الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة
[صدر عني كتاب عَن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر، إِلَى ملك الْمغرب السُّلْطَان أبي عنان ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن] نَصه بعد الْفَاتِحَة.
الْمقَام الَّذِي مآثره الْعلية، لَا تحصى، ومكارمه [السّنيَّة عَمت] ، الْأَدْنَى والأقصى، وَأَحْكَام مجده ثبتَتْ فِي كتاب الْفَخر نصا، وبدور سعده، لَا تخَاف بِفضل الله نقصا، وعزايمه فِي نصر دين الْإِسْلَام، تروض من صرف الْأَيَّام مَا استعصا، وتقضي للدّين دينه الممطول مستقصا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نجحت آمال الْإِسْلَام فِي الِاسْتِعَانَة بجلاله، وصدقته، مخيلته فِي فِي كرم خلاله، وخلصت فِي سَبِيل الله زاكيات أَعماله، وابتدر إِلَى الإصراخ والإنجاد وَالْجهَاد فِيهِ حق جهاده، بمواعيده الصادقة وعزايمه المتلاحقة وأمواله. [السُّلْطَان الكذا] ، أبقاه الله يجلو بِنور سعده كل خطب، ويحيي بوعده ميت الرجا فِي كل قلب، ويروض بيمن نقيبته كل صَعب، وينسى بمكارمه ذكر حَاتِم وَكَعب، ويسحب أذيال عزه فِي كل سلم وَحرب، وَيضْرب قداح النَّصْر فِي مأزق كل طعن وَضرب، موفى مَا يجب لمقامه من الْبر الْمَفْرُوض المحتوم، وإمحاض الود الَّذِي لَا يعى الظَّاهِر مِنْهُ بالمضمر، وَلَا الْمكنون مِنْهُ بالمكتوم،
الْمثنى على فَضله الْمَشْهُور، ومجده الْمَعْلُوم، فلَان، سَلام كريم طيب عميم، كَمَا طلع وَجه الصَّباح الْمشرق، وقرع أَشهب الْفجْر ثنية الْمشرق، وهب نسيم الصَّباح، مشقق الجيب، مخلق المفرق، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله، ولي المحامد على اخْتِلَاف الْأَنْوَاع مِنْهَا والأجناس، ومسنى الصنايع الكافية والألطاف الخافية، تجل مسالكها عَن الْقيَاس، ومطلع بوارق الرجا على هَذِه الأرجاء عِنْد اعتكار ظلام الياس، ومنجد كلمة التَّوْحِيد فِي هَذَا الْقطر الْغَرِيب الوحيد، بِكُل موازر من أوليائه ومواس، فمواهب عنايته سُبْحَانَهُ لأهل هَذِه الْأَمْصَار، على مر الْأَعْصَار ضافية اللبَاس، وَرَحمته لمن بهَا من الْمُسلمين كفيلة بانسكاب النعمى وَذَهَاب الباس. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله، أكْرم الرُّسُل من شيت إِلَى إلْيَاس، المبتعث من، خير أمة أخرجت للنَّاس، هادي الْخلق إِلَى سَبِيل الْحق فِي ليل الشَّك والالتباس، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأسرته وأحزابه، غيوث الندى وليوث لِبَاس، الَّذين رفعوا معالم سنته من بعده على أوثق أساس، وخلفوه فِي أمته بالنصر الْمَاضِي الصوارم، والجود الهامي الغمايم، وَالْعدْل القايم القسطاس، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بعز يذل مصاعب الْأَمَانِي من بعده مصاعب الشماس، وَنصر تهب بِهِ ريح الصِّبَا بَين، سحايب القتام، وبوارق الظبا متأرجة الأنفاس، وتتبارى فِي ترديد وَصفه وتجويد رصفه، جِيَاد اليراع فِي ميدان القرطاس. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لسلطانكم الْعلي سَعْدا وثيق المباني، ونصرا كريم الْأَلْفَاظ والمعاني، وصنعا كَفِيلا لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، بنيل الأوطار وبلوغ الْأَمَانِي، وَعزا تخفق ظلاله على الأقاصي والأداني. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، ومسرة اتِّصَال الْيَد بسلطانكم الأسعد، للصدور
شارحة، [وَفِي عوالم الْأَرْوَاح سَارِيَة بارحة] ، ولآيات السَّعَادَة والصنايع الْمُعَادَة، قارحة فِي الْقُلُوب إِلَى ظلالها الوارفة جانحة، والعيون لأنوارها الْبَادِيَة لامحة، والألسن بشكرها مادحة، والنفوس فِي انتشاق رياها، [ومعاطاة محياها] تصل الْيَوْم الغادي بالليلة البارحة. وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وَعِنْدنَا لمقامكم الْعلي، ود صفت موارده العذبة ومشارعه، وإخلاص كَأَنَّهُ الصُّبْح أشرقت مطالعه، وثناء تأرج فِي الأرجاء ذايعة. فَنحْن نعتد بذلك الْملك، الْكَرِيمَة فِي الدّين صنايعه، وتؤمل أصراخه إِذا رَاع الْإِسْلَام رايعه، ونلتمس مِنْهُ علاج هَذَا الْقطر إِذا اضْطَرَبَتْ طبايعه. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم عوايد النَّصْر على أعدايه، وَجعل عزمكم كَفِيلا للدّين ببرء دايه وَإجَابَة ندايه. فإننا ورد علينا كتابكُمْ الَّذِي موقعه عِنْد الْعَدو موقع الكتايب، وخطابكم الْمُشْتَمل على المواعد الصادقة، والعزايم المتلاحقة، والمكارم الغرايب فاجتلينا مِنْهُ سَحَابَة جود صابت على الأرجاء، وتألقت من خلالها بروق الرَّجَاء، وردنا مِنْهُ رَوْضَة تعاهدتها الغمايم. وتفتحت عَن أزهارها الصَّفْرَاء والبيضاء مِنْهَا [الكمايم، فأهلا بِهِ من خطاب، تباري فِي ميدان الْكَمَال قَوْله وَفعله، واشتمل بحلة الْفضل الَّذِي أَنْتُم أَهله، وَشهِدت أغراضه بِمَا لكم من الْملك الرفيع مَحَله، والعز المديد ظله، ونطق بإجابة دَاعِي الله وَرَسُوله مضمنه كُله، أعَاد فِي شرح مكارمكم الحافلة، وَأبْدى وأسدى من كرم الْخلَّة مَا أسدى، وَأهْدى من نفايس الْمُوَالَاة وَالْأَمْوَال، وَصدق الْأَفْعَال، والأقوال، مَا أهْدى. فَكلما تدبرنا فصوله
وتأملنا مَعَانِيه الَّتِي [شرح الْفَخر بهَا] محصوله، واجتلينا مِنْهُ مَعَاني، أَضَاء سَواد الحبر نورها، وحروفا تحمل المداد ظُهُورهَا، أنفسح لنا فِي إنجاز تِلْكَ المواعد ميدان الأمل، وراقنا تظافر النِّيَّة، فِي تِلْكَ المخاطبة السّنيَّة وَالْعَمَل، وَللَّه مَا تحليتم بِهِ من كرم الذَّات، وَكَمَال الصِّفَات، وسعادة السمات، ومضاء العزمات، وَمَا هيأ الله لكم من الْقبُول فِي الْقُلُوب، والمحبة هِيَ عنوان الْعِنَايَة من علام الغيوب وَمَا أنطق بِهِ الْأَلْسِنَة من الثَّنَاء على رفدكم الْمَوْهُوب، وفضلكم الَّذِي اعْترف الْمَوْجُود بِهِ وَالْوُجُوب، ومجدكم الَّذِي تعاضد مِنْهُ الْمَوْرُوث بالمكسوب، زادكم الله من فَضله المرغوب، وسنى لكم من نصر دينه أقْصَى الْمَطْلُوب. فصدعنا بذلك الْكتاب فِي الحفل الْمَجْمُوع، وأشدنا بفضله المرءى والمسموع، وبثثنا أنس حَدِيثه بَين هَذِه الأقطار والربوع، ليثوب الْوَلِيّ مِنْهُ بِالْخَيرِ الْمَشْفُوع، واليسر الْمعِين الينبوع، وينقلب الْعَدو بالروع المروع، وبحكم مسموعة بتنِكير المعارف، وتكسير الجموع، إِن شَاءَ الله. وَألقى إِلَيْنَا رَسُولكُم الشَّيْخ [القايد أَبُو مهْدي ابْن الزرقا] وصل الله سعادته، وحرس مجادته، مَا قصرتموه على المشافهة، من ألطاف الْبر، ومكنون الود الْكَرِيم السِّرّ، فأبلغ فِي أَحْكَام نَقله، بِمُقْتَضى دينه وعقله، واستوعب مَا تحمله عَنْكُم، بِمَا يَلِيق بِمثلِهِ، وَخرج عَن مضمن تِلْكَ الرسَالَة الْكَرِيمَة كُله، وَبسط لنا القَوْل إرسالنا الآيبون [صحبته من بَابَكُمْ الْكَرِيم أعزهم الله] فِيمَا وردوا عَلَيْهِ، من السهل والرحب، والمكارم الهامية السحب، وَمَا تلقوهُ من
عزايمكم الَّتِي تقذف الْعَدو بِالرُّعْبِ. فتقرر لدينا امتعاض مقامكم الْكَبِير الْجَلالَة، الشهير البسالة، واستنبطنا أَحْكَام النَّصْر من ذَلِك التَّلْقِين الْمُبين وَتلك الرسَالَة. وَهَذِه الْبِلَاد أيدكم الله، إِنَّمَا استمسكت [بِأَسْبَاب تِلْكَ] الإبالة، واستركبت بَرَكَات مكارمها المنثالة، فأكف سكانها على اخْتِلَاف أزمانها إِلَى تِلْكَ العزايم الْمَاضِيَة تُشِير، وبتلك الهمم الْعَالِيَة، مهمي طرقها الْهم تستجير، وَقُلُوب الْمُسلمين فِيهَا إِلَى عوايد سلفكم الْأَرْضين تجنح، ونفوسهم لَا تزَال تلوذ مِنْهُم بِمن يمْنَع ويمنح، فَإِذا كَيفَ الله لَهَا مثلكُمْ من لباب ذَلِك العنصر الطَّاهِر، وخلاصة الْملك العالي الظَّاهِر، [فقد جبر الْقُلُوب، وَبلغ الْمَطْلُوب] . أمتعنا الله بعصمة مجدكم وَعرف الْإِسْلَام بركَة سعدكم، وإنجاز وَعدكُم. وَمن الِاتِّفَاق الَّذِي عددناه من سَعَادَة هديتكم، وحسبناه من آثَار نيتكم، مَا كَانَ من مُشَاهدَة رَسُولكُم، أعزه الله، قفول الْجَيْش بحضرتنا من غَزْوَة أغزيناه إِيَّاهَا إِلَى جِهَات عَدو الشرق، أبعد فِيهَا المغار، وسام من بهَا من الرّوم الصغار، وَأطلق فِي أوطانها السَّيْف وَالنَّار، واستباح جملَة من الْقرى بأحواز مَدِينَة الكرس، ركبت إِلَيْهَا سراياه ظهر اللَّيْل، وأطلعت بمطالع فجرها قبل غرَّة الصَّباح غور الْجَبَل. وباكرت أبكارها وعونها بِالْوَيْلِ، ونالت من حماتها أعظم النّيل، وأدارت على متدبريها أكواس المنايا، واستاقت النِّسَاء والحريم سَبَايَا، ودوخت أَرضًا، خطب الْقدوم عَلَيْهَا شَدِيد، وعهدها بسيوف الْمُسلمين بعيد، كل ذَلِك بِقُوَّة الله سُبْحَانَهُ وَحَوله، وفضله السابغ وَطوله، وبركة الِاعْتِدَاد بمقامكم الأسمى، شكر الله مَكَارِم قَوْله
وَفعله، فَإِن الْعَدو أهلكه الله، يرهب صولة سلطانكم الْعَزِيز الْأَنْصَار. وَيفرق من عزايمكم الْمَاضِيَة الشبا والشفار، وَيعلم أَن اتِّصَال الْيَد بِالْيَدِ سَبَب الدمار لَهُ والثبار، على بعد الدَّار، ونزوح الأقطار. فبمقامكم نتوعده إِذا تعدى، نصد عزمه إِذا تصدى، على مر الْأَعْصَار. حفظ الله علينا إِعَانَة مللكم الأسمى، وأجرى لِلْإِسْلَامِ عوايد دولتكم الْعُظْمَى. وَمن لدنا أوفدنا على بَابَكُمْ الْعلي إرسالنا، وأعلقنا بمقامكم المرضى آمالنا؛ أغزينا الْجَيْش غزوات عظمت فِي الْعَدو بهَا النكاية، وصحبت الْمُسلمين من الله الْوِقَايَة، إِحْدَاهَا وقف الْجَيْش فِيهَا بَيَاض يَوْمه على بَاب مَدِينَة إستجة، إِحْدَى المدن الخطيرة، وَالْقَوَاعِد الشهيرة، وَدَار الحامية، ومثوى شَوْكَة الطاغية، وضيق عَلَيْهَا بِالْقِتَالِ، وأذاقها أَلِيم النكال. وبآخره لاكت النَّار زروعها، وسكنت حلَّة الْبَوَار ربوعها، وَانْصَرف عَنْهَا الْمُسلمُونَ، وَقد تخلف من بهَا فِي عداد الْأَمْوَات، لما سامهم من إهلاك الغلات، وانتساف الأقوات. وَأُخْرَى قصد بهَا مَدِينَة قيجاطة، وَهِي أَيْضا من قَوَاعِد الثغر وأماته، ومقر شرار رماته وركاب حماته، فَرمى غرضها، واستباح ربضها، ودوخت سراياه، مَا وَرَاءَهَا من الْحُصُون العلايم والقلاع، والأقطار الزارعة الأصقاع، وسلطت النَّار على مَا دنا ونآ من تِلْكَ الْبِقَاع، والعدو دمره الله شَدِيد التحذير لأرضه مِمَّا يَلِي هَذِه الْبِلَاد، وفرسانه الْمعدة لحماية ثغوره
كَثِيرَة كثيفة الْأَعْدَاد، فَمَا يُفَارق الحضرة، إِلَّا على توقع مضرتها، واستدفاع مَحْذُور غرتها. هَذَا مَا عندنَا شرحناه إِلَيْكُم، وألقيناه عَلَيْكُم، [وإعانتكم الَّتِي لسبيل الله عينتموها، وَاقعَة من الله سُبْحَانَهُ بمكانه وَمَكَان رِجَاله مِنْهُ مَحل رضوَان] شكرنا لمقاصدكم الْكَرِيمَة، وفواضلكم العميمة، لَو استظهرنا عَلَيْهِ بِلِسَان سحبان، لما جلى عَن غرضنا وَلَا أبان، وَإِلَى الله نكل جزاءكم، ونسله أَن يصل اعتناءكم، ويحرس سناءكم، ويذيع فِي الْخَافِقين ثناءكم، ورسولكم القايد [الْأَجَل الريس أَبُو مهْدي] أعزه الله، يُقرر لديكم مَا حملناه، ويعرض بَين يديكم مَا من الله أملناه، وفضلكم بالإصغاء إِلَيْهِ كَفِيل، ونظركم جميل، وَالسَّلَام.
وَصدر عني أَيْضا فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان بالمغرب أَمِير الْمُسلمين أبي عنان الْمُتَقَدّم ذكره، مُعَرفا عَن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن نصر بِفَتْح حصن قنيط
الْمقَام الَّذِي لأنباء النَّصْر اهتزازه وارتياحه، وَفِي سَبِيل الله عزمه وبأسه وسماحه، ولجهاد أعدائه تحن جياده وتميل رماحه، وَمن أفقه الْأَعْلَى تنشأ سَحَابَة وتهب رياحه. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نعظمه ونجله، ونثني عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله، ومقدمات رفده صَادِقَة الإنتاج، وَدَلِيل سعده غير معَارض فِي منَاط الِاحْتِجَاج، وَحرم عزه مَمْنُوع الْحمى، مَرْفُوع السياج، وعقبان راياته تظلل من حماته أسود الْهياج. مُعظم مجده المعتد بوده، الدَّاعِي إِلَى الله فِي اتِّصَال سعده، الْأَمِير عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن [إِسْمَاعِيل بن فرج] بن نصر، سَلام [كريم] عَلَيْكُم سَلاما يوده الْبَدْر وشما فِي غرته، ويكتبه الصَّباح الطلق [معودة] فِي طرته. يخص مقامكم الأسمى وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد لله الَّذِي يسر لنا من لطفه الْخَفي سَبِيلا وَاضحا ومنهاجا، وجدد علينا ملابس الإقبال بسعادة ملككم السَّامِي الْجلَال، وَقد كَادَت ترق انهاجا، فاتح أَبْوَاب الأمل، إِذا سامتها الشدايد أرتاجا، ومسخر ضروب الْأَيَّام، وَقد
أعيت جماحا ولجاجا. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا رَسُوله، الَّذِي أطلع مِنْهُ فِي أفق المهدى، سِرَاجًا وهاجا، وَأقَام بِهِ عماد الْحق لَا يعرف اعوجاجا، وَعقد عَلَيْهِ من جاه الشَّفَاعَة الْعَامَّة تاجا، وأيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وأمده فِي الأَرْض بملايكته المسومين أَفْوَاجًا. وَالرِّضَا عَمَّن شملته [حُرْمَة جواره، ووسعته رَحْمَة قربه وحبه وإيثاره] صحابة وقرابة وأزواجا، الَّذين لم يألوا فِي شدّ أزره، وإعلا أمره التحاما وامتزاجا، وإلجاما فِي مجاهدة عداهُ وإسراجا، فَكَانُوا غيوثا كلما باشروا احتياجا، وليوثا كلما حَضَرُوا هياجا، فانبلج بهم صباح الْحق انبلاجا، وَلم يدع هديهم فِي النُّفُوس ريبا، وَلَا فِي الصُّدُور اختلاجا. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى أبقاه الله بحرا بأمواج الكتايب الناصرة عجاجا، وغماما لغيوث الْمَوَاهِب الهامرة ثجاجا، واطلع عَلَيْهِ من أنباء الصنع الْجَمِيل على يَدَيْهِ، مَا يهز عطفه الْكَرِيم ارتياحا وابتهاجا، وَلَا زَالَت كواكب يمنه أسعد أبراجا، وأدلة سعده، أوفى حظوظا فِي حُدُودهَا وأوفر أدراجا، وَجعل عزمه الأمضى، وسعيه الأرضي، لعلل الدّين وَالدُّنْيَا علاجا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم صنعا، يسحب من أذيال المسرات المستمرات عصبا وديباجا، وَعزا يطوف بمقامه وُفُود البشاير حجاجا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَعِنْدنَا من الثِّقَة بِاللَّه عُقُود لَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا انفصام، وَمن التَّوَكُّل عَلَيْهِ حصن حُصَيْن إِلَيْهِ فِي الشدايد والاعتصام. وجنابكم بعد الله، هُوَ الملجأ الأحمى وَالْمقَام، ولمدونة كتايبه القَوْل، إِذا اشْتَدَّ الْعَدو وَالْخِصَام، فَلَا نزال بيمن الِاعْتِدَاد لمقامكم الْأَعْلَى نجتلي وُجُوه السَّعَادَة عيَانًا، ونعرف ضروب الْإِعَانَة والتيسير، حَالي الْمقَام والمسير مثنى ووحدانا، ونجد فِيهَا مَدْلُول قَوْله سُبْحَانَهُ، " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا ". وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وسنى فِي أعدايه قصدكم. وَإنَّهُ تقدّمت
مطالعة مقامكم بِمَا سناه الله لجيش الْمُسلمين فِي الْغَزَوَات المنصوصة عَلَيْكُم من الصنع الْكَرِيم، وَأَنَّهُمْ تَعَاهَدُوا مَا بَينهم من ديار الْكفَّار معاهدة الْغَرِيم، وأذاقوا من حلوا بِسَاحَتِهِمْ من أحزاب الظلال طعم الوبال، بَين إحراق الغلات، وَسبي الْحَرِيم، كل ذَلِك من غير قُوَّة وَلَا حول، وَلَا بِفعل منا وَلَا قَول، بل بِقُوَّة الله الَّتِي لَا تضير مَعهَا قلَّة عدد، وإعانته الَّتِي هِيَ خير مدد، وبركة نيتكم الَّتِي هِيَ بعد الله أَسْنَى مُعْتَمد. ورأينا الْآن أَن نصل فيهم النكاية الْمَاضِيَة بالآتية، ونقرن الْغُزَاة الصايفة بالشاتية، وَلَا نقصر الْعَزْم على الْفُصُول المواتية. فأغزينا بالجيش خاصتنا، الحظي لدينا، القايد أَبَا النَّعيم رضوانا أعزه الله وأسعده، ووفقه وأرشده. فنهد لقصده، ونهض بِمَا نعلمهُ من جده، وَتَبعهُ الْجَيْش يكافحه جَيش المزن، وَقد فرق قباله، وطور بأعلام البروج جباله، وصمم لوجهه أَنَفَة من حل الْعَزْم الْمَعْقُود، وثقة باشتمال الْمَكْرُوه على المودود. وَقع التفاوض فِي الْوَجْه الْمَقْصُود، والتماس الْأَثر الْمَحْمُود، وروعيت فِي طَرِيق التَّرْجِيح ضمايم الْوُجُود. فتخلص الْعَزْم على قصد الحفرة الغربية لتَكون المرفقة أسوغ ونكاية الْعَدو فِيمَا يرَاهُ مستخلص قهره أبلغ، وَلِأَن الْجِهَة الَّتِي لإيالتكم هِيَ علينا أهم، والفايدة فِيمَا يخْتَص بهم أَعم. فنازل بعد أَن تلاحقت الجيوش الغربية، حصن قنيط، وَهُوَ من أشهر تِلْكَ الْحُصُون الأطيبية ذكرا، وَأَعْظَمهَا نكرا، وأشدها امتناعا، وأمدها فِي نكاية الْمُسلمين باعا. وَوَافَقَ قَصده وُرُود الْميرَة على سكانه، فانحصر فِيهِ من أوصلها من رجال الْعَدو وفرسانه، وحماة
