المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التهاني بالصنايع المكيفات - ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب - جـ ١

[لسان الدين بن الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم

- ‌(التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ)

- ‌الصَّدقَات والبيعات

- ‌الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وصحبة وَسلم تَسْلِيمًا

- ‌(وكتبت فِي مثل هَذَا الْغَرَض إِلَى أَمِير الْمَدِينَة المقدسة على ساكنها من الله أفضل الصَّلَاة وَأطيب السَّلَام)

- ‌التهاني بالصنايع المكيفات

- ‌(وَمن التهاني فِي الإبلال من الْمَرَض مَا صدر عني مهنئا أَمِير الْمُسلمين أَبَا عنان رَحْمَة الله عَلَيْهِ)

- ‌وَصد رعني أَيْضا فِي غَرَض الهنا بشفاء من مرض لسلطان الْمغرب

- ‌كتب التعازي فِي الْحَوَادِث والنائبات

- ‌وَصدر عني فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان أبي عنان فِي غَرَض العزا والهناء

- ‌(وأصحبت فِي معنى العزاء والهنا إِلَيْهِ فِي غَرَض الرسَالَة، كتابا نَصه بعد سطر)

- ‌كتب الشفاعات

- ‌كتب الِاسْتِظْهَار على العداه والاستنجاز للغداه

- ‌كتب الشُّكْر على الْهَدَايَا الواردات

- ‌(كتب تَقْرِير المودات)

- ‌(صدر عَنى مُخَاطبَة السُّلْطَان أَبى الْحسن بن)

- ‌(السُّلْطَان أَبى سعيد ابْن السُّلْطَان أَبى يُوسُف)

- ‌(ابْن عبد الْحق مَا نَصه:)

- ‌جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات

الفصل: ‌التهاني بالصنايع المكيفات

‌التهاني بالصنايع المكيفات

صدر عني جَوَاب للسُّلْطَان الْكَبِير الشهير أبي عنان عَن كِتَابه الَّذِي وَجهه إِلَى سُلْطَان الأندلس أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن نصر، رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا، يعرفهُ فِيهِ بِمَا أتاح الله لَهُ من الظُّهُور على بني زيان، واستيلائه على ملكهم بِمَدِينَة تلمسان، وَذَلِكَ فِي وسط شهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وسبعمائه.

الْمقَام الَّذِي مُقَدّمَة سعده تسلم وَلَا تمنع، وَحجَّة مجده لَا ترد وَلَا تدفع، ونوافل فتوحه المؤيدة بالملايكة وروحه، توثر وَتشفع، والصنايع الالهية فِي دولته الفارسية، تثنى وَتجمع، وَيحمل مِنْهَا مَا يُقَاس على مَا يسمع. مقَام مَحل أخينا الَّذِي تَبَسم النَّصْر عَن ثغور نصوله، واحتفل الْفَخر فِي تدوين محصوله، وَشهِدت مخايله الطاهرة بكرم أُصُوله، [وتألقت خدود] الْمجد سَالِمَة من النَّقْد بَين أجناسه وخواصه وفصوله. السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله يورق أَعْوَاد المنابر كلما سقتها من أنباء فتوحه الغيوث، وتفرق أسود السثرى، كلما زأرت من أبطال حماته الليوث، وتأمن فِي ظلّ إيالته العادلة وخلافته الفاضلة، السهول من الأَرْض والوعوث، ويتعاضد بالمكسوب من فخره الْمَوْرُوث، وينضى إِلَى استلام ركن يَمِينه، ومشاهدة نور جَبينه الركاب المحثوث. مُعظم مقَامه، الَّذِي تَعْظِيمه مفترض، [القايم بِحَق بره، الَّذِي لَا يقدم عَلَيْهِ غَرَض] فلَان، سَلام كريم [طيب بر عميم] كَمَا حسر وَجه الْفجْر [فِي أعقابه] عَن

ص: 216

نقابه، وتقدمته طلائع نسيمه، وشهب الصُّبْح فِي أعقابه، يخص مقامكم [الْأَعْلَى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مطلع غرر المسرات المستمرات، أوضح من فلق الصَّباح، وميسر الآمال السّنيَّة وفْق الأمنية، وَحسب الاقتراح، مورث الأَرْض كَمَا وعد أيمة الْهدى وَالصَّلَاح، المتكفل لَهُم بِحسن العواقب وَفَوْز القداح. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، نور الْهدى الوضاح، ذُو الْقدر الرفيع والجاه المنيع وَالْمجد الصراح، الْمُؤَيد بِالرُّعْبِ، الْمَنْصُور بهبوب الرِّيَاح، حَتَّى أشرقت أنوار دَعوته السمحة فَوق الرِّبَا والبطاح، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه لُيُوث الباس وغيوث السماح [الَّذين راضوا صعاب النَّصْر من بعد الجماح، وَرفعُوا سَمَاء قبَّة الْإِسْلَام على عمد الرماح] وَلم يشغلهم ليل التبتل عَن يَوْم الكفاح، فَكَانُوا لأمته أهْدى من الْقَمَر اللياح، وعَلى أعدائه أعدى من الْحِين المتاح. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر، الَّذِي ترتسم آثاره فِي صحف الصفاح، وتسطر أخباره فِي صفحات الحسان الصِّحَاح، والعز الَّذِي تبدى لَهُ الْحِيَل بسيما الخيلا والمراح، فَإنَّا كتبنَا إِلَيْكُم، كتب الله لكم فتوحات منظومة الْعُقُود، معقودة النظام، وآلاء دائمة الِاتِّصَال، مُتَّصِلَة الدَّوَام، وسعودا مَعْلُومَة الوضوح وَاضِحَة الْأَعْلَام، ونصرا يرتاح بِهِ قد الْقَنَاة، وَتَبَسم لَهُ ثغر الحسام، وصنايع تبهر حلاها على لبات المنن الجسام، ويروق مجتلاها فِي غرر النعم الوسام. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله [جلّ وَتَعَالَى] ثمَّ مَا عود من آلائه الَّتِي تترادف وتتوالى، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي أنجزت وَعوده،

ص: 217

[000 والنصر الَّذِي صدقت بروقه ورعوده] والصنع الَّذِي تألقت فِي أفق الدّين الحنيف سعوده، وَالْفَتْح الَّذِي تفتح بِهِ زهره وأورق عوده، جعلنَا الله مِمَّن اسْتمرّ فِي مقَام الشُّكْر قِيَامه وقعوده [فَكلما اعتلت قوى إِدْرَاكه جَاءَهُ الْإِمْدَاد من الله يعودهُ] وَنحن من السرُور بِمَا يسنيه الله لكم بِحَيْثُ لَا تلبسُونَ حلَّة فَخر إِلَّا لبسنا مثالها، وَلَا تجتلون غرَّة فتح إِلَّا استجلينا جمَالهَا، [وَلَا تنالون سَبَب نعْمَة إِلَّا حمدنا منالها] نشرب من ذَلِك فضل شربكم، ونرده عقب وردكم، ويمت إِلَى الله بِمثل متات مجدكم، فَكلما امْتَدَّ لدولتكم الْعلية ظلّ عز، انفسحت آمالنا وامتدت، واشتدت لملككم عُرْوَة نصر، قويت أعضادنا واشتدت. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله بنصره، وَحكم لملككم الرفيع بأعلا أمره، فَإِنَّكُم جئتمونا بزهرة الْفَتْح الأول أظلال فَضله، وأتحفنا ملككم ببواكر نَصره قريبَة الْعَهْد باقتطاف نصله، وعرفتمونا بِمَا كَانَ من الظُّهُور الَّذِي خَفَقت عَلَيْكُم رايته، والنصر الَّذِي أنزلت عَلَيْكُم آيَته، وَالْفَخْر الَّذِي ذخرت لملككم غَايَته، وَأَن عَدوكُمْ لما ضَاقَتْ عَلَيْهِ المسالك [وفغرت أفواهها إِلَيْهِ المهالك] ، أقدم إقدام من استعجل الْحمام، وَلم تمطل بِهِ الْأَيَّام، وأمل انتهاز فرْصَة كَانَت وقاية الله من دونهَا، واغتنام غرَّة كَانَ مدد الْحَرَام يغض عيونها، وَأَقْبل والمحلات تخيم بيوتها تخييم الْحساب، وتطفو قبابها الْبيض طفو الْحباب، فناشب حاميتها الْحَرْب، وأعمل الطعان وَالضَّرْب، وسولت لَهُ الأطماع خطة انْتِهَاء قُلُوب قد

ص: 218

خلصت، وأبطال من بعد الْإِقْدَام مَا نكصت، وأقدام ثبتَتْ فِي موقف الهول واستقرت، وقبائل من مرين عَاهَدت الله، فوفت وبرت. وَإِنَّكُمْ لما عقدت الْحَرْب حباها، ورجمت الظنون الكاذبة فِي عقباها، فديتم من دونكم من الْخَلِيفَة بِالنَّفسِ الْحُرِّيَّة بالمجد الخليقة، واقتديتم بأنصار رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم فِي يَوْم الحديقة، وَأَنَّهُمْ رضي الله عنهم لما ارْتَابُوا بأوشابهم، وعولوا على أديانهم وأحسابهم، وتبوؤا من الصَّبْر حصونا، ونادى أمراؤهم أَخْلصُوا، فحصلت مِنْهُم كَتِيبَة كَانَت الحملات لَا تهزها، والأهوال لَا تستفزها، حَتَّى علت أيديها، وحيعل بِالْفَتْح الْقَرِيب مناديها، فَمَا كَانَت إِلَّا أَن طلعت شمس غرتكم يحملهَا من الطّرف الْعَتِيق فلك، وخفق مَنْصُور علمكُم يتبعهُ ملك، ويقدمه ملك، ونهد موكبكم يهديه من الرَّأْي صبح، ويحجبه من القتام حلك، وتراكمت من النَّقْع جون السحائب، وَمَاجَتْ على الأَرْض بحور الْكَتَائِب، وضحكت النصول فِي الْيَوْم العبوس، ودارت بَين الرِّجَال للآجال الكؤوس، وأخفرت حرمات المغافر، وتجلت وقاح الْحَرْب بِالْحَدِّ السافر، واشتبهت الطّرق، ورمدت من الأسنة الْعُيُون الزرق، وأجرى الله مقامكم من النَّصْر على عَادَته، وَأثبت فِي دَرَجَة ذَلِك الِاجْتِمَاع سهم سعادته ، فَكَذبت من مناويكم الْعَزِيمَة، وصدقت عَلَيْهِ الْهَزِيمَة، وَأدبر إدبار أمسه، وَمضى وهمه نجاة نَفسه، وانقلب مَغْلُوبًا مغلولا يرى الْبَرْق سَيْفا مسلولا، ويحسب الشعاب خيولا، ويظن حمرَة الشَّفق دَمًا مطلولا، وَخلف أنصاره حصيدا، ودياره طلولا، وأنكم ثنيتم الأعنة، والنصر لِوَاء بِكُل ثنية، وعَلى كل راية عناية ربانية، وَالْوُجُوه بادية السفور، وَالْخَيْل دامية النحور، وَالسُّيُوف موردة الخدود، والرماح مختصرة القدود، ومحابر الكنائن خاوية من أقلامها، وموارد السوابغ خَالِيَة بعد أزدحامها، وَالْفَتْح قد فتح لكم بَابه، والنصر حَوْلكُمْ كتائبه، وَفِي يدكم كِتَابه، فَلم نكد نعطي السرُور بِهَذَا النبإ حَقه من الابتهاج والارتياح، وَالشُّكْر لله على فوز القداح، وَتَأْتِي

ص: 219

الاقتراح، والإشادة بِهِ فِي النواح، ونفرغ من مُرَاجعَة ذَلِك الْمجد الوضاح حَتَّى اتَّصل بِنَا الصنع، الَّذِي عمر مَا قبله، وَشرح مُجمل السعد، وأوضح سبله، من أَنكُمْ ملكتم مَدِينَة تلمسان، فاستأثرتم بالسعد الهني الْمُعَجل، ودخلتموها فِي الْيَوْم الْأَغَر المحجل، وحصلتم عَلَيْهَا من غير سلَاح أعمل، وَلَا حق أهمل، وَلَا نفس ريعت، وَلَا حُرْمَة للدّين أضيعت، وَأَن بناتها من المعاقل الشم الأنوف، والمصانع السافرة عَن حواجب القسي، المبتسمة عَن ثغور السيوف، والمعاقل الَّتِي تعد أهلة السما من الأسورة وجوزايها من الشنوف، رَأَتْ رأى أمهَا فِي تَعْجِيل الطَّاعَة، وحملت الْأَمر على الْفَوْر بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، وبادرت التَّوْبَة النصوح، قبل قيام تِلْكَ السَّاعَة، فانتظمها سلك الْأَمر السعيد، واتصل الْقَرِيب مِنْهَا بالبعيد، واحتجت معتزلتها، بإنجاز الْوَعْد وإخلاف الْوَعيد، وَكَانَ لسابقها حق التَّكَلُّم، وللاحقها حق المعيد، فَأَقَمْنَا فَرِيضَة الشُّكْر وَالْحَمْد لوَقْتهَا، وتلونا فِي بِسَاط الِاعْتِبَار بِالنعَم " وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا " وَقُلْنَا هَذَا هُوَ النبأ الَّذِي ارتقبنا طُلُوع البشائر من ثنايا تلاعه، وأجزنا تلقى الركْبَان لرخصة استطلاعه. هَذَا هُوَ الصنع السّني، وَالْفَتْح الهنى، والنصر الْمثنى، والعز المتمنى، نصر من الله وَفتح قريب، وتكييف لملك الغرب غَرِيب، هَذَا هُوَ الْيمن الَّذِي أصَاب قبيصى النَّصْر وَالْفَتْح بِسَهْم فتح تلمسان، وَمَا أدريك مَا تلمسان، قَاعِدَة الْملك، وواسطة السلك، وقلادة النَّحْر، وحاضرة الْبر وَالْبَحْر، أسندت إِلَى التل ظهرا، وأفصحت بالفخر جَهرا، وأصبحت للغرب بَابا، ولركاب الْحَج ركابا، ولسهام الآمال هدفا، ولدر الْعلم صدفا. حسناء تسبى الْعُقُول، بَين التقنع والسفور، والأطماع والنفور. شمخت بأنف الحصانة والابابة، وتبجحت

