، وَلَك الْحق الْحق، وَالْحر منا عَبدك المسترق. حَسْبَمَا سجله الرّقّ، وَفِي رضاك من كل من يلْتَمس رِضَاهُ المطمع، ومثواك الْمجمع. وملوك الْإِسْلَام فِي الْحَقِيقَة عبيد سيرتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بِالْحَسَنَاتِ المحملة، وشهب تعشى إِلَيّ بدورك المكملة، ومحض سيوفك المقلدة فِي سَبِيل الله المحملة، وحرسة مهادك، وَسلَاح جهادك وبروق عهادك. وَإِن مكفول احترامك الَّذِي لَا يخفر، وربي إنعامك الَّذِي لَا يكفر، وملتحف جهادك الَّذِي بمجاذيته بشفاعتك إِن شَاءَ الله وَيغْفر، يطالع رَوْضَة الْجنَّة، المفتحة أَبْوَابهَا بمثواك، ويفاتح رضوَان الْقُدس الَّذِي أحبك وحواك، وينشر بضايع الصَّلَاة عَلَيْك بَين يَدي الضريح الَّذِي طواك، وبعرض جنى مَا غرست

ص: 69

وبذرت، ومصداق مَا بشرت بِهِ [لما بشرت] وأنذرت، وَمَا انْتهى إِلَيْك طلق جهادك، ومصب عمادك، لتقر عين نصحك الَّذِي أَنَام الْعُيُون الساهرة هجوعها، وَأَشْبع الْبُطُون وَرَوَاهَا ظمأها، من الله وجوعها. وَإِن كَانَت الْأُمُور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بَين إفصاحها وكنايتك، ومحملة يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك] وَبلغ وسيلتي إِلَيْك] ، وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ، لما عرفني لطفه الْخَفي فِي التمحيص الْمُقْتَضى عدم المحيص، ثمَّ فِي التَّخْصِيص المغنى بعيانه عَن التَّنْصِيص، وَوَافَقَ ببركاتك السارية رحماها فِي الْقُلُوب، ووسايل محبتك العايدة بنيل الْمَطْلُوب، إِلَى استفادة عظة وَاعْتِبَار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بِاللَّه واستنصار، فسكن هبوب الْكفْر بعد إعصار، وَحل مخنق الْإِسْلَام بعد حِصَار. وَجَرت على سنَن السّنة بِحَسب الِاسْتِطَاعَة والْمنَّة السِّيرَة، وجبرت بجاهك الْقُلُوب الكسيرة، ويسرت المآرب العسيرة، وَرفع بيد الْعِزَّة الضيم، وكشف بِنور البصيرة الْغَيْم، وَظهر الْقَلِيل على الْكثير، وباء الْكفْر بخطة التعثير، واستوى الدّين الحنيف على المهاد الوثير. فاهتبلنا يَا رَسُول الله غرَّة الْعَدو وانتهزناها، وشمنا صوارم [عزة الْعَدو] وهززناها، وَأَرِحْنَا علل الجيوش وجهزناها، فكانء

ص: 70

مَا ساعد عَلَيْهِ الْقدر، والحظ المبتدر، والورد الَّذِي حسن مِنْهُ الصَّدْر، أننا عاجلنا مَدِينَة برغة، وَقد جدعت الْأُخْتَيْنِ، مالقة ورندة، من مداين دينك، وخزاين ميادينك أكواس الْفِرَاق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور على الطراق، وأسالت المسيل بالنجيع المراق، فِي مراصد المُرَاد والمذاق، ومنعت المراسلة مَعَ هدى الْحمام، لَا بل مَعَ طيف الْمَنَام، عِنْد الإلهام، فيسر الله اقتحامها، وألحمت بيض الشفار، فِي رُؤُوس الْكفَّار ألحامها، وأزالت بشر السيوف من بَين تِلْكَ الْحُرُوف أقحامها، فَانْطَلق المسرى، واستبشرت الْقَوَاعِد الحسرى، وعدمت طريقها المخيف مصَارِع الصرعى [ومثاقب الأسرى] ، وَالْحَمْد لله على فَتحه الْأَسْنَى ومنحه الأسرى، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، هُوَ منفل قَيْصر وكسرى، وفاتح مغلقاتها المنيعة قسرا، وَاسْتولى الْإِسْلَام مِنْهَا على قَرَار جنَّات، وَأم بَنَات، وقاعدت حصون، وشجرة غصون، طهرت مساجدها المغتصبة المكرمة، وفجع فِيهَا الْفِيل إِلَّا فيل أَبْرَهَة، وَانْطَلَقت بِذكر الله أَلْسِنَة المذرهة، وفاز بسبق ميدانها جياده الفرهة، هَذَا وطاغية الرّوم، على توفر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بِحَيْثُ يتَّصل خواره [وَقد عَرك إِلَيْهَا الْحِين حواره] ثمَّ نَازل الْمُسلمُونَ، بعْدهَا شجا الْإِسْلَام الَّذِي أعيا النطاسي علاجه، وكر هَذَا الْقطر الَّذِي لَا يطاول أَعْلَامه، وَلَا يصاول أعلاجه، وركاب الغارات