طغيانه. فشرعت العزايم الْمسلمَة فِي قِتَاله، وسالت جداول السيوف إِلَى إطفاء نَار ضلاله، وفوقت السِّهَام إِلَى برج سوره وجلاله، وَأخذ [أَمر الله من] عَن يَمِينه وشماله، والجو مَعَ هَذِه الْحَال مرعد مبرق، وَالنَّهَار قد تجهم وَجهه الْمشرق، وعارض الوبل قد خالط عَارض النبل، وَالْحِيلَة فِي افتتاحه لَا تهدي لسلوك مَا تعرفه من السبل. ثمَّ أذن الله فِي كف أكف الْمَطَر، لتيسير الأمل، وإحراز الوطر، فسفرت الشَّمْس من نقابها، وبرزت مخدرتها من حجاب سحابها، كَأَنَّمَا أعانت على تَكْمِيل المُرَاد، لما تطلعت لمشاهدة الطراد [فرشفت البلل] ، [ونقعت الغلل، وأزاحت الكسل، واستانفت الفعلة الْعَمَل، وعاودت الْمُقَاتلَة الأمل، وحكمت آلَات النقب فِي شارة سوره، فَقَعَدت وخرم أساسها، فاتكأت على دعايم الْخشب واعتمدت. ثمَّ تليت عَلَيْهَا آيَة النَّهَار فخشعت، ثمَّ سجدت، وَدخل الْمُسلمُونَ جفْنه عنْوَة بعد حَرْب أداروا كاسها، وموافقة رَاض النَّصْر سماتها، واعتصم حماته بقصبته، وَقد أحيط بهم إحاطة القلادة بالجيد، وراع تثليثهم تجاوب كلمة التَّوْحِيد، وكاتبتهم صروف المنايا بمرنات الجنايا على المرمى الْبعيد. فأذعن عميدهم عِنْد ذَلِك إذعان العميد، ولجوا فِي طلب الْأمان إِلَى الرُّكْن الشَّديد. فَظهر أَن إِجَابَة سُؤَالهمْ تسهيل على أمثالهم وَمن يجاورهم من أشكالهم، من الْعَمَل الأكيد، والرأي السديد. فتسلم الْمُسلمُونَ الْيَوْم الثَّانِي قصبته، وأورث الله دينه الَّذِي حجب عصبته، وتسنمت رايات النَّصْر هضبته، وحلت كلمة الْإِسْلَام من بعد العطل لبته. وَهَذَا المعقل أيدكم الله، إِلَيْهِ تنْسب الحفرة
القنيطية، وَفِي ساحته لمرتاد الخصب مُنْتَهى الطية [ومناخ الطية] وَمَا يجاوره من الْحُصُون بِسَبَبِهِ، إِن شَاءَ الله ينتثر سلكها، ويتيسر ملكهَا، فَإِنَّمَا هُوَ دين، اقتضيت مِنْهُ دفْعَة، وَحقّ مُشْتَرك، استخلصت بعضه شُفْعَة، وَبَاب تفتحت مِنْهُ فُرْجَة، وخصام وضحت مِنْهُ حجَّة، وَعَما قريب إِن شَاءَ الله [بمعاهدتكم الْكَرِيمَة] ، نستوفي من الْعَدو الدُّيُون، وتقر باستخلاص ذَلِك الْحق الْعُيُون، وَيفتح الْبَاب، وتتقطع بالخصم الألد الْأَسْبَاب. وموقع هَذَا الْحصن من طاغية الْعَدو، قصمه الله، الْموقع الَّذِي ينغص أنسه، ويوحش نَفسه، وَقد رتب فِيهِ الحماة، واختير لَهُ الرِّجَال وَالرُّمَاة، بخلال مَا يَقع نظركم فِي إِضَافَته إِلَى مَا يرجع لرندة حرسها الله، من الثغور، وتعرف نكرته بِالْإِضَافَة إِلَى علمكُم الْمَنْصُور، فَهُوَ طَلِيعَة الْفتُوح الَّتِي فِي إيالتكم الْعَالِيَة ترتسم، ومبدأ الْحُصُون الَّتِي فِي سلككم الرفيع بحول الله تنتظم. وَانْصَرف الْجَيْش الْمُبَارك عَنهُ، حميد السَّعْي، سديد الرَّمْي، واستنزل مِنْهُ من الْأَعْدَاء، أولى الْقُوَّة والبأس، والنفوس الحمية الأنفاس، جملَة تناهز الماية. لَو لم يكن فِي هَذَا الْفَتْح إِلَّا أَن الْعَدو تكل، دفاعهم عَن حوزته، وَكفى الله الْإِسْلَام شرهم بعزته، وتخلص من كَانَ بِهِ من أسرى الْمُسلمين، وَلَحِقُوا بأهليهم سَالِمين. وَلما كَيفَ الله هَذَا الصنع، قابله مُعظم مقامكم بالشكر الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَزِيد، وَيقرب الأمل الْبعيد، وَعرف بِهِ مقامكم الأسمى، ليَأْخُذ من ذَلِك بالحظ الأوفى، وَالشُّكْر الَّذِي يقرب إِلَى الله زلفى،
فَإِن نسب هَذَا الْفَتْح إِلَى عَمُود ملككم نسب صَحِيح، وَشَاهده فِي الانتماء إِلَى معاليكم عَرَبِيّ فصيح، فَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة إمدادكم، عرض على مقامكم [الأسمى ليَأْخُذ من ذَلِك بالحظ الأوفى] . وَلَا خَفَاء بِمَا هُوَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام فِي هَذِه الأقطار الغريبة من انْقِطَاع المدد، وَتعذر الْعدَد، والقلة الَّتِي لَيْسَ بَينهَا وَبَين عدوها نِسْبَة من نسب الْعدَد، فَجَمِيع مَا يسنى الله لَهُ من الظُّهُور، فَإِنَّمَا هُوَ بركَة سلطانكم الأسعد، وَمَا تحققته أمة الْكفْر من اتِّصَال الْيَد بملككم. وَأَنْتُم عدَّة الْإِسْلَام وذخره، وكنزه الَّذِي بِهِ فخره، أبقاكم الله تخلدون الْآثَار الْكَرِيمَة فِي نَصره، وتعاملون الله على إِظْهَار دينه وإعلاء أمره. هَذَا مَا تزيد عندنَا، أردنَا بِهِ إعلامكم وخاطبنا بمضمنة مقامكم. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
وَصدر عني أَيْضا فِي مُخَاطبَة الْمَذْكُور عِنْد إقلاع ملك قشتالة عَن جبل الْفَتْح مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي أنارت آيَات سعده فِي مسطور الْوُجُود، وتبارت جِيَاد مجده فِي ميدان الْبَأْس والجود، وضمنت إيالته لمن بِهَذِهِ الأقطار الغريبة تَجْدِيد السُّعُود [وإعادة العهود] ، وَاخْتلفت كتايب تأييده لوقته الْمَشْهُور فِينَا ويومه الْمَوْعُود، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي نعظمه ونجله، ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان أبي عنان ابْن السُّلْطَان [أبي الْحسن أبي سعيد أبن السُّلْطَان أبي يُوسُف بن عبد الْحق] ، أبقاه الله يَتَهَلَّل للبشرى جنابه، وَيفتح لوارد الْفَتْح الالآهي بَابه، وتعمل فِي سَبِيل الله مكارمه وعزايمه وركابه، ويتوفر بِالْجِهَادِ فِيهِ مجده وسعده، وفخره وثوابه، [مُعظم مقَامه] ، الْأَمِير عبد الله يُوسُف
ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَعِيل بن فرج بن نصر، أيده الله وَنَصره وسني لَهُ الْفَتْح الْمُبين ويسره. وَسَلام كريم، مشفوع بالبشاير والتهاني، محفوف الركايب ببلوغ الْأَمَانِي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله مطلع أنوار الصَّباح العجيبة متألقة الْغرَر، ومنشى سحايب الألطاف الْكَرِيمَة الْأَوْصَاف هامية الدُّرَر، الْكَرِيم الَّذِي يُجيب دَعْوَة الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ، ويكشف السوء وَمَا أمره، إِلَّا وَاحِدَة كلمح الْبَصَر، حجب مكامن العافين فَوق الفطن ومدارك الْفطر، فَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ، وَمَا هِيَ إِلَّا ذكرى للبشر، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي المعجزات [الباهرة، والآيات] الْكبر، الَّذِي بجاهه الْحصين نمتنع عِنْد استشعار الحذر، وبنور هداه نستضي عِنْد البتاس الْورْد والصدر، فنحصل على الْخَيْر العاجل والمنتظر. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الْكِرَام الْأَثر، الَّذين جنوا من أفنان الصَّبْر فِي الله ثمار الظفر، وفازوا من إنجاز الْوَعْد بأقصى الوطر، وانتظموا فِي سلك الْملَّة الرفيعة انتظام الدُّرَر، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى باتصال المسرات وتوالي الْبشر، والسعد الَّذِي تجْرِي بأحكامه النافذة تصاريف الْقدر، والصنع الَّذِي تجلى عجائبه فِي أجمل الصُّور. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من حظوة فَضله وإحسانه أجزل الْأَقْسَام، وعرفكم عوارف نعْمَة الثرة وآلايه الجسام. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، واليسر بِفضل الله، طارد الأزمات بعد مَا قعدت، وَكَاشف الشدايد. بعد مَا أرعدت وأبرقت، ثمَّ بِمَا عندنَا من الِاعْتِدَاد بإيالتكم الَّتِي أنجزت لنا فِي الله مَا وعدت، وَمَدَدْنَا إِلَيْهَا يَد الِانْتِصَار على إعدايه فأسعدت، آلَاء الصنع
العجيب، واليسر الَّذِي أتاح ألطافه السَّمِيع الْمُجيب، واليمن الَّذِي رفع عماده التَّيْسِير الْغَرِيب، وَضرب رواقه الْفرج الْقَرِيب. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله على أعدايه، وأجزل لديكم مواهب آلايه، وَحكم لِلْإِسْلَامِ على يديكم بظهوره واعتلايه، وعرفكم من أَخْبَار الْفَتْح الْمُبين [الْموقع] ، وأنبايه، كل شَاهد برحمته واعتنايه. فإننا كتبناه إِلَيْكُم، فحقق لديكم الْبُشْرَى الَّتِي بِمِثْلِهَا تمْضِي الركايب. ويخاض الْعباب، ونعرض عَلَيْكُم ثَمَرَة سعدكم الْجَدِيد الأثواب، [المفتح الْأَبْوَاب] علما بِمَا عنْدكُمْ من فضل الأعراق، وكرم الْأَخْلَاق، وأصالة الأحساب، والمعرفة بمواقع نعم الله الَّتِي لَا تجْرِي لخلقه على حِسَاب، والعناية بِأُمُور هَذَا الْقطر، الَّذِي يتَعَلَّق بأذيال ملككم السَّامِي الجناب، وَقد تقرر لَدَى مقامكم الأسمى مَا كَانَت الْحَال آلت إِلَيْهِ بِهَذَا الطاغية الَّذِي غره الْإِمْهَال والإملاء، وأقدمه على الْإِسْلَام التمحيص الْمَكْتُوب والابتلاء، فتملأ تيها وعجبا، وارتكب من قهر هَذِه الْأمة [الْمسلمَة] مركبا صعبا، وسام كلمة الْإِسْلَام بَأْسا وحربا، بكتايب بره توسع الأرجاء [طَعنا وَضَربا] ، وكتايب بحره تَأْخُذ كل سفينة غصبا، والمخاوف قد تجاوبت شرقا وغربا، والقلوب، قد بلغت الْحَنَاجِر غما وكربا، وجبل الْفَتْح، الَّذِي هُوَ بَاب هَذِه الدَّار وَسبب الاستعدا على الأعدا والانتصار، ومسالك الدّين الحنيفي إِلَى هَذِه الأقطار، قد رَمَاه [ببوايقه] وصير ساحته مجر عواليه، ومجرى سوابقه، واتخذه دَار مقَامه، وَجعله شغل يقظته، وحلم مَنَامه، وَيسر الله لَهُ مَا يجاوره من المعاقل، إملاء من الله لأيامه،
فاستقر بِهِ الْقَرار واطمأنت الدَّار، وَطَالَ الْحصار، وعجزت عَن نصر الْجَبَل الْأَنْصَار، ووجمت الظنون وَسَاءَتْ الأفكار [وَشَجر] نظار الْقُلُوب الِاضْطِرَار إِلَى رَحْمَة الله والافتقار، فجبر الله الخواطر لما عظم بهَا الانطسار، وَدَار بإدالة الْإِسْلَام الْفلك الدوار، وتمخض عَن عجايب صنع الله اللَّيْل وَالنَّهَار، وهبت نواسم الْفرج عاطرة الأرج عَمَّن يخلق مَا يَشَاء ويختار، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد القهار. وبينما نَحن نَخُوض من الشَّفَقَة عى ذَلِك المعقل، الْعَزِيز على الْإِسْلَام لجة مترامية الغارب، ونقتعد مِنْهُ صعبا لَا يلين لراكب. وَلَوْلَا التَّعَلُّق بأسبابكم فِي ارتداد تِلْكَ الغياهب، وَمَا خلص إِلَى هَذِه الْبِلَاد من مواهبكم الهامية الْمَوَاهِب، ومواعيدكم الصادقة، ومكارمكم الغرايب، وكتبكم الَّتِي تقوم عِنْد الْعَدو مقَام الكتايب، وإمدادكم المتلاحق تلاحق الصِّبَا والجنايب، لما نآ الْكفْر بصفقة الخايب، إِذا تجلى النُّور من خلال تِلْكَ الظلمَة، وهبت سحايب الرَّحْمَة وَالنعْمَة على هَذِه الْأمة، وَرمى الله الْعَدو بِجَيْش من جيوش قدرته، أغْنى من العديد وَالْعدة، وأرانا رأى العيان لطايف الْفرج بعد الشدَّة، وَأهْلك الطاغية حتف أَنفه، وَقطع بِهِ عَن أمله قَاطع حتفه، وغالته أَيدي الْمنون فِي غيله، وانْتهى إِلَى حُدُود القواطع القوية، والأشعة المريخية تصير دَلِيله. فشفى الله مِنْهُ دَاء، وَأَخذه أَشد مَا كَانَ [اعتدادا] ، واعتداء، وَحمى الجزيرة الغريبة، وَقد صَارَت نهبة لحماته، وأشرقه بريقه، وَهِي مُضْغَة فِي لهواته، سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته. فانتثر سلكه الَّذِي نظمه، واختل تَدْبيره الَّذِي أحكمه، ونطقت بتبار محلته أَلْسِنَة النَّار، وعاجلت انتظامها أَيدي الانتثار، وركدت رِيحه
الزعزع من بعد الإعصار، وَأصْبح من استظهر بِهِ من الأشياع وَالْأَنْصَار، يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم، وأيدي الْمُؤمنِينَ، فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار، وولوا بِهِ يحثون التُّرَاب من فَوق المفارق والترايب [ويخلطون تبر السيال الصعب بذوب الذوايب] ، قد لبسوا المسوح حزنا، وَأَرْسلُوا الدُّمُوع مزنا، وشقوا جيوبهم أسفا، وأضرموا [قُلُوبهم] تلهفا، وَرَأَوا أَن حصن إستبونه لَا يَتَأَتَّى لَهُم بِهِ امْتنَاع، وَلَا يُمكنهُم لمن يرومه من الْمُسلمين دفاع، فَأَخَذُوهُ من سكانه، وَعَاد فِيهِ الْإِسْلَام إِلَى مَكَانَهُ، وَهُوَ مَا هُوَ من طيب الْبقْعَة، وانفساح الرقعة، وَلَو تمسك بِهِ الْعَدو، لَكَانَ ذَلِك الوطن بِسوء جواره مكدودا، والمسلك إِلَى الْجَبَل، عصمَة الله، مسدودا، فَكَانَ الصنع بِهِ طرازا [على عاتق] تِلْكَ الْحلَّة الضافية، ومزيدا لحسنى عارفة الله الوارفة، فَلَمَّا استجلينا غرَّة هَذَا الْفَتْح الهني، والمنح السّني، قابلناه بشكر الله تَعَالَى وحمده، وضرعنا إِلَيْهِ فِي صلَة نعمه، فَلَا نعْمَة إِلَّا من عِنْده، وَعلمنَا أَنه عنوان على يمن ملككم الْأَعْلَى، وعلامة على سعده، وَأثر نِيَّته لِلْإِسْلَامِ وَحسن قَصده، وفخر ذخره الله لأيامكم لَا نِهَايَة لحده، فَإِنَّكُم صرفتم وَجه عنايتكم إِلَى هَذَا الْقطر، على نأى الْمحل وَبعده، وَلم تشغلكم الشواغل عَن] إصْلَاح شانه] وأجزل رفده. وَأما الْبَلَد المحصور، فَظهر فِيهِ من عزمكم الأمضى، مَا صدق الآمال والظنون، وَشرح الصُّدُور وَأقر الْعُيُون، من حلَّة الْإِمْدَاد على الْخطر، وتعدد السابلة البحرية على هَذَا الوطن، وَتعذر الوطر، وَاخْتِلَاف الشواني الَّتِي تسري إِلَيْهِ سري الطيف، وتخلص سهامها إِلَى غَرَضه، بعد أَتَى وَكَيف،
حَتَّى لم تعدم فِيهِ مرفقة يسوء فقدانها، وَلَا عدَّة يهم شَأْنهَا. فجزاؤكم عِنْد الله موفور الْقسم، وسعيكم لَدَيْهِ مشكور الذمم، كافأ الله أَعمالكُم الْعَالِيَة الهمم، وخلالكم الزاكية الشيم، فقد سعد الْإِسْلَام، وَالْحَمْد لله بملككم الميمون الطَّائِر، وسرت أنباء عنايتكم بِهَذِهِ الْبِلَاد كالمثل الساير، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن يستتب اضْطِرَاب الْكفَّار وَاخْتِلَافهمْ، وتنازع الْأَمر [بَين] أصنافهم، فنغتنم إِن شَاءَ الله فيهم الْغرَّة، الَّتِي ترتقبها العزايم الشَّرِيفَة، والهمم المنيفة، وَتجمع شيمكم الْعليا، بَين فَخر الْآخِرَة وَالدُّنْيَا، وَتحصل على الْكَمَال الَّذِي لَا شَرط فِيهِ وَلَا ثنيا. فاهنئوا بِهَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي حباها الله إِلَيْكُم، والتحفة الَّتِي بعثها السعد إِلَيْكُم، وَإِنَّمَا هِيَ بِتَوْفِيق الله ثَمَرَة إمدادكم، وعقبا جهادكم، أوزعنا الله وَإِيَّاكُم شكرها، وألهمنا ذكرهَا، عرفناكم بِمَا ورد من البشاير علينا، عملا بِمَا يجب لمقامكم من الْإِعْلَام بالمتزيدات، وَالْأَحْوَال الواردات، ووجهنا إِلَيْكُم بكتابنا هَذَا من يَنُوب عَنَّا فِي هَذَا الهنا، ويقرر مَا عندنَا من الْوَلَاء، وَمَا يزِيد لدينا من الأنباء، خَالِصَة أنعاما، المتميز بالوسيلة المرعية إِلَى مقامنا [الحظي لدينا المقرب إِلَيْنَا] القايد أَبَا الْحسن عبادا، وصل الله عزته ويمن وجهته. ومجدكم ينعم بالإصغاء إِلَيْهِ، فِيمَا أحلنا فِيهِ من ذَلِك عَلَيْهِ. وَالله يصل سعدكم ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي الْيَوْم الثَّالِث من شهر الله الْمحرم عَام أحد وَخمسين وَسَبْعمائة] .
وَصدر عني فِي أول الْحَرَكَة الجهادية لهَذَا الْعَهْد وَقد تحرّك السُّلْطَان أعزه الله إِلَى حصن أشر الْقَرِيب الْجوَار لأرض النَّصَارَى، بِأَهْل حَضرته وَمَا يجاورها من الْأَمَاكِن الغربية، وَكَانَ إملاء هَذَا الْكتاب قبل أَعمال الْحَرَكَة بِيَوْم فَلم تبدل مِنْهُ لَفْظَة وَاحِدَة، إلهام من الله عز وجل وَافق مَا وَقع فِي ذَلِك الْفَتْح الْقَرِيب، وَقَعَدت نايبا عَن السُّلْطَان بدار ملكه على عادتي فَكَتبهُ عَنهُ كَاتب إنشايه، مُعَرفا بذلك صَاحب الْمغرب
الْمقَام الَّذِي يحيى بعز الدّين الحنيف وَجهه، ويطرب بِخَبَر الْفَتْح على [أهل] لَا إِلَه إِلَّا الله سَمعه، ويشرح بنصر الفئة القليلة على الفئة الْكَثِيرَة صَدره، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي ينجدنا بِفضل الله وعزمه، ويمدنا سعده، ويؤخرنا وعده، وَيحسن بإعانتنا بالْقَوْل وَالْعَمَل قَصده، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله عميما فَضله، رفيعا مجده، ماضيه عزمه. [من مُعظم قدره وملتزم بره] المطنب فِي حَمده وشكره، [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر] . سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
ٍ أما بعد حمد الله الْقوي الْعَزِيز، المبدي المعيد، الْوَلِيّ النصير، كَافِي المتوكلين، وَولي الْمُؤمنِينَ، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، قدوة الْمُجَاهدين، وَإِمَام الصابرين. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، المهتدين بهديه، السالكين فِي جِهَاد عَدو الله على نهجه، حَتَّى استقام عَمُود الْمُسلمين من بعده، وَبلغ التخوم القاصية نور دَعوته، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم أجر من ساهم وأعان، وأنجد وقوى، وشمر فِي جِهَاد الْكَافرين عَن الساعد الْأَقْوَى، وعامل من إِلَيْهِ الرجعى، وَأخذ بالحظ الرغيب من السرُور، بِمَا يسر الله وسنى. من منزلنا السعيد على الْمُسلمين، بِظَاهِر حصن أشر، حماه الله، وَلَا زايد إِلَّا الْفَتْح والمنح، والظهور الَّذِي احتفل بِهِ الصقع، وجم اللطف. وَالْحَمْد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر، مجزل المنن، ومخول الآلاء وَالنعَم، الملهم الْمُنعم الْوَلِيّ النصير، سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وقدكنا عرفناكم مَا أنعم الله بِهِ على الْمُسلمين ببركتكم من فتح برغة، واتصال سببهم من إخْوَانهمْ، من بعد الانبتات والانقطاع وتبر جرثومة الْإِسْلَام من تِلْكَ الأحواز الْمسلمَة والأصقاع، فَأصْبح الشمل جَمِيعًا، والمنثور منظوما، والسبيل قصدا، والفرقة جمعا. وَمَا استضيف إِلَى ذَلِك من فتح، كمل النِّعْمَة، وتمم العارفة. ثمَّ أننا رَأينَا أَن الْإِسْلَام لَا يقر بِهِ قَرَار، مَعَ كَون حصن أشر ركابا لعَدوه، وسلما لكيده، ودربا إِلَى غارات الْكَافرين، وفرضة إِلَى مسارب أَعدَاء الدّين، إِذْ لَا تضبط مَا بَينه وَبَين الْحُدُود الإسلامية الرتب، وَلَا تغني المسلحة، وَلَا يجدي الحذر، فَإِنَّهُ الْجَارِح المحلق، والبازي المطل، وَالْيَد المحكمة، والداء الدفين، مقض الْمضَاجِع، وفالي مكامن المسارح، ومصمى أهداف السواحل. فأهمنا وشأنه، وحمانا الرقاد بثه، ونغص علينا الْعَيْش شبحه.