ص: 220

بوفور الْعِمَارَة، ودرور الجباية، ولبست حلَّة الجناب الخصيب، وفازت من الِاعْتِدَال وأوصاف الْكَمَال بأوفى نصيب. فيالها من غادة، كلما مرت عَلَيْهَا الْأَيَّام، استجد شبابها، وأينع جنابها، وضفى من الْحسن جلبابها، حَتَّى كَأَن عين أم يحيى سقتها من عين الْحَيَاة، فنورها الدَّهْر باهر الْآيَات، ومحاسنها راثقة الْغرَر والشياه، تخدع بِاللَّفْظِ الخلوب، وتغلب على لظى الأشواق أفلاذ الْقُلُوب. حركت الْمُلُوك الصَّيْد وسكنت، فَمَا بذلت من قيادها وَلَا أمكنت. ضَاقَ بِعَبْد الْمُؤمن طوقها، فَبعد لأي مَا مزقه، وَرجع مِنْهَا إِلَى السعيد سَهْمه الَّذِي فَوْقه. وَلم تزل أَحْوَال محبيها من بعد ذَلِك مُخْتَلفَة، وَقُلُوبهمْ بهواها كلفة، فَمنهمْ من حياها على الْبعد، وقنع من وَصلهَا بالوعد، وَاقْتصر مِنْهَا على الْإِلْمَام، وإهداء السَّلَام. وَمِنْهُم من جد الْجد وَهِي تسخر، ولان لَهَا القَوْل مِنْهُ وَهِي تبأى وتفخر، وَلم يجد مُتَقَدما عَنْهَا وَلَا مُتَأَخّر، حَتَّى غلب الْيَأْس، وخاب الْقيَاس. وَمِنْهُم من بَاعَ الْكرَى بالسهد، وَوجد مرَارَة الصَّبْر أحلى من الشهد، وبذل لَهَا فِي المجال نثار رُؤُوس الرِّجَال، وسخى عَلَيْهَا حَتَّى بالأعمار والآجال، وَنَازع الْحَرْب إِلَى الغلاب والسجال. فالجنبات يلوى ضلوعها الزَّفِير، والمجانيق يدمى أنوفها السُّجُود والتعفير، [فالجياد] تَشْكُو من بَاب جهادها إِلَى غير رَاحِم، وتظمأ فتسقى من نجيع الْمَلَاحِم، حَتَّى أذعنت إذعان الْقَهْر، ورضيت بِمَا بذل لَهَا من الْمهْر، وجاذب رداءها من أردى لَهُ أوداءها، وأماط قناعها من غلب بِالصبرِ امتناعها. ثمَّ ضرب الدَّهْر ضرباته، وَأقَام للقدر برهانه، فَرَاجعهَا من كَانَ يهواها، وَأثبت فِي الْإِكْرَاه دَعْوَاهَا، بعد أَن حصلت لَهَا بمقامكم علاقَة

ص: 221

كامنة بَين الضلوع، ورسي بجوانحها رسيس هوى [يجل عَن الولوع] وتملكها بِهِ غرام ظَاهر ومستكن، ولسان حَالهَا يَتْلُو [قَوْله] إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن. وَرب مغلوب سمح بالرغم قياده، وَملك ظَاهره وَلم يملك فُؤَاده، فَلَمَّا علمت الْآن من حبيبها بِقرب الدَّار، وَأدنى ركابه مِنْهَا مساعف الْمِقْدَار، هَمت وهامت، وتطارحت وترامت، وتهللت من بعد الإطراق، وضحكت من حن اللقا كَمَا بَكت من ألم الْفِرَاق، وأمكنت من وصالها عفوا، وأوردت العذب من زلالها صفوا، وَأَلْقَتْ الْيَد طَوْعًا، وَخير النعم مَا لم تقع عَن كد، وأسنى الْمنح، مَا لم تَجِيء فِي حِسَاب وَلَا وعد، فَكَأَنَّهَا لقطَة اسْتحقَّهَا سيفكم من بعد التَّعْرِيف، ونقطة اسْتَدَارَ علها مُحِيط ذَلِك الْملك الشريف، ونكرة أدخلت عَلَيْهَا أَدَاة التَّعْرِيف، وقبلة عدلت من بعد التحريف، وَلَفْظَة ردَّتْ إِلَى الأَصْل الصَّحِيح عِنْد التصريف. وَمَا كَانَ الْبَلَد الَّذِي عدلت نصبة ملككم السعيد بمطالعه، واقترت السُّعُود على درجتي عاشره وطالعه، ليكذبكم وعده، وَلَا يتخلفكم سعده، فَمَا بَرحت بروق السَّعَادَة تبدو فِي خلال مَا رمتموه، والتوفيق يشد أواخي الْعَزْم الَّذِي أبرمتموه، وَالْحَرَكَة الَّتِي أزمعتم، تتضام عَلَيْهَا الْأَسْبَاب المشتركات، [وتسنح على غروسها الزكية سحايب البركات] وتجد النُّفُوس لَهَا خفَّة، وحركة الْفَتْح أخف الحركات. فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الْقيَاس صَادِقا [والتوفيق مُوَافقا، والنصر للنصل مرافقا] وَالْحَمْد لله الَّذِي ألبسكم حلتها السيرا، لم يوهنها طول المجاذبة والمجاورة، وَلَا اختلقتها أَيدي المسارقة والمساورة،

ص: 222

وخولكم وَصلهَا، لم يقْدَح فِيهِ ملل الْمُجَاورَة، وليهن مقامكم الَّذِي أقَال العثار، وخلد الْآثَار، وَأخذ الثار، مَا منحه الله من الغر الصَّادِق والبرق، وَالْفَتْح الَّذِي وصل يَد الغرب إِلَى الشرق، فَلَقَد جمع حسامكم الْمَاضِي المضرب، من مدينتي تلمسان وفاس، بَين عقيلتي الْمغرب، للأولى مِنْهُمَا الْأَصَالَة والمجادة، وَالثَّانيَِة العلاقة والودادة، وَكِلَاهُمَا الْحسنى وَالزِّيَادَة. فَإِن فخرت هَذِه بنصبة الْملك. فخرت تِلْكَ بنصبة الْولادَة. وَيَا بشرى لهَذَا الْقطر الْغَرِيب، الَّذِي يمد إِلَى عَزمَات جهاتكم يَد الرَّاغِب، ويرتقب ارْتِفَاع الشواغل والشواغب، بِمَا استروحه من صرف الاستعداد إِلَى أعدائه، والإهطاع إِلَى ندائه، والشروع فِي معالجة دائه. وَإِن منى بالادكار من تَملكهَا، وأدار على قطب السياسة فلكها، وَجب الهنا بِالْحَقِّ لقطر تملكتموه، وَملك قبضتم عنان أمره وأمسكتموه. فقد جعل الله مقامكم كعبة الآمال، وَجمع فِيكُم مَا تفرق من أَخْلَاق الْكَمَال. بَارك لكم فِي الْعَطِيَّة من وَهبهَا، وراض لكم متن المطية من دالها وأركبها. وإننا لما استجلينا عَن زهرَة الْفتُوح الضاحكة المباسم، والصنايع الَّتِي ألبست الْأَيَّام، أَثوَاب المواسم، رَأينَا غَايَة الشُّكْر بعيدَة عَن إِدْرَاك الْبَيَان، وَأَن الإيجاز فِيهَا والإسهاب سيان. فَلَو طالبنا بِهَذِهِ الْوَظِيفَة أبان لما أبان، أَو دَعونَا لَهَا سحبان، لَكَانَ فِي ميدانها الجبان. وَلَو استعنا بِعَبْد الحميد لم نجده فِيهَا حميدا، أَو نبهنا لَهَا ابْن العميد لأضحى عميدا، أَو أردنَا لبيدا لانقلب بليدا، وَلَو أَقَمْنَا لَهَا الصاحب لقعد، أَو كلفناها ابْن هِلَال لرآها من أَبِيه أبعد. إِنَّمَا هُوَ عذر يبلغ، وإغضاء يسوغ، وَمن الْمَعْلُوم أَن أوداء ذَلِك الْمقَام الْكَرِيم، إِن أخذُوا [من مسرته] بحظ، استأثرنا بجملتها، أَو تمسكوا مِنْهَا بِمذهب، قمنا بملتها، وَإِن هنوه بصنع، قدمنَا نَحن هُنَا أَنْفُسنَا بِهِ، أَو توسلوا بزمام حب، سبقنَا فِي حلبة أحبابه، وَإِن حَدِيث

ص: 223

نَصره، إِلَى هَذِه الْبِلَاد الأندلسية عايد، ومدد سعادته فِي أقطار هَذَا الْقطر متزايد، فَكيف لَا تتهلل وُجُوه أهليها، وتبدو الكآبة على الْعَدو الَّذِي يَليهَا، وَكَيف لَا ترْتَفع بالشكر أيديها، وَيقوم على هضبة الاستبشار مناديها. بِظُهُور من يكف أَيدي عواديها، ويتكفل بَرى صاديها، وَإِن نبأ هَذَا الْفَتْح فِي قلب الْعَدو لكبير، وعَلى سَمعه لأثقل من رضوى وثبير، فمما لَا يفْتَقر إِلَى تمهيد وَتَقْرِير، أَن الْجِهَاد لَا يزَال تجاه ذَلِك الْمقَام الْكَرِيم وَنصب عينه، وَأَن الظُّهُور على أَعدَاء دين الله دين لحسامه وَهُوَ لَا ينَام عَن اقْتِضَاء دينه. فَمَا هم النُّفُوس الْكَرِيمَة، إِلَّا اكْتِسَاب المناقب الفاخرة، وَلَا بعد تَحْصِيل الْفَوْز بالدنيا إِلَّا حَدِيث الْآخِرَة [وَلَا وَرَاء تمهيد] الْأمة الْمسلمَة، إِلَّا قتال الْأمة الْكَافِرَة. وأننا وجهنا كتَابنَا ليخطب فِي هَذَا الهنا، بمبلغ الْجهد ووسع الْغِنَا، واخترنا للوفادة بِهِ من يَنُوب عَنَّا فِي هَذَا الْغَرَض، وَيقوم للْوَقْت بواجبه المفترض، وهم صُدُور إيالتنا، ودرر لبات عمالنا، فلَان وَفُلَان، وصل الله إعزازهم وكرامتهم. ويمن ظعنهم وإقامتهم، وأوفدناهم على بَابَكُمْ الْمَقْصُود، وشرعة مملكتكم المزدحمة بالوقود، وهم يلقون إِلَى مقامكم فِي تَقْرِير ودادنا، والتنبيه على مِقْدَار اعتدادنا مَا نعلم أَن قَوَاعِده لديكم غير مفترقة، للتقرير بِمَا عنْدكُمْ من إشراق البصيرة، وثقوب الضَّمِير، فتفضلوا بِالْقبُولِ الْمَعْهُود، وأوردوه من بركم أعذب الْوُرُود، ومهدوا لَهُم جناب الإغضاء فِيمَا قصروا فِيهِ عَن الْغَرَض الْمَقْصُود. وَالله تَعَالَى يصل لكم أَسبَاب السُّعُود، وَيجْعَل لكم عزمكم فِي الْجِهَاد صَادِق البروق والرعود، وَيبقى مِنْكُم على الْأَنَام مثابة الْجُود، وفخر الْوُجُود. وَالسَّلَام عَلَيْكُم.

ص: 224

وَصدر عني لما فر الْأَمِير أَبُو ثَابت الزعيم بالفل من بني زيان أثر الْهَزِيمَة الَّتِي جرت عَلَيْهِم، وَلحق بِأَرْض صَاحب بجاية فَقبض عَلَيْهِم، وَوجه بهم إِلَى السُّلْطَان الْكَبِير الشهير أبي عنان رحمه الله، فأوقع بهم، تجَاوز الله عَنْهُم. وخاطب سُلْطَان الأندلس أَبَا الْحجَّاج بن نصر رَحمَه

الله مُرَاجعَته من إملائي بِمَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي انتظمت لدولته الْفتُوح الغر انتظام الْعُقُود، واقتضيت بعزماء عزماته دُيُون الْأَيَّام اقْتِضَاء النُّقُود، وطلعت من ثنايا آرائه السديدة، وُجُوه السُّعُود، وتكلفت نِيَّته الصَّالِحَة لَهُ بنيل الْمَقْصُود، وإنجاز الْمَوْعُود، مقَام مَحل أخينا الَّذِي إِن نشرت الْفتُوح، ألفيت فِي ألفاف البنود وَادعَة، أَو دعيت الآمال كَانَت بِوُجُودِهِ طَائِعَة سامعة [أَو استدعيت الْأَمَانِي انثالت فِي أَيدي سعوده وَإِن كَانَت شاسعة] . فرياض العزبه يانعة، وكواكب السعد بآفاقه طالعة، وأنفاس الثَّنَاء على ملكه الرفيع الْبناء بأعطر من الْمسك الفتيت ذائعة، وحدود صوارمة قَاطِعَة، وبالحق الْمُبين صادعة، السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله مكملة مآرب أمره، معملة عوامل نَصره، مخولا من الله مَا يعجز اللِّسَان عَن حصره، ثبته فِي صحايف الصفايح آيَات فخره، وَلَا زَالَت عوامله مصرفة فِي زيد عداهُ وعمره، حَتَّى تذعن الرّقاب الغلب لقهره، وتعرف الدهور بمزية