ص: 71

الَّتِي تطوي المراحل، إِلَى مكايدة الْمُسلمين طي البرود، وجحر الْحَيَّات الَّتِي لَا تخلع على اخْتِلَاف الْفُصُول، جُلُود الزرود، ومنغص الْوُرُود، فِي العذب البرود، ومقض الْمضَاجِع، وحلم الهاجع، ومجز الْخطب الفاجي الفاجع ومستدرك فاتكة الرَّاجِع قبل هبوب الطاير الساجع، حصن أشر حماه الله، دُعَاء لَا خَبرا، كَمَا جعله للمتفكرين فِي قدرته مُعْتَبرا، فأحاطوا بِهِ إخاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذِي الْعَرْش الْمجِيد، وحفت بِهِ الرَّايَات يسمهَا وسمك، [ويلوح فِي صفحاتها اسْم الله واسمك] ، فَلَا ترى إِلَّا نفوسا تتزاحم على موارد الشَّهَادَات أسرابها، وليوثا يصدق طعناها فِي الله وضرابها، وَأرْسل الله عَلَيْهَا رجزا إسرايليا من جَراد السهاد، تشذ آيَاته عَن الأفهام، وسدد إِلَى جبل النُّفُوس الْقَابِلَة للإلهام، من بعد الإستغلاق والاستبهام، وَقد عبئت جوارح صخوره فِي قنايص الْهَام، وأعيا صعبه على الْجَيْش اللهام، فَأخذ مسايفة النَّقْض والنهب، ورغا فَوق أَهله الصقب، ونصبت المعارج والمراقي، وفرغت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون من الله الْحَظ الْبَاقِي، وَقَالَ الشَّهِيد المسابق يَا فوز استباقي. وَدخل الْبَلَد، فألحم السَّيْف، واستلب البحت والزيف، ثمَّ استخلصت القصبة، فعلت أعلامك فِي أبراجها المشيدة، وظفر نَاشد دينك مِنْهَا بالنشيدة، وشكر الله فِي قَصدهَا مساعي النصايح الرشيدة، وَعمل مَا يرضيك يَا رَسُول الله فِي سد ثلمها، وهون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصا على الِاقْتِدَاء فِي مثلهَا بأعمالك والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فِيهَا الحماة، تشجي