واستخرنا الله فِي قَصده، وسألناه الْإِعَانَة على فَتحه، وتيسير صعبه، فخلق الله سُبْحَانَهُ عندنَا النهود إِلَيْهِ ضَرْبَة لازب، من غير أَن نريح الْجَيْش، وَلَا نعيد الرَّأْي وأشعنا للحين نفير الْجِهَاد، وَلم نستدع لمأدبة هَذَا الْفَتْح إِلَّا الْأَوْلِيَاء من أهل وَادي آش وسندها، وأقليم الحضرة وَمَا اتَّصل بحوزها، وخيمنا من الْغَد بظاهرها، فِي عَفْو من الإحتشاد، ونقاوة من الرجل، وخف إِلَّا من آلَات الْحَرْب، حرصا على كتمان الْقَصْد، واستصحبنا أعجالا تحمل جوالقات السِّهَام وآلات الْهدم، وماعون النقب من الدبابات والستاير الخشبية، والنفوط والترسة والدرق، إِلَى الحصاصيد والسلالم، وَأَلْقَتْ الحضرة بأفلاذها. فَلم يتَخَلَّف عَنْهَا محتلم فَمن فَوْقه. وبرزوا فِي رَحل الرِّبَا، زادهم الله نَمَاء وَكَثْرَة. وصبحنا ليَوْم الثُّلَاثَاء فجر أولى مظنات لَيْلَة الْقدر من هَذَا الشَّهْر الْمُبَارك، فصكت أسماع من بِهِ طبول الْجِهَاد الَّتِي قدم بهَا الْعَهْد، وانتثرت حواليه رايات الصَّبْر، الَّتِي راق مِنْهَا الْجَيْش، ورف عَلَيْهَا الغر، ودارت بهَا الْمُقَاتلَة الْمسلمَة، الَّتِي لَا يخامرها الرعب، وَلَا يداخلها الذعر، وَهُوَ مصام منيع، وَمَعْقِل شهير وَبلا مُبين. قد صرف إِلَيْهِ الْكفْر لما ملكه عزمه، وأغرى بِهِ همه، فسد ثلمه وَأصْلح خلله وَنظر إِلَى عوراته فأوسعها تحصينا، حَتَّى قطع الأطماع، وتبر الآمال. وَكَانَ بِهِ عدد جم من رُمَاة الشعرا، ومساعير الْحَرْب، وَأولى الشُّهْرَة من السِّلَاح وَالْعدة، كل محسب فِي الْحَاجة، ومغن فِي الشدَّة، إِلَّا أَن الله لَا تغالب قدرته، [وَلَا تطاول
عزته] ، وَلَا يرد عَن الْقَوْم الْكَافرين بأسه، فَتعلق بِهِ الْمُسلمُونَ يَخُوضُونَ غمار الشَّهَادَة، ويتزاحمون على مَرَاتِب الْمنية، ويسمحون فِي مبايعة الله بالنفوس الزكية. فَاقْتَحَمت المايدة الْمُتَّصِلَة بِهِ، ولجأ إِلَى الْحصن من كَانَ بِهِ من الحامية، فخلفهم الْمُسلمُونَ وَهِي أولى عَلَامَات الظُّهُور، ومبدأ الْفَتْح المسطور، وقاتلوا ذَلِك الْعقَاب المروم من جهاته، وأوسعوا أسواره المنيعة نقبا، وحفايره العميقة ردما، وصبروا صَبر الأبلج فكرا، وَلَا يُعْطي مقادة التَّصَوُّر وهما، كَأَنَّمَا هُوَ آثَار من آثَار عناية الله، قدم بهَا للدّين عهدا، وَأحمد الله بهَا لِلْإِسْلَامِ صنعا، وَرَأى الْأَعْدَاء من قدرَة الله، مَا رَاع أفئدتهم، وأذهل عُقُولهمْ، وفشت فيهم الْجراح، وعجزت مِنْهُم الْحِيَل، فأشاروا إِلَى طلب الْأمان، بعد أَن [بالغوا فِي الْأَعْذَار] ، وبلغوا أبعد مبالغ الصَّبْر، فقوبلوا بانبعاث الْقَصْد، وتتميم الرَّغْبَة، وأنزلوا عَن الأبلق الْفَرد، لَا بل عَن مَرْكَز النَّجْم، وعلت فَوق أبراجه رايات الْإِسْلَام، وَارْتَفَعت بِكَلِمَة التَّوْحِيد. وَأخذ بيُوت عباد الله التَّطْهِير وَتَنَاول بمثاله التثمير، وَأنزل ناقوسه إِنْزَال التهوين، وحلت بِهِ على الْمُسلمين عوارف الْفَتْح. وللحين شرعنا فِي سد مَا ثلم من أسواره، وهتم من شرفاته، وبقر من بطُون مسافاته، فعملنا بيدنا، [فِي سَبِيل الله] ، اقْتِدَاء بنبينا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، نقلا للآلة، وَعَملا بالمواعين. نَسْله جلّ وَعلا، أَن يَجْعَل ذَلِك خَالِصا لوجهه، وذريعة إِلَى قربه، وَأَن يَجْعَل غباره لنا أَمَانًا من
دُخان ناره، وَأَن يسهمكم فِي أجره. فَلَو أبصرتم جد هَذِه الْأمة الغريبة، لغلبتكم دموع الرقة، وإستفزتكم بواعث الحمية. وفازت يَد الْإِسْلَام، من هَذَا المعقل الْعَزِيز عَلَيْهِ، بقرار الْقُلُوب، وقرة الْعُيُون، وشفى مِنْهُ دَاء عضال، وَكفى بلَاء لَا يُطَاق. والعدو فِي أثْنَاء هَذَا، حَسْبَمَا نتعرفه من ألسن أسراه، متمهد بإشبيلية يعزز قَوَاعِد مَا صَار إِلَيْهِ، ويمهد جَوَانِب مَا انثال من الدُّنْيَا عَلَيْهِ، وَقد بَث تِلْكَ الْأمة المتلاحقة من الشَّرْقِي بَين بِلَاده، [وحد لَهُم] ارتقاب أمره، والتماح إِشَارَته. وَلَا شكّ فِي أَن هَذ القروح، يصل وخزها إِلَى قلبه، ويثير نكاياتها من عزمه، وَبِاللَّهِ تدرأ فِي نَحره، وبحزب الله نستعين على حزبه، وبربنا الله نستظهر على ربه الْمَنْصُوب، وإلاهه المنحوت. وَقد سبقناه بانتهاز الفرصة، وعاجلناه فِي سَبِيل الله بالغرة، وبوءنا لله بِالْقُدْرَةِ، وَمَعَ الْيَوْم غَد، ومجمل الصنايع لطايفه خُفْيَة، وَجُنُوده كَثِيرَة، وَمَا قل من كَانَ الله مَعَه، وَلَا ذل من كَانَ الله ناصره، أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، تبَارك الله رب الْعَالمين. طيرنا لكم هَذَا الْخَبَر، لتسروا بِهِ أَنْتُم وَمن لنظركم من الْمُسلمين، وَنحن نتراءى فِيمَا يكون عَلَيْهِ الْعَمَل من قصد غَيره، ومصادقة سواهُ، ونشرع فِي اخْتِيَار من يعمره من الفرسان والحماة، وحذاق الرُّمَاة، ونستكثر بِهِ من الأقوات، وَالله الْمُسْتَعَان. وَأَنْتُم عمدتنا فِي الله الَّذِي نبشره عِنْد اجتلاء السرُور، ونستصرخه، عِنْد اشتداد الْأُمُور، وَأَن يسر الله فِي إنجاز مَا بِهِ وعدتم، من إِشَاعَة الْحَرَكَة إِلَى سبتة، تعْيين حِصَّة تَبْتَغُونَ بهَا وَجه الله، وتنجدون بهَا الْإِسْلَام، فأثرها كَبِير، وسماعها شهير، وَهِي الْأَخْبَار تأخذها الزياد
إِذا تنوقلت، ويبعدها الإرجاف إِذا سَمِعت، والكلمة وَاحِدَة، وكل مَعْرُوف صَدَقَة، وظنون الْإِسْلَام فِيكُم جميلَة، وَالله يحملكم على مَا يرشدكم ويسعدكم. [ويوالي عزتكم، ويحرس مجادتكم] ، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَلما وصل السُّلْطَان أيده الله من غزَاة أطريره بعد استفتاح حصن أشر الْمُتَقَدّم الذّكر، صدر عني فِي التَّعْرِيف بذلك لسلطان الْمغرب، وَهُوَ من الْكَلَام الْمُرْسل، الَّذِي قَلما ألوى على سجع، وَلَا وقف على قافية لشفوف هَذَا الْغَرَض فِي هَذِه الأقطار
الْمقَام الَّذِي تيمنت الْبِلَاد بولايته، وتعرفت ببركته بِفضل الله وعنايته وادخرت الِاعْتِدَاد بِرَأْيهِ فِي سَبِيل الله ثمَّ برايته، وتوعدت الْكفْر بِقِيَام قِيَامَته. فطلوع شمسه من الْمغرب أكبر آيَته. مقَام مَحل أخينا الَّذِي ثغور نَصره بواسم، وأيامه لِلْإِسْلَامِ مواسم، وتتوفر لَهَا من صنع الله المقاسم، السُّلْطَان الكذا أَبُو فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن، مُعظم سُلْطَانه، ومجل شَأْنه، الْعَارِف بأصالة مجده، ورفعة مَكَانَهُ، فلَان.
أما بعد حمد الله، الملهم الْمُنعم، الْعلي الْكَبِير، الْوَلِيّ النصير، محرك العزايم بباعث الْإِسْلَام، ومكيف الصنايع الْخفية على الأذهان، الْمُوفق للخير، الْمعِين عَلَيْهِ، الْوَلِيّ الحميد، الَّذِي لَا ملْجأ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، نَاصِر الْمُؤمنِينَ ومظهر دينه على رغم الجاحدين وَكره الْكَافرين، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، عَبده وَرَسُوله، مُجَاهِد الْأَنْبِيَاء، [الْمَنْصُور فِي الأَرْض] بملايكة السَّمَاء، نَبِي الْمَلَاحِم، ومسوغ الغنايم، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه أسود الروع، ونجوم الْهدى وأعلام الصَّبْر، وسيوف الْحق، وَالدُّعَاء لمقامكم بتوالي الْعِزّ، واتساق الصنع،
فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سني الْحَظ، وهنى الْفَتْح، بعد الِاعْتِرَاف لدولتكم بيمن الطير، ونصبة السعد، ونفاق سوق الصنع بِهَذَا الْقطر. وَالله متمم الْفضل، ومجدد عَادَة اللطف، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الفتاح الْعَلِيم، وَإِلَى هَذَا فإننا كُنَّا قد عرفناكم بِمَا أضفي عَلَيْهِ الرَّأْي، من مُظَاهرَة ملك قشتالة على أَخِيه، مجليه على مدرته، والمستحوذ على مَمْلَكَته، تَعْرِيف يُوصل بِهِ دوَام الْفِتْنَة، واشتعال نَار الإحنة، وتميز الْمُسلمين بخطة الْعَافِيَة، وتبريزا فِي ميدان حسن الْمُكَافَأَة، وَإِقَامَة لحسن المجازاة، وتمهيدا لرعي قديم الْجوَار، وَبَرَاءَة من التَّقْصِير فِي استصراخ كريم قوم، أَو معرض حسن سعى، فخاطبنا بِلَاد الفرنتيرة، نضمن لأَهْلهَا اتِّصَال السّلم، عِنْد صدق الْفِتْنَة، واستدراك الْقلَّة، فأهطع، مِنْهُم السوَاد الْأَعْظَم، وتغاضى أمة من الْبِلَاد تقفها زعماء، وضبطها قواميس أسلفوا مَا أَسَاءَ بِالدَّلِيلِ ظنونهم، وَقطع فِي عدوه آمالهم. وَإِذا سَاءَ فعل الْمَرْء ساءت ظنونه، وَصدق مَا يعتاده من توهم. فأثبتوا مِنْهَا فِي مستنقع الْمَوْت أَرجُلهم، ليوثقوا مِنْهُ
…
... الْحِيلَة، وَكُنَّا قبل هَذِه الْبُنُوَّة بسُلْطَان ملك قشتالة الْمَذْكُور، قد عَملنَا مضضا طوينا الجوانح على مثله، وأغرينا الْجزع ببثه فِي الْحَادِثَة على مَا يناهز الْألف من أسرى الْمُسلمين، المقرنين فِي الأصفاد بدار الصَّنْعَة من إشبيلية، إِلَّا ذمار الحماة، فلول الوقايع، وأسار الحتوف، وحيات الأودية الضنينة بهم يَد الْكفْر، من لدن سِنِين عدَّة، إِذا كَانَ المجعجع بِهِ بَين طراده، والجهر بخلعانه، وانتهاب قصره، قد أطلقهُم نكاية لِقَوْمِهِ، وعاقبة سوء يرتادها للبلد الخاين بعهده، فَانْطَلقُوا أظعان المسغبة
وأضر بالأداهم، وَقد لفقوا علالة من مستهجن السِّلَاح وَذي الْآلَة، يهبون إِلَى تَحْصِيل النجَاة، ولات حِين مناص، وَقد تَأذن الله سُبْحَانَهُ، بكر ظُهُور الشَّهَادَة على مَا رسب من أوزارهم، وَختم بِهِ صحايف بوساهم وشظفهم، واعترضهم أهل أطريرة، من بنيات هَذِه الْأُمَم الممتنعة إشبيلية، وعَلى نصف بريد من بيضتها، وَأَهْلهَا أشهر أكلب الْكفْر عَن نَاب شَره، وأسطاهم بِنَفس مومنة، وأخفرهم لذمة، وأسوأهم مُعَارضَة لملتمس تجر أَو نجعة أَو مضايقة بسفير رِسَالَة، يرومهم التحرج من انصرافهم بِجلَال تِلْكَ الأسلحة، وَجعلُوا
…
. فِي إسْلَامهَا إِلَيْهِم شرطا، وبذلوا لَهُم على ذَلِك عهدا، فَلَمَّا صفر مِنْهُ أَيْديهم، تناولوهم بالإبادة، وهم لحم على وَضم، لم يرقوا لطول بلواهم، وَلَا أنفذوا فيهم عهد مَوْلَاهُم، وتركوهم صرعى بقرًا الْبيُوت الْكَافِرَة، والفرضاة الغادرة، وأثكلوا مِنْهُم الثغور بجملتها، ومفرجي أزماتها، وأسبوا الْمُسلمين بوعي موقف الصَّبْر، وشهدوا مأزق الذل، يتلونهم للجباه والأذقان، وينحرونهم نحر إبل القربان، كتب الله لَهُم، أوفر أجور الْمُحْسِنِينَ، ونفعهم بِمَا محصهم بِهِ يَوْم الدّين. فَلَمَّا قَامَت هَذِه السُّوق، ولمعت فِي سَمَاء الْفِتْنَة القشتالية البروق، ثار لدينا وَلم يكن خافيا كامن الحمية لله على بعد المرمى، وخطر المسرى، كتبه الله لنا من مسعى، يَوْم تدان النُّفُوس وتجزى، فتوفرنا على قصدهم مصمت الْهَام، وَنقل الأوهام، توفرا لم تطل بِهِ الْأَيَّام، وَلَا فسحنا لتدبير الآماد، وَكَأن الله عز وجل، أطلع قُلُوب الْمُسلمين من ذَلِك على خباه، وكشف لَهُم عَمَّا نويناه، فخفوا كثر الله جمعهم، خفوفا لم يذمر بموعد، ونفروا عَن غير مزعج، مهيب فِي الرجل الرِّبَا كَثْرَة، وأسود الشرى نجدة، ويعاسيب الكور سلاطة وحمية. وَخَرجْنَا نجد السّير، والنجح قايد، والتوفيق مواكب، والسعد للْفَرض كافل، وَالْقَصْد
المبرور ضَامِن. واحتللنا رندة مرسها الله، واثقين بِقُوَّة الله وَحَوله، مُتَمَسِّكِينَ بِسَبَبِهِ الْقوي فِي الْأَمر كُله، وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه، وَمن فوض الْأَمر إِلَيْهِ نجح قَصده وَعلا كَعبه. ثمَّ انتقلنا بالمحلات المجتمعات ضفة وَادي لكه، محلّة الْفَتْح الأول، ومحول النَّصْر المتاح المخول، وَمِنْهَا صبحنا أُولَئِكَ الْكَافرين فشاحت وُجُوههم، وأحاط بهم سوء كسبهم، وحاق بهم وبال أَمرهم، فَقَالُوا على الربض صلينَا
…
. . وَلما كاثرهم أَوْلِيَاء الله، يَعْلُو بالكلمتين نداؤهم، ويكاثروا أزهار الْبَطْحَاء الْمُخْتَلفَة الألوان راياتهم، فحاش سرعَان من انتثر بذلك السهل العريض من الْأُمَم الْكَافِرَة، وَالنَّسَمُ الغادرة إِلَى مسور الْحصن، وَقد كَانُوا فِي هَذِه المدد الْقَرِيبَة أَو سعوه تحصينا، وناصحوا عوراته رما وتسديدا، وتخلفوا الْمنَازل مَالِيَّة بِالنعَم والأقوات، والأمتعة والآلات، فخافهم الْمُسلمُونَ عَلَيْهَا انتهابا لكثيرها واستلابا لخطيرها، حَتَّى لم تبْق يَد إِلَّا ملثت، وَلَا نعْمَة إِلَّا سبيت، وتحصنوا بالقصبة، وَالسُّيُوف تتخطفهم، والرماح تنوشهم، والسهام تبعجهم، بعد موافقات صعبة، وحملات مرّة، ومدافعات تجاه بَابهَا، استوعب لفيفهم مَعهَا التحصن، واستكملوا التصنع، وهم أُلُوف، حذر الْمَوْت يحْضرُون، وَإِلَى الْمحيا يتسابقون ويهرعون، وصدقوهم الْمُسلمين الضمة، فأجحروهم صابرين، وتسنموا الْعَرَصَة ظَاهِرين بعد إثخان الْقَتْل وإعمال السَّيْف، وَبعد أَن سدت المسالك جثث الْقَتْلَى، وملأت الرحاب أشلاء الصرعى، ثمَّ عاطوا من تحصن بالقصبة كؤوس الْقِتَال، وَأَرْسلُوا عَلَيْهِم حواصب النبال، وتعلقوا بأسوارهم، يقرعون الثنايا، ويطلعون عَلَيْهِم وُجُوه المنايا، واستجدت آلَات النقب، وَظَهَرت إِلَى ذَلِك المعتصم المحبور من ذمَّة الله، حِجَارَة الرجز، وأسفوا الله فانتقم مِنْهُم، وعتوا على عباد الله المطهرين، فَجعل لأوليائه وأوليائهم نَصِيرًا
لَهُم فصابروا الشدَّة عَامَّة، يَوْم الهجوم عَلَيْهِم، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي سَفَكُوا فِيهِ دِمَاء أسرى الْمُسلمين، وعتوا على رب الْعَالمين، لَيْلَة مستهل الشَّهْر الْكَرِيم، متقبل الْأَعْمَال، ومتنزل الْقُرْآن. وحثهم اللَّيْل فأضرمت النيرَان فِيمَا استبحر من دِيَارهمْ المتحرقة الأوضاع، الغاصة بالآلات، فغشيتهم السَّمَاء بِدُخَان مبير، وَعَذَاب أَلِيم، وضغطهم صهاب من عَذَاب شَدِيد. ولمنتصف الْيَوْم بعده، ألقوا بالإذعان إِلَى حكم الْمُسلمين، فأنزلوا عَامَّة اللَّيْل، بعد أَن علت بِنور الْإِسْلَام فِي أبراجهم الحصينة، وقصبهم المبتناة لهَذَا الْعَهْد المشيدة، وَمن الْغَد عَمت ردفا سباياهم الظُّهُور والأكفال، وتجاذبت مُقَاتلَتهمْ وجلداؤهم الجزل والحبال، وصلصلت إِلَى إمتطاء نبهائهم الأصفاد والأكبال، وَقد أضرمت النَّار فِي بُيُوتهم، الَّتِي تَأذن الله بخرابها، فَعَادَت قاعا لَا يعمر، ويبابا لَا يسكن بعْدهَا وَلَا يتدبر، قد جلله من رفع مستنجز الإثارة، متواكف الْعِمَارَة، مناخ السيارة، سخط من أهل الغربي، لما بطرت معيشتها، وأدال الْأُمَم لما ركبت بغيها. سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته، وَلَا دَافع لنقماته، فأصمت [ألسن] ، نواقيسه المصطحبة، ومزقت أشلاء تماثيله المتبرجة، وسفكت دِمَائِهِمْ، فَوق دَمًا من قَتَلُوهُ، وجزوا جَزَاء الضعْف بِمَا فَعَلُوهُ. فيابردها على كبد إلاسلام، من نيران مشبوبة، وأوثان مطروحة، وأغلاق مفضوضة، وفروش وثرت من زغب الطُّيُور حشاياها، ومهدت للمترفين وَلَا ياها، نفضت فخالطت الهباء وعمت الْهَوَاء. وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى. وقفل الْجَيْش يجلب نصرا لَا كفاء لَهُ، وصنعا لَا عهد بِمثلِهِ، وَقد رفعت ألويته الخافقة ألوية الْفَخر، وفازت سيوفه الْمَاضِيَة بِإِدْرَاك. . ور
…
. وَإِن كَانَت ترايب الْإِسْلَام أَقْدَام من هَذَا
الْحق، وَقد كللت مَحل الصَّيْحَة، ومتنزل النقمَة، ومصرع الفئة الْكَافِرَة الباغية، أَفْوَاج من عصايب الطير، تتداعى الجفايا، وتتنادب للوليمة الْعُظْمَى، وَلَحِقت عمد الدُّخان لأعنان السَّمَاء، وَنَادَتْ أَلْسِنَة الحمية فِي تِلْكَ العرصات يالثارات الأسرى، واستباحت سيوف الله من النسم آلافا عدَّة، وَمن الحماة أولى بَأْس وَشدَّة، أعيا حَدِيثهَا النَّقْل، فاثتمنت علية النَّار، وأعجزت طعمتها الظّهْر، يُوكل بهَا الانتساف والتبار، وألصقت جدرانها بِوَجْه الثرى، وَأهْلك مَا خرب من زَرعهَا ونأى. وَالْخَيْر لَا يَنُوب عنة كل المناب عَن المرأى، أوزع الله شكر النعمى، وَكتب لِلْإِسْلَامِ حسن العقبى. وَظهر الْمُسلمُونَ من الْبَقر على آلَاف مَلَأت السُّرُوج، وغصت ببراذنها ومراقدها الحزون والسهول. وَأما سايمة الْغنم، فعاثوا مِنْهَا فِيمَا لَا يكْتب وَلَا يُحْصى وَلَا يعد، وباء الْمُسلمُونَ بشفاء الصُّدُور وسرور الْقُلُوب، وقرة الْعُيُون، وَقد
…
...