ص: 225

دهره. سَلام كريم كَمَا سفرت الْفتُوح عَن غررها، ورقمت أنباء النَّصْر على صفحات السيوف وطررها، واستبشرت الأَرْض بوابل مطرها، وظفرت النُّفُوس بأقصى وطرها، يخص مقامكم الْأَعْلَى [ومثابتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي تمم لكم الصنايع تتميما، وجلي لكم وَجه السَّعَادَة أغر وسيما، وَأثبت لكم فِي صفحات الْفَخر ذكرا شهيرا، ومجدا عَظِيما، وَجعل حد سُيُوفكُمْ الْمَاضِيَة، تستوعب العدا سبرا وتقسيما، فَكلما طلبتم الْأَيَّام بديونها، لم تمطل كَفِيلا بكم غريما، وَكلما دعوتم الآمال، انثالت على مواردكم هيما، وَكلما أضمرتم أمرا بَعيدا، أصبح بباكم مُقيما. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، أزكى الْبَريَّة عنصرا، وَأَشْرَفهَا خيما، نَبِي الرَّحْمَة الَّذِي جلي بِنور الْحق لَيْلًا بهيما، ودعا إِلَى تَوْحِيد الله نفوسا حازت فِي ظلمات الضلال تثليثا وتجسيما، وأعمل الْحَرْب الْعوَان حَتَّى سلكت الْخَلَائق من الطَّاعَة لله وَرَسُوله مسلكا قويما، ووقفت عِنْد أوَامِر الله ونواهيه تحليلا وتحريما. وَالرِّضَا عَن آله الَّذين كَانُوا فِي الظلماء نجوما، وَفِي اللأواء غيوما، وَفِي الْهياج أَََجَلًا محتوما، ففرعوا السَّحَاب جودا، والآساد إقداما، والبدور ضِيَاء، والهضاب حلوما، صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وَسلم تَسْلِيمًا، وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالعز الَّذِي لَا يزَال لركابه العلى لزيما، والسعد الَّذِي تغنى عَن الِاخْتِيَار أَسبَابه، وتفتح قبل الطّلب أبوابه، فَلَا يحْتَاج تعديلا وَلَا تقويما، والصنع الَّذِي يروق [أَوْلِيَاء مقامكم] الرفيع خُصُوصا، وَسَائِر الْمُسلمين عُمُوما، وَلَا زَالَ جنابكم المؤمل كهفا، وَالثنَاء عَلَيْهِ رقيما، حَتَّى يصبح الْكفْر بهبوب عزائمكم هشيما، ويستنشق الْإِسْلَام

ص: 226

من إتاحة الكرة لَهُ على يدكم روحا عاطرا ونسيما. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من مواهب عنايته أوفر مَا كتب، وَجعل سعودكم تضمن إعتاب الدَّهْر كلما عتب، وَأَقْلَام رماحكم تثبت فِي خطّ خطيها النَّصْر الدَّاخِلَة على العتب، وخطباء فتوحكم تتوقل من مِنْبَر الْعِزّ أَعلَى الرتب. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والاعتداد بمقامكم العلى يزِيد صبحه وضوحا، والأمل فِي ملككم الْفَارِسِي، يهز مِنْهُ نسيم هَذِه الأنباء غضا مروحا، وخافت الرجا فِي هَذِه الأرجاء تنفخ فِيهِ عزائمكم على جِهَاد الْأَعْدَاء روحا، وتتلو عَلَيْهِ من النَّصْر كتابا مشروحا. وَإِلَى هَذَا، أيد الله أَمركُم الرفيع تأييدا، وألهمه شكرا برا لَا يعْدم مِنْهُ مزيدا، وَجعل سَيْفه الْمَاضِي كلما تقلده لأبواب الْفتُوح إقليدا، حَتَّى يسْتَأْنف بِهِ الْإِسْلَام عزا جَدِيدا، ويتلع جيدا، ويملأ بِلَاد التَّثْلِيث توحيدا، وَيُذِيق الْكَافرين بَأْسا شَدِيدا، وَيُرِيهمْ الْفَتْح الْقَرِيب الْمُبين قَرِيبا، وَإِن كَانُوا يرونه بَعيدا. فإننا ورد كتابكُمْ الْمُسْتَوْفى الْفُصُول، الْمُحكم الْفُرُوع بالأصول، الْمُشْتَمل على محصول الْفَخر، وفخر الْمَحْصُول، الْمسند خبر النَّصْر إِلَى قُضَاة الذهول. فيالها من وُجُوه بشر جلتها البلاغة فِي أحسن الشارات، ومعاني فتوح أوردهَا الْبَيَان بأفصح الْعبارَات، وعيون نصر أفادتها الْآدَاب أحلى الإشارات، حَتَّى كَأَن الأقلام فِي خدمَة مقامكم السعيد، جرت مجْرى السيوف فِي اسْتِصْحَاب التأييد، وإحراز الْمقَام الْبعيد. وقفنا من مضمنه حَسْبَمَا قررتم على خلوص الطَّاعَة، والتئام الْجَمَاعَة، واستقرار الْحق فِي أَهله بعد الْخِصَام، وتسويغ مشارع الشَّرِيعَة لواردها من بعد الازدحام، وانطلاق أَلْسِنَة الْعدْل بعد الإفحام، وإلحاق طرر الْبِلَاد القصية بِأَهْل العمالة المرينية، بعد الإضراب والإقحام. وَإِن عَدوكُمْ أجهز الْقدر على جريحه، ونشأت ريح البشائر لخمود رِيحه، واعتقبه الحسام الصَّلْت، فَلم يفرق بَين طرفه

ص: 227

وَلَا صَرِيحه. فَأصْبح الشوق لنُور دعوتكم مشرقا، وأساغ رِيقه وَكَانَ بِهِ شرقا، واشتمل مَلأ الْأَمْن، وَكَانَ خَائفًا فرقا، وَغدا مزاج السياسة المرينية لارْتِفَاع ضدها مزاجا مُتَّفقا، وأنشدها لِسَان السعد:" فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا "

وَأَن هَذِه الوقيعة المستأصلة كَانَت لمَرض الْخلاف المزمن بحرانا، وَحكما يَنْبع من حُلُول النَّصْر بِدَرَجَة النصل قرانا، وفتوى رَضِي أسهب الحسام اخْتِيَارهَا، وكتبت أَقْلَام الرماح [فِي صحف] الْأَيَّام آثارها. فَقُلْنَا هَذَا أَمر لنا كُله أَو جله، ومزن لنا ظله ووبله. الْآن ارْتَفَعت عَن الْجِهَاد الشواغل والشواغب، وآن أَن يحظى بأمله الرَّاغِب. الْآن تهللت الْوُجُوه، واستشرف الدّين الحنيف كَمَا لم نزل نرجوه. كأننا بالعزائم لأَدَاء حق الله مصروفة، والصوارم على سَبِيل الْجِهَاد مَوْقُوفَة، والهمم لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا مشغوفة. وَمن عَامل الله فِي نصر هَذِه الأقطار الْمسلمَة، مَعَ اخْتِلَاف الْكَلِمَة، بِمَا جمع بَين الْكرَى والأجفان، وَمد الْقَوَاعِد بعد الرجفان، وَأمْسك حملهَا العاصم عِنْد فيض الطوفان، كَيفَ يكون عمله بعد ارْتِفَاع الْمَوَانِع وزوالها، وَسُكُون الْبِلَاد من أهوالها، قِيَاس بِمَشِيئَة الله صَادِق، وبرهان بَين الشَّك وَالْيَقِين فَارق. فهده الجزيرة الأندلسية، من عَامل الله فِي نصرها بنية صَالِحَة، طهر ربحه، وطلع بالسعادة صبحه. وَقد ظهر مُجمل ذَلِك بِمَا يطول شَرحه. فَأنْتم لما صدق فِيهَا عزمكم، لم تسلوا سَيْفا فِيمَا فِينَا عَن ضريبة، وَلَا أعملتم عزما إِلَّا بلغ غَايَة غَرِيبَة، وَلَا سددتم سَهْما إِلَّا أصَاب غَرضا بَعيدا، وَلَا أردتم رَأيا إِلَّا أثمر مراما سعيدا، وإننا أَخذنَا من السرُور بِتمَام نعْمَة الله عَلَيْكُم، واستقرار فذلكة الْفَتْح لديكم، بأقصى مَا يَأْخُذهُ الولى الْحَمِيم، ولهجنا من اتِّصَال سعدكم بِمَا سناه الله الْكَرِيم، ووجهنا

ص: 228

من يَنُوب عَنَّا فِي هنائكم بِهِ مَا يُوجِبهُ الود الصميم. وَهُوَ قريبنا الكذا أَبُو فلَان، وألقينا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَض، مَا يلقيه ويقصه عَلَيْكُم، وَأَنْتُم تتفضلون بالإصغاء إِلَى مَا يُؤَدِّيه. وَالله يصل سعدكم. ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم.

وَلما استولى رحمه الله على بجاية، ثمَّ ثار بعض كبار وطنها بقايده وَقَتله، فاستدرك أَهلهَا بعد ذَلِك الْأَمر، فتغلبوا عَلَيْهِ، وَرجعت الدعْوَة بهَا إِلَيْهِ، وَوصل كِتَابه يعرف بذلك، صدرت مُرَاجعَته عَن سُلْطَان الأندلس أبي الْحجَّاج بن نصر رحمه الله من إملائي بِمَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي أشرقت بأفقه الْأَعْلَى فجر الْفتُوح، وَجَرت جِيَاد سعوده فِي ميدان النَّصْر الْعَزِيز طلق الجموح، وَجَاءَت دولته الفارسية على إِيضَاح السعد بِأَحْسَن الشُّرُوح، وتأود الدايل ارتياحا بعزه تأود الْغُصْن المروح. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي حَدِيد سَيْفه بَينه وَبَين مغناطيس الْفتُوح خاصية عَجِيبَة، وعزيم سعده لَهُ فِي أَعْنَاق اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وجيبة، ومنادى طَاعَته إِذا دَعَا، كَانَت لَهُ المسالك قريبَة، والممالك مجيبة، [السُّلْطَان الكذا أبي عنان] أبقاه الله، والمحامد بِذكرِهِ كلفة، والقلوب على طَاعَته مؤتلفة، وَالسُّيُوف والأقلام بخدمته متصفة، والألسنة فِي الْإِقْرَار بعجزها عَمَّا يجب لَهُ متصفه. مُعظم مقَامه، الَّذِي تَعْظِيمه فرض لَازم، وَالْقَوْل بإجلاله وإكباره، قَول جازم. وموقر ملكه الَّذِي لَهُ التوقير محالف ملازم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن

ص: 229

نصر. سَلام كريم [طيب بر عميم] كَمَا زحفت للصباح شهب المراكب، وفجر الْفجْر نهر النَّهَار، فطفا فَوْقه حباب الْكَوَاكِب، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأخوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي آلاؤه العميمة، لَا يحصر عَددهَا، وصنايعه الْكَرِيمَة لَا يَنْقَطِع عَمَّن توكل عَلَيْهِ مددها، وفتوحاته لأوليائه وصفوة خلفائه، لَا تبلغ بالأفهام أمدها، الفتاح الْعَلِيم، نَاصِر العزايم ومؤيدها، وموفق الآراء ومسددها الَّذِي إِذا قرب مَسَافَة أمل، فَمن ذَا يبعدها، وَإِذا أعْطى فَمن ذَا يسوف عطاياه أَو يُرَدِّدهَا. وَالصَّلَاة [وَالسَّلَام] على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي المعجزات الَّتِي هِيَ الشَّمْس، ضل من ينكرها أَو يجحدها، إِمَام الرُّسُل الْكِرَام وسيدها، وأحمدها ومحمدها، وَخَاتم النَّبِيين، الَّذِي كمل بِهِ عَددهَا، وشفيع الْخَلَائق، يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر ومعتمدها، الَّذِي ندخر محبته ونجدها، ونلجأ إِلَى ظلال وسيلته، فَلَا يخلف إِن شَاءَ الله موعدها، ونمحص الود فِي مرضاته، ونصل الْيَد لإِقَامَة سنته ومفترضاته، فنتعرف الْإِعَانَة ونتعددها. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وأنصاره وأحزابه، الَّذين هم كنوز الْملَّة السمحة وعددها وأنجمها، الَّتِي لَا يضل من يسترشدها فينصرهم، طَالَتْ يَدهَا واستقام أودها، حَتَّى أورثهم الله مَا زوى من الأَرْض، بالعزايم الْقَائِمَة على أساس الْيَقِين عمدها، فدان لَهُم أدنى الْأَمَاكِن وأبعدها، وسطا بمثلث الْأُمَم موحدها، وتمت كلمة الله صدقا وعدلاً، يتوارثها عَن الْآبَاء وَلَدهَا، وينافس فِيهَا الْيَوْم غداته. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى

ص: 230

بالنصر الَّذِي يثبت آيَات الْفَخر ويخلدها، والسعد الَّذِي يَسُوق ملابس الْفَتْح ويجددها، وَلَا زَالَت حجج سُيُوفكُمْ الْمَالِكِيَّة، يُصِيب شاكلة الْحق من يتقلدها، وأودية سياستكم المرضية، يشفي الغليل مركبها ومفردها، [ومشارع جودكم تروي من يردهَا] . فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية يَتَّضِح مقصدها، وسعادة تروى أَحَادِيث الصنع الْجَمِيل وتسندها. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا مزِيد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع لمقامكم، أَعلَى الله سُلْطَانه، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي سحائبه ثرة، والصنع الْجَمِيل الَّذِي مباسمه ضاحكة مفترة، والأنباء الَّتِي لَا تعدم مَعهَا مَسَرَّة، والصنايع الَّتِي ألطافها بِالْإِسْلَامِ برة، وجانبكم عندنَا عَلَيْهِ، بعد الله الْمعول، وَالْإِخْلَاص لكم هُوَ لدينا الْمَعْقُول الأول، وَبِمَا فتح الله لكم من منحه الْكَرِيمَة، هُوَ عندنَا الْمنح المهنأ المخول. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فإننا لَا نزال على ثِقَة من عناية الله بكم فِي كل وَجه، تؤمون إِلَى هَدْيه، وتطلعون كواكب رَأْيكُمْ الميمون فِي سدفه، لما نعلمهُ من سعدكم، الَّذِي يروض الصعاب إِذا رامها، وعزمكم الَّذِي يتَنَاوَل الْأُمُور المبرمة فَيحل إبرامها، ويسهل مرامها، وهمتكم الَّتِي تروم الْكَوَاكِب، فتزاحم أجرامها، ونعتقد أَن الَّذِي سدد من عزمكم السِّهَام فأصابت، ودعا السَّحَاب الجهام فصابت، إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة نِيَّة خلصت لله، لم يشب صفوها شائب، وخبية صَالِحَة للْمُسلمين تساوى فِيهَا مِنْهُم حَاضر وغائب. وَكُنَّا قد اتَّصل بِنَا أَن مقامكم خطب مَدِينَة بجاية فَأَلْقَت المقاد، وراجعت الِاعْتِقَاد، وَأَن من كَانَ لنظره أمرهَا لما تلى عَلَيْهِ أَن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا، أذعن للحق وانقاد،