ص: 72

الْعَدو، وتواصل فِي [مرضاة الله و] مرضاتك الرواح والغدو. ثمَّ كَانَ الْغَزْو إِلَى مَدِينَة إطريرة، بنت حَاضِرَة الْكفْر إشبيلية، الَّتِي أظلتها بالجناح السَّاتِر. وأنامتها فِي ضَمَان الْأمان للحسام الباثر. وَقد وتر الْإِسْلَام من هَذِه المومسة البايسة، فوتر الواتر، وأحفظ مِنْهَا بَادِي الوقاح المهاتر، لما جرته على أسراره من عمل الخاتر الخاتر، [حسب الْمَنْقُول المقبول لَا بل الْمُتَوَاتر] ، فطوى إِلَيْهَا الْمُسلمُونَ المدا النازح، وَلم يشك الْمطِي الروادح، وَصدق الْجد جدها المازح، وخفقت فَوق أوكارها أَجْنِحَة الْأَعْلَام، وغشيتها أَفْوَاج الملايكة المسومة، وظلل الْغَمَام، وصابت من السِّهَام ودق الرغام، وَكَاد يَكْفِي السَّمَاء على الأَرْض ارتجاج جوانحها بِكَلِمَة الْإِسْلَام، وَقد صم خَاطب عروس الشَّهَادَة، عَن الملام، وسمح بالعزيز المصون، فَبَايع الْملك العلام، وَتكلم لِسَان الْحَدِيد الصَّامِت، وَصمت إِلَّا بِذكر الله لِسَان الْكَلَام، وَوقت الأوتار بالأوتار وَوصل بالخطا ذرع الْأَبْيَض البتار، وسلطت النَّار على أَرْبَابهَا، وَأذن الله فِي تبار تِلْكَ الْأمة وتبابها، ونزلوا على حكم السَّيْف آلافا. بعد أَن أتلفوا بِالسِّلَاحِ إتلافا، واستدعيت الْمُقَاتلَة كثافا، ونزلوا فِي الجول أكتافا أكتافا، وحملت العقايل والخرايد والولدان والولايد، إركابا من فَوق الظُّهُور وإردافا، وأقلت مِنْهَا أفلاك الحمول بدورا تضيء من ليَالِي المحاق أسدافا، وأمتلأت الْأَيْدِي من الْمَوَاهِب والغنايم، بِمَا لَا يصوره حلم النايم، وَتركت العوافي تتداعى إِلَى تِلْكَ الولايم، وتتفتك من مطامعها

ص: 73

فِي الملايم، وشنت الغارات على حمص، فجللت خَارِجهَا مغارا، وكست كبار الرّوم بهَا صغَارًا، وأحجرت أبطالها إحجارا، واستاقت من النعم مَا لَا يقبل الْحصْر استبحارا، وَلم يكن إِلَّا أَن عدل الْقسم، واستقل [بِالْقبُولِ الْعَزِيز] ، الرَّسْم، ووضح من التَّوْفِيق الوسم. وَكَانَت الْحَرَكَة إِلَى قَاعِدَة جيان، قيمعة الظل الْأَبْرَد، ونسيجة المنوال الْمُفْرد، وكناس الْقَيْد الخرد وكرسي الْإِمَارَة وبحر الْعِمَارَة، ومهوى هوى الْغَيْث الهتون، وحزب التِّين وَالزَّيْتُون، حَيْثُ خَنْدَق الْجنَّة الْمَعْرُوف، تَدْنُو لأهل النَّار مجانيه، وتشرق بشواطي الْأَنْهَار إشراق الأزهار وزهر مبانيه، والقلعة الَّتِي تختمت بنان شرفاتها بخواتم النُّجُوم، وهمت من دون سحابها الْبيض سحايب الْغَيْث السجوم، والعقيلة الَّتِي أبدى الْإِسْلَام يَوْم طَلاقهَا، وهجوم فراقها، سمة الوجوم [لذَلِك الهجوم فرمتها الْبِلَاد الْمسلمَة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت مُنَادِي دعوتك الصادقة الصادعة وحيتها بالفادحة البارعة] ، فغصت الرِّبَا والوهاد بِالتَّكْبِيرِ والتهليل، وتجاوبت الْخَيل بالصهيل، وانهالت الجموع [المجاهدة فِي الله] ، انهيال الكئيب المهيل، وفهمت النُّفُوس المجاهدة فِي الله حق الْجِهَاد، مَعَاني التَّيْسِير من رَبهَا والتسهيل، وسفرت الرَّايَات عَن المرأى الْجَمِيل، وأربت المحلات المسلمات على التأميل. وَلما صبحتها النواصي الْمُقبلَة الْغرَر، والأعلام المكتتبة الطرر، برز حاميتها مصحرين، وللحوزة المستباحة مستنصرين، وكاثرهم من سرعَان الْأَبْطَال رجل