…
. . للأخذ بترابهم من لَا ينَام عَن الدمنة ن وَلَا يصانع فِي رعى الذِّمَّة. وجاست خيل الله من أحواز حمص، أَعَادَهَا الله بإمدادكم، ومؤمل جهادكم، الجو الَّذِي لم يطْرق لهَذَا الْوَقْت حماه، وَلَا عرف اسْمه فرضا عَن مُسَمَّاهُ، سوق عصية السوايم وتكتسح المسارح، فَلَا تتْرك لسع هجمة، وَلَا نافخ ضرمة، وتذعر غاراته المشعلة الأسراب، وتتخلل عمرته وسواده الشعاب، وَمن بهَا من الفرسان والأعيان، أولى الْقُدُور الراسبات، والزغب الكاسيات، والأتباع والأشياع، والرطانة والجعجاع، قد لاذوا على وفور عَددهمْ بالأسوار، وأيقنوا بالبوار، وطرقتهم الْغَارة،
اتسعوا فِي عقر الدَّار. وَلَوْلَا أَن الْفضل لم يَأن إِدْرَاك غلاته، وَلم يسْتَدرك خصايص مطعوماته ومقضوماته، لاتخذها النَّاس مجْرى السوابق، ومجر العوالق على التوالي، وَلَو صلوا فِي انتساف النعم وموالات النقم، أيامهم بالليالي. والعزم على التعقيب بِفضل الله متوفر، وَالْعَمَل على الْعود إِن شَاءَ الله متجدد، وَعند الْمُسلمين حاطهم الله وأنجدهم، من الْمُبَادرَة إِلَى الدعْوَة، والمنوب إِلَيّ الهيعة، والاغتباط فِي سَبِيل الله والروحة، مَا يرجي أَن يكون سَببا لظُهُور مَا تَضَمَّنت محجوبه أَلْوَاح الْغَيْب وأسرار الْمَشِيئَة، وَالْقُوَّة بِاللَّه، والعزة لله، وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله، وَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَمن جعل مقامكم الْكَرِيم رده فِي سَبِيل الله، وتوعد الْكفْر بحميتكم فِي سَبِيل الله، وَمن أجلة فقدحه أَن شَاءَ الله الْمُعَلَّى، وحظه بِالْخَيرِ أَجْدَر وَأولى. حفظ الله مِنْكُم على الْمُسلمين عنصر كلمتهم، ومقدر قوتهم، ومهب ريح نَصرهم، ومفزع شدتهم، وطية ركاب منشرايهم. وَلما عدنا إِلَى حضرتنا بادرنا تعريفكم بِهَذَا الصنع، من قبل أَن تنفض غُبَار الْغَزْو من العمايم واللمم، ونريح الْجِيَاد من اللبود واللجم، وكأننا نَنْظُر من حسن موقعهم من نواديكم الغاصة بالأحراز، الهافية لإدراك الثار، وإجمال الْآثَار، فَإِن لمحركات الحمية، من بَين القبايل المزية، وَإِدْرَاك التراث، ترتاح إِلَيْهِ الهمم الأبية، لَا سِيمَا الهمم المرينية، وذمام الْإِسْلَام، وَالْحَمْد لله، غير واهن السَّبَب، وَلَا دارس الْمَذْهَب. وأكد حبورنا
…
... . لسرورنا، مَا شهد بِهِ العيان من يمن دولتكم، وَظُهُور سعادتكم، فَلم يعْدم مَعهَا وَالْحَمْد لله حضب،
وَظُهُور وَخير مَشْهُور، وَالله عز وجل يصل لنا وَلكم مَا عود، ويمتع بِمَا حول، ويعين على مَا قلد. وَأَنْتُم وجهة تعريفنا بالمتزيدات، والمنن الوافدات، فَمَتَى استجلينا مِنْهُ شَيْئا، جلوناه عَلَيْكُم، أَو استطلعنا وافدا، أهديناه إِلَيْكُم. وَالله يصل بقاكم ، ويعتمد بالصنايع الباهرة علاءكم ، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم ، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته ، وَكتب فِي كَذَا من رَمَضَان الْمُعظم من عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وسبعماية.
وَكَانَت الْحَرَكَة الْكُبْرَى إِلَى مَدِينَة جيان إِحْدَى دَار الْملك وكرسي دَار الْإِمَارَة ولدات الشُّهْرَة ، وافتتحها الْمُسلمُونَ عنْوَة فِي أَوَاخِر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية فصدرت مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب
من إملائي مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي نبادر أبوابه بالبشرى ، مردفة أولاها بِالْأُخْرَى ، ونستظهر بعزيمته الْكُبْرَى ، مَتى أعضل الدَّاء واستشرى ، فَهُوَ أولى بالحالتين وَالْأُخْرَى ، مقَام مَحل أخينا ، الَّذِي أَقَامَت دولته أسواق البشاير والتهاني ، وتكلفت سعادته للْإيمَان بتسني الْأمان ، وتأتى الْأَمَانِي ، السُّلْطَان الكذا أَبُو فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ، ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق ، أبقاه الله بالصنايع الجميلة [مَسْرُورا ، وبر كايب البشاير العجايب] مزورا ، وَفِي الفضايل الجليلة علما منشورا ، وَلَا أعدمه فتحا وظهورا ، مُعظم قدره ، وملتزم بره [الدَّاعِي إِلَى الله باتصال سعده ، واتساق نَصره] ، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر ، أيد الله أمره وأعز نَصره. سَلام كريم [طيب برعميم] ، ينم بِفَتْح الْفتُوح المؤيدة بالملائكه وَالروح عرفه ، ويبدي أنفاس ريحَان [الْجنان] . فيعي عبارَة اللِّسَان ، وموارد علم الْإِنْسَان وَصفه ، يخص مقامكم الْأَعْلَى ، ومثابتكم الفضلى ، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله كَافِي من اسنكفاه، وهادي من استهداه، الَّذِي نصر الْحق وَأَعلاهُ، ودحض الْبَاطِل وأرداه، ووعد من توكل عَلَيْهِ، وفوض أمره إِلَيْهِ، بحسنى عقباه، وَأخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر [فاظنتتم أَن يخرجُوا] ، وظنوا أَن حصونهم مَا نعتهم من الله، فَمَا أوسع رحماه، وأسبغ نعماه. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سر الْوُجُود وَمَعْنَاهُ، وموحد الْكَمَال ومثناه، ومختار الله من الخليقة ومجتباه، نَبِي الْمَلَاحِم، الَّذِي نصر بِالرُّعْبِ على عداهُ، وزوى لَهُ الأَرْض، فَرَأى ملك أمته بلغ مَا جمع لَهُ مِنْهَا وزواه، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه المخصوصين بمزية قربه، ومنقبة حبه فِي مماته ومحياه، الذادة عَن حماه، النزعة فِي الْهدى إِلَى هدى مرماه، مزعجي الْكفْر عَن مثواه، ووارثي الأَرْض من بعده بذريعة رَضِي الله وتقواه، والدعا لمقامكم، حرس الله جَوَانِب علاهُ، وأعانه وتولاه فِيمَا ولاه، وَحفظ عَلَيْهِ مَا أولاه، كَمَا جعل أَوْصَاف الْكَمَال حلاه، وعرفه عوارف السعد، الرايق مجتلاه، وَذخر لَهُ الْفَتْح الْمُبين وسناه [بتوالي الْعِزّ المشرف سناه] ، والنصر الداني من غصون الرماح الملد جناه، والصنع الَّذِي ينَال بِهِ الدّين الحنيف مَا يتمناه، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم فخرا رايقا رياه، وسعدا مشيدا مبناه، وأطلع من غرر الْفتُوح كل وَافد بشر محياه، ووارد مهما تَلقاهُ، روح الْحَيَاة بوأه وحياه. [من حَمْرَاء غرناطة، أمنها الله] ، وَالدّين قد ساعدته بِمَا يرضيه دُنْيَاهُ، وَنور الله الَّذِي وعد بإتمامه وَإِن كرهه الْكَافِر وأباه، قد دَعَا
بوعد الصَّادِق فلباه، وَالْإِسْلَام بِهَذَا الْقطر قد استمنح مِنْهُ سُبْحَانَهُ، عَادَة اللطف بِهِ والنصر فحياه، وَالْحَمْد لله مبدأ كل أمره ومنتهاه، وَآخر كل كدح وأولاه، فَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله، ومقامكم عدَّة الْإِسْلَام الَّذِي يكْشف جلاه، ونساهمه فِي المسرات الَّتِي تهز نواسمها منتداه، والمبشرات الَّتِي تفوز بقدحها يَدَاهُ. وَإِلَى هَذَا أوزعنا الله وَإِيَّاكُم شكره، من منح أعلت معالم الْإِيمَان، وأعلنت برضى الرَّحْمَن، وعودة الزَّمَان، وأعربت عَن إتاحة الكرة وهبوب الرّيح، وَإِطْلَاق الإدالة، فَإنَّا نجلو عَلَيْكُم خبر الْفَتْح المخبو لزمننا وزمنكم، المذخور من الله سُبْحَانَهُ، فضلا علينا وَعَلَيْكُم، المعرب [عَمَّا بعده] إِن شَاءَ الله، عَن دُيُون فِي الْكفْر تَقْتَضِي، ومعارج للذّكر الْجَمِيل تَرْتَضِي، وسبل السّلف الصَّالح تقتفي، ومساع فِي الْجِهَاد تقرب إِلَى الله زلفى، وتعود مِنْهُ بالجزاء الأوفى، فتح الْفتُوح الَّذِي سمى اسْمه الرفيع ومسماه، أَن يُحِيط النّظم والنثر بِمَعْنَاهُ، إِلَّا أَن الْإِشَارَة تنْزع إِلَى مرماه، وَشرح الْمُجْمل الَّذِي تقصر عَنهُ ألسن الْعبارَة، ويستدل على كنهه بملامح الْإِشَارَة، هُوَ أننا اتَّصل بِنَا، والحي خلوف، وَحكم السّلم مألوف، أَن مَدِينَة جيان، بلغاء الشُّهْرَة، وَغَابَ البسالة، ومنبت الشَّوْكَة، وعقاب الْقَوَاعِد المغتصبة للْمُسلمين، ومختط طَائِفَة الْعَرَب الشاميين من كورة قنسرين، والأمم العديدة الْبَنَات، المستبحرة المنا والجنات، حَيْثُ الزياتين مِنْهَا، تمتار الْبِلَاد والعباد، مدد الْوقُود والكروم، الَّتِي استثمرتها الرّوم، تعبق لَهَا الخوابي الجوب بِدَم العنقود، والجنات الأشب، والوضع المنبت المعجب، حجر الأراقم المختالة، فِي جُلُود الزرود، والليوث الباطشة فَوق فيول الْخُيُول، ومصرخ النواقيس الصايلة، وَنصب التماثيل الهايلة، ولدة دَار الْخلَافَة قرطبة،
بدا لأَهْلهَا فِي مُخَالفَة سلطانهم الَّذِي جددنا عَهده، وأبرمنا سلمه، وأكدنا عقده، وأوجبنا لتوفر البواعث نَصره. فأهنبلنا للحين غرَّة، وانتهزناها فرْصَة، وحللنا إِلَيْهَا عقال الفتك، الَّذِي كَانَ قد قَيده الْإِيمَان، وسللنا عَلَيْهَا سيف الله الَّذِي أغمدته الْمُوَادَعَة والآمال، بعد أَن استخرنا الله، الْوَلِيّ فِي الغربة، النَّاصِر فِي الشدَّة، الَّذِي بِيَدِهِ الْقُدْرَة والعزة، والحول وَالْقُوَّة، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خير الناصرين، ومظهر دينه على كره الْكَافرين، ونوينا أَن نرفع بهَا هضم الْإسْكَنْدَريَّة، ونقوم بِفَرْض الْكِفَايَة عَن الكافة، فأثمرت استخارة الله لدينا، وَالْقُوَّة بِهِ، والتوكل عَلَيْهِ، الإستهانة بأسوارها المشيدة، وحماتها البئيسة، وشهرتها الجامحة، فأبرمنا الحزم الَّذِي شحذ التَّوَكُّل غربه، وسدد الاستبصار سَهْمه، وأضفى الصَّبْر جنته، وسهلت الثِّقَة بِاللَّه حزبه. واستدعينا أهل الْجِهَاد [لتصير الْجِهَاد] ، ونفضنا أَطْرَاف الْبِلَاد، عَن أولى الجلادة على الجلاد، وعينا أمدا أضَاف الانحفاز مدَّته وتحيفت البدار فسحته، وعَلى ذَلِك فاستكثرنا من آلَات الْقِتَال، ورفعنا المجانيق على أفلاك الأعجال، وأفضنا العطا الَّذِي تجَاوز شهور الأستحقاق إِلَى مَا وَرَاءَهَا، مِمَّا لم يستهل جَنِين هلاله، وَلَا وسمت خيلان اللَّيَالِي صفحة جماله، وأوصلنا الجيوش إِلَى المطوعة الغازين والمرتزقة المدونين إِلَى حُقُوقهَا فِي الْغنم الْمُتَقَدّم، وَالنَّفْل الْمُبَارك الْمُتَيَقن، فتضاعفت الارتياش، وأزيحت الْعِلَل، وأخلصت الضماير النصفة، وأطابت الْقُلُوب المعدلة، وَلما تكاملت الجموع
وتوالت الحشود، وتعددت بِظَاهِر حضرتنا الرَّايَات والبنود، بَرَزْنَا نهتدي من الرَّأْي الَّذِي تعودنا يمنة بمصباح، وذبال اسصباح، لَا بل بفلق صباح، وخيمنا على بريد من الحضرة، ترفيها على السيقة، ونظرا للفذ وَالْجُمْلَة، مخيما جمع مقادة من النسم، لَا يحصيهم إِلَّا من كتب خطاهم فِي طَاعَته، وأحصى أنفاسهم المطيبة بذكراه، واستحفظ بقع الأَرْض شَهَادَتهم بتوحيده. وَكَانَ إطلالنا عَلَيْهِ، ثَالِث يَوْم البروز، وَهُوَ يَوْم الأثنين الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر الله الْمحرم، مفتتح هَذَا الْعَام السعيد، فِي أحسن التعبية، وأكمل وَأحكم الأهبة. وأمحرت الينا حامية الْعَدو، ذابة عَن الْحَوْزَة، مبلية من دون الْعَرَصَة، متمرسة بسرعان الْمُقدمَات، ورواد منَازِل المحلات، فَلَمَّا كاثرهم السوَاد الْأَعْظَم، وَالْبَحْر الَّذِي لَا يزحم، استجنوا بحمى الأبراج المشيدة، وَفرج الْأَبْوَاب العديدة. وتلاحق أوايل الْأُمَم المحشودة المحشورة، من الجموع المنصورة الموفورة، تموج بهم عَرَفَات موقف الْجِهَاد، [وتعرضهم ساهرة نشر الْبِلَاد] ، ويتراكم مِنْهُم، وفرهم الله، رجل الْجَرَاد. وَكَانَ الْغَرَض يستكمل محمل الطَّرِيق، ويتدارك جُمْهُور النفير، وَيجْرِي حَربًا على مُقَرر التَّرْتِيب ومحكم التَّدْبِير، فشره النَّاس إِلَى الْعَدو، ووجهوا إِلَى حومة الْحَرْب خفوفا. لم يلو فِيهِ الْمُتَقَدّم على الْمُتَأَخر وَلَا انْتظر المسرع لحاق المتلوم. فانهارت مِنْهُم الهضاب وانهالت، وتدافعت الأودية وسالت، وجنحت الرَّايَات إِلَى حومة الربض الْأَعْظَم ومالت، كَأَنَّهُمْ سحايب الخريف. حركتها الزعازع، وَخَربَتْ آباط ركابهَا البروق الخواطف، وَأَحَاطُوا بِهِ من قبل أَن توزع عَلَيْهِم الْآلَات، وتبوأ مقاعد الْقِتَال [كماة الحماة وفره] الرُّمَاة، فقرعوا للحين سوره، واقتحموا مَنَازِله ودوره،
وصدموا حاميته الضخمة، ووالوا عَلَيْهَا الشدَّة، حَتَّى أزعجوهم عَنْهَا عنْوَة، واستلحموا مِنْهُ جملَة. وَشَمل الربض النهب، ورغا فَوق أَهله الْعَذَاب الصعب، وتعلقوا بعده بسور الْبَلَد، وبادرنا الهيعة، وَقد هزت ريَاح النَّصْر عذبات الرَّايَات، وسد مَا بَين الْخَافِقين علو كلمة الشَّهَادَات باخْتلَاف الْأَصْوَات، وصكت الأسماع رعود الطبول، واستنجز الْمُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ من رَبهم مِيقَات الْوَعْد الْمَفْعُول، فَلَا ترى إِلَّا هاويا من ذرى شرفة، تخلفه جملَة، أَو شَهِيدا يتزاحم على مواقفه لمة، أَو ثنية تفرع، أَو شعارا يسمع. وَنزل الصَّبْر، وأنجز الْوَعْد، وَقذف الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين، وأمد أولياه بالملايكة المسومين. ففرعت أسوار الْمَدِينَة ضَرْبَة، وَدخلت وَالْحَمْد لله عنْوَة، وَجَاز فرسانها فِي السكَك، يطيرون من ضيقَة إِلَى أُخْرَى، والمسلمون يَأْخُذُونَ عَلَيْهِم الفوهات، ويسوقونهم إِلَى المتمنعات، وَقد شرهت السيوف، وتخارقت الرماح، وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل، وأخذتهم الرجفة. وَاخْتَارَ لمة مِنْهُم ميتَة الإيجاز والإعذار لأَنْفُسِهِمْ بالفرار، على الْميتَة بَين الديار، ففتحوا بعض أسوارها وألهبوا الْخَيل ركضا، وأجهدوها خضا، وَركب الْمُسلمُونَ أكتاف مدبرهم، واعترضوا وُجُوه مقبلهم، فبهروهم بِالسُّيُوفِ، وعاجلوهم بالحتوف، واستولوا على أقطار الْمَدِينَة اسْتِيلَاء أعجل المجانيق عَن الرُّكُوع، وصواعق الصخر عَن الْوُقُوع، وجبل الْحَرْب عَن الإحكام، والاعتدال عَنْهَا بالهندام. وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على مَالا يَنَالهُ، وَلَا يُدْرِكهُ الْكسْب، من الْأَمْوَال الدرة، والأمتعة الثرة، والذخاير المصونة، وآنية الزِّينَة الثَّقِيلَة، والأسلحة المستجادة، وعاثت فِي الخزاين الطامية، والأقوات الهايلة، ودنان الأدهان
المدخرة، وَالْخُمُور الْمُقدمَة، إبادة ونهبا، وإراقة ونقلا، إِلَّا مَا يكاثر الْحَصَى، واجزاء الهبا، من الْحَيَوَان الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس، صواهل ضامرة، وسواجع بادية ويعافير فارهة. وغصت الأضبان، ووهنت الأكثاد، بِمَا فِيهِ يرغب، من الماعون والسقط والخرئي، وجلال الْأَسْبَاب، حَتَّى القسى، والسرج الدني [وَمَا يشنفه الْغنى] وَأخذت الدّور والقصور، وَالْبيع وهياكل الْعِبَادَة، والرباع الشهيرة، [والحانات، والديرة الْمَقْصُودَة، والقياسر الميسورة] أَيدي الإثارة، والإبادة، فسلطت النَّار على أعاليها، وَالْهدم على مَا يَليهَا، وجللها الدُّخان، وظللها الخسران، ونادى بهَا لِسَان، الحمية، فِي مرضاة رب الْبَريَّة، بالثارات الْإسْكَنْدَريَّة. وقيدت نواقسها بالحبل الَّتِي حركت جبالها، وقلقلت هضابها، فأبرزت خاسئة صاغرة، وَتركت بعد ثل ألسنتها دامية فاغرة، وجنب من الأسرى، وهم الفل الَّذِي تخطاه الْأَجَل الْمَكْتُوب، وَالْقدر المحتوم، أوشفع فِيهِ الْحسن المرموق طوايف غصت بقطارهم، السبل العريضة. وَضَاقَتْ بواردهم المناهل المفرقة، وَهلك بَين جدرانها من النسم الْكَافِرَة، والطوايف المجانبة للحق المنافرة، بَين بهم مقدم، وشجاع معلم، وَفَارِس مغوار، ومنتجع فلاحة، ومعاني صناعَة، وملتمس تجر وقنية، ومقيم مِلَّة، مَا لم تستأصله الهزايم الشهيرة، والوقايع المبيرة. كفى الله شرهم، وَدفع ضرهم، سُبْحَانَهُ لَا دَافع لنقمته الحانقة بالمعتدين، وَلَا راد لِبَأْسِهِ عَن الْقَوْم الْمُجْرمين. وتخلص من أسرى الْمُسلمين جملَة، طرقهم الْفرج الَّذِي لَا يحْتَسب. واللطف الَّذِي تنجاب بِهِ الكرب، ولجأ الفل المحروب من جمهرها، وهم معشار المعشار من صريعها
ومأسورها، أزوادا تنشر عَلَيْهَا عصي سمر الرماح، وأسرابا تخفق فَوْقهَا أَجْنِحَة الْجراح، من بيض الصفاح، إِلَى حمى القلعات المشيدة، فنراكموا بالقنة القايمة بِأَعْلَى الندوة، وَقد جنح الْأَصِيل، وجاذب القرص المسيل، فرتبنا عَلَيْهِم المسالح والأحراس، ووكلناهم إِلَى غيب الزحام، وَسُوء الْمقَام، وبرح الظما، ورجز السما، وتربصناه بالإجهاز عَلَيْهِم، انقشاع الظلماء، وباكرناهم وطبول الْعِزَّة بِاللَّه هادرة، وَكلمَة الْحق قايمة صاعدة، وعزايم الصدْق مَاضِيَة. فعاطينا تِلْكَ القلعة الشما [فِي السكَك الْمُزَاحمَة لشهب الأفلاك] الْحَرْب الضرسة الَّتِي لم يعْهَد بِمِثْلِهَا، فِي زمَان سالف، ودهر غابر، بلغ فِيهَا الصَّبْر أغياما، تتجاذبه مطولات الْقصاص، وغرايب الأسمار، وَيجمع فِيهَا أَلْسِنَة الْأَخْبَار. فَدخلت القصبة الأولى، وَارْتَفَعت فِي أبراجها البنود، وانتقل من بهَا إِلَى الثَّانِيَة. وَلما افْتقر أمرهَا من بعد المحاولة إِلَى المطاولة، ورأينا بعد ذَلِك أَن لَا مطمع فِي اسْتِبْقَاء الْمَدِينَة، إِذا استخلصنا القصبة الشاهقة، وفتحنا القلعة السامية، لمَكَان العقد، مَعَ ولي قاعتها، ومستحق خربتها، ضنا بالنفوس الْمسلمَة، أَن تفيض من دونهَا لجاجا، أَو تبيد عَلَيْهَا مجَّانا، وَأَن من تحصل بهَا، أشبه شَيْء بِالْعدمِ، قلَّة وذلة، وارتيابا وأشتاتا، وَقد أثبتهم الرُّمَاة، وفشت فيهم الْجراح. ونبا بهم الوطن، واقتطعتهم المحن، أجبناهم إِلَى مَا بذلوا فِي جماجمهم من الفدا على الإفراج عَنْهُم، والإقلاع عَن ساحتهم. فتم ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من يَوْم المنازلة [بعد أَن] توثقنا فِي شَأْنهمْ، واقتضينا مائَة من متخير
رهائنهم. هَذَا بعد أَن جهر الْمُنَادِي ، بعقر الْأَشْجَار ، وانتساف تِلْكَ الأقطار ، [فأمسى الجناب الْأَخْضَر ، لَا يظل ضاحيا وَلَا يقل فراشا هافيا] . وتناولت الأقواس جراثيم الْعقار فعقرتها ، وقرأت أَلْسِنَة النَّار سُورَة التِّين وَالزَّيْتُون فجرفتها ، وحالت أَيدي الْبَوَار ، واستؤصلت عاديات الْأَشْجَار ، وفجع بخندق الْجنَّة أهل النَّار ، وَطَاف عَلَيْهَا طايف من الله ، وأصبحت كالصريم ، وطلعت عَلَيْهَا بالصليم ، لكتاد غرَّة الْيَوْم العصيب ، وتقاسمت الْأَيْدِي تخريب أسوارها ، فهشمت أَسْنَان الشرفات ، وجدعت آناف الأبراج المشرفات ، فَهِيَ الْيَوْم اليباب البلقع ، ووهيها الوهي الَّذِي لَا يرقع. وَاتفقَ من تَمام الصنع أَن تلاحق بمحلتنا عَلَيْهَا وَزِير السُّلْطَان صَاحب قشتالة ، فِي كَتِيبَة خشنة من قومه ، وعددهم من أَتْبَاعه ، مستجيرا بِنَا من مُطَالبَة سُلْطَانه ، طارحا نَفسه علينا ، فِي تكفل أَمَانه ، فَرَأى من وفور محلات الْمُسلمين مَا بلد فكره ، وحير لحظه ، وَشَاهد من عَظِيم أَثَرهم فِي الْبَلَد المستباح ، الَّذِي دمروه ، وَعدد من استرقوه وأسروه ، مَا ضاعف حسرته ، وأذرف عبرته. فَكَانَ ذالك طرازا على الْحلَّة السيراء ، وتماما للنعمة النعمى ، وأملا فِي ظُهُور الدّين ، وَالْحَمْد لله تكيف وتأتى. وقفلنا بِالْمُسْلِمين ، هنأهم الله بِمَا وهبهم وَقد وسم وُجُوههم الاستبشار ، وحلل قِتَالهمْ فِي سَبِيل الله النَّقْع للثار ، وَقد فجعوا الْكفْر بِأم من أَمَاتَهُ ، وكرسي الْملك مُسْتَقل بذاتة ، وتركوها أوحش من القفر ، وأخلى من جَوف الْقَبْر ، مرصوفة السكَك بالجثث والأشلاء ، مظللة بأعنان تبلغ أعنان السَّمَاء ، مرفرفة فَوْقهَا عصايب القشاعم ، متزاحمة على شعابها ونقابها الضباع الصرامح ، والعواسل والكواسر ، قد شاه مرآها الْجَمِيل ، وأوحش
مربعها الأنيس، قفولا مَلأ بِلَاد الْكفْر رعْبًا، وجاسها ذعرا، وَأقَام لِلْإِسْلَامِ [وَأَهله فِيهَا] وزنا، ويالها من شَوْكَة خضدها الله وأبادها ، وأذهب كيادها. وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه ، إِن الله بَالغ أمره. وعرجنا فِي هَذَا الإياب الْعَزِيز على مَدِينَة باغة الْحُجْرَة ، من بَنَات تِلْكَ الْأُم البائسة ، وفروع تِلْكَ الشَّجَرَة المجتثة ، فَصَارَت سحيرا للسيل ، وملتهم الويل ، ومنتهب الرجل وَالْخَيْل ، وألفينا قاطنها قد ولى هربا ، وَاتخذ اللَّيْل جملا ، وبيوتها مشحونة أثاثا وأقوتا ، وَنِعما أشتاتا ، فَأَخذهَا النهب ، وَفَشَا فِي عيصها الأشب العيث ، وتعلقت النَّار بزياتينها لمَكَان العلاقة ، وأغرت بهَا لأجل السلبط أَلْسِنَة السلاطة ، فَقلب الدمار أعيانها رَمَادا ، وألبسها الْحَرِيق للثكل حدادا.