ص: 231

ثمَّ تخللت المراوضة أُمُور، وَحدث فِي أثْنَاء الْوَصْل نفور، وللحق من بعد الاحتجاب سفور، وَللَّه فِي كل شَيْء قدر مَقْدُور. فَجعلنَا نرتقب لتِلْك الْحَال مقَالا يحمد، وعاقبة يسر بهَا ذَلِك الْمقَام الأسعد، فَكلما اخْتلفت الْأَحَادِيث نَظرنَا فِي رجالها وطرقها، ورمنا الْجمع بَين متعارضها ومفترقها، واستعملنا ميزَان التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، لتخليص السقيم من الصَّحِيح. فَلَمَّا ورد رَسُولنَا من بَابَكُمْ، وَقد عَنى بكشف الْمُشكل وَتَقْيِيد المهمل. ووفى بِحمْل المعنعن والمسلسل، وعرفنا بِالْفَتْح الَّذِي تشمخ بِهِ الأنوف، وَتَبَسم لمسرته السيوف، وترتاح لعزه الْجِيَاد الجرد، وتتأود لذكره الرماح الملد، فتح بجاية حرسها الله، وَمَا بجاية إِلَّا بَاب الشرق، وَذَات الْأَصَالَة بِوَاجِب الْحق، وَمن لَهَا فِي ميدان افتخار الْبلدَانِ قصب السَّبق، العتيقة الْبناء، السامية الميناء [الأنيقة الرُّتْبَة، الخصيبة الْبقْعَة] ، دَار البسالة على طول الْمدَّة، وَمَعْقِل الْمُلُوك عِنْد الشدَّة، أزرت على الْقَوَاعِد بزيرها وغمامها، وباءت بباديتها وهماذها، وصابرت الأزمات على طول آمادها. فَهِيَ العقيلة الَّتِي أشرقت يَوْم الافتخار بأسمى سليل، وسفرت لِلْإِسْلَامِ عَن كل مرأى جميل، وَقَعَدت على منصة التشريف والتفضيل، وَضمن عليل نسيمها شفا العليل، وتختمت بِالثُّرَيَّا، وتعصبت بالإكليل، وزرت برفيعها وبديعها على الْفُرَات والنيل. دَار الْجِيَاد المجنوبة، والأساطيل الْمَوْهُوبَة، ومرفأ الشَّفق ومحط الركاب، ومتلقى جوابة البيدا،

ص: 232

وخايضي الْعباب، تهوى إِلَيْهَا أَجْنِحَة الشراع شارعة، وتبتدرها قوافل السفن متسارعة، مَا بَين مخبرة عَن مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة، ومطرفة بأبناء رومة بنى الْأَصْفَر، وصادرة عَن السواحل العكية، ومحدثة عَن غرائب التركية، وشاكية إِلَيْكُم الكرب نَاجِية من ظلمَة اقتباس الغرب. أَلْقَت الْيَد إِلَى طاعتكم على شهرة إبائها وشماسها، ومنعة وَضعهَا، وشهامة ناسها، لما علمت أَن مغالب الْحق مغلوب، ومحارب الْقُدْرَة الإلهية محروب، وحروف اللجاج مقود مجنوب، ومكابر الْبُرْهَان إِلَى الْجَهْل مَنْسُوب. فصانتها أَصَالَة رأيها فِي طَاعَة عَن الخطل، وتحلت منابرها بذكركم من بعد العطل، وَطَابَتْ بإيالتكم الفارسية نفسا، واستشعرت سُرُورًا وأنسا. وَكَانَت قد عدمت نَاصِر الدّين معنى، فَوجدت نَاصِر الدّين معنى وحسا، وخشعت أصوات أَهلهَا للرحمن من بعد الإجهار بالإباية والإعلان، فَلَا تسمع إِلَّا همسا، وَأصْبح ملككم مطلا على ماوراءها من الْجِهَات، [نَاسِخا بمحكم] الْحق حجج الترهات، وَإِن كَانَت قد أبدت نفارا وتيها، وعاودت عَادَة تجنيها، فالتيه من عَادَة الغادة، والتمنع من شِيمَة الْكَرِيمَة، أَنما هُوَ المطل، وَبعده يحصل الْوَصْل، والوعد والإنجاز من بعد، والبرق والرعد، وَفِي أَثَره الْغَمَام الرغد، وأهون المكسوب رخيصه، وَلَذَّة الصَّيْد أَن يطارد قنيصه، وَإِذا ظَهرت الآلاء فَمَا أخفت ملالا، وَإِن رامت دفاعا، فَمَا أضمرت خلافًا وَلَا امتناعا. فقد كَانَت خجلة من نشوزها الْمُتَقَدّم، قَارِعَة سنّ المنتدم المتندم، معلنة بطوق الكلف، متبرمة من الصلف، معترفة بِحُقُوق من سلف لكم من كريم السّلف، مستدركة مَا فاتها من أيامكم السعيدة الْمُسْتَقْبلَة، باخعة بتوبتها، والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ. فَلَمَّا تحققنا من هَذَا الْخَبَر الَّذِي هُوَ علم فِي عواتق الْإِخْبَار،

ص: 233

وشنب فِي ثغور الثغور، وخفر، فِي خدود الْأَمْصَار، وَسجْدَة فِي سُورَة الفتوحات الْكِبَار، وَأثر حَقه أَن يكْتب بمداد اللَّيْل فِي قرطاس النَّهَار، قُلْنَا تحصل الأمل، وَلما ثَبت الحَدِيث وَجب الْعَمَل. وَهَذَا أَمر لنا فِيهِ النَّاقة والجمل، إِذا فتح الله على من نأمل نَصره فعلينا فتح، وَإِذا منح من نرجو إعانته فإيانا منح. الْآن زَادَت الخطة المرجوة سَعَة، واستأنفت الْملك الَّذِي يعْتد بِهِ تمهيدا ودعة، وآن أَن يحصد فِي مرضات الله مَا زرعه. الْآن أمكن الاستعداد، وتيسير الْحَج وَبعده إِن شَاءَ الله تيسير الْجِهَاد، وأعطينا السرُور بِهِ مَا شاءه، وأتبعنا الدَّلْو فِيهِ رشاءه، وعمرنا بترديد الْحَمد لله ضحى الزَّمَان وعشاءه. وبادرنا بتوجيه من يُؤدى عَنَّا حق الهناء بِهَذِهِ الآلاء، ويسلك فِي تَوْفِيَة مَا عندنَا من السرُور على سَبِيل السوَاء. فاخترنا لذَلِك فلَانا، وصل الله سَلَامَته، ويمن ظعنه وإقامته، وحملناه من تَقْرِير مَا لدينا من الود الَّذِي صدق ابتهاجه، وَقطع المعابر امتجاجه، وراق على أعطاف الخلوص ديباجه، مَا نرجو أَن يقوم بِمَا أمكن من حَقه، ويسلك فِي تبليغه لَا حب طرقه. وفضلكم كَفِيل بالإصغاء إِلَى مَا يلقيه، وَالْقَبُول على مَا يُؤَدِّيه، وَالله تَعَالَى يبْقى ملككم متأودة بالنصر عواليه، مَسْرُورا بسعادته من يواليه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [وَكتب فِي الثَّانِي عشر لشهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام أَرْبَعَة وَخمسين وَسَبْعمائة] .

ص: 234

وَلما ثار بجبل الْفَتْح عِيسَى بن الْحسن بن أبي منديل، وَقبض عَلَيْهِ وَوجه للسُّلْطَان بالمغرب، عرف سُلْطَان الأندلس بذلك فَكتب فِي مُرَاجعَته كِتَابه الْمَذْكُور مَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي غَرِيم غرمه كَفِيل باسترجاع الْمَغْصُوب، وعامل سعده ضمين بخفض الْبَاطِل الْمَنْصُوب، وجبين مجده خليق بتاج الْعِزّ المعصوب. مقَام مَحل والدنا، الَّذِي نشتمل من فضل سروره بالملادة الضافية [ونستند من التَّشَيُّع إِلَيْهِ إِلَى كلاءة وافية، ونرد من مشرب سعادته فِي الْمَوَارِد الصافية] ، ونحظى من مقاسم مَا يسنيه الله لَهُ، بالخطوة الوافرة الوافية، ونسأل الله لَهُ اتِّصَال الصنع ودوام الْعَافِيَة، حَتَّى لَا تزَال تطلع علينا من ثنايا عناية الله بِهِ، أنوار الألطاف الخافية، أبقاه الله يروض سعده الصِّفَات فيلينها، ويتناول المشكلات فيبينها، ويطلع غرَّة الصنع الْجَمِيل يروق جبينها، ويجني ثَمَرَة النَّصْر الْعَزِيز قد يسرها حينها. مُعظم قدره الَّذِي فاق الأقدار، وَاسْتحق الإجلال والإعظام والإكبار، وموقر ملكه الَّذِي صدق الْخَبَر من فَضله الْأَخْبَار، فلَان [سَلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته]

أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مطلع أنوار الْعِنَايَة بِهَذَا الإقليم، فِي جنح

ص: 235

الْخطب البهيم، ومجنى ثَمَرَة التَّفْوِيض لأوامره وَالتَّسْلِيم، وتلقى أَحْكَامه بِالْقَلْبِ السَّلِيم، عذبة المذاق، طيبَة الْعرف، رايقة الْأَدِيم، ومحق الْحق، ومبطل الْبَاطِل فِي الحَدِيث من الْحَوَادِث وَالْقَدِيم، الَّذِي تدارك بالشفا عِنْد الإشفار من الْقطر السقيم، وَسكن بالايتلاف من بعد قدح زند الْخلاف، نفس الظاعن بِهِ والمقيم، وأخمد بيد قدرته عصوف الرّيح الْعَقِيم. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله النَّبِي الْكَرِيم، الرؤوف الرَّحِيم، الْمَوْصُوف فِي كِتَابه الْعَزِيز بالخلق الْعَظِيم، الْهَادِي إِلَى السَّبِيل الْوَاضِح وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم، الَّذِي باتباعه نحظى بِالْخَيرِ العاجل، وَالنَّعِيم الْمُقِيم، وبجاهه ندرأ فِي نحر الْخطب الجسيم، فنجتلي غرر الْوَجْه الوسيم، [وَفِي ابْتِغَاء مرضاته نثابر على جمع شَمل الْإِسْلَام] واتساق ملكه الْعَظِيم. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه أولى الْهدى الْكَرِيم، وَالْمجد الصميم، الَّذين خلفوه فِي أمته، بالتكميل لمرضاته والتتميم، وَكَانُوا لَهَا من بعده كَالنُّجُومِ الهادية فِي اللَّيْل البهيم، وَجَاهدُوا أعداءه بالجد والتصميم، فامتد بسيوفهم الْمَاضِيَة، وسيرهم الراضية، جنَاح الْأمان على الْأَمْوَال والأنفس والحريم. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى، بالنصر الَّذِي يغنى ببرهانه عَن السبر والتقسيم ، واليمن الَّذِي يمد جنَاحه الرحب على العامر والمسيم. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم دوَام السَّعَادَة واتصالها، وَعمر بِإِظْهَار آيَات العنايات بكم بكر الْأَزْمَان وآصالها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله، الَّذِي بهرتنا ألطافه، فأضرمت الألسن الخامدة، وغرناطه نعمه تتبع التالية مِنْهَا الْوَارِدَة، إِلَّا انْشِرَاح الصُّدُور الَّتِي كَادَت لَوْلَا حسن الْيَقِين تضيق، واستبشار النُّفُوس، الَّتِي كَاد

ص: 236

يلتبس لَهَا فِي جنح الشدايد طَرِيق، واجتماع الْكَلِمَة بعد أَن نعق بهَا التَّفْرِيق، وخلوص الْمَوَارِد، وَقد كَاد يتنكر الصّديق، واستقامة الْأَحْوَال على مَا يجمل بِمن يرْعَى حق ذِي الْجلَال ويليق، ولأبوتكم الْحق الَّذِي لَا يُفَارِقهُ التَّحْقِيق، وَالْبر الَّذِي سَببه القوى وثيق، والتشيع الَّذِي تعاضد مِنْهُ التَّصَوُّر والتصديق. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا وصلنا كتابكُمْ، الَّذِي شفى الْعِلَل، ونقع الغلل، وَمكن السرُور والجذل، تعرفُون فِيهِ بِحَال الْجَبَل، وَمَا أفْضى إِلَيْهِ أمره، وَاسْتقر عَلَيْهِ زيده وعمره، وَمَا كَانَ من مُرَاجعَة من فِيهِ بصائرهم، وإظهارهم ثَمَرَة مَا أسرته من الطَّاعَة سرائرهم، وَأَنَّهُمْ امتعضوا للْوَاقِع، وصرفوا الوصى للراقع، وَبَادرُوا بدرياق الاستقالة عَاد والسم الناقع، فَعَاد الْحق لرَبه، واستقام نفس الدعْوَة فِي مهبه، وانحط سَنَام الْخلاف بعد جبه، وباء المذنب بِذَنبِهِ، وَسُوء كَسبه. وَإِن كَانَ الْجوَار. بهدى الأنباء غضة، فَمن لِسَان مخاطبتكم للجيب، وجزئياتها لَا تبين مِنْهَا إِلَّا ببيانه الْمَذْهَب. وَاعْلَمُوا يَا مَحل والدنا أَن هَذَا الْأَمر الَّذِي انصدع صباح الْفرج فِي ليل شدته، وطالت آماد الآمال بقصر مدَّته، إِنَّمَا هُوَ كَانَ شعلة وَقعت لِلْإِسْلَامِ فِي خزانَة عدته، وَهِي طرق إِلَى أساس سدته، وداهية أَصَابَت هَذَا الْقطر الْغَرِيب، آخذة بمصراع بَابه، قَاطِعَة لأسبابه. تداركها الله بسعدكم، ليرى كَيفَ تجلى بالعناية إلآلهية الغياهب، وتتضح [بِالْقُدْرَةِ الأزلية] الْمذَاهب، [وليحمد الحامد ويهب الْوَاهِب] ، وَيعْتَبر بمواقع تصريف الْقَضَاء الْآتِي والذاهب. فَالْحَمْد لله الَّذِي لم يشمت الْكفَّار بِوُقُوع فتْنَة تهد من الْإِسْلَام ركنا، وتشمل أَهله ضغنا، وَتغَير من اتِّصَال أَيْديهم لفظا أَو معنى. وَإِن عَم الصنع بهَا فجهتنا الْمُعْتَمدَة بِخُصُوصِهِ، وَإِن كَانَ لغَيْرهَا