ص: 74

الدبا، وَبنت الوهاد والربا، فأقحموهم من وَرَاء السُّور، وأسرعت أَقْلَام الرماح فِي بسط عَددهمْ المكسور، وَتركت صرعاهم ولائم للنسور، ثمَّ اقتحموا ربض الْمَدِينَة الْأَعْظَم، ففرعوه، وجدلوا من دَافع عَن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرعوه. وَلم يتَّصل أولى النَّاس بأخراهم، وكمل، بمخيم النَّصْر الْعَزِيز سراهم، حَتَّى خذل الْكفَّار الصَّبْر، وَأسلم الْجلد، وَنزل على الْمُؤمنِينَ النَّصْر، فَدخل الْبَلَد، وطاح فِي السَّيْل (الجارف] ، الْوَالِد وَالْولد والتهم الْمطرف والمتلد، فَكَانَ هولا بعيد الشناعة، وبعثا كقيام السَّاعَة، أعجل المجانيق عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود، والسلالم عَن مطاولة النجُود، وَالْأَيْدِي عَن ردم الْخَنَادِق والأغوار، والأكبش عَن مناطحة الأسوار، والنفوط عَن إصعاق الْكفَّار وَعمد الْحَدِيد، ومعاوز الباس الشَّديد، عَن نقب الأبراج، وَنقض الْأَحْجَار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشيب والشبان، وَكسرت الصلبان، وفجع بِهَذَا الكنايس والرهبان، وأهبطت النواقيس من مراقيها الْعَالِيَة، وصروحها المتعالية وخلعت ألسنتها الكاذبة، وَنقل مَا استطاعته الْأَيْدِي المتجاذبة وعجزت عَن الأسلاب ذَوَات الظُّهُور، وجلل الْإِسْلَام شعار الْغَزْو والظهور، بِمَا خلت عَن مثله سوالف الأعوام والشهور، وأعرست الشُّهَدَاء من النُّفُوس الْمَبِيعَة، [من الله] ، نحل الصَّدقَات الصادقة والمهور. وَمن بعد ذَلِك هدم السُّور، ومحيت من مختطه الْمُحكم السطور، وَكَاد يسير ذَلِك الْجَبَل، الَّذِي اقتعدته الْمَدِينَة، ويدك ذَلِك الطّور. وَمن بعْدهَا خرب الوجار، وعقرت الْأَشْجَار، وعقر الْمنَار، وسلطت

ص: 75

على بَنَات التُّرَاب وَالْمَاء النَّار. وارتحل عَنْهَا الْمُسلمُونَ، وَقد عَمَّتهَا المصايب وأصمى لبتها السهْم الصايب، وظللها القشاعم العصايب، فالذياب فِي اللَّيْل البهيم تعْمل، والضباع من الحدب الْبعيد تنسل، وَقد ضَاقَتْ الجدل عَن المخانق وَبيع الْعرض الثمين بالدانق، وسبكت إسورة الأسوار، وسويت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سَرَايَا الغوار. وحجبت بالدخان مطالع الْأَنْوَار، وَتَخَلَّفت قاعتها عِبْرَة للمعتبرين، وعظة للناظرين، وَآيَة للمستبصرين، ونادى لِسَان الحمية يالثارات الْإسْكَنْدَريَّة، فَأَسْمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين. ثمَّ كَانَت الْحَرَكَة إِلَى أُخْتهَا الْكُبْرَى، ولدتها الحزينة عَلَيْهَا العبرى، مَدِينَة أبدة، دَار الْعمرَان المستبحر، والربض الحري الْمحصر، والمباني الشم الأنوف، وعقايل المصانع الجمة الحلى والشنوف، والغاب الأنوف، وبلد التَّجر، والعسكر المجر، وأفق الضلال الْفَاجِر الْكَذِب على الله، الْكَاذِب الْفجْر، فجدل الله حاميته، الَّتِي يعي الحسبان عَددهَا، وَشَجر بحورها الَّتِي لَا يرام مدها، وحقت عَلَيْهَا كلمة الْإِسْلَام، فَلَا يُسْتَطَاع ردهَا، فَدخلت لأوّل وهلة، واستوعب [جمعهَا] ، والْمنَّة لله، فِي نهلة، وَلم يَك للسيف من عضب عَلَيْهَا وَلَا مهلة. فَلَمَّا تنَاولهَا العفاء والتخريب، واجتاحها الْفَتْح الْقَرِيب، وَأسْندَ عَن عواليها حَدِيث النَّصْر الْحسن الْقَرِيب،