وانصرفنا عَنْهَا ، وَالْعَمَل إِن شَاءَ الله على التعقيب مستوفر ، والعزم إِن شَاءَ الله على الْعود إِلَى أبدة الذاهبة مذهبها متجدد. نسْأَل الله أَن يتم علينا النعم ، ويجزل من فَضله الْمَوَاهِب وَالْقسم ، ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد ، فَهُوَ الْوَلِيّ الحميد. وبادرنا تَعْرِيف مقامكم بِمَا سناه الله ، قبل حط البنود عَن الْجِيَاد ، والحمايل عَن الأكتاد ، علما بموقع هَذَا الصنع من دينكُمْ الْأَصِيل ، ومجدكم الْعَزِيز ، وملككم الْكَبِير ، فَهُوَ دينكُمْ وجواركم ، ووطنكم الثَّانِي وداركم. وَقد كَانَت هَذِه المكيفات ، بشاير ولي الله السُّلْطَان الْمُقَدّس والدكم ، الَّذِي لَا يتحف بأسنى مِنْهَا خطرا ، وَلَا يهدي أجل مِنْهَا قدرا. وَأَنْتُم وَارِث خلاله الصَّالِحَة ، وشيمه الْبرة الطاهرة. وَنَرْجُو الله أَن يكون هَذَا الْفَتْح ، تمهيدا لمذخور نصركم ، وإرهاصا بَين يَدي جهادكم ، ولتتحققوا أَنه لَو جمع الله جمع الْإِسْلَام على الْجِهَاد ، لعاد الْفَتْح الأول
جدعا ، وتقهقر الْكفْر جزعا ، وراجع حُدُوده هربا. وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر ، وَمَا أمرنَا إِلَّا بِوَاحِدَة ، وَمَا ذالك على الله بعزيز ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يهيء لكم وَلنَا من أمرنَا رشدا ، ويوفقنا كَمَا يقربنا الله زلفى ، بفضله وَرَحمته. وَالسَّلَام الْكَرِيم ، الْبر العميم ، يعْتَمد كم كثيرا أثيرا ، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. كتب فى آخر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية.
تمّ السّفر الأول
وَكَانَت الْحَرَكَة بعْدهَا فِي أوايل شهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة إِلَى مَدِينَة أبدة. فاحتل السُّلْطَان [بِمن لنظره] من جَيش الْمُسلمين بظاهرها، فافتتحها عنْوَة وَاسْتولى على مساكنها التدمير والتئبير، وعفت آثارها، وهدمت كنائسها وأسوارها، وقفل إِلَى حَضرته الْعلية بِجنب نصرا لَا كفاء لَهُ. وصدرت عَنهُ مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب من إملائي بِمَا نَصه بعد سطر الأفتتاح.
الْمقَام الَّذِي نعاطيه أكواس المسرات دراكا، ونجعل لَهُ فِي الْفتُوح وثوابها الممنوح اشتراكا، ونتحفه بالأنباء الشاهدة بخلوص الْوَلَاء على الْوَلَاء سكونا أَو حراكا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي شَأْنه السرُور بِمَا يفتح الله بِهِ على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام، والابتهاج بِمَا اجتلاه الدّين الحنيف من سَعَادَة الْأَيَّام، والمساهمة الَّتِي تلِيق بِمثلِهِ من الْمُلُوك الْأَعْلَام، السُّلْطَان الكذا أبي فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن عبد الْحق، أبقاه الله، وبابه بالبشاير مَقْصُود، وسعده فِي الْأُفق الْأَعْلَى مرصود، وَملكه بِاللَّه مَعْصُوم معضود، وشمله باتصال الْأمان وَرَضي الرَّحْمَن منضود، وظل عدله وفضله مَمْدُود، وآثاره فِي الْآثَار الصَّالِحَة الْبَاقِيَة مَحْسُوب مَعْدُود، مُعظم قدره العالي الاقتدار، المسرور لهلاله السعيد لصفة الْأَبْرَار، واستقامة الدَّار، الدَّاعِي لَهُ فِي حَالي الْإِيرَاد والإصدار، بالزلفى وعقبي الدَّار، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد
ابْن نصر. سَلام كريم، ينم فِي جو الخلوص مِنْهُ نسيم، ويتجلى فِي مظهره الود المرصوص لَهُ محيا وسيم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله معرف العوايد الجميلة، ومعدد العوارف، ومصرف الألطاف الْحَسَنَة، ومحسن المصارف، مُجَدد الْيمن المتعاقب المترادف، ومؤيد الْعِزّ التالد بالطارف، الْجواد الَّذِي أخلصت آراؤه العميمة، ومننه الْكَرِيمَة وصف الواصف، نَاصِر حزب الْإِسْلَام، على معاند دَعوته السامية الْأَعْلَام والمخالف، ومظهر دينه الْحق على الْأَدْيَان، إنجازاً لوعده السَّابِق فِي الزَّمن السالف. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، أَمَان الْعباد عِنْد اشتداد المخاوف، والظل الظليل الوارف، وغمام الرَّحْمَة الواكف، المنقذ بِنور هداه من المتالف، وَالرِّضَا عَن آله الشم الأنوف الغطارف، سَحَاب العوارف، [وبحار الغوارف] ، الَّذين نصروه فِي حَيَاته بالبيض المواضي، والسمر الرواعف، وَقَامُوا بسنته قيام الْوَاصِل العاكف. والمناصح الملاطف، حَتَّى دنت الغصون للقاطف، واختالت الْملَّة من ثِيَاب الْعِزّ فِي أبهى المطارف، وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم، أبقاه الله مثابة البادي والعاكف، بالصنع المساعد المساعف. واليمن المتزايد المتضاعف، والنصر الَّذِي تشهد بِهِ أَلْسِنَة المارق من الجهادية والمواقف. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يتكفل بإسعاد الراضي. وتمهيد الراجف، وعدلا تمْضِي فِيهِ أوراق المطالب، حكم أوراق الْمَصَاحِف، والسعد بر المتاحف، وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، ومقامكم الْعلي وجهة التَّعْرِيف بِمَا يتزيد من منح، أَو يفتح الله جل جلاله من فتح، تكل فِي بَحر تَفْسِيره الأقلام، عَن فسح وإسهاب وَشرح، إِذْ الخلوص المجدد، وَالْحق الَّذِي لَا يجْحَد، والود المتوارث الَّذِي عقوده تشهد،
تأبى أَن يقطع مِنْهُ الإغفال جنابا، أَو تفقد مِنْهُ منابا، أَو [تسد الشامتة] مِنْهُ بَابا، أَو يكدر صفوا، أَو يشرب لبابا. وبحسب ذَلِك يُنْهِي إِلَيْكُم كل رَاجِعَة تتبعها رادفة، وسالفة تعقبها خالفة، إِشَاعَة لمنن الله بَين عباده، وإشادة فِي الْجِهَاد بثمر جهاده، وعلما بمواقع ذَلِك من مقامكم الَّذِي يعلم صدق وداده، وَجَمِيل اعْتِقَاده، وسيره فِي الْمَقَاصِد الْبرة، على سنَن الْكِرَام أجداده.
وَقد كُنَّا عرفناكم فِي هَذَا الْكتاب قبل هَذَا، أننا على ركاب جِهَاد، واستيناف احتشاد، إِلَى مَدِينَة أبدة، لنهيض مِنْهَا ثَانِي جنحي الْكفْر، ونؤمن الْجِهَات الشرقية بِفضل الله عَادِية الضّر، ونفجع الشّرك بحبيبته، ونصيبه من بعد يسراه بِيَمِينِهِ، فاستعنا بِاللَّه الْقوي الْمعِين، واستنجدناه على فتح معقلها، وَهُوَ خير الفاتحين، واستدعينا كَافَّة أهل الْإِسْلَام، لمأدبة الْجِهَاد الْوَاضِح الْإِشْهَاد، فَهموا طايعين، وَفِي فوز أَيْديهم بِإِحْدَى الحسنيين طامعين، واستكثرنا من الْآلَات والأسباب واستبحرنا من معارج التسورات، وخزاين النشاب، وَلم نَدع حِيلَة تبقر سورا، وَلَا تهويلا يذعر محصورا، وَلَا آلَة تحط وقاية مَنْصُوبَة، وَلَا نكاية تكظم بَلْدَة مخروبة، إِلَّا استزدنا من أَنْوَاعهَا وأجناسها، وتممنا مَا نقص من قياسها، بعد أَن اعتقدنا أَن لَا غَالب إِلَّا الله وَحده، وَأَنه الَّذِي يظْهر دينه وينجز وعده. وَإِلَّا فَمَا يُغني الْعدَد، إِذا لم يكن مِنْهُ الْإِعَانَة والمدد، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق الْخلق وَمَا يعْملُونَ، ومتمم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ.
وأفضنا الْعَطاء فِي المرتزقة، وفتحنا الدَّوَاوِين الملتحفة، وحملنا من نفق فِي سَبِيل الله جَوَاده، وأعنا من قصر عَن مُؤْنَته زَاده. وَخَرجْنَا والتوكل على الدَّلِيل، والمواكب الظَّن الْجَمِيل، ومتعود الصنع للظل الظليل، وَكلمَة الله الْعليا الْعلم الَّذِي لَا يمِيل، فخيمنا على أَمْيَال من الحضرة، مخيما بَادِي الوفور، محفوفا بالعز الْمَشْهُور، والنصر الرايق الشُّعُور. ثمَّ دَخَلنَا بعد مراحل ضفة الْوَادي الْكَبِير من أحوازها المستباحة، وعمالتها المخروبة الساحة، والعدو بعرصة جسر عَال، مثل فَوْقه حصن حُصَيْن يمْنَع العابر، ويصد الْوَارِد والصادر، فألفيناه وَقد قد ضَابِط دربه، وقيوم سلمه وحربه، فأغنانا الله [عَن فض] غلقه واقتحمناه تجْرِي فَوْقه سيول الحشود، وَنشر النَّمْل غير المحصور وَلَا الْمَمْدُود، لَا بل قطايع الليوث الغلب وَالْأسود. وَلما صبحنا ساحتها وأزمعنا بعزة الله استباحتها، نَظرنَا إِلَى مَدِينَة هايلة، عمارتها فِي الأَرْض الفضاجايلة، وأدواحها الأشبة مايلة، ومحاسنها متبرجة متخايلة، ومنعتها دون من اعْتصمَ بهَا إِلَّا من الله حايلة، بنت جبان فِي ملأتها سَعَة جناب، وتبحر فلح وأعناب، بلد التِّجَارَة الَّتِي يعْمل إِلَيْهَا سير الرفاق، من نازح الْآفَاق، والمآرب الآمنة مساعيها من الإخفاق، والمصر الشهير الْعِمَارَة، الفسيح الإثارة، فَإِذا ذكرت الأمات فإليها يشار، وَإِذا تشوقت المعاطن. فلهَا تحن العشار. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ سهل صعبها، وأسفل كعبها، وَاجْعَلْهَا لِعِبَادِك أنفالا، واترك معالمها إغفالا لرمي النَّصْر ثقالا، واقطع عمالتها ليدي الخراب، واصرع آناف مبانيها السامية فِي التُّرَاب، وصيرها عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب. ثمَّ نهدنا فأدرنا الجموع بالأسوار دور السوار، بعد أَن عممنا بكتايب الدَّار ظُهُور النجادة، وبطون الأغوار، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا طيور المنيات من أوكار الْحَيَّات، ورجعنا بذوات الأدراج إِلَى الأبراج، وعاطينا حَربًا تبرجت لأبطالها
الْحور، وتحلت بشذور ، النجيع مِنْهَا النحور ، وعلت بِالشَّهَادَةِ الْأَصْوَات ، وحامت عَن موارد الكماة ، وبيعت من الله النُّفُوس ، ودارت للآجال الكؤوس ، حَتَّى أثمر النَّصْر ثمراته الْمَعْهُودَة ، فافترعت الشرفات المفترشات ، وأصبحت المسافات تطأها الْآفَات ، وَدخلت الْمَدِينَة ، وَالْقُدْرَة لله غلابا ، وتقسمتها أَيدي الْإِسْلَام، قتلا واستلابا، فَأخذت جذل الرماح على كفارها بِوَجْه الْأَزِقَّة، واقتطعوا بَين عياث الْأَيْدِي المستهلكة والمسترقة فاستبيحت المقاصير والقصور، واقتحمت الديرة والدور، وخسفت فِي مطالع بروجها الْكَافِرَة البدور، وانتسفت الأقوات، وأوقع بالْكفْر الْفَوات، وأخليت من سروج فرسانهم الصهوات، وأيمت من آبايها الإخوان وَالْأَخَوَات، وَكَانَ مسورها الَّذِي تعاصي عَن الذرع والمساحة فوره، وتعدى حُدُود الْمَدِينَة الرحيبة طوره، قد اسْتوْدعت أقصيته، تعم مسارحها الَّتِي أخافها الْخلاف، وأمم فحوصها الفيح الَّتِي يخْشَى عَلَيْهَا الْإِتْلَاف، فألفاها الْمُسلمُونَ ألوفا لَا تحصى، وحملا عسر إبرازه على الْجَبَل واستعصى، فَتَنَاولهَا الانتهاب والاقتسام، وأمهلت هضابها الجسام، وأقيمت لَهَا فِي هَذَا الميلاد الْكَرِيم المواسم الوسام. وَأما الْأَمْوَال الموصلة، والخزاين المجملة المفصلة، فأعيا نقلهَا الظُّهُور، واستغرق الْأَيَّام بل الشُّهُور. ولجأ الفل من أَهلهَا إِلَى القصبة الَّتِي تسع الْجُمْلَة، وتوهم المعتصم بهَا الْعَطف والمهلة، واستماتوا من وَرَاء سورها العَاصِي الْبناء، وأبلوا من دون الْحَرِيم وَالْأَبْنَاء. وزحف إِلَيْهِم الرِّجَال، حَتَّى ضَاقَ بهم المجال، ورشقتهم السِّهَام بمالا تتصوره الأوهام، وأمطرت عَلَيْهِم السَّمَاء حِجَارَة الْقَذْف، وشرعت إِلَى أسمائهم عوامل الْحَذف، وأسفوا على المتالف، وَرَأَوا فِي أنفسهم،
مواقع الرماح من النحور، وَالسُّيُوف من السوالف، إِلَّا أننا رَأينَا أَنَّهَا قَصَبَة مستعدة، قد تحصل بهَا من الناشبة والرامحة عدَّة، فَلَا يتَوَصَّل إِلَى افتتاحها إِلَّا بمهج ونفوس من الْمُسلمين عَلَيْهَا تسيل، وحماة لَهَا فِي الْإِسْلَام الْغناء الْجَمِيل، وَفِي سلامتها التأميل، وَأَن الْبَلَد قد استوصل معموره، وألصقت بالرغام دوره، وسد دكه، ودك سوره، وتعدد قتيله ومأسوره، بِحَيْثُ لَا يفِيق أبدا من بواره، وَلَا يجْبر كَسره إِلَّا بعد انْقِضَاء أدوار، وَأَن القصبة لَا تبدي فِي اعتماره وَلَا تعيد، وَأَيْنَ يَقع ساكنها مِمَّا تُرِيدُ. وشرعنا فِي الإياب والسكك بالأوقار قد ضَاقَتْ، وَالْأَيْدِي قد حملت فَوق مَا أطاقت [والمناصل قد أنهرت وأراقت، ونقمة الله بعدوه قد حاقت، ونعمه قد بهرت لدينا وراقت] . وتخلفنا قُصُورهَا السامية قيعانا، وكنايسها الحافلة أثرالاعيانا، وَقد أَخذ الله صلبانها، واستعجل النيرَان رهبانها، وأتى الله بيوتها من الْقَوَاعِد فخرت، وزلزل مصانعها الْعَالِيَة، فاستوت على وَجه الصَّعِيد واستقرت. فَمَا أَظن أَن مَدِينَة بلغ من معمورها، واستأصل العفا من حجرات دورها، مَا بلغ فِي هَذِه البايسة البائدة، والغوية المكايدة، غير الله محاسنها [وشرد قاطنها] . وَلما فرغت الْأَيْدِي المجاهدة من داخلها الهايل تدميرا وتخريبا، وتهيأت هَنَات الله جل جلاله نصرا عَزِيزًا، وفتحا قَرِيبا، انْطَلَقت على مَا بخارجها عقرا للأشجار، وتعفية للآثار، وتغويرا للأنهار، وتسليط أَلْسِنَة النَّار، وأغرينا بِهَذَا العياث أَيَّامًا سَبْعَة، تسبي النعم، وتبث فِي جهاتها النقم، فتركنا مرابع الْبَيْت الأوانس أوحش من الرمس، ومغاني الغانيات كَأَن لم تغن بالْأَمْس، قد أذلّ الله بعز الْإِسْلَام طغيانها، وكف بكف الْقُدْرَة عدوانها، وشان بالدمار شَأْنهَا. فكم أجلبت على ثغور الْإِسْلَام بخيلها ورجلها وَكم عظم الْفَرح فِي
الدّين لأَجلهَا، ووفاه الله وَله الْحَمد، بمحلها. وقفلنا والأولوية بالنصر خافقة، وأسواق الظُّهُور نافقة، وألسنة الْحَمد وَالشُّكْر ناطقة، والظنون فِي فضل الصَّادِق صادقه، وَالْكفْر قد ذل واستكان، وَدخل ثغره فِي خبر كَانَ، وَعز الْإِسْلَام قد ظهر واستبان، ورسى كَمَا رسى رضوى وَأَبَان، وَالْخَيْل تلاعب الطلال مرحا ونشاطا، وَالْوُجُوه تتلألأ اغتباطا، والجياد الجرد تتدافع وتمطر، والأسال السمر تتهاود وتتأطر، والجهات بشذا الْفَتْح تتعطر، وَقد أقفر هَذَا الصقع الْعَظِيم من عمرانه، وأطاع الاشتمال بالمنحسة حكم قرانه، وأناخ عَلَيْهِ العفا بجرانه. وَمن الله نسل أَن يصل الْإِسْلَام عوايد النعم الجسام، ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد من هَذِه الْأَقْسَام، وَإِن كَانَ هَذَا الموطن الَّذِي يغبط من الْكفَّار، يَدْفَعهُ الله ويكتبه، ويعلق الثَّوَاب الجزيل ويرقبه، فَكيف لَا نحمد الله على تخريب هَذَا الْمصر الشهير، والقطر الخصيب الخطير، بِحَيْثُ تمْضِي الأحقاب، وَهُوَ عِبْرَة للمعتبرين، وواعظ للمبصرين، وَحَدِيثه لِسَان صدق فِي الآخرين. ومقامكم وجهة الْمُبَشِّرَات مهما يسرها الله وكيفها، والصنايع إِذا أولاها جل جلاله وَعرفهَا، عَلَيْكُم نجلو صورها، ولديكم نتلو سورها، علما من دينكُمْ الَّذِي علمت مساهمته ونصحه، وأشرق فِي أفق الْفضل صبحه، وَلما لسلفكم من أثر بِهَذِهِ الْبِلَاد لَا يخفي، وإعانة حُقُوقهَا المرعبة لَا تخفي، وأجورها عِنْد الله توفّي. وَأَنْتُم وَارِث [خلدا بِهَذِهِ الْبِلَاد] إِلَّا عَن كَلَالَة، وَولى مَا تخلفه من مجد وجلالة. وَإِنَّا لنَرْجُو أَن يكون لكم فِي الْجِهَاد بِهَذِهِ الْبِلَاد الْقدح المعلي، والأثر الَّذِي يتلي، فِيمَن نقيبتكم قد أشرف وتجلى، وعَلى ميادين الظُّهُور قد استولى. وَالله يُحَقّق الآمال، وينجح الْأَعْمَال. وَأوجب تَعْجِيل التَّعْرِيف بِهِ،
ود فِي سَبِيل الله أطيب من العذب الزلَال، وخلوص يتضاعف على مر الْأَيَّام والليال. وَنحن نشرع فِي إِعْمَال الْحَرَكَة إِلَى قرطبة، دمرها الله، واثقين بِذِي الْعِزَّة والجلال، مستظهرين بنيتكم الْكَرِيمَة، الكفيلة بسعادة المنال، وَدُعَاء من لديكم من الْمُسلمين، بِمَا يقْضِي ببلوغ وَإجَابَة السُّؤَال. وَالله يصل لكم سَعْدا مديد الظلال، بامتداد الْبكر وَالْآصَال. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وكتبت لصَاحب تونس بِمَجْمُوع هَذِه الْفتُوح عَن السُّلْطَان رضي الله عنه، وَقد أهدي خيلا وعتاقا وأصنافا من الرَّقِيق والفتيان وَغير ذَلِك صُحْبَة الرَّسُول الْفَقِيه أبي الْحسن الْبَنَّا وبتاريخ الْيَوْم الثَّالِث من شهر ربيع الآخر من عَام سبعين وَسَبْعمائة
الْخلَافَة الَّتِي ارْتَفع فِي عقائد فَضلهَا الْأَصِيل الْقَوَاعِد الْخلاف، واستقلت مباني فخرها الشَّائِع وعزها الذائع، على مَا أسسه الأسلاف، وَوَجَب لحقها الْجَازِم وفرضها اللَّازِم الِاعْتِرَاف، ووسعت الآملين لَهَا الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كَمَا امتزج المَاء والسلاف، وثناؤنا على مجدها الْكَرِيم، وفضلها العميم، كَمَا تأرجت الرياض الأفواف، لما زارها الْغَمَام الوكاف، ودعاؤنا بطول بَقَائِهَا واتصال علائها، يسمو بِهِ إِلَى قرع أَبْوَاب السَّمَوَات [الْعلَا] الاستشراف، وحرصنا على تَوْفِيَة حُقُوقهَا الْعَظِيمَة، وفواضلها العميمة، لَا تحصره الْحُدُود، وَلَا تُدْرِكهُ الْأَوْصَاف. وَإِن عذر فِي. التَّقْصِير عَن نيل ذَاك المرام الْكَبِير، الْحق والإنصاف، خلَافَة وجهة تعظيمنا إِذا تَوَجَّهت الْوُجُوه، وَمن نوثره إِذا أهمنا مَا نرجوه، ونفديه ونبيديه إِذا استمنح المحبوب، واسترفع الْمَكْرُوه. الْخَلِيفَة [الكذا أَبُو إِسْحَق ابْن الْخَلِيفَة الكذا أبي يحيى أبي بكر ابْن السُّلْطَان أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان الكذا أبي إِسْحَاق ابْن
الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عبد الله بن أبي زَكَرِيَّا بن عبد الْوَاحِد ابْن أبي حَفْص] أبقاه الله. ومقامه مقَام إِبْرَاهِيم رزقا وأمانا، لَا يخص جلب الثمرات إِلَيْهِ وقتا وَلَا يعين زَمَانا. وَكَانَ على من يتخطف النَّاس من حوله مؤيدا بِاللَّه معانا، مُعظم قدره العالي على الأقدار، وَمُقَابل دَاعِي حَقه بالابتدار، الْمثنى على معاليه المخلدة الْآثَار، فِي أصونة النظام والنثار، ثَنَاء الرَّوْضَة المعطار، على الأمطار، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة منسدلة الأستار، وعصمة ثَابِتَة المركز مُسْتَقِيمَة الْمدَار، وَأَن يخْتم لَهُ بعد بُلُوغ غايات الْآجَال، ونهايات الْأَعْمَار، بالزلفى وعقبى الدَّار. سَلام كريم كَمَا حملت نسمات الأسحار، أَحَادِيث الأزهار، وروت ثغور الأقاحي والبهار، عَن مسلسلات الْأَنْهَار [وتجلي على منصة الاشتهار، وَجه عروس النَّهَار] يخص خلافتكم الْكَرِيمَة النجار، العزيزة الْجَار، وَرَحْمَة الله الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي أخْفى حكمته الْبَالِغَة عَن أذهان الْبشر، فعجزت عَن قياسها، وَجعل الْأَرْوَاح، كَمَا ورد فِي الْخَبَر تحن إِلَى أجناسها، منجد هَذِه الْملَّة، من أوليائه الجلة، بِمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسر الْأَغْرَاض قبل التماسها، وَيَعْنِي بتجديد المودات فِي ذَاته وابتغاء مرضاته، على حِين إخلاق
لباسها، الْملك الْحق، وَاصل الْأَسْبَاب بحوله، بعد انتكاب أمراسها، وَمُغْنِي النُّفُوس بِطُولِهِ بعد إفلاسها، حمدا يدر أخلاف النعم، بعد إبساسها، وينثر رمم الآمال من أرماسها، ويقدس النُّفُوس بِصِفَات مَلَائِكَة السَّمَوَات بعد إيلاسها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سراج الْهِدَايَة ونبراسها، عِنْد اقتناء الْأَنْوَار واقتباسها، مطهر الأَرْض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بَين ناسها، وَسيد الرُّسُل الْكِرَام مَا بَين شيثها وإلياسها، والآتي مهيمنا على آثارها فِي حِين فترتها، وَمن بعد [استياسها] ، مرغم الضراغم فِي أخياسها بعد افترارها وافتراسها، ومعفر أجرام الْأَصْنَام، ومصمت أجراسها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه، حماة شرعته الْبَيْضَاء وحراسها، وملقحى غراسها، لُيُوث الوغى عِنْد احتدام مراسها، وَرُهْبَان الدجا، تتكفل مُنَاجَاة السَّمِيع الْعَلِيم، فِي وَحْشَة اللَّيْل البهيم بإيناسها، وتفاوح نواسم الأسحار عِنْد الاسْتِغْفَار بِطيب أنفاسها. وَالدُّعَاء لخلافتكم الْعلية المستنصرية، بالصنايع الَّتِي تشعشع الْعِزَّة القعساء من أكواسها، وَلَا زَالَت الْعِزَّة الإلهية كفيلة [باحتراسها وامتراسها] وأنباء الْفتُوح المؤيدة بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح، ريحَان جلاسها، وآيات المفاخر الَّتِي ترك الأول للْآخر، مكتتبة على الأسطار بأطراسها. وميادين الْوُجُود مجالا لجياد جودها وبأسها. والعز وَالْعدْل منسوبين [لفسطاطها وقسطاسها] . وصحيفة النَّصْر الْعَزِيز تفيض كفها المؤيدة بِاللَّه، على رياسها عِنْد اهتياج أضدادها وسرة انتكاسها، لانتهاب الْبِلَاد وانتهابها، وهبوب ريَاح رياحها، وتمرد مرداسها. [فَإنَّا كتبناه
إِلَيْكُم، كتب الله لكم من كتايب نَصره أمدادا، تذعن أَعْنَاق الْأَيَّام لطاعة ملككم الْمَنْصُور الْأَعْلَام عِنْد إحساسها، وأتاكم من آيَات العنايات آيَة تضرب الصَّخْرَة الصماء مِمَّن عصاها بعصاها، فتبادر بانبحاسها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَأَيَّام الْإِسْلَام، بعناية الْملك العلام، تحتفل وُفُود الْمَلَائِكَة الْكِرَام لولايمها وأعراسها، وطواعن الطعان [فِي عَدو الدّين المعان] تجدّد عريدها بعام عمواسها. وَالْحَمْد لله حمدا معادا، يُقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الْجُود وَالْكَرم، ويؤمن من انتكاب الجدود وانتكاسها، ولي الآمال ومكاسها. وخلافتكم هِيَ [المثابة] الَّتِي تزهي الْوُجُود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، ونستمد أضواء الْفَضَائِل من مقياسها، وتروي رُوَاة الإفادة والإبادة عَن ضحاكها وعباسها. وَإِلَى هَذَا أَعلَى الله معارج قدركم، وَقد فعل، وأنطق بحجج مجدكم، من احتفى وأنتعل، فَإِنَّهُ وصلنا كتابكُمْ الَّذِي حسبناه على صنائع الله تَمِيمَة لَا تلتمع بعْدهَا عين، وجعلناه على حلل مواهبه، قلادة لَا يحْتَاج مَعهَا زين، ودعوناه من [جيب الكنانة] آيَة بَيْضَاء للكتابة، لم يبْق مَعهَا شكّ وَلَا مين، وقرأنا مِنْهُ وَثِيقَة ود، هضم فِيهَا عَن غَرِيم الزَّمَان دين، ورأينا مِنْهُ إنْشَاء، خدم اليراع بَين يَدَيْهِ مشاء، وسيل عَن مَعَانِيه الاختراع، فَقَالَ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فأهلا بِهِ من عَرَبِيّ أبي يصف السانح والبانة، وَيبين فَيحسن الْإِبَانَة، أدّى الْأَمَانَة. وسيل عَن حيه فَانْتهى إِلَى كنَانَة، وأفصح وَهُوَ لَا ينبس، وتهللت قسماته، وليل حبره يعبس، وَكَأن خَاتمه المقفل على صوانه، المتحف بباكر الْورْد فِي غير أَوَانه، رعف من مسك عنوانه، وَللَّه من قلم دبج تِلْكَ الْحلَل ونقع بمجاج الدواة
المستمدة من عين الْحَيَاة الغلل ، فَلَقَد تخارق فِي الْجُود ، مقتديا بالخلافة ، الَّتِي خلد فخرها فِي الْوُجُود ، فجاد بسر الْبَيَان ولبابه ، وسمح فِي سَبِيل الْكَرم [حَتَّى بِمَاء شبابه] وجمح لفرط بشاشته وفهامته ، بعد شَهَادَة السَّيْف بشهامته، فَمشى من الترحيب فِي الطرس الرحيب، على أم هامته، وَأكْرم بِهِ من حَكِيم أفْصح بملغوز الإكسير، فِي اللَّفْظ الْيَسِير، وَشرح بِلِسَان الْخَبِير، سر صناعَة التَّدْبِير، كَأَنَّمَا خدم الملكة الساحرة بِتِلْكَ الْبِلَاد، قبل استنجاز الجلاد، فآثرته بالطارف من سجرها والتلاد، أَو غير بالمعلقة، وَتلك الْقَدِيمَة الْمُطلقَة، [من قنية] دَار، أَو كنز تَحت جِدَار، أَو ظفر لمباني الحنايا، قبل أَن تَنْقَطِع بِهِ عَن أمانيه المنايا، ببديعه، أَو خلف جرجير الرّوم، قبل منازلة القروم على وديعه، أَو أسهمه ابْن " أبي سرح فِي نشب لِلْفَتْحِ وسرح، أَو ختم لَهُ روح بن حَاتِم ببلوغ الْمطلب، أَو غلب الحظوظ بِخِدْمَة آل الْأَغْلَب، أَو خصّه زِيَادَة الله بمزيد، أَو شَارك الشِّيعَة فِي أَمر أبي يزِيد، أَو سَار على منهاج فِي مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج، وأعجب لَهُ، وَقد عزز مِنْهُ مثنى الْبَيَان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع، بَين مثاني الإبداع، ومثالث كَيفَ اقتدر [على هَذَا المحيد] وناصح مَعَ التَّثْلِيث مقَام التَّوْحِيد، نَسْتَغْفِر الله، ولي العون على الصمَّة والصون، فالقلم هُوَ الموحد قبل الْكَوْن، والمتصف من صِفَات السَّادة أولى الْعِبَادَة، بضمور الْجِسْم، وصفرة اللَّوْن، إِنَّمَا هِيَ كَرَامَة فاروقية، وَإِشَارَة من حَدِيث سَارِيَة، وَبَقِيَّة سفر وَجههَا فِي الأعقاب،
بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب عَن كريم جناب، وإصابة السهْم لسواه محسوبة، وَإِلَى الرَّامِي الَّذِي سدده منسوبة، وَلَا تنكر على الْغَمَام بارقة، وَلَا على الْمُحَقِّقين بمقام التَّوْحِيد كَرَامَة خارقة، فَمن شَاءَ الْفضل من غرايب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشُّكْر فِيهَا وَسجد. حديقة بَيَان استثارت نواسم الْإِيدَاع من مهبها، واستنارت غمايم الطباع من مصبها، فَأَتَت أكلهَا مرَّتَيْنِ بِإِذن رَبهَا، لَا بل كَتِيبَة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فَلَا يرومها النَّقْد وَلَا يطورها، ونزعت عَن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بَيَاض الطرس، وَسَوَاد النَّفس. فلق تحوطها، فَمَا كاس المدير على الغدير، بَين الخورنق والسدير، تغامر بِبرد الْحباب، عقول أولي الْأَلْبَاب، وتغرق كسْرَى فِي القباب، وتهدي وَهِي الشمطا نشاط الشَّبَاب، وَقد أَسْرج ابْن سريح وألجم، وأفصح للقريض بعد مَا جمجم، وأعرب الناي الْأَعْجَم، وَوَقع معبدًا بالقضيب، وشرعت فِي حِسَاب العقد بنان الْكَفّ الخضيب، وَكَأن الأنامل فَوق مثالث الْعود ومثانيه، وَعند إغراء الثقيل بثانيه، وَإجَابَة صدا الْغناء بَين مغانيه. المراود تشرع فِي الوشي، أَو العناكب تسرع فِي الْمَشْي، وَمَا الْمخبر بنيل الرغايب، أَو قدوم الحبيب الغايب، لَا بل إِشَارَة البشير [بكم المشير] على العشير، بأجلب للسرور من زايرة الْمُلْتَقى بالبرور، وأدعى للحبور من سفيره الْمُبْهِج للسفور، فَلم ير مثله من كَتِيبَة كتاب تجنب الجرد [تمرح] فِي الأرسان. وتتشوف مجالي ظُهُورهَا إِلَى عرايس الفرسان، وتهز معاطف الأرتياح من صهيلها الصراح بالنغمات الحسان إِذا أوجست. الصَّرِيخ بارحت إثناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها
مشرعة الأسنة، فَإِن ادّعى الظليم إثكالها، فَهُوَ ظَالِم، أَو نَازع الظبي هواديها وأكفالها فَهُوَ هاد أَو حالم. وَإِن سُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن عُيُوب الْغرَر والأوضاح، قَالَ مُشِيرا إِلَى وجوهها الصَّباح، " جلدَة بَين الْأنف وَالْعين سَالم "، من كل عبل الشوى، مسابق النَّجْم إِذا هوى، سامي التليل، عريض مَا تَحت الشليل، ممشوقة أعطافه بمنديل النسيم البليل، من أَحْمَر كالمدام، تجلي على الندام عقب الْفِدَام أتحف لَونه بالورد، فِي زمن الْبرد، وَحيا أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إِلَى عد محاسنه، فأعيت عَن الْعد، بَحر يساجل الْبَحْر عِنْد الْمَدّ، وريح تباري الرّيح عِنْد الشد بالذراع الأشد، حكم لَهُ مُدبر الْفلك باعتدال فصل الْقد، وميزه قدره الْمُمَيز يَوْم الاستباق بقصب السباق، عِنْد اعْتِبَار الْجد. وَولد مختط غرته أشكال الْجمال على الْكَمَال، بَين الْبيَاض والحمرة، ونقا الخد، وَحفظ رِوَايَة الْخلق الْوَجِيه عَن جده الْوَجِيه. وَلَا تنكر الرِّوَايَة عَن الْحَافِظ بن الْجد. وأشقر ذهبي الْخلق وَالْوَجْه الطلق، أَن يحقر كَأَنَّمَا صِيغ عَن العسجد، وطرف بالدر، وأنعل بالزبرجد، ووسم فِي الحَدِيث بسمة [الْيمن و] الْبركَة، واختص بفلج الْخِصَام عِنْد استنجاز المعركة وَانْفَرَدَ بمضاعف السِّهَام المنكسرة، على الْهَام فِي الْفَرَائِض الْمُشْتَركَة. واتصل فلك كفله، بحركتي الإدارة، والطبع من أَصْنَاف الْحَرَكَة. أصغي إِلَى السما بِإِذن الملهم، وأغرى لِسَان الصميل. عِنْد التباس مَعَاني المهمز، والتسهيل بِبَيَان الْمُبْهم. وفتنت الْعُيُون من ذهب جِسْمه، ولجين نجمه، بحب الدنير وَالدِّرْهَم، فَإِن انقض فرجم، أَو ريح لما هجم، اعْترض فشفق لَاحَ بِهِ للنجم نجم، واصفر
قيد الأوابد الْحرَّة، وَأمْسك المحاسن، وَأطلق الْغرَّة، وسيل من أَنْت فِي قواد الكتايب وَأولى الْأَخْبَار العجايب، فَقَالَ أَنا الْمُهلب بن أبي صفرَة، نرجس هَذِه الألوان فِي رياض الأكوان، تحيا بِهِ محيا الْحَرْب الْعوَان، أغار بنخوة الصايل، على معصفرات الأصايل، فارتداها، وَعمد إِلَى خيوط [شُعَاع] الشَّمْس، عِنْد جانحة الأمس، فألجم مِنْهَا حلته وأسداها، واستعدت عَلَيْهِ تِلْكَ المحاسن فَمَا أعداها، فَهُوَ أصيل تمسك بذيل اللَّيْل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، فيحسده فرقد الْأُفق وسهيله. وَأَشْهَب سني من لَونه مفاضة، [وتسربل مِنْهُ] لَامة فضفاضة، قد احتفل زينه لما رقم بالنبال لجيه، فَهُوَ الأشمط الَّذِي حَقه لَا يغمط، والدارع المسارع، والأعزل الذارع، وراقي الهضاب الفارع. ومكتوب الكتيبة البارع. وَأكْرم بِهِ من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السَّابِقين متهالك، وَأَشْهَب يروي من الْخَلِيفَة ذِي الشيم المنيفة عَن مَالك. وحباري كلما سَابق وبارى، اسْتعَار جنَاح الخبارى، فَإِذا أعملت الْحِسْبَة، قيل من هَذَا جَاءَت النِّسْبَة، طرد [النمر لما عظم] أمره وَأمره، فنسخ وجوده بِعَدَمِهِ، [وابتزه الفروة] ملطخة بدمه. وَكَأن مضاعف الْورْد نثر عَلَيْهِ من طبقه، أَو الْفلك لما ذهب الحلك، مزج بَيَاض صبحه بحمرة شفقه، وقرطاسى حَقه لَا يجهل، مَتى مَا ترقى الْعين فِيهِ تسهل، إِن نزع عَنهُ جله، فَهُوَ نجم كُله، انْفَرد بمادة الألوان، قبل أَن [تثريها] الأكوان، وتمزقها أَقْلَام الملوان. تتقدم مِنْهُ الكتيبة المقفلة لِوَاء ناصع، أَو أَبيض مماصع،
لبس وقار الشيب فِي ريعان الْعُمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إِلَى نَغمَة الْخَطِيب. وَإِن تعتب مِنْهُ التَّأْخِير المقتب، قُلْنَا الْوَاو لَا ترَتّب، مَا بَين فَحل وحرة، وبهرمانة ودرة، ويالله من ابتسام غرَّة، ووضوح يمن فِي طرة، وبهجة للعين وقرة. وَإِن ولع النَّاس بامتداح الْقَدِيم، وطمح إِلَى رُتْبَة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثرى بالعديم، وبخس فِي سوق الكسد الْكَيْل، ودجا اللَّيْل، وَظهر فِي فلك الْإِنْصَاف الْميل، لما تذوكرت الْخَيل، فجيء بالوجيه والخطار، والزايد وَذي الْحمار، وداحس والسكب، والأبحر وَزَاد الركب، والجموح واليحموم، والكميت ومكتوم، والأعوج والحلوان، ولاحق والغضبان، وعفروز والزعفران، والمحبر واللعاب، والأغر والغراب، وشقلة وَالْعِقَاب، والفياض واليعبوب، وَالْمذهب واليعسوب، والصحون والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج، والحرون والحراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومحاح، والعصا والنعامة، والمبلقا والحمامة، وسكاب والجرادة، وخبوصا والعرادة. وَكم بَين الشَّاهِد والغايب، والفروض والرغايب، وَفرق مَا بَين الْأَثر والعيان، غَنِي عَن الْبَيَان، وشتان مَا بَين الصَّرِيح والمشتبه، وَللَّه در القايل " خُذ مَا ترَاهُ، ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ "، والناسخ يخْتَلف بِهِ الحكم، وَشر الدَّوَابّ عِنْد التَّفْضِيل الصم والبكم، إِلَّا مَا رَكبه نَبِي، أَو كَانَ لَهُ يَوْم الافتخار برهَان مرعى، ومفضل مَا سمع على مَا رأى غبي. فَلَو أنصفت محاسنها الَّتِي وصفت، لأقضمت حب الْقُلُوب علفا، وأوردت مَاء الشبيبة نطفا، وتخذت لَهَا من عذر الخدود الملاح عذر موشية، وعللت بصفير ألحان القيان كل عَشِيَّة، وأهلت بِالْأَهِلَّةِ، وغطيت بالرياض بدل الأجلة إِلَى
الرَّقِيق، الخليق بالْحسنِ الْحقيق، تسوقه إِلَى مثوى الرِّعَايَة روقة الفتيان رعاته، وتهدي عقيقها من سبحه أشكالا، تشهد للمخترع سُبْحَانَهُ، بإحكام مخترعاته، وقفت نَاظر الِاسْتِحْسَان لَا يريم لما بهرها منظره الْكَرِيم، وتحامل الظليم، وتضاءول الريم. وأخرص مفوه اللِّسَان [بملكة التِّبْيَان] الحفيظ الْعَلِيم. وناب لِسَان الْحَال عَن لِسَان الْمقَال عِنْد الاعتقال. فَقَالَ يُخَاطب الْمقَام، الَّذِي أطلعن أزهارها غمايم جوده، واقتضت اخْتِيَارهَا بركَة وجوده. لَو علمنَا أَيهَا الْملك الْأَصِيل، الَّذِي كرم مِنْهُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، أَن الثَّنَاء يوازيها، لكلنا لَك بكيلك. أَو الشُّكْر يعادلها أَو يجازيها، لتعرضنا بالوشل إِلَى نيل نبلك، أَو قُلْنَا هِيَ الَّتِي أَشَارَ أَشَارَ إِلَيْهَا مستصرخ سلفك الْمُسْتَنْصر بقوله:" أدْرك بخيلك "، حِين شَرق بدمعه الشرق، وَانْهَزَمَ الْجمع، وَاسْتولى الْفرق، واتسع فِيهِ، وَالْحكم لله، الْخرق، وَرَأى أَن مقَام التَّوْحِيد بالمظاهرة على التليث ، وَحزبه الْخَبيث ، هُوَ الأولى والأحق. والان قد أغْنى الله بِتِلْكَ النِّيَّة ، عَن الأمداد اتِّخَاذ الطوَال الردينية ، وبالدعاء من تِلْكَ المثابة الدِّينِيَّة ، إِلَى رب البنية عَن الأمداد السّنيَّة ، والأجواد تخوض بَحر المَاء " لى بَحر الْمنية ، وَعَن الجرد الْعَرَبيَّة فِي مقاود الليوث الأبية ، فجدد برسم هَذِه الْهَدِيَّة ، مراسم العهود الودية ، والذمم الموحدية ، لتَكون عَلامَة على الأَصْل ، ومكذبة لدعوى الْوَقْف والفصل ، وإشعارا بالألفة الَّتِي لاتزال ألفها بحول الله ، ألف الْوَصْل ، لامها حَرَامًا على النصل.
وَحضر بَين يدينا رَسُولكُم فلَان ، فقرر من فَضلكُمْ ، مَا لَا يُنكره من عرف علو مقداركم ، وأصالة داركم ، وفلك أبداركم ، وقطب مداركم ، واجبنا عَنهُ بِجهْد مَا كُنَّا لنقنع من جناه المهتصر ، بالمقتضب الْمُخْتَصر ، وَلَا لنقابل طول طوله بِالْقصرِ ، لَوْلَا طروء الْحصْر. وَقد كَانَ بَين الأسلاف ، رضوَان الله عَلَيْهِم ود أبرمت من أجل الله
معاهدة ووثرت للخلوص الجلى الْمَنْصُوص ، مضاجعه القارة ومراقده [وتعاهد بالجميل] توجع لفقده فِيمَا سلف فاقده ، أَبى الله إِلَّا أَن يكون لكم الْفضل فِي تجديده ، والعطف بتوكيده. فَنحْن الْآن لَا نَدْرِي أَي مكارمكم تذكر ، أَو أَي فواضلكم تشرح أَو تشكر. أمفاتحتكم الَّتِي هِيَ عندنَا فِي الْحَقِيقَة فتح ، أم هديتكم ، وَفِي وصفهَا للأقلام سبح ، ولعدو الْإِسْلَام بحكمة حكمتها كبح. إِنَّمَا نكل الشُّكْر لمن يُوفي جَزَاء الْأَعْمَال الْبرة ، وَلَا يبخس مِثْقَال ذرة ، وَلَا أدنى من مِثْقَال الذّرة ، ذى الرَّحْمَة الثرة ، والألطاف المستمرة ، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ.
وَإِن تشوفتم إِلَى الْأَحْوَال الراهنة ، وَأَسْبَاب الْكفْر الواهنة ، فَنحْن نطرفكم بطرفها ، وَهُوَ أننا كَمَا أعادنا الله من التمحيص ، إِلَى مثابة التَّخْصِيص ، من بعد المرام العويص ، كحلنا بِتَوْفِيق الله بصر البصيرة ، ووقفنا على سَبيله مساعي الْحَيَاة القصيرة ، ورأينا كَمَا نقل إِلَيْنَا ، وَكرر من قبلنَا وعلينا ، أَن الدُّنْيَا وَإِن غر الْغرُور ، وَأقَام على سرر الْغَفْلَة السرُور ، فَلم ينفع الخطور على أجداث الزَّمَان. والمرور جسر يعبر ومتاع لَا يغبط ، من حبى بِهِ وَلَا يجْبر ، إِنَّمَا هُوَ خبر فِيهِ يخبر ، وَأَن الْأَعْمَار أَحْلَام ، وَأَن النَّاس نيام ووربما رَحل الراحل عَن الخان قد جلله بالأذى وبالدخان ، أَو ترك بعده طيبا وثنا يقوم بعده للآتي خَطِيبًا. فَجعلنَا الْعدْل فِي الْأُمُور ملاكا ، والتفقد للثغور مسواكا ، وضجيع المهاد ، حَدِيث الْجِهَاد ، وَأَحْكَامه منَاط الِاجْتِهَاد ، وَقَوله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم} دَلِيل الْإِشْهَاد. وبادرنا رَمق الْحُصُون المضاعة ، وجنح
التقية دامس، وعوراته لَا ترد يَد لامس، وساكنها بايس، والأعصم فِي شعباتها من الْعِصْمَة آيس. فرتبنا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الْفُرَات ركاياها، وغشينا بالصفيح المضاعف أَبْوَابهَا، واحتسبنا عِنْد موفي الأجور ثَوَابهَا، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها. فَهِيَ الْيَوْم توهم حسن العيان أَنَّهَا قطع من بيض الْعَنَان، تكَاد تنَاول قرص الْبَدْر بالبنان، متكفلة لِلْمُؤمنِ من قرع الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الْجَيْش عرضا، وفرضنا أنصافه مَعَ الْأَهِلّة فرضا، واستندنا من التَّوَكُّل على الله الْغَنِيّ الحميد إِلَى ظلّ لِوَاء، ونبذنا إِلَى الطاغية عَهده على سَوَاء، وَقُلْنَا رَبنَا أَنْت الْعَزِيز، وكل جَبَّار لعزك ذليل، وحزبك هُوَ الْكثير، وَمَا سواهُ فقليل، أَنْت الْكَافِي، وَوَعدك الْوَعْد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين. [وَثَبت اقدامنا، وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين] .
فتحركنا أولى الحركات، وفاتحة مصحف البركات، فِي خف من الحشود، واقتصار على من بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إِلَى حصن أشر السَّامِي المطل، وركاب الْعَدو الضال المضل، ومهدي نفثات الصل، على لمتناعه وارتفاعه، وَسمر يفاعه، وَمَا بذل الْعَدو فِيهِ من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا عَلَيْهِ بنفسنا ناره، وزاحمنا عَلَيْهِ الشُّهَدَاء نصابر أواره، ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه [المسمومة وجلاسده] الملومة وأحجاره، حَتَّى فرعنا بحول الله،
من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ، أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عَن الْعباد والبلاد أضراره، بعد أَن أضفنا إِلَيْهِ حصن السهلة جَاره، ورحلنا عَنهُ بعد أَن شحناه رابطة وحامية، [وأوسعناه] أزوادا نامية، وعملنا بيدنا فِي رم مَا ثلم الْقِتَال، وبقر من بطُون مسابقه الرِّجَال، واقتدينا بنبينا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، فِي الخَنْدَق، لما حمى ذَلِك المجال، وَوَقع الارتجاز الْمَنْقُول خَبره والارتحال، وَمَا كَانَ لِيُقِر الْإِسْلَام مَعَ تَركه الْقَرار، وَقد كتب الْجوَار، وتداعي الدعْوَة وتعاون الشرار.
وَقد كُنَّا أغزينا الْجِهَة الغربية من الْمُسلمين، مَدِينَة برغة، الَّتِي سدت بَين القاعدتين رندة ومالقة الطَّرِيق، وألبست ذل الْفِرَاق، ذَلِك الْفَرِيق، ومنعتهما أَن يسيغا الرِّيق، فَلَا سَبِيل إِلَى الْإِلْمَام لطيف الْمَنَام إِلَّا فِي الأحلام، وَلَا رِسَالَة إِلَّا فِي أَجْنِحَة هدى الْحمام، فيسر الله فتحهَا، وَعجل منحها، بعد حَرْب انبتت فِيهَا النحور، وتزينت الْحور. وَتبع هَذِه الْأُم بَنَات شهيرة، وبقع للزَّرْع والضرع خيرة، فشفى الثغر من بوسه، وتهلل وَجه الْإِسْلَام بِتِلْكَ النَّاحِيَة بعد عبوسه. ثمَّ أعملنا الْحَرَكَة إِلَى مَدِينَة أطريرة على بعد المدا، وتغلغلها فِي بِلَاد العدا، واقتحام هول البلا وغول الردى، مَدِينَة تبنتها حمص فَأَوْسَعْت الدَّار، وأغلت الشوار، وراعت الاستكثار، وَبسطت الاعتمار. رجح إِلَيْنَا قَصدهَا على الْبعد، وَالطَّرِيق الْجَعْد، مَا أسفت بِهِ الْمُسلمين، من استيصال طايفة من أَسْرَاهُم، مروا بهَا آمِنين، وبظاهرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم الاعتقال والقيود الثقال، وأضرعهم الأسار، وجللهم الانكسار، فجدلوهم فِي
مصرع وَاحِد، وتركوهم عِبْرَة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إِلَى الْإِسْلَام ثكل الْوَاجِد، وثرة الْمَاجِد. فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لَا يضل وَلَا ينسى. فصبحتها الْخَيل، ثمَّ تلاحق الرجل، كَمَا جن السَّيْل، وحاق بهَا الويل، فأبيح مِنْهَا الذمار، وَأَخذهَا الدمار، ومحقت من مصانعها الْبيض الآهلة، وخسفت الأقمار، وشفيت من دَمًا أَهلهَا الضلوع الجرار، وسلطت على هياكلها النَّار، وَاسْتولى على الْآلَات العديدة من سبيهَا الأسار، وانْتهى إِلَى إشبيلية الثكلى المغار، فجلل وُجُوه من بهَا من وُجُوه كبار النَّصْرَانِيَّة الصغار، واستولت الْأَيْدِي على مَا لَا يَسعهُ الْوَصْف، وَلَا تقله الأوقار. وعدنا وَالْأَرْض تموج سبيا، لم تتْرك بعفرين شبلا، وَلَا بوجرة ظَبْيًا، والعقايل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى [وصبح السرى قد حمد من بعد بعد المسرى، فسبحان الَّذِي أسرى، ولسان الحمية يُنَادي فِي تِلْكَ الْكَنَائِس المخربة والنوادي، بالثارات الأسرى] .
وَلم يكن إِلَّا أَن نقلت الْأَنْفَال، ووسمت، ورسمت بالإيضاح الأغفال، وتميزت الهوادي والأكفال. وَكَانَ إِلَى غَزْو مَدِينَة جيان الاحتفال، قدنا إِلَيْهَا الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رَضِي بِمَا عندالله واغتباطا، والمهندة الدلق تسبق إِلَى الرّقاب استلالا واختراطا، والردينية السمر تسترط حَيَاتهَا النُّفُوس استراطا. واستكثرنا من عدد الْقِتَال احْتِيَاطًا، وَأَرِحْنَا الْعِلَل عَمَّن أَرَادَ جهادا، منجيا غباره من نَار جَهَنَّم ورباطا، ونادينا الْجِهَاد الْجِهَاد يَا أمة النَّبِي الْهَاد، الْجنَّة الْجنَّة تَحت ظلال السيوف الْحداد، فهز [النداء] إِلَى الله
كل عَامر وغامر، وائتمر الجم من دَعْوَة الْحق إِلَى أَمر آمُر. وَآتى النَّاس من الفجوج العميقة رجَالًا، وعَلى كل ضامر، وكاثرت الرياض أزهار البطاح لونا وَعدا، وسدت الحشود مسالك الطّرق العريضة سدا وَمد بحرها الزاخر مدا، فَلَا يجد لَهَا النَّاظر وَلَا المناظر حدا. وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْأُم الْوَلُود، وَالْجنَّة الَّتِي فِي النَّار لسكانها الخلود، وكرسي الْملك، ومجنبته الْوُسْطَى من ذَلِك السلك، باءت باالمزايا العديدة ونجحت، وَعند الْوزان بغَيْرهَا من أمات الْبِلَاد رجحت، غَابَ الْأسود وجحر الْحَيَّات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصايلة. وأدنينا إِلَيْهَا المراحل، وعينا ببحار المحلات المستقلات مِنْهَا على السَّاحِل. وَلما اكتسبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا، ووشاح الْأُفق المرقوم بزهر النُّجُوم، قد دَار دايره، وَاللَّيْل من خوف الصَّباح [على سرحه المستباح] قد شابت غدايره، والنسر يرفرف بِالْيمن طايره، والسماك والرماح يثأر بعز الْإِسْلَام ثائره، والنعايم راعدة [فرائص] الْجَسَد من خوف الْأسد، والقوس يُرْسل سهم السَّعَادَة، بِوتْر الْعَادة، إِلَى أهداب النعم الْمُعَادَة، والجوزاء عابرة نهر المجرة، والزهرة تغار من الشعرى، العبور بالضرة، وَعُطَارِد يسدي فِي حَبل الحروب على الْبَلَد المحروب ويلحم، ويناظر أشكالها الهندمية فيفحم، والأحمر يبهر، وَالْعلم [الْأَبْيَض يفري وينهر] وَالْمُشْتَرِي يُبْدِي فِي فضل الْجِهَاد وَيُعِيد، ويزاحم فِي الحلقات على مَا للسعادة من الصِّفَات وَيزِيد، وزحل عَن الطالع منزحل، وَفِي زلق السُّقُوط وَحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق كَيفَ يهوى إِلَى النيق، ومطلع الشَّمْس يرقب، وجدار الْأُفق يكَاد بالعيون عَنْهَا يرقب
وَلما فَشَا سر الصَّباح، واهتزت أعطاف الرَّايَات لتحيات مُبَشِّرَات الرياحٍ، أطلنا عَلَيْهَا إطلال الْأسود على الفرايس، والفحول على العرايس، فَنَظَرْنَا منْظرًا يروع بَأْسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقله الشم للسحاب ببرود، ووردت من عذر المزن فِي برود ، وأسرعت لاقتطاف أزهار النُّجُوم [والذراع بَين النطاق] معاصم رَود ، وبلد يعي الماسح والدراع ، وينتظم المجاني والأجارح. فَقُلْنَا اللَّهُمَّ نفله أَيدي عِبَادك وبلادك ، وأرنا فِيهِ آيَة من آيَات جهادك. فنزلنا بساحتها العريضة الْمُتُون ، نزُول الْغَيْث الهتون ، وتيمنا من فحصها الأفيح ، بِسُورَة التِّين وَالزَّيْتُون ، متبرية من أَمَان الرَّحْمَن للبلد الْمفْتُون ، وأعجلنا النَّاس بحمية نُفُوسهم النفيسة ، وسجية شجاعتهم البييسة، عَن أَن نبوي لِلْقِتَالِ المقاعد، وندني بأسماع شهير النفير مِنْهُم الأباعد. وَقبل أَن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق رَكْعَتي الْقدوم، فدافعوا من أصحر إِلَيْهِم من الفرسان، وَسبق الى حومة الميدان، حَتَّى أحجروهم فِي الْبَلَد، وسلبوهم لِبَاس الْجلد، فِي موقف يذهل الْوَالِد عَن الْوَلَد، صابت السِّهَام فِيهِ غماما، وطارت كأسراب الْحمام تهدي حَماما، وأضحت القنا قصدا بعد أَن كَانَت شهابا رصدا، وماج بَحر القتام بأمواج النصول، وَأخذ الأَرْض الرجفان لزلزال الصَّباح الْمَوْصُول، فَلَا ترى إِلَّا شَهِيدا تظلل مصرعه الْحور، وصريعا تقذف بِهِ الى السَّاحِل تِلْكَ البحور [ونواشب تبأى] بهَا الْوُجُوه الوجيهة عِنْد الله والنحور. فالمقضب فوده يخصب، والأسمر غصنه يستثمر، والمغفر حماه يخفر، وَظُهُور القسى تفصم، وعصم الْجند الكوافر تفصم، ودرق اليلب فِي المنقلب يسْقط،
والبتر يكْتب، والسمر تنقط. فاقتحم الربض الْأَعْظَم لحينه، وَأظْهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشَّيْطَان من خدينه، وبهت الْكفَّار وخذلوا، وكل مصرع جدلوا. ثمَّ دخل الْبَلَد بعده غلابا، وجلل قتلا واستلابا، فَلَا تسل إِلَّا الظبا والأسل عَن قيام سَاعَته، وهول يَوْمهَا وشناعته، وتخريب المبايت والمباني، وغنى الْأَيْدِي من خزاين تِلْكَ المغاني، وَنقل الْوُجُود الأول إِلَى الْوُجُود الثَّانِي، وتخارق السَّيْف فجار بِغَيْر الْمُعْتَاد، ونهلت القنا الردينية من الدما حَتَّى كَادَت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسى وسحت، وأربت حَتَّى بحت، ونفذت موادها فشحت بِمَا ألحت، وسدت المسالك جثت الْقَتْلَى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وَقطع الدابر، وأزلف الشَّهِيد، وأحسب الصابر، وسبقت رسل الْفَتْح الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ فِي الزَّمن الغابر، تنقل الْبُشْرَى من أَفْوَاه المحابر إِلَى أَذَان المنابر.
أَقَمْنَا بهَا أَيَّامًا نعقر الْأَشْجَار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام من عَبدة الْأَصْنَام يُنَادي يَا لثارات الْإسْكَنْدَريَّة تشفيا من الْفجار، ورعيا لحق الْجَار. وقفلنا وَأَجْنِحَة الرَّايَات برياح العنايات خافقة، وأوفاق التَّوْفِيق الناشية من خطوط الطَّرِيق وأسواق الْعِزّ بِاللَّه نافقة، وحملاء الرِّفْق مصاحبة، وَالْحَمْد لله مرافقة، وَقد ضَاقَتْ ذروع الْجبَال عَن أَعْنَاق [الصب السيال] ، وَرفعت على الأكفال ردفا كرايم الْأَنْفَال، وقلقلت من النواقيس أجرام الْجبَال، بالهندام والاحتيال، وَهَلَكت بِهَلَاك هَذَا الْأُم بَنَات [كن يرتضعن] ثديها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل. وَشَمل التخريب أسوارها، وعجلت النَّار بوادرها.
ثمَّ تحركنا بعْدهَا حَرَكَة الْفَتْح، وَأَرْسَلْنَا الأدلاء قبل الْمنح، فبشرت بالمنح، وقصدنا مَدِينَة أبدة، وَهِي ثَانِيَة الجناحين، وكبرى الْأُخْتَيْنِ، ومساهمة جيان فِي ذِي الْحِين، مَدِينَة أخذت عريض الفضا الأخرق، وتمشت فِيهِ أرباضها تمشي الْكِتَابَة الجامحة فِي المهرق، الْمُشْتَملَة على المتاجر والمكاسب [والوضع المتناسب] والفلح المعي عده على الحاسب، وكورة الدَّيْر اللاسب، المتعددة اليعاسب، فَأَنَاخَ العفا بربوعها العامرة، ودارت عقار كؤوس عقار الحتوف، ببنان السيوف على متديرها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة. وَدخلت مدينتها عنْوَة السَّيْف، فِي أسْرع من خطرة الطيف، وَلَا تسل عَن الكيف، فَلم يبلغ العفا من مَدِينَة حافلة، وعقيلة فِي حلل المحاسن رافلة، مَا بلغ من هَذِه البائسة الَّتِي سجدت لآلهة النَّار أبراجها [وتضاءل بالرغام معراجها] ، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.