ص: 237

من الأقطار حَظّ أقيسة، فلنا حظوظ نصوصه. فَنحْن نهنى مقامكم الْأَسْنَى بخلوص حَسَنَة سلفكم الْمَكْتُوبَة فِي صحف الْقبُول، ومنقبة ملككم الرائقة الْغرَر والحجول. فقد ظَهرت طَيّبَات كسبها لما نفي الله عَنْهَا الشوايب، وحقق الشَّاهِد مِنْهَا للْغَائِب، وتخيرت الأخابث والأطايب، وَظهر أَن الله قد حفظ عَلَيْكُم نعْمَته وصانها، وَقصر على يدكم عنانها، وَكفى شانها من شَأْنهَا، فَإِنَّمَا هِيَ فرضة بحار تسلك، وَمَسْجِد عبَادَة لَا تسْتَحقّ بِغَيْر التَّقْوَى وَلَا تملك، وَقد ظهر من سر سعادتكم مَا لم يكن فِي حيّز الخفا، فكم معضلة بادرها بالشفا من بعد الإسفا، فهجعت الْعُيُون بعد هجر الإغفا، ووردت الآمال، وَقد تَكَرَّرت الْمَوَارِد مُرَاجعَة بعد الكدر حَال الصفاء، مَا ذَاك إِلَّا لنِيَّة يعلمهَا من يطلع على الضمائر، فَيعلم إخفائها وإيداها. وكما قَالَ صلى الله عليه وسلم، من أسر سريرة ألبسهُ الله رداها. فهنيا بِهَذَا الصنع، الَّذِي أشرقت شمسه، وَنسي بيومه أمسه، وَنحن نقابل مخاطبتكم إيانا بِهِ بالشكر الَّذِي كرم نَوعه وجنسه، ونضرع إِلَى الله فِي صلَة بقائكم، الَّذِي هُوَ معنى الْخَيْر كُله وأسه، ونسله سُبْحَانَهُ أَن يوليكم من مواهب فَضله، مَا ينشرح بِهِ صدر كل مُؤمن، وتطيب نَفسه، حَتَّى يرغم أنف الْكفْر بجهادكم، وتعز هَذِه الأقطار بإعانتكم وإمدادكم. وَإِن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا لدينا من التَّشَيُّع الْمُسلم الْحجَج، وَالْبر الْوَاضِح الْمنْهَج، كُنَّا كمن يروم رفع اللّبْس عَن سنا الشَّمْس، ويعدل عَن الْمُشَاهدَة إِلَى الحدس. وَالله عز وجل يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. [فِي السَّادِس وَالْعِشْرين لذِي حجَّة من عَام سِتَّة وَخمسين وَسَبْعمائة] .

ص: 238

وَصدر عني جَوَاب لما اسْتَقل سُلْطَان الْمغرب بِملك وَطنه

الْمقَام الْأَسْنَى الَّذِي أحسن الله لَهُ العقبي [وأعقب لَهُ] الْحسنى، وبلغه من فَضله مَا تمنى، وَجعله مثابة للنَّاس وَأمنا. فَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم لفظا وَمعنى ، مقَام مَحل أخينا الَّذِي جدد الْبَيْت الْكَرِيم وَرفع أَرْكَانه، وَاسْتحق النَّصْر الْعَزِيز، فعين زَمَانه ومكانه، ونبهه الْقدر والحظ المبتدر، فتملا أوطاره، وتملك أوطانه، وَاسْتظْهر للدهر بعقوده، طَالبا إِرْث آبَائِهِ وجدوده، فحاز تراثه، واسترد سُلْطَانه. السُّلْطَان الكذا أبقاه الله منشرحة بسلطانه الصُّدُور، مستمدة من نور سعادته البدور، ومشمرا لتتميم مآربه، وإيضاح مذاهيه الْقدر الْمَقْدُور، مقترنا بعزماته الظُّهُور، متنافسة فِي تخليد مآثره الْأَيَّام والشهور، رَافعا رواق الْعِصْمَة عدله الْمَشْهُور، ضَاحِكا فِي الْيَوْم العبوس علمه الْمَنْصُور، مُعظم قدره، وملتزم بره المسرور، بِمَا سناه الله لَهُ من إجلال قدره، وإعزاز نَصره، [الْأَمِير عبد الله فلَان] . سَلام كريم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الفتاح الْعَلِيم، مجتني ثَمَرَة الْأَمَانِي القاصية، والآمال المتقاصية، من شَجَرَة الرِّضَا وَالتَّسْلِيم، ومطلع أنوار الظفر بالأوطار فِي [ظلمَة الأخطار] لأولى الْعَزْم من خلفائه الْأَبْرَار والتصميم، وذاخر منحة الْفَوْز بِمَا لَدَيْهِ من أوليائه

ص: 239

الْكِرَام عَلَيْهِ لمن أَتَاهُ بقلب سليم، الَّذِي جدد للملة الملابس عزها رائقة التسهيم، وجلى عَنْهَا بِنور السَّعَادَة غياهب اللَّيْل البهيم، وَنفخ فِيهَا الرّوح، روح الْحَيَاة فِي الْعظم الرميم، الْملك الْحق الَّذِي إِذا أعْطى لم يفد لرد الْخصم وَلَا مماطلة الْغَرِيم، فبيده ملك الْقَبْض والبسط، وَتَأْخِير والتقديم. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد نبيه الْمُصْطَفى الْكَرِيم، وَرَسُوله الرءوف بِالْمُؤْمِنِينَ الرَّحِيم، الَّذِي أثنى فِي كِتَابه الْعَزِيز على خلقه الْعَظِيم، وأرسله بِالْآيَاتِ الْبَينَات وَالذكر الْحَكِيم، وَأخْبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ، وَأمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم، وَبَعثه إِلَى النَّاس كَافَّة، يَأْخُذ بالحجزات عَن الْعَذَاب الْأَلِيم، وَيَدْعُو على بَصِيرَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ إِلَى جنَّات النَّعيم، حَتَّى أَصبَحت كلمة الله تخب بهَا جِيَاد الأقلام فِي ميادين الأقاليم، وسرت فِي الأقطار تبين لأولى الأسماع والأبصار حُدُود التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه المتميزين بأصالة الْمجد وكرم الخيم، الحائزين قصب السَّبق فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم، الَّذين خلفوه فِي أمته بالتكميل لمحاسنها والتتميم، ونصروه فِي حَيَاته نصرا تكفل بِحِفْظ النُّفُوس وصون الْحَرِيم، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم صنعا تتلى أنباؤه مَا بَين زَمْزَم والحطيم، وسعدا تغنى قواطعه فِي الْأَعْدَاء عَن اختبارات النصب واعتبارات التنجيم، ونصرا يدونه الذابل والحسام، فيقومان بوظيفتي السبر والتقسيم، وبشاير تسرى فِي الْآفَاق مسرى النسيم، وتسفر فِي مطالع التَّعْرِيف عَن الْوَجْه الوسيم، وتروى مِنْهَا الْعباد والبلاد، تحفة القادم وَزَاد الْمُسَافِر، وقوت الْمُقِيم. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَنعم الله قد هَمت مِنْهَا السَّحَاب، وفتوحاته الربانية، قد تفتحت مِنْهَا الْأَبْوَاب، والكلمة المحمدية قد اتَّصَلت بهَا الْأَسْبَاب، ودولة الْإِسْلَام قد عَاد لَهَا بدولتكم الشَّبَاب، وآلاء الله [لما بهرت أذهلت الْأَلْبَاب] . والظنون فِيهِ سُبْحَانَهُ، قد صدق مِنْهَا الْحساب.

ص: 240

وَلَا زايد بِفضل الله، الَّذِي عَمت هباته، فَهُوَ الْجواد الْوَهَّاب، ثمَّ ببركة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله صلى الله عليه وسلم، للَّذي أشرف من نور هدايته الشهَاب إِلَّا الْعِزّ المشيد، والسعد الْجَدِيد، واليمن العريض المديد. [والآمال الَّتِي أشرق مِنْهَا الْجيد. وَالْحَمْد لله حمدا يتَوَلَّى مِنْهُ بوسيلة الشُّكْر الْمَزِيد] وَإِلَى هَذَا عرف الله الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين [عارفة] سعدكم، وهناكم مَا هيأه من الصنع الْجَمِيل لمجدكم، فإننا [قدمنَا] لكم الْخطاب جَوَابا عَمَّا أهديتم إِلَيْنَا، وأوفدتم بِمُقْتَضى فَضلكُمْ العميم علينا، من اتحافكم ببواكر الْفَتْح الْأَسْنَى، والصنع الوثيق الْمَبْنِيّ، وأنكم صرفتم إِلَى دَار الْملك، الَّذِي اخْتلفت لسعادة أَمركُم أوقاته، ومقر الْعِزّ الَّذِي حفظ أَمَانَته عَلَيْكُم ثقاته، وتشوف إِلَى تَلْبِيَة مجدكم مِيقَاته، وارتاحت إِلَيْكُم عهوده، وحنت إِلَى لقائكم سروجه ومهوده، وسهرت لارتقابكم عيونه، ويسرت لاقتضائكم دُيُونه، ونضرت لمجالسكم مراتبه، وَعرضت بَين يَدي جودكم مواهبه، وجنبت إِلَيْكُم جرده وسلاهبه، وزينت ببدركم هالته، وخطبت بجلالكم جلالته. وَأَن الْملك قد اسْتَقر، والْمنَّة لله فِي قراره، وَرب الدَّار قد توَسط أريكة دَاره، وَالْوَارِث الأحق قد فَازَ بِحقِّهِ، والجواد الْكَرِيم قد تميز فِي ميدان السعد بخصل سَيْفه، وَأَن الطَّاعَة قد اتسقت عقودها وانتظمت، وخلصت واستحكمت، والألسنة قد أعلنت مَا كتمت، وملة الْإِسْلَام قد رضيت وسلمت، وَأَن الْعباد والبلاد قد شملها

ص: 241

الاستبشار، وَحصل إِلَيْهَا الأمل الَّذِي كَانَ إِلَيْهِ يشار، والقرب الَّذِي كَانَت تحن إِلَيْهِ كَمَا تحن العشار، وَظَهَرت آثَار الِاعْتِقَاد الَّذِي لم يزل فِي العقائد كامنا يروع النَّاس مقَام إِبْرَاهِيم، الَّذِي من دخله كَانَ آمنا، وغبطناكم بموقعها الْأَسْنَى، وعارفتها الْحسنى، وَقُلْنَا الْحَمد لله الَّذِي رد حلي الْملك الْمجِيد إِلَى الْجيد، وقلد حسام الْخلَافَة، عاتق البطل النجيد، وزين المفرق الْكَرِيم بالتاج، وَفرق مُقَدّمَة الْعَزْم بالإنتاج، ومعاذ الله أَن تجْهَل الْبِلَاد حق والدكم، الَّذِي كفل الرّعية وكفاها، وتمم مآرب الْإِسْلَام على الْأَيَّام ووفاها، وأعذب الْمَوَارِد وأصفاها، وَمد جنَاح الْعدْل المنشور، وَالْفضل الْمَشْهُور، ووسم بغرر المناقب أوجه الْأَيَّام والشهور، وَكَانَ لملوك الْإِسْلَام أَبَا، ولتمهيد الأقطار، وتسنى الآمال الجهادية والأوطار سَببا، وَلدين الله ركنا وثيقا، ولأوليائه وليا وصديقا، وعَلى الثغور شفيقا، ولأعباء الْخلَافَة مطيقا، وللمناقب ديوانا، وعَلى عز كلمة الله عنوانا، وللجهاد مديما، ولنعمة الله بالشكر مستديما، ولرسوم الْعلم وَالْعَمَل مُقيما، وللعدل وَالْإِحْسَان صراطا مُسْتَقِيمًا، ولخصوص هَذِه الجزيرة الأندلسية، الَّتِي جعلهَا الله ميدان أمانيه، من رَضِي الله وآماله، وأسلف فِيهَا مَا أسلف من أَعماله، وسمح لَهَا بِنَفسِهِ وَولده وَمَاله، جزاه الله جَزَاء الْخُلَفَاء الصَّالِحين، وَالْأَئِمَّة الْمُجَاهدين من أَمْثَاله، وَأبقى بركته فِي وَلَده وَآله. فَلَو لم يدع إِلَى السرُور بِمَا سناه الله لكم إِلَّا هَذِه الْوَسِيلَة، الَّتِي تسلم لَهَا الْوَسَائِل، وَتقوم على فَضلهَا الْبَرَاهِين والدلائل، لكفت، وبرت ووفت، وسحت بركتها ووكفت، فالفرقد من النصل، وَالْفرع من الأَصْل، وَالْحب يتوارث، كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث وَالْخَبَر، وَشهد بِهِ الْحس وَهُوَ الشَّاهِد الْمُعْتَبر. وَإِنَّا لنَرْجُو أَن ترضوه فِي لحده، باقتفاء سنَن جهاده وجده، وتتمموا مقاصده فِي سَبِيل الله

ص: 242

من بعده. فَأنْتم سلالة مجده، ومنقبة حَمده، ورأينا أَن تِلْكَ الْمُرَاجَعَة دون الْكِفَايَة، وقاصرة عَمَّا يجب من المبرة والحفاية، فخاطبناكم بِهَذَا الْكتاب، نؤكد سرورنا بِمَا ألبسكم الله من تِلْكَ الْحلَل، ونسله لكم تَمام الْقَصْد وبلوغ الأمل، فَنحْن الْآن نبدي فِي سنائكم ونعيد، ونسهب فِي القَوْل، وَأَيْنَ يَقع مِمَّا نُرِيد، ونروم أَن يَفِي الْكتاب، بِمَا ينطوي عَلَيْهِ لكم، وَهُوَ المرام الْبعيد، وَإِذا كَانَت السرائر يعلمهَا الشَّاهِد الرَّقِيب، ويرتب عَلَيْهَا المجازاة، فَهُوَ الْمجَازِي الْمُنِيب، فحسبنا أَن نكل خفيها إِلَيْهِ، وندنيه مِنْهَا بِمَا لَا يخفى عَلَيْهِ، فَالله عز وجل يهنيكم بِمَا أولاكم من منحة حافلة، وصنيعة فِي حلل الْكَمَال رافلة، ويسعد بهَا الأقطار، كَمَا [مهد بهَا] الأوطان، وَيسر الأوطار، ويجعلها فِي الْعقب بعد طول المدا بَاقِيَة، ويلبسها عصمَة مِنْهُ واقية، حَتَّى لَا يصرف شملها بعد الانتظام انتثارا، وَلَا طرف سعدها من بعد الْإِحْضَار عثارا، ويجعلها لنجوم عزكم مدارا، ولدعوة ملككم دَارا وقراراً. وعينا فِي هَذَا الْغَرَض وَالْقِيَام بواجبه [الْمُلْتَزم] المفترض، من رجونا أَن يَنُوب عَنَّا فِيهِ أَحْمد المناب، ويمهد أفسح الجناب، ويشرح مَا لَا تفي بِهِ مَقَاصِد الْكتاب [وهم فلَان وَفُلَان] ، وفضلكم كَفِيل بالإصغا لما يلقونه، وَالْقَبُول على مَا يودونه. وَالله يصل سعدكم ويحرس مجدكم [ويضاعف نعمه عنْدكُمْ] ، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الْبر العميم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ص: 243

وَصدر عني فِي هناء السُّلْطَان الْكَبِير أبي عنان رحمه الله عِنْدَمَا أتيح لَهُ النَّصْر على فل بني زيان بِمَدِينَة تلمسان، وَذَلِكَ فِي عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة

الْمقَام الَّذِي أكواس فتوحه على غبوق الزَّمَان وصبوحه تَدور دراكا، وكفلاء سعوده، توجه آماله القصية بغايتها لحَاقًا وإدراكا، وأيدي الْقدر فِي حالتي الْورْد والصدر تعلق أعداءه إشراكا، وحدود صوارمه، تأبى فصولها المميزة، أَن تدع فِي أمره اشتراكا، وعناية الله تصْحَب ركابه وتحف جنابه، كلما رام سكونا أَو أعمل حراكا.