ص: 76

وأقعدت أبراجها من بعد الْقيام والانتصاب، وأضرعت مسايغها لهول الْمُصَاب، انْصَرف عَنْهَا الْمُسلمُونَ بِالْفَتْح، الَّذِي عظم صيته، والعز للَّذي سما طرفه، واشرأب ليته، وَالْقصر الَّذِي حمد مسراه ومبيته، وَالْحَمْد لله ناظم الْأَمر، وَقد رأب شتيته، وَجَابِر الْكسر، وَقد أفات الْجَبْر مفيته. ثمَّ كَانَ الْغَزْو إِلَى أم الْبِلَاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة، وَمَا أَدْرَاك مَا قرطبة. الْمَدِينَة، الَّتِي على عمل أَهلهَا فِي الْقَدِيم، بِهَذَا الإقليم، كَانَ الْعَمَل، والكرسي الَّذِي بفضله أرعى الهمل، والمصر الَّذِي لَهُ فِي خطة الْمَعْمُور النَّاقة والجمل، والأفق الَّذِي هُوَ لشمس الْخلَافَة العبشمية الْحمل، فخيم الْإِسْلَام بعنوتها المستباحة، وَأَجَازَ نهرها المعيي على السياحة، وَعم دوحها الأشف بوارا، وأدار المحلات بسورها سوارا، وَأخذ بمخنقها حصارا، وأعمل النَّصْر بشجر نصلها، اجتناء مَا شَاءَ الله واهتصارا، وجدل من أبطالها من لم يرض الحجار، فأعمل إِلَى الْمُسلمين إحصارا، حَتَّى فرع بعض جهاتها غلابا جهارا [وَرفعت الْأَعْلَام إعلاما بعز الْإِسْلَام وإظهارا] ، فلولا استهلال الغوادي، وَإِن أَتَى الْوَادي، لأفضت إِلَى فتوح الْفتُوح تِلْكَ المبادىء، وأمضى تفئة العاكف والبادي، فَاقْتضى الرَّأْي، ولذنب الزَّمن بِفضل الله فِي اغتصاب الْكفْر إِيَّاهَا متاب، تعْمل ببشراه اقتاد واقتاب، وَلكُل أجل كتاب، أَن يراض صعبها، حَتَّى يعود ذلولا، وتعفى معاهدها الآهلة، فَتتْرك طلولا، فَإِذا فجع الله بمارج النَّار طوايفها المارجة، وأباد نجارجها الطايرة والدارجة، خطب السَّيْف مِنْهَا أم خَارِجَة. فَعِنْدَ ذَلِك أطلقنا بهَا أَلْسِنَة النَّار، ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت، والغلات المستغلات، قد دَعَا بهَا أهل الْفضل فَمَا ارتابت

ص: 77

وَكَأن صفيحة نهرها، لما أضرمت النَّار خفافي ظهرهَا ذَابَتْ، وحية فرت أَمَام الْحَرِيق وانسابت، وَتَخَلَّفت لغمايم الدُّخان عمايم، تلويها برءوس الْجبَال، أَيدي الرِّيَاح، وتنثرها [بعد الركود] ، أَيدي الاجتياح. وأغرينا، بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة، جنود الْجُوع، وتوعدت بِالرُّجُوعِ، فسلبت أَهلهَا لتوقع [الهجوم] ، منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثدي الْبُؤْس راضعة، وَالله يوفد بِخَبَر فتحهَا الْقَرِيب ركاب البشري، وينشر رَحمته قبلنَا نشرا. وَلِهَذَا الْعَهْد، يَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْك، وَبلغ وسيلتي إِلَيْك بلغ [عز] ، هَذَا الْقطر المرتدي بجاهك، الَّذِي لَا يذل من ادرعه، وَلَا يضل من اهْتَدَى بالسبيل الَّذِي شَرعه، إِلَى أَن لاطفنا ملك الرّوم، بأَرْبعَة من الْبِلَاد، كَانَ الْكفْر قد اغتصبها، وَرفع التماثيل ببيوت الله ونصبها، فانجاب عَنْهَا [بنورك] الحلك، وَدَار بإدالتها إِلَى دعوتك الْفلك، وَعَاد إِلَى مكاتبها الْقُرْآن، الَّذِي نزل بِهِ على قَلْبك الْملك، فَوَجَبت مطالعة مقرك النَّبَوِيّ بأحوال هَذِه الْأمة المكفولة فِي حجرك، المفضلة بإدارة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك، وَهل هُوَ إِلَّا ثَمَرَات سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبك ورضاك، الْكَفِيل بِرِضا رَبك، وغمام رعدك، وإنجاز وَعدك، وشعاع من نور سعدك، وبر رعي رعيه من بعْدك، وَنصر رَايَتك، وَأثر حمايتك ورعايتك. واستنبت هَذِه الرسَالَة، مانحة بَحر الندى الْمَمْنُوع، ومفاتحته بإبداء الْهدى بِفَتْح الْفتُوح، وقارعة الْمظَاهر والصروح، وباقية الرحل، بمتنزل المليكة وَالروح، لتمد إِلَى