ثمَّ تأهبنا لغزو أم الْقرى الْكَافِرَة، وخزاين المداين الوافرة، وربة الشُّهْرَة السافرة والأنباء المسافرة، قرطبة، وَمَا أدريك مَاهِيَّة، ذَات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء المزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حَيْثُ هَالة بدر السما قد استدارت من السُّور المشيد الْبناء دَارا، ونهر المجرة من نهرها الْفَيَّاض، المسلول حسامه من غمد [الْفَيَّاض] قد لصق بهَا جارا، وفلك الدولاب المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، وَرجع
الحنين اشتياقا إِلَى الحبيب الأول وَاد كارا، حَيْثُ الطود كالتاج يَزْدَان بلجين العذب المجاج، فيزري بتاج كسْرَى ودارا، حَيْثُ قسى الجسور المديدة كَأَنَّهَا عوج المطى الغزيرة، تعبر النَّهر قطارا، حَيْثُ آثَار العامري الْمُجَاهِد تعبق من تِلْكَ الْمعَاهد شذا معطارا، حَيْثُ كرايم السحايب تزوره عرايس الرياض الحبايب، فَتحمل لَهَا من الدّرّ نثارا، حَيْثُ شُمُول الشمايل تَدور على الأدواح بِالْغُدُوِّ والرواح، فترى الغصون سكارى وَمَا هِيَ بسكارى، حَيْثُ أَيدي الِافْتِتَاح تفتض من شقايق البطاح أَبْكَارًا، حَيْثُ ثغور الأقاصي البواسم، تقلبها بِالسحرِ زوار النواسم، فتخفق قُلُوب النُّجُوم الغيارا، حَيْثُ الْمصلى الْعَتِيق قد رحب مجالا، وَطَالَ منارا، وأزرى ببلاط الْوَلِيد احتقارا، حَيْثُ الظُّهُور المثارة بسلاح الْفَلاح تجب عَن مثل أسنمة المهارا، والبطون كَأَنَّهَا لتدميث الغمايم بطُون العذارى، والأدواح الْعَالِيَة تخترق أعلامها الهادية بالجداول الحيارا، فَمَا شيت من جو صقيل، ومعرس للخنس ومقيل، وَمَالك لِلْعَقْلِ وَعقيل، وخمايل كم فِيهَا للبلابل من قَالَ وَقيل، وخفيف يُجَاوب بتثقيل، وسنابل تحكى من فَوق سوقها، وقضب بسوقها الهمزات فَوق الألفات، والعصافير البديعة الصِّفَات فَوق الْقَضِيب المؤتلفات، تميل لهبوب الصِّبَا، والجنوب مَالِيَّة الْجُيُوب، وبطاح لَا تعرف [بدرر الْحُبُوب] عين الْمحل فتطلبه بالدحل، وَلَا يصرف فِي خدمَة بيض قباب الأزهار، عِنْد افْتِتَاح السوسن والبهار، غير العبدان من سودان النَّحْل وبحر الفلاحة، الَّذِي لَا يدْرك ساحله، وَلَا يبلغ الْقبَّة الْبَعِيدَة راحله، إِلَى الْوَادي وَسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطيه عِنْد تمطيه الجسر
العادي، والوطن الَّذِي لَيْسَ من عَمْرو وَلَا زيد، والفرا الَّذِي فِي جَوْفه كل الصَّيْد. أقل كرسيه خلَافَة الْإِسْلَام، وأغار بالرصافة والجسر دَار السَّلَام، وَمَا عَسى أَن تطنب فِي وَصفه أَلْسِنَة الأقلام، أَو تعبر بِهِ عَن ذَلِك الْكَمَال فنون الْكَلَام فأعملنا إِلَيْهَا السرى وَالسير، وَقدمنَا إِلَيْهَا الْخَيل، قد عقد فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر.
وَلما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الْإِعَانَة من منعم مجزل، وتستنزل الْمَلَائِكَة من منجد منزل، والركايب واقفة من خلفنا بمعزل، نتناشد فِي معاهد الْإِسْلَام: وَقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. برز من حاميتها المحامية، ووقود النَّار الحامية، وَبَقِيَّة السَّيْف الوافرة على الْحَصاد النامية، قطع الْغَمَام الهامية، وأمواج الْبحار الطامية. واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرِّجَال الناشبة والرامية، وتصدى للنزال من صناديدها الصهب السيال أَمْثَال الهضاب الراسية، يجنها جنن السوابغ الكاسية، ونواميسها المفادية للصلبان يَوْم بوسها بنفوسها الواسية، وخنازيرها الَّتِي عدتهَا عَن قبُول حجج الله وَرَسُوله ستور الظلام الغاشية، وصخور الْقُلُوب القاسية. وَكَانَ بَين الْفَرِيقَيْنِ، إِمَام جسرها الَّذِي فَوق الْبَحْر، وحلا بلجينه ولآلئ زينه مِنْهَا النَّحْر، حَرْب لم ينسج على منوالها، وَلَا أَتَت اللَّيَالِي الحبالي بِمثل أجنة أهوالها، من قاسيها بالفجار أفك وفجر، أَو مثلهَا بِحَفر الهباءة خرف وهجر، وَمن شبهها بداحس والغبراء فَمَا عرف الْخَبَر، فليسأل من جرب وَخبر، من نظرها بِيَوْم شغب جبله، وَهُوَ ذُو بلة، أَو عادلها بِبَطن عَاقل، فَهُوَ غير عَاقل، أَو أحتج بِيَوْم ذِي قار، فَهُوَ إِلَى الْمعرفَة ذُو افتقار أَو ناضل بِيَوْم الكديد، فسهمه غير السديد، إِنَّمَا كَانَ مقَاما غير مُعْتَاد، ومرعى نفوس لم يفت بوصفه لِسَان مرتاد، وزلازل جبال أوتاد [ومتلف مذخور]
لسلطان الشَّيْطَان وعتاد، أعلم فِيهِ البطل الباسل، وَتردد الْأَبْيَض الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجلمد المتكاسل، وابتعث من حدب الحنية إِلَى هدف الرَّمية الناشر الناسل، وَرويت لمرسلات السِّهَام المراسل. ثمَّ أفْضى أمره الرماح إِلَى التشاجر والأرتباك وتشبثت الأسنة فِي الدروع تشبث السماك فِي الشباك، ثمَّ اخْتَلَط المرعى بالهمل، وعزل الرديني عَن الْعَمَل، وعادت السيوف من فَوق المفارق تيجانا، بعد أَن شقَّتْ غدر السوابغ خلجانا، واتخذت جداول الدروع فَصَارَت بحرا. وَكَانَ التعانق فَلَا ترى إِلَّا نحرا يلازم نحرا، عنَاق وداع، وموقف شَمل ذِي أنصداع، وَإجَابَة مُنَاد إِلَى فِرَاق الْأَبَد وداع، واستكشفت منال الصَّبْر الْأَنْفس الشفافة [وهبت برِيح النَّصْر الطَّلَائِع المبشرة الهفافة] ثمَّ أمد السَّيْل ذَلِك الْعباب، وصقل الاستبصار الْأَلْبَاب، واستخلص الْعَزْم صفوة اللّبَاب، وَقَالَ لِسَان الصَّبْر ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب، فَأَصْبَحت طوايف [الْكفَّار] حصايد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار، ورؤوسهم محطوطة فِي غير مقَام الاسْتِغْفَار، وعلت الرَّايَات من فَوق تِلْكَ الأبراج المستطرفة الأسوار، ورفرف على الْمَدِينَة جنَاح الْبَوَار، لَوْلَا الِانْتِهَاء إِلَى الْحَد والمقدار، وَالْوُقُوف عِنْد اختفاء سر الأقدار.
ثمَّ عبرنا نهرها، وسددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأدرنا بلآلي القباب الْبيض خصرها، وأقمنا بهَا أَيَّامًا، تحوم عقبان البنود على فريستها حياما، ونرمى الأدواح ببوارها، ونسلط النَّار على أقطارها، فلولا عوايق الْمَطَر، لحصلنا من فتح ذَلِك الوطن على الوطر. فَرَأَيْنَا أَن نروضها بالاجتثاث والانتساف،
ونوالي على زروعها وربوعها كرات ريَاح الاعتساف، حَتَّى يتهيأ لِلْإِسْلَامِ لوك طعمتها، ويتهيأ بِفضل الله إِرْث نعمتها. ثمَّ كَانَت عَن موقفها الْإِفَاضَة من بعد نحر النحور، وَقذف جمار الدمار على الْعَدو المذعور، وتدافعت خلفنا السيقات المتسعات، تدافع أمواج البحور ، وَبعد أَن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الْغَرِيم، عوضناها المنظر الكريه [من المنظر الْكَرِيم] وَطَاف عَلَيْهَا طائف من رَبهَا، فَأَصْبَحت كالصريم، وأغرينا خيلان النَّار بحمم الْجَحِيم، وراكنا فِي أَجْوَاف أجوايها غمايم الدُّخان، تذكر طيبَة البان، بِيَوْم الغميم، وَأَرْسَلْنَا ريَاح الغارات، فَمَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم، واستقبلنا الْوَادي يهول مدا، ويردع سَيْفه الصَّقِيل خدا، يسره الله من بعد الإعواز، وَانْطَلَقت على الفرضة بِتِلْكَ العرضة، أَيدي الانتهاز، وَسَأَلنَا من سائله أَسد بن الْفُرَات، فَأفْتى برجحان الْجَوَاز، فَعم الاكتساح والاستباح جَمِيع الاجواز، فأديل المصون، وانتهبت الْقرى، وهدمت الْحُصُون، واجتثت الْأُصُول، وحطمت الغصون، وَلم نرفع عَنْهَا إِلَى الْيَوْم غَارة تصاحبها بالبوس، وتطلع عَلَيْهَا غررها الضاحكة بِالْيَوْمِ العبوس، فَهِيَ إِلَى الْآن مجْرى السوابق، ومجر العوالي على التوالي، والحسرات تتجدد فِي أطلالها البوالي. وَكَأن بهَا قد صرعت، وَإِلَى الدعْوَة المحمدية قد أسرعت [بقدرة من أنزل الْقُرْآن على الْجبَال فخشعت من خشيَة الله وتصدعت] لعزة من أذعنت الْجَبَابِرَة لعزه وخنعت. وعدنا والبنود لَا يعرف الملف نشرها، وَالْوُجُوه المجاهدة لَا يخالط التقطب بشرها، وَالْأَيْدِي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر الله منطلقة، وَالسُّيُوف فِي مضاجع [الغمود] قلقة، وسرابيل الدروع خلقَة، والجياد من ردهَا إِلَى
[المرابط و] الأواري رد العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إِلَيْنَا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تَحت حلل عود السِّلَاح عود الصّبيان إِلَى الْمكَاتب، والطبل بِلِسَان الْعِزّ هادر، والعزم إِلَى منادى الْعود الحميد مبادر، وَوُجُود نوع الرماح من بعد ذَلِك الكفاح نَادِر، والمقاسم ترَتّب بَين يَدَيْهِ من السَّبي النَّوَادِر. ووارد مناهل الأجور غير المحلا وَلَا المهجور غير صادر، ومناظر الْفضل الْآتِي، عقب أَخِيه الشاني عَن الْمَطْلُوب الْآتِي مصَادر وَالله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب قَادر، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، فَمَا أجمل لنا صنعه الحفى، وَأكْرم لنا لطفه الخفى، اللَّهُمَّ لَا نحصى منا عَلَيْك، وَلَا نلجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك، وَلَا نلتمس خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا لديك، فأعد علينا عوايد نصرك يَا مبدي يَا معيد، وأعنا من وَسَائِل شكرك على مَا ننال بِهِ الْمَزِيد، يَا حَيّ يَا قيوم، يَا فعال لما يُرِيد.
وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعيد صيته، مشريب ليته، وفخر من فَوق النُّجُوم العوائم مبيته، عجبنا من تَأتي أمله الشارد، وَقُلْنَا الْبركَة، فِي قدم الْوَارِد، وَهُوَ أَن ملك الرّوم، لَا طفنا بجملة من الْحُصُون كَانَت من ملكة الْإِسْلَام قد غصبت، والتماثيل فِي بيُوت الله قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطّيب من الْخَبيث، والتوحيد من التَّثْلِيث، وَعَاد إِلَيْهَا الْإِسْلَام عودة الْأَب الغايب إِلَى الْبَنَات الحبايب، يسل عَن شؤونها، وَيمْسَح الرقة عَن جفونها، وَهِي للروم خطة خسف، قَلما ارتكبوها فِيمَا يعلم من العهود، ونادرة من نَوَادِر الْوُجُود، وَإِلَى الله علينا وَعَلَيْكُم عوارف الْجُود، وَجَعَلنَا فِي محاريب الشُّكْر من الركع السُّجُود
عرفناكم بمجملات أُمُور تحتهَا تَفْسِير، ويمن من الله وتيسير، إِذْ اسْتِيفَاء
الجزئيات عسير، لنسركم بِمَا منح الله دينكُمْ، ونتوج بعز الْملَّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فَإِن دُعَاء الْمُؤمن لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب سلَاح مَاض، وكفيل للمواهب المسئولة من الْمُنعم الْوَاهِب مستفاض. وَأَنْتُم أولى من ساهم فِي بر، وعامل الله بخلوص سر، وَأَيْنَ يذهب الْفضل عَن بَيتكُمْ، وَهُوَ صِفَات حيكم، وتراث ميتكم، وَلكم مزية الْقدَم، ورسوخ الْقدَم. [تَسَاوِي فِي ذَلِك التَّحْرِيم مَعَ الفدم] . والخلافة مقرها إيوانكم، وَأَصْحَاب الإِمَام مَالك رضي الله عنه مستقرها قيروانكم، وتفجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إِعْلَام أعلامكم، والوقائع الشهيرة فِي الْكفْر منسوبة إِلَى أيامكم، وَالصَّحَابَة الْكِرَام فَتْحة أوطانكم، وسلالة الْفَارُوق عليه السلام وشيجة سلطانكم، وَنحن نَسْتَكْثِر من بركَة خطابكم، ووصلة جنابكم، وَلَوْلَا الْأَعْذَار، لوالينا بالمتزايدات تَعْرِيف أبوابكم. وَالله عز وجل يتَوَلَّى عَنَّا من شكركم المحتوم، مَا قصر الْمَكْتُوب فِيهِ عَن المكتوم، ويبقيكم لإِقَامَة الرسوم، وَيحل محبتكم من الْقُلُوب، مَحل الْأَرْوَاح من الجسوم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام [الْكَرِيم الطّيب الزكي الْمُبَارك الْبر العميم يخصكم كثيرا أثيرا] ، مَا أطلع الصَّباح وَجها منيرا، بعد أَن أرسل النسيم سفيرا، وَكَانَ الوميض [الباسم] لأكواس الْغَمَام على أزهار الكمام مديرا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَكَانَ مِمَّا زيد فِي آخر الرسَالَة النَّبَوِيَّة فصل فِي استفتاح الجزيرة الخضراء صدر عَنى إملاء على الْكتاب عِنْدَمَا توجه الرَّسُول إِلَى ضريح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَفِي آخر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام أحد وَسبعين وَسَبْعمائة، وأغفل ذَلِك عَن مَوْضِعه إِلَى أَن ألحق بِهَذَا الْموضع
وَاسْتولى أهل الثغور لهَذَا الْحَد على معاقل، كَانَت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية الرماح إِلَى قلب قلوبها فمنحوها، وَلم تكد الجيوش المجاهدة تنفض إِلَّا عَن الْأَعْرَاف متراكم الْغُبَار، وترخى عَن أباطيلها شدّ حزم المغار، حَتَّى عاودت النُّفُوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخصت الَّتِي لَا فَوْقهَا، وَذَهَبت، بهَا الآمال إِلَى الْغَايَة القاصية، والمدارك المتعاصية، على الأفكار المتغاصية. فقصدنا الجزيرة الخضراء، بَاب هَذَا الوطن، الَّذِي مِنْهُ طرق وادعه، ومطلع الْحق الَّذِي صدع الْبَاطِل صادعه، وثنية الْفَتْح الَّذِي برق مِنْهَا لامعه، ومثيرة الهجوم الَّذِي لم تكن لتعبر على غَيره مطامعه، وفرضة الْمجَاز الَّذِي لَا تنكر، وَمجمع الْبَحْرين فِي بعض مَا يذكر، حَيْثُ يتقارب الشطان، وتتقاطر ذَوَات الأشطان، وتقارب الحطان، وَكَاد أَن يلتقي حَلقَة البطان، وَقد كَانَ الْكفْر قدر قدر هَذِه الفرضة، الَّتِي طرق مِنْهَا حماه، ورماه الْفَتْح الأول مرماه، وَعلم أَن لَا يتَّصل أَيدي الْمُسلمين من إخْوَانهمْ إِلَّا من تلقائها، وَأَنه لَا يعْدم الْمَكْرُوه مَعَ بَقَائِهَا، فأجلب عَلَيْهَا بخيله وَرجله، وسد أفق الْبَحْر من أساطيله، ومراكب أباطيله بِقطع ليله، وتداعى الْمُسلمُونَ بالعدوتين إِلَى استنقاضها من لهواته، أَو إِِمْسَاكهَا من دون مهواته، فعجز الْحول، وَوَقع إِيَّاهَا بملكة القَوْل، واحتازها قهرا، وَقد صابرت الضّيق مَا يناهز ثَلَاثِينَ شهرا، وأطرق الْإِسْلَام بعْدهَا إطراق
الواجم، واسودت الْوُجُوه بخبرها الهاجم، وبكتها دموع الْغَيْث الساجم، وَانْقطع المدد إِلَّا من رَحْمَة من ينفس الكروب، ويغرى بالإدالة الشروق والغروب. وَلما شككنا بشبا الله نحرها، وأغصصنا بجيوش المَاء وجيوش الأَرْض تكاثر نُجُوم السما برهَا وبحرها، ونازلناها نضيقها شَدِيد النزال، وتحجها بِصدق الْوَعيد فِي غير سَبِيل الاعتزال، رَأينَا بأوا لَا يظاهر إِلَّا بِاللَّه وَلَا يطال، ومنبعه يتحامى شبا الْأَبْطَال، وخبايا رَوْضَة الْغَيْث الهطال. أما اسوارها فَهِيَ الَّتِي أخذت النجد والغور، واستعدت بجدال الْبِلَاد عَن الجلاد، فارتكبت الدّور تجوز بحرا من الاعتمار ثَانِيًا، وتشكك أَن يسكون لَهَا الْإِنْس بانيا. وَأما أبراجها فصفوف وصنوف ، تزين صفحات المسايف مِنْهَا أنوف، وأذان لَهَا من دوامع الصخر شقوف. وَأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، وصدقها الْمُسلمُونَ الْقِتَال بِحَسب محلهَا من نُفُوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلال تحجب الشَّمْس، فَلَا يشرق سناها، وعرجوا فِي المراقي الْبَعِيدَة، يفرعون مبناها، ونقبوا أنقابا، وحصبوها عقَابا، ودخلوا مَدِينَة البنية بنتهَا غلابا، وأحسبوا السيوف أسلابا، وَالْأَيْدِي استلابا، واستوعب الْقَتْل مقاتلتها، السابغة الجنن، الْبَالِغَة المنن، فَأَخذهُم الهول المتفاقم، وجدلوا كَأَنَّهُمْ الأراقم، لم تفلت مِنْهُم عين تطرف، وَلَا لِسَان تنبى من يستطلع الْخَبَر أَو يستشرف. ثمَّ سمت الهمم الإيمانية إِلَى الْمَدِينَة الْكُبْرَى، فَدَارُوا سوارا على سورها، وتجاسروا على اقتحام أَوديَة الفنا من فَوق جسورها، ودنوا إِلَيْهَا بالضروب من خيل الحروب بروجا مشيدة، ومجانيق توثق حبالها مِنْهَا بِشدَّة، وخفقت بنصر الله عذبات الاعلام، وأهدت الْمَلَائِكَة مدد السَّلَام، فخذل الله كفارها
…
شفارها، قلم بيد قدرته أظفارها، فالتمس الْأمان لِلْخُرُوجِ
ونزلوا عَن مراقى العروج، إِلَى الأباطح والمروج، عَن سمائها ذَات البروج، فَكَانَ بروزهم إِلَى العراء من الأَرْض، تذكرة بِيَوْم الْعرض، قد جلل الْمُقَاتلَة الصغار، وَتعلق بالأمهات الصغار، وبودرت الْمَدِينَة وكفارها بالتطهير، ونطقت المآذن الْعَالِيَة بِالْأَذَانِ الشهير، وَالذكر الجهير، وطردت كفار التماثيل عَن الْمَسْجِد الْكَبِير، وأنزلت عَن الصروح أجراسها، يعي الهندام مرامها، وألفى مِنْبَر الْإِسْلَام بهَا مجفوا، فأنست غربته، وأعيد إِلَيْهِ قربه وقربته، وتلا واعظ الْجمع الْمَشْهُود، قَول منجز الوعود، ومورق الْعود:" وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم، لآيَة " فكاد الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأزماق، وَارْتَفَعت الزعقات، وعلت الشهقات. وجئ بأسرى الْمُسلمين يرسفون فِي الْقُيُود الثقال، وينسلون من أجداث الاعتقال، ففكت عَن أسوقهم أَسْوِدَة الْحَدِيد، وَعَن أَعْنَاقهم ملكات الْبَأْس الشَّديد، وظللوا بجناح اللطف العريض المديد. وترتبت فِي المقاعد الحامية، وأزهرت بِذكر الله المآذن السامية، فَعَادَت الْمَدِينَة لأحسن أحوالها، وشكنت من بعد أهوالها، وعادت الحالية إِلَى أموالها وَرجع إِلَى الْقطر شبابه، ورد على دَار هِجْرَة الْإِسْلَام بَابه، واتصلت بِأَهْل لَا إِلَه إِلَّا الله أَسبَابه. فَهِيَ فِي بِلَاد الْإِسْلَام قلادة النَّحْر. أبقى الله عَلَيْهَا، وعَلى مَا وَرَاءَهَا من بيُوت أمتك، وودائع الله فِي ذِمَّتك، ظلال عنايتك الوافية، وأمتعنا إِلَى أَن يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا بِكَلِمَة دينك الصَّالِحَة الْبَاقِيَة، وسبل عَلَيْهَا أَسْتَار عصمتك الواقية. وعدنا إِلَى الحضرة، وَالصَّلَاة عَلَيْك يَا رَسُول الله، شعار البدور والقفول، وهجير الشروق والطفول، وَالْجهَاد الشاق الْمُعْتَمد، مَا امْتَدَّ بالأمل الأمد، والمستعان الْوَاحِد الْفَرد الصَّمد.
" كمل الْجُزْء الثَّانِي من " رَيْحَانَة الْكتاب ونجعة المنتاب " يتلوه الْجُزْء الثَّالِث "