مقَام مَحل أخينا الَّذِي أَخْبَار نَصره لَا تمل على الْإِعَادَة، وآثار نجومه مسطرة فِي أوراق السَّعَادَة، وَآيَة صنع الله لَهُ خارقة حجاب الْعَادة، ومنته الْخَالِصَة لله ضامنة لَهُ بُلُوغ الْإِرَادَة، أبقاه الله يمهد قَوَاعِد الْملك الْأَصِيل، فَلَا يعارضها فرق، ويستخلص دُيُونه، فَلَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ مِنْهَا حق [ويشيم بوارق النَّصْر الْعَزِيز فَلَا يخلف مِنْهَا برق] ويقتحم الْأَهْوَال وصدره رحب وَوَجهه طلق، فَكلما عرضت آيَة بر كَانَ لَهُ سبق، مُعظم مقَامه الَّذِي اسْتوْجبَ التَّعْظِيم بِكُل اعْتِبَار، ومابل ملكه بِكُل إجلال وإكبار، الْمثنى على مكارمه الَّتِي جيادها للغايات ذَات ابتدار، وديمها فِي انهمار. فلَان. سَلام كريم، طيب بر عميمم كَمَا حَيا نسيم الصَّباح بِطيب هِبته، وَرفعت راية النَّهَار على هضبته، يخص مقامكم الْأَعْلَى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ص: 244

أما بعد حمد الله الَّذِي طوقتنا مواهبه العميمة تطويقا، وأوضحت لنا هدايته من الشُّكْر طَرِيقا، الَّذِي جعل عزمكم للنجح رَفِيقًا، وَلم يعْدم آراءكم السديدة تَوْفِيقًا، وشفا بسيوفكم عليل ذَلِك الْقطر، فَأصْبح بعد الإشفاء مفيقا، ورد إِلَى عصمَة ملككم عقائل تِلْكَ الأقطار، قد سامتها الْفِتْنَة مُفَارقَة وتطليقا، فاجتلت بكم وَجه السَّعَادَة طليقا، وأوت إِلَى الظل الَّذِي جعله الله باجتماع كلمة الْحق خليقا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي أطلع نور [الْهِدَايَة للرسالة وَالْهِدَايَة] فأرشد ضَالًّا وأنقذ غريقا، وسام كلمة الْكفْر طمسا ، وَسبب لفرقة تمزيقا، الَّذِي نعتلق من جاهه عِنْد انبتات الْأَسْبَاب سَببا وثيقا، ونقصد مِنْهُ يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر منجا بالفوز حَقِيقا، ونؤم مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة شَفِيعًا وشفيقا، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين اخْتَارَهُمْ لَهُ حزبا وفريقا، فصدقوا مَا جَاءَ بِهِ عَن الله تَصْدِيقًا، ونصروا دَعوته حَتَّى بلغت مُرَاد الله مِنْهَا تغريبا فِي الأَرْض وتشريقا. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر الَّذِي يستعذب مِنْهُ مبسم الْفضل ريقا، والصنع الَّذِي يدرء روض الْعِنَايَة الإلهية أنيقا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم نصرا يطبق مفاصل الآمال تطبيقا، وسعدا يفوق سهامه تفويقا، وَعزا يُوسع فُصُول التَّمْهِيد والتحليل تثبتا فِي الأَرْض وتحقيقا. من حَمْرَاء غرناطة ، حرسها الله، وَلَيْسَ لفضل الله سُبْحَانَهُ إِلَّا الارتياح إِلَى البشائر المثناه، والأنس بلقا المأمل المتهناه، والكلف بِوُجُوه الْفتُوح المجتلاه، والترحيب بالأنباء الَّتِي تعلى الْبَنَّا نواصي الفلاة، وتركب متون السفن تجْرِي فِي أَعِنَّة الرِّيَاح المرسلات. وَنحن على مَا تعلمُونَ من الود الَّذِي اسْتَقَرَّتْ أَرْكَانه، وَشهر مَكَانَهُ، وتمحص إِلَى جِهَة الْوُجُوب إِمْكَانه، نعتد بملككم الَّذِي نرفع

ص: 245

شَأْنه، ونؤمل من ظهوركم على أَعدَاء الله يَوْمًا يرتقب زَمَانه، ونثنى عَلَيْكُم ثَنَاء الرَّوْض باكره من الْقطر هتانه. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فَإنَّا ورد علينا كتابكُمْ، الَّذِي صفر التَّعْرِيف بالظفر وأكده، وعضد إخاءه وأيده، تركت ظهر الشَّيْخ خائضا لجته، ويصدع أحشاءه مستهديا محجته. فاستجلينا غرَّة الْبَيَان الْحر، وَقُلْنَا عَادَة الْبَحْر أَن يقذف بالدر، أَي كتاب وَسعه الْخطاب الْفَصْل ووشاه، وزائر لَا يسْعد الله ممساه. جددنا الْعَهْد بِسَمَاع فصوله، وَالشُّكْر لصلته وموصوله، وروينا حَدِيث النَّصْر مُتَّفقا على اخْتِلَاف الطّرق، وقابلنا نُسْخَة الغرب بنسخة الشرق، وَقُلْنَا هَذَا أصل فِي بَحر، وَإِلَى مثله ترد النّسخ العتيقة، وَبِه تحصل الْوَثِيقَة، وأثنينا على مجادتكم الَّتِي لم تقتصر فِي تعريفنا على خبر وَاحِد، وَلَا وثقت فِيهِ بِأول وَافد، حذرا مِمَّا يعْتَرض برد الرسائل من غوائل الطّرق وطوق الغوائل. فثابرت على تَحْصِيل هَذَا الْغَرَض حَتَّى حصل وَصَحب كل وَاحِد مِنْهَا خَبِير سعدكم فَسلم وَوصل، فتقرر مَا سناه الله لملككم من إعزاز المملكة، وتورط عَدوكُمْ فِي هفوة الردى ومهواة الهلكة، وَالْفَتْح الَّذِي قَامَ بِحِسَاب الْفتُوح مقَام الفذلكة، وأرمق قُلُوبكُمْ، كَمَا تناولت عزماتكم طرده وَعَكسه، وقارعت خصماء نفوسكم نَفسه، وَجَرت عَلَيْهِ جيوشكم الجرارة ذيول الهزائم، وأذكت عَلَيْهِ سعودكم عُيُون الزَّمن النَّائِم، فَرَأَوْا عقبان الْخَيل فِي أَعْقَابهم، وعيون النُّجُوم تَأْخُذ المراقب فِي ارتقابهم، وراموا التنكر فعرفوا، وَاسْتظْهر عَلَيْهِم سعدكم بِالْعَدْلِ والعلمية فصرفوا، وَقد وَكلهمْ النَّدَم بعض الأباهم، وعوضهم الْقَهْر من امتطاء الأداهم، وأصبحت

ص: 246

الْبِلَاد، قد سكن هائجها، ومقدمات الْعَزْم قد صدقت نتائجها، والكلمة قد اجْتمعت، وَأَحْكَام الْخلاف قد ارْتَفَعت، وأودية السياسة نجعت. وَقد كُنَّا لأوّل وُرُود هَذَا الْخَبَر أعطيناه حَقه من السرُور بمقدمه، وعينا رَسُولنَا الَّذِي أوفدناه على بَابَكُمْ الْكَرِيم لتقرير ذممه، وإلقاء مَا يسع فِي اسْتِيفَائه عَادَة مجده وَكَرمه. وَنحن الْآن نعيد هُنَاكُم، ونقيد على هَذِه الْمُحَافظَة ثنائكم. وَإِن ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا عندنَا من السرُور بسروركم، والابتهاج بانتظام أُمُوركُم، رمنا تَحْصِيل حَاصِل، واجتهاد وادع وَاصل، فَجَمِيع مَا ينالكم من عز النَّصْر، وعلو الْأَمر، نصيبنا الأوفر فِيهِ، وحظنا الْحَظ الَّذِي لَا يرجحه غَيره وَلَا يوازيه، وعايدته على قطرنا بِمَا يكبت طوايف أعاديه، ويسكب بالأمداد غيوث عواديه، فتقدمها بالتشيع الضافية أثوابه، والخلوص المفتحة أبوابه. وَالله تَعَالَى يعلى مقامكم الْوَثِيقَة أَسبَابه، وَيُؤَيِّدهُ حَتَّى يمْضِي فِي جِهَاد أَعدَاء الله عضابه. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.

وَصدر عني فِي قريب من هَذَا الْغَرَض

الْمقَام الَّذِي تبرع سعده برد الْمَغْصُوب، وتولت يَد الْعِنَايَة الإلهية عقد تَاج عزه المعصوب، وحكمت عوامله فِي سَبِيل الله بخفض الصَّلِيب الْمَنْصُوب، مقَام مَحل أخينا الَّذِي أَتَاهُ الله الحكم صَبيا، وأخلص الْملك فِيهِ لله نجيا حفيا، فَقَالَ مُشِيرا إِلَى مَكَانَهُ، قبل تَأتي الْأَمر وإمكانه، " رب هَب لي من لَدُنْك وليا، يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب، واجعله رب رَضِيا "، السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله يَرْمِي [بسهام عزماته] أغراض

ص: 247

السداد فيصيبها، وَيُشِير بِيَدِهِ الْكَرِيمَة إِلَى مواهب الله العميمة، فيتوفر لَدَيْهِ نصِيبهَا، وَيطْلب مِيرَاث سلفه فِي الأقطار بالحسام الماضى والقنا الخطار، فيفوز بأقصى الآمال والأوطار من الِانْفِرَاد بتعصيبها. مُعظم قدر إخائه، ومرفع جَانب علائه، وَمُوجب فرض هنائه، بنعم الله وآلائه، [ومؤمل عزمه الْمُعْتَمد بمضائه] ، الدَّاعِي إِلَى الله بدوام نَصره وصلَة بَقَائِهِ، حَتَّى تربي مآثره فِي سَبِيل الله على مآثر آبَائِهِ، فلَان. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي حفظ مُؤَكد الْعِزّ مِنْكُم على من اخْتَارَهُ، وَأظْهر عنايته بِالدّينِ الحنيف على يَدي سلطانكم المنيف، فمهد أوطانه، وَيسر أوطاره، فَمَتَى شب ضرام فتْنَة، أطفأت جداول سُيُوفكُمْ ناره، وَمَتى خبا ثبير هِدَايَة، رفعت أَيدي ملككم مناره، وَمَتى اسْتَأْثر مُنَازع من أطواق إيالتكم بلباس وَلَو فِي سَبِيل اختلاس، استرجعت عزايمكم مَا استعاره وصرمت عاره، فملككم بِفضل الله مُسْتَدْرك ثاره، مقيل آثاره، والدهر بَين يديكم مستقيل عثاره. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي رفع شَأْنه فِي الْأَنْبِيَاء الْكِرَام، وَعظم مِقْدَاره، وَجعل فِي أشرف الْخلق قومه، وَفِي أشرف الأَرْض دَاره، وَأَعْطَاهُ لِوَاء الشَّفَاعَة ليجير من أجاره، فِي الْيَوْم الَّذِي يسلم فِيهِ الولى وليه وَالْجَار جَاره، فَمن انتصر بجاهه فِي الملمات، وعول عَلَيْهِ فِي الشدائد المدلهمات، رَضِي انتصافه وَحمد انتصاره، وَمن توسل بِهِ، فضلا عَمَّن زَارَهُ، أَمن برحمة الله

ص: 248

أوزاره. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأسرته وأحزابه، الَّذين ورثوا فخاره، واختاروا فِي سبل الْحق مَا اخْتَارَهُ، وَكفوا عَن دينه أَيدي العدا، وزينوه بحلى الباس والندي، فَكَانُوا سوره وسواره، وَكَاد بِنَاؤُه ينْقض، وكنز الْحق [تَحت أساسه] ينفض، فأقاموا ببيض الْمَعَالِي، والسمر العوالي جِدَاره. وَالدُّعَاء لمقامكم السعيد بالعز الَّذِي تؤيد قدرَة الله اقتداره، والصنع الَّذِي على قطب التَّوْفِيق مَدَاره، والنصر الَّذِي يعْمل فِي سَبِيل الله سنته وشعاره، وَالْفَتْح الَّذِي تسبح فِي بحره الأقلام فَلَا يبلغ مِنْهَا الْإِعْلَام [وَأَن جاش الْكَلَام وجادت الأحلام] معشاره. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لأيامكم الجديدة السعد، السعيدة الْجد، من مواهبه الْخَارِجَة عَن الْجد أفضل مَا كتب، وخولكم من مقاسم النَّصْر الشاذة عَن الْحصْر أجزل مَا وهب، وَجعل ملككم ليستعتبه الدَّهْر إِذا عتب، وَيَقْضِي من فروض طَاعَته، مُعْلنا بضراعته إِذا حمله الْقدر على تفريقه وإضاعته مَا ترَتّب وَوَجَب. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَالْيَد بعلو يدكم عالية، وَالنعَم بتوالي سعادتكم مُتَوَالِيَة، والآمال باستقامة الْأَحْوَال لأخوتكم الرفيعة الْجلَال حَالية، والارتياح الَّذِي [تودي بشايره] لَا تَخْلُو مِنْهُ غَالِيَة، والمسرات لَا تنفذ مِنْهَا وافدة إِلَّا تبعتها تالية. وَإِلَى هَذَا وصل الله لملككم أَسبَاب الانتظام والاتساق، وَأهْدى انباءكم طيبَة الْعرف حَسَنَة المساق، وأطلع بدر سعادتكم فِي أسعد الْآفَاق، [وَأقَام الدَّهْر بَين يدكم مهمى تَابَ من ذَنبه أَو عتب بعد عَتبه، مقَام الحياد والإطراق] حَتَّى تخفق [أحشاء الْكفْر] رعْبًا

ص: 249

من لوائكم الخفاق، ويتفق على عقيدة طاعتكم، فِيمَا لكم من الأقطار والأصقاع أَلْسِنَة الْإِجْمَاع والإصفاق. فقد وصل كتابكُمْ البرالوفادة، الجم الإفادة السافرة غمامته الْبَيْضَاء عَن بدر السَّعَادَة، المتحف بصنع الله الَّذِي خرق حجاب الْعَادة، فاجتلينا الْبَيَان الغض من حلل سطوره، وقرطنا الآذان بشذوره، وصدعنا فِي الحفل الْمَشْهُود بمنشوره. عرفتمونا فِيهِ بِالْفَتْح الَّذِي فتحت لكم أبوابه، والنصر الَّذِي يسرت لكم أَسبَابه، والسعد الَّذِي ضفا عَلَيْكُم جلبابه، والصنع الَّذِي ناشبت دولتكم المقتبلة الشَّبَاب فِرَاق شبابه، وشرحتم مَا آل إِلَيْهِ حَال مَدِينَة تلمسان، تقبل الله توبتها، وأسعد أوبتها، وَحَال من كَانَ قد تسور جدارها، واقتحم دارها، ومزق بِالْإِكْرَاهِ صدارها، لما دلفت إِلَيْهِ الليوث واستقبلته، فاستقبلته الكتايب والبعوث، وَأخذت عَلَيْهِ، بعرب الطَّاعَة بَغْتَة كقيام السَّاعَة، السهول والوعوث، وَمَا أبداه لما تغشاه رِدَاء من التمويه باللقاء، وَالْعَمَل على الثُّبُوت والبقاء، وتظاهر بِهِ من صيد العنقاء، والإخفار الَّتِي يستريب مِنْهَا لِسَان الْإِلْقَاء، وَمَا نشب أَن ركب اللَّيْل جملا، وَترك سائمته المهتضمة هملا، [وَلم يصرف] إِلَى غير طلب النجَاة بإفلاته، ولات حِين نجاته أملا، وَإِن أَوْلِيَاء الدولة السعيدية استولوا على الْمَدِينَة، فاستخلصوا حَقّهَا، وأوضحوا للطاعة طرقها، وَسَكنُوا راجفها، وأمنوا خائفها، وَرفعُوا عَن

ص: 250

رعيتها المرزات كل تَثْرِيب، وَلم يَأْخُذُوا بريا بمريب، وَلَا بَعيدا بقريب، وقبلوا الْأَعْذَار حلما، ووهبوا ذنُوب جهالها وعلمائها وسفهائها وحلمائها لمن وسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما، سجية من ملك فَأَسْجِحْ، وأبت لَهُ الهمة الْعليا أَن [تتنحى أَو] تتبجح، وَرَأى المزية بَين الخطتين، فَكَانَ إِلَى الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى الله أجنح، فَعَاد الْحلِيّ إِلَى الْجيد، بِفضل ذِي الْعَرْش الْمجِيد، وعوجل الشعث بالتنجيد، وأصبحت الصهوة مركب البطل النجيد، ورد سيف الطَّاعَة بيد الِاجْتِهَاد فِي جِدَال الْبِلَاد، من الِاجْتِهَاد إِلَى التَّقْلِيد، وشملت الكافية واقية كواقية الْوَلِيد، وتحلت المنابر بعد العطل، والخطا الْمُتَعَمد الخصل، بدعوة الإِمَام السعيد، وَرَأى من اعتزل الْهَرج، رُجْحَان القَوْل بإخلاف الْوَعيد، فَكَأَنَّمَا كَانَت فلتة تِلْكَ الإيالة الطامعة فِي الإدالة، وارتشاف البلالة، سَهوا فِي عبَادَة، وتقصيرا فِي إجادة، ولحنا فِي وجادة، وغلطا فِي اسْتِغْفَار، وقذا بَين أشفار، ودخيلا فِي قطار، ولحقا بَين أسطار، وحلما محت الْيَقَظَة خيال غروره، وتمويها ذهب الْحق بنوره، وقلما أدبر شَيْء فَأقبل، وَهل عِنْد رسم دارس من معول، ومكابر الْحق موكوس الْقسم، وضد السعيد مَعْرُوف الِاسْم، وَمَا كَانَ الله جل جلاله [وتقدست صِفَاته وأفعاله] لينثر قلادة الدّين بعد نظامها، وينسخ ثَابت أَحْكَامهَا بعد إحكامها. بل هُوَ نور وعد بإتمامه، والوعد حق، وَقَاعِدَة لَا يدخلهَا فرق، وَملك تعلق بأذياله غرب وشرق، ومزن أومض فِي برده للغيث برق، فَإِن أذْنب الدَّهْر فقد استقال، وَإِن أضحى الْملك بهَا فقد قَالَ،

ص: 251

[وَوجد لِسَان الصارم القَوْل فَقَالَ] . وَالْحَمْد لله حمدا يدر من النعم السحب الثقال، ويقر أَحْوَال السَّعَادَة الْمُعَادَة فَلَا تعرف الِانْتِقَال، وَقد كُنَّا على علم قَطْعِيّ فِي سَبِيل شَرْعِي، نرى أَن الَّذِي اختاركم لحمل هَذِه [الْأَمَانَة وتقلد] القلادة من بَين يُشَارك فِي نسب أَو ولادَة، وألبسكم ملابس المجادة، وحلاكم لما تولاكم قبل أَن ولاكم بحلى السِّيَادَة، وَجعل جبل الْفَتْح أفق بدركم، وصدفة دركم، وَبَدَأَ بفاتحته الْجِهَاد، وَهِي أم ذَلِك الْكتاب. كتاب أَمركُم، لَا يهمل سلطانكم، وَلَا تذعن بِالْخِلَافِ أوطانكم. وَأَن لَهُ فِيكُم خبية نصر يرتقب أَوَانه، وينتجز وعده، ويقتضى ضَمَانه حَتَّى تبلغ الآمال، وتنجح فِي مرضاة الله الْأَعْمَال. فَفِي التمَاس مَا عِنْده سُبْحَانَهُ يجب أَن تجمع الرِّجَال وتفرق الْأَمْوَال، وفضله تَعَالَى لَا يخيب مِنْهُ السؤل، وَلَا يخيب فِيهِ السُّؤَال. فَلَمَّا وَردت الْأَخْبَار بِمَا منحكم الله من الفتوحات الَّتِي أبلغت الْبِلَاد والعباد آمالها، ووفرت سرورها وجذلها، وَمَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا [وأشرقت الأَرْض بنورها، وَوضع الْكتاب صدق الْقيَاس وَصَحَّ الْحساب واتصلت الْأَسْبَاب واضطرد الْبَاب] خاطبناكم نهنيكم بِمَا وهبه الله ومنح، ونرى أَن مَا فتح الله بِهِ عَلَيْكُم، فعلينا بِهِ فتح، فمقامكم الْعدة الَّتِي بهَا نباهي ونباهر، ونضاهي ونظاهر، ونكافي ونكاثر، ونصادم ونصادر. أبقاكم الله لآمال كَرِيمَة تَقْتَضِي، وخلال شريفة ترتضى، ومقاصد مبرورة، تنسى مَا سلف للسلف وَمضى. وَنحن أَيْضا نعد إيثاركم إيانا بالتعريف بِهَذَا التكييف هَدِيَّة ودية، تقل لَهَا الْمُكَافَأَة وَإِن جلت، وفضلا عميما

ص: 252

أشرقت أنواره وتجلت، ويستدعي الْقيام بِحَق مقامكم، وَهُوَ المرام الْبعيد، ونجهد طرف اللِّسَان فِي ميدان الشُّكْر، وَأَيْنَ يَقع جهده مِمَّا نُرِيد، فَإلَى الله نكل مَا ننطوي لكم عَلَيْهِ من ود كريم، وَحب صميم، فَهُوَ بالبواطن عليم، وَلَا ينفع لَدَيْهِ مَال وَلَا بنُون، إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم. وَهُوَ عز وجل يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الْبر العميم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.

ص: 253

وَكَانَ مِمَّا كتبت بِهِ لما وصلت الْأَخْبَار بنجاة ملك الْمغرب السُّلْطَان الْمُعظم أبي الْحسن من هول الْبَحْر لما هلك مَعَه الْجَمَاعَة من أَعْلَام ناسه بأحواز الجزاير، وَذَلِكَ من أوليات مَا كتبت فِي هَذِه الْأَغْرَاض

الْمقَام الَّذِي عُيُون أهل الْإِسْلَام ساهرة فِي ارتقابه، وَقُلُوبهمْ خافقة عَلَيْهِ خفوق أَعْلَامه حول ركابه، وأكفهم إِلَى الله ممدودة فِي تيسير إيابه، وأسبابهم على بعد الدَّار ونزوح الأقطار مُتَعَلقَة بأسبابه، مقَام مَحل والدنا الَّذِي تعظيمنا على مثابته الْعلية مَوْقُوف، وأملنا إِلَى الله فِي عصمَة ذَاته الزكية مَصْرُوف، وقصدنا بالتشيع إِلَيْهِ، والاعتماد بعد الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ مَعْرُوف، صَاحب الْجِهَاد المقبول، والرفد المبذول، أَمِير الْمُسلمين الكذا أبقاه الله وسعوده تسْتَأْنف الأبدار أقمارها، والمشيئة تجْرِي بأحكامه العادلة أقدارها، والبشاير عَنهُ صدرها وَإِلَيْهِ ابتدارها، وحروف الزَّمَان تنبسط بَين يَدَيْهِ أعذارها، وَتعرض ذنوبها على حلمه فننثال مِنْهُ اعْتِبَارهَا، وَالْملَّة المحمدية تنسدل بحياته الرضية أستارها، والفئة الغريبة تتمهد بهَا أوطانها، وتتجدد أوطارها. مُعظم سُلْطَانه الَّذِي يجب لَهُ التَّعْظِيم باستحقاقه، وموقر ملكه الَّذِي تجلت أنوار الْفضل الْمُبين بآفاقه، المرتقب من طلوعه على هَذِه الأقطار، صبحا مشرق

ص: 254

الْإِسْفَار، يصدع ليل الخطوب نور ائتلافه. وَيفتح بَاب الْفرج بعد استغلاقه، الْأَمِير عبد الله فلَان [سَلام كريم عَلَيْكُم] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي أذن لسعود الْإِسْلَام، بعصمة ملككم الْمَنْصُور الْأَعْلَام فِي انبلاج صباحها، وجدد بهَا عزائم النَّصْر قبل ركود رياحها، وَأعَاد جِيَاد الآمال إِلَى مراحها، وَألف بَين قُلُوب الْمُسلمين واقتراحها، وَجمع بَين صُدُورهمْ وَبَين انشراحها، وتدارك الْملَّة المحمدية بتشييد ركنها، وجبر جناحها. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الْكَرِيم، نور الْهِدَايَة ومصباحها، وَمعنى الرسَالَة بَين اختتامها وافتتاحها، الرَّحْمَة الهامية فَوق وهاد الأَرْض وبطاحها، مخرس أَلْسِنَة الْبَغي بعد إفصاحها، ومطفي نَار الْفِتَن بعد اقتداحها، وَنَبِي الْمَلَاحِم، وَالْأَرْض تموج بكفاحها، لم تثن عزمه الشدائد بإنجاحها، وصروف الْأَنَام بجماحها، حَتَّى باءت كلمة الله بفوز قداحها. وَالرِّضَا عَن آله وصحابته الَّتِي ذادت عَنهُ بسيوفها [الْمَاضِيَة] ورماحها، وسمحت لَهُ بأموالها وأرواحها، وباعت نفوسها من الله فِي نَصره، فأعظم بأرباحها، وَالدُّعَاء لمقام أبوتكم الْعُظْمَى، أَعلَى الله معالم هديها وصلاحها، ورسم آيَات نصرها الْعَزِيز فِي صحف السَّعَادَة وألواحها، [بالصنع الَّذِي تتفتح أزهاره فِي خمائل الألطاف الْخفية وأدواحها] [فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لمقامكم سَعْدا جَدِيدا ريعانه، وَعزا مشيدا بُنْيَانه،

ص: 255

يقوم على [قدره] جَبَّار السَّمَوَات وَالْأَرْض برهانه. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله، الَّذِي لَا يعول فِي الشدائد إِلَّا عَلَيْهِ. وَلَا تمد الأكف وَتصرف الْوُجُوه إِلَّا إِلَيْهِ، إِلَّا إرْسَال جِيَاد الآمال فِي ميدانها، وسحب حلل الجذل ينم طيب أردانها، واستقبال مَا تعودته الْملَّة المحمدية من سَعَادَة أزمانها. لله الْحَمد على نعْمَة الَّتِي اتَّصَلت عوارف إحسانها، وصنايعها الَّتِي راقت أبصار البصاير لمحات حسانها، وَنحن على مَا يُعلمهُ مقامكم من التَّشَيُّع الَّذِي رفعنَا لكم بِهِ فِي النَّاس علما شهيرا، والتعظيم الَّذِي استعرنا مِنْهُ مهادا أثيرا، والاعتقاد الْجَمِيل الَّذِي اتخذناه إِلَى الله وَسِيلَة وعَلى أعدائه ظهيرا، وَالْحب الَّذِي لَا يزْدَاد نضاره على نَار الْبعد إِلَّا تشميرا. نؤمل من مقامكم على بعد الديار، وَاعْتِرَاض الْبحار ملْجأ ونصيرا، ونذيع من ثنائه مسكا فتيقا وعبيرا، وَمهما اجتلينا بِخَبَر سعادته وافدا وبشيرا، جعلنَا رسَالَته آيَة، واتخذنا يَوْمهَا عيدا كَبِيرا. وَإِلَى هَذَا فقد علم الله الَّذِي يعلم مَا فِي الضمائر، ويطلع على خفيات السراير، وَيرى فِي خلقه وهم شهداؤه فِي أرضه، مسرى الْمثل السائر، مَا عندنَا لمقامكم الْكَرِيم من الخلوص الَّذِي لم يلابس قطّ ريبا، الِاعْتِقَاد الْكَرِيم مشهدا وغيبا. وإننا بِحَسب ذَلِك من لدن أمعن ركابكم الْعلي السلطاني فِي تدويخ تِلْكَ الأوطان، حَتَّى ناءت الديار وشطت [ساءت المراحل وحطت] ، [فَانْقَطَعت فِيهَا وخطت. وَاخْتلفت الْأَخْبَار] ، فَلم يتَبَيَّن الصَّحِيح من الْمَوْضُوع، والمتصل من الْمَقْطُوع. وَاخْتلفت القضايا الْمُطلقَة، وأعملت الْأَفْعَال الْمُعَلقَة، وأوحشت الظنون وَسَاءَتْ، وترامت الأفكار حَيْثُ شَاءَت، أَلا ليستطيع شرح أَحْوَال هَذَا

ص: 256

الْقطر الَّذِي استظل بِظِل جناحكم، وَأمن فِي سياج رماحكم، وأخضبت أرجاؤه بغيث سماحكم، ضَاقَتْ بهَا الصُّدُور عَن زفراتها، والشؤون عَن عبراتها، والقلوب عَن أوجالها، والنفوس عَن اعتلالها، لاكن الثِّقَة بِاللَّه سُبْحَانَهُ مَا بَرحت تطلع فِي ليل ذَلِك الْخطب شهابا، والتوكل عَلَيْهِ لم يزل يفتح فِي تِلْكَ الشدَّة بَابا، وَمَا كَانَ الله لينثر عقد الدّين بعد انتظامه، وينسخ حكمه بعد إحكامه، ويكل الْإِسْلَام إِلَى إِسْلَامه، ويطفي النُّور الَّذِي وعد بإتمامه، إِلَى أَن ترادفت الْأَخْبَار من جهاتها، وَاتفقَ منقولها عَن اخْتِلَاف رواتها، وشافهنا بهَا من شَاهد ذَلِك التمحيص رَأْي الْعين، وَتبين الْحق من المين، وتعرفنا مَا كَانَ من صنع الله لكم فِي الشدائد بِمُقْتَضى فَضله الْجَمِيل العوائد، وَأَن مقامكم قد شملته الْعِصْمَة، وحلت على الْإِسْلَام بوقايته النِّعْمَة. ثمَّ وصل كتابكُمْ [المستولي] على مُطلق الرجا بعد اعتقاله، منطق لِسَان الشُّكْر لله بفصيح مقاله، وتعرفنا أَن ذَلِك الْقطر [سكن راجف زلزاله] ، وَوضع الأوزار وطيس نزاله، وَدخلت فِي مَذْهَب السّنة وَالْجَمَاعَة طوايف اعتزاله. وَأَن الْأَيَّام قد اعْترفت بذنبها، وَالْأَرْض قد أشرفت بِنور رَبهَا، والقبائل وسعهم الصفح والنائل، والمعاقل خف للطاعة مِنْهَا المتثاقل، وأنكم صرفتم النّظر الْجَمِيل إِلَى مَا يمهد الأوطان، وَيُؤَيّد السُّلْطَان، ويؤمن الْخَائِف، ويؤلف على مرضاة الله الطوائف. وَأَن مَحل أخينا الظَّاهِر الطَّاهِر أَبَا عَليّ النَّاصِر، أسعده الله، قدمتموه بَين يَدي ركابكم طَائِعَة الْيمن والسعد، ورائد عزمكم الصَّادِق الْوَعْد، وأنكم تقفون أَثَره إِن شَاءَ الله بالجيوش الجرارة، والكتائب المختارة، والمناصل الْمَاضِيَة الشبا، وَالْمُضَارب الَّتِي تشيب ببيضها مفارق الرِّبَا، وَإِن غرر هَذِه الْكتب، تقفوها غرر الْكَتَائِب، وَخبر هَذَا المروم، يتلوه خبر اللطائف الْعَجَائِب، فَنعم من قدمتم، إِنَّهَا لمقدمة لِلْعَدو سالبة، وأداة تَعْرِيف ألفها

ص: 257

ولامها هِيَ الْغَالِبَة، وحبذا مَا أطلعْتُم علينا من المسرة والبشائر الَّتِي حيتها هَذِه الثغور بالثغور المفترة، ليهنى مرقبها السعيد مراقب الْجِهَاد المقبول، ومثابة الرفد المبذول، والوعد الْمَفْعُول. فَلَقَد جدد لِلْإِسْلَامِ ملابس الْفَخر وَالْقَبُول، وَروض آمال الصِّلَة من بعد الذبول. وَأما موقع هَذِه الْبُشْرَى من مُعظم أبوتكم فَلَا توفيه الْعبارَة وَلَا توديه الْأَلْفَاظ المستعارة، وعذرنا عَمَّا كَانَ يجب علينا من صلَة الرسائل وَترد يَدهَا، وَتَقْرِير الْوَسَائِل، وعذرنا عَمَّا كَانَ يجب علينا من صلَة الرسائل وتردديها، وَتَقْرِير الْوَسَائِل وتجديدها، لَا يخفى على مقامكم الَّذِي يقبل الْأَعْذَار إِذا ظَهرت، وَيحمل الْمَوَدَّة على مَا عَلَيْهِ تقررت، من هول الْبحار، الَّتِي لَا تجْرِي على الْقيَاس أمورها، وَلَا يتَمَكَّن فِي كل الْفُصُول عبورها، وغدر الطَّرِيق الَّتِي كثر بالفتنة أمورها ومأمورها، وَمَا أصَاب السواحل من الْميتَة الَّتِي جرى فِي الْبِلَاد مقدورها. ومقامكم يوالي الْأَعْذَار الصادقة وَجها جميلا، ويبوءها من قبُوله ظلا ظليلا، قد علم الله وَالنَّاس، وَثَبت بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يخالطه الالتباس، أننا لَو وجدنَا سَببا، أَو صادفنا للاتصال بكم مذهبا، لما قعدنا أَولا عَن المساهمة والدفاع فِي جملَة أَبْنَائِكُم، وَثَانِيا عَن مُبَاشرَة هنائكم، حَتَّى لَا يَنُوب فِي ذَلِك بعث الْكتاب عَن حث الركاب، وَلَا إِعْلَام الأقلام، عَن إِعْمَال الْأَقْدَام. وَالله تَعَالَى يسنى لكم من نَصره أكْرم مَا سنى للصالحين من مُلُوك عباده، وينشر لكم جنَاح الرَّحْمَة على أقطار الْإِسْلَام وبلاده، وَيصْلح بإيالتكم مَا فسد فِي الْأَحْوَال، ويسكن بهَا مَا عظم من الْأَهْوَال، ويضفي بهَا رواق الْعِصْمَة على الْأَدْيَان والنفوس وَالْأَمْوَال [وَهُوَ سبحانه وتعالى يصل سعودكم ويحرس وجودكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. كتب فِي كَذَا.

ص: 258

وَوصل كِتَابه رَحمَه الله تَعَالَى للسُّلْطَان أبي الْحجَّاج رَحْمَة الله عَلَيْهِ يعرفهُ أَيْضا بالكائنة الْمَذْكُورَة من أحواز الجزائر فصدر عني جَوَابا عَن ذَلِك مَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي لَا تنكر حُقُوقه الجمة وصنائعه، وَلَا يجْحَد فَضله الَّذِي انتشرت فِي الأَرْض شائعه، فثناؤنا عَلَيْهِ هُوَ الرَّوْض تأرج ذائعه، وودانا فِيهِ تصفو على كدر الزَّمَان شرائعه، وأبوته الْكَرِيمَة وديعتنا من ذمَّة الله، وَالله لَا تضيع ودائعه، مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي بره وَاجِب مفترض، وَالْقِيَام بكبير حَقه لَا يقدم عَلَيْهِ غَرَض، السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق، أبقاه الله يشْرَح لملمات الزَّمَان صَدرا رحيبا، ويستأنف من الله صنعا عجيبا، ولطفا قَرِيبا، ويتغمد بِالْعَفو ذنُوب دهره مهما أَتَى مستقيلا مستريبا، ويخفض جنَاح الْقبُول والرضوان خفضا لَا يبْقى تبعة وَلَا بذر تثريبا، مُعظم حُقُوقه الْعَظِيمَة، وموقر أبوته الْكَرِيمَة، الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر. سَلام كريم [برعم عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى، وأبوتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله [الْملك الْحق] ذِي الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة، مانح النعم العميمة، وفاتح الْأَبْوَاب المبهمة، وميسر الألطاف الْخفية عِنْد انْقِطَاع الْأَسْبَاب المبرمة، وجاعل الْعَاقِبَة للتقوى، كَمَا وعد فِي آيَاته الْكَرِيمَة المحكمة. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الْمُصْطَفى الْكَرِيم، نَبِي الملحمة الصائح بِالْآيَاتِ

ص: 259

الْبَينَات الْمسلمَة، الَّذِي باتباعه نختال من السَّعَادَة فِي الْحلَل الضافية المعلمة. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين وفوا بعهوده الملتزمة، وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ [فِي دينه] وَتَوَاصَوْا بِالرَّحْمَةِ. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى، بالنصر على عَبدة الصلبان تشهده مَلَائِكَة السَّمَاء المسومة، وتغني كتائبه عَن اتِّخَاذ الْجِيَاد المسرجة الملجمة. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم حسن المآب ونجح الْمَآل، وأطلع عَلَيْكُم أنوار البشائر من ثنيات الآمال. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَيْسَ بِفضل الله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر كُله، وَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، ثمَّ ببركة الِاعْتِقَاد الْجَمِيل فِي مقامكم السَّامِي مَحَله. العميم فَضله، إِلَّا البشائر الَّتِي بَابهَا فِي موطى السَّعَادَة، هُوَ الْبَاب الْجَامِع، وأحاديثها على الْإِعَادَة لَا يملها الرَّاوِي وَالسَّامِع. وأبوتكم الْكَرِيمَة لَا تعدل الْبشَارَة بعصمتها بِشَارَة، وَإِن جلت، وَلَا ترجح صنيعتها عِنْدهَا صَنِيعَة، وَإِن أشرقت أنوارها وتجلت، نمد الأكف لغمامتها كلما استهلت، ونتتبع مساقط أندافها حَيْثُ حلت، ونداوي بأنبائها أدواء الْقُلُوب الَّتِي لبعدها اعتلت، وَكَيف لَا وأرجاؤها بأفضالكم السَّابِق ناطقة، وألفاظ ثنائها لمعاني كتابكُمْ متضمنة، وَعَلَيْهَا مُتَطَابِقَة، أبقاكم الله وَأَسْبَاب التَّوْفِيق لأحوالكم مُوَافقَة، ورفاق الصَّنَائِع اللالهية لَهَا مرافقة، ومتاجرها فِي مُعَاملَة الله تخطبها لحسن الْجَزَاء أسواق نافقة، وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، فجملة أمرنَا فِي هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي جرت، والشدائد الَّتِي خلصت لَهَا معادن البصائر الإيمانية وتشحرت، والتمحيص الَّذِي تضمنه الْكتاب الْمَوْقُوف [وناء بديته

ص: 260

الزَّمن الممقوت] ، وطالما أصلى الْيَاقُوت [جمر الغضا ثمَّ انطفى الْجَمْر والياقوت] أننا مَا برحنا بِوَاجِب شَفَقَة الْبُنُوَّة نخالف الأسى، ونتدارس فِي حمل هَذِه الْأُمُور بَاب لَعَلَّ وَعَسَى، فَتَارَة نستفتح وُجُوه الصَّبْر وَهِي جميلَة، ونتعلل بنواسم الْأَخْبَار وَهِي عليلة، وَتارَة نفوض الْأُمُور إِلَى من بِيَدِهِ مقاليد الألطاف الْعَجَائِب، ونمدكم من الدُّعَاء بأعظم الْكَتَائِب. هَذَا والعدو الَّذِي سَالم الْإِسْلَام بِسَبَب جهادكم، وتقلصت أطماعه بامتداد ظلال أمدادكم، قد فاض علينا بحره، وتجنى على عهدنا غدره، وشره إِلَى استئصالنا نابه وظفره، ونازل جبل الْفَتْح، الَّذِي كَانَ نصركم إِيَّاه بِفضل الله سَبَب نجاته، واستعدادكم [فِيهِ] ذَرِيعَة استمساك الدّين وثباته، بِمَا تجدونه مذخورا يَوْم يسر الْمُؤمن بحسناته، بعد خصام جرى بَيْننَا وَبَينه، تَوَجَّهت عَلَيْهِ فِيهِ الْحجَّة، ووضحت من سَبِيل غدره المحجة، وخيرنا فَلم نرض الدنية الَّتِي عرضهَا، وحملنا الْأُمُور على أَشد الْوُجُوه الَّتِي فَرضهَا، ثِقَة بِاللَّه الَّذِي هُوَ الملجأ الأحمى والركن الْأَقْوَى، وعلما بِأَن الْعَاقِبَة للتقوى، فسد الْبَاب، وَقطع الْأَسْبَاب، وَرَأى أَنه إِذا فازت