ص: 78

قَلْبك يَد استمناح، ويطير إِلَيْك من الشوق الحثيث بجناح، ثمَّ تقف موقف الانكسار، فَإِن كَانَ تجرها آمنا من الخسار، وَتقدم بأنس، ويحجم بوحشة الغربة، وَيحبس لطول الْغَيْبَة، وَتقول أرْحم بعد دَاري، وَضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وعلق أَعْطَانِي، وَقلة زادي، وفراغ مزادي، وَتقبل وَسِيلَة اعْتِرَاف وتغمد صفوة اقترافي، وَعجل بِالرِّضَا انصراف تحملي لَا انصرافي، فكم جبت من بَحر زاخر، وقفر بالركاب ساخر، وحاشى لله أَن يخيب قاصدك، أَو يتخطاي معاضدك، أوتطردني موايدك، أَو تضيق عني عوايدك. ثمَّ تمد الْيَد مقتبضة من يَد رحمتك، مستدعية دُعَاء من حضر من أمتك، وأصحبتها يَا رَسُول الله، عرضا من النواقيس الَّتِي كَانَت بِهَذِهِ الْبِلَاد المفتتحة، تعين الْإِقَامَة وَالْأَذَان، وَتسمع الأسماع الضَّالة وَالْأَذَان، مِمَّا قبل الْحَرَكَة، وَسَالم المعركة، وَمكن من نَقله الْأَيْدِي الْمُشْتَركَة، وَاسْتحق بالقدوم عَلَيْك، وَالْإِسْلَام بَين يَديك السَّابِقَة فِي الْأَزَل وَالْبركَة. وَمَا سواهُ فَكَانَت جبالا عجز عَن نقلهَا الهندام. فنسخ وجودهَا الإعدام. وَهِي يَا رَسُول الله جنى من جنانك، وَرطب من أفنانك، وَأثر ظهر عَلَيْهَا من مسحة حنانك، هَذِه هِيَ الْحلَل والانتحال، والعايق أَن تشد الرّحال، ويعجل الترحال إِلَى أَن نلقاك فِي عرصات الْقِيَامَة شَفِيعًا، وَنحل بجاهك إِن شَاءَ الله محلا رفيعا، ونقدم فِي زمرة الشُّهَدَاء الدامية كلومهم من أَجلك، الناهلة غللهم فِي سجلك، ونبتهل إِلَى الله، أطلعك فِي سَمَاء الْهِدَايَة سِرَاجًا، وَأَعْلَى لَك فِي السَّبع الطباق معراجا، وَأم الْأَنْبِيَاء مِنْك بِالنَّبِيِّ الْخَاتم، وقفي على آثَار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أَلا يقطع عَن هَذِه الْأمة الغريبة أسبابك، وَلَا يسد فِي وجوهها أبوابك، ويوفقها لاتباع هداك وَيثبت أَقْدَامهَا على جِهَاد عداك. وَكَيف نعدم ترفيها، أَو نخشى بسخا وَأَنت موفيها، أَو يعذبها الله وَأَنت فِيهَا. وَصَلَاة الله تحيط بفنايك رحال طيبها، وتبذر فِي ناديك شقايق خطيبها، مَا أذكر الصَّباح

ص: 79

الطلق هداك، والغمام السكيب نداك، وَمَا حن مشتاق للثم ضريحك. وفليت نسيمات الأسحار عَمَّا أشرقت من ضريحك، وَكتب فِي كَذَا.

ص: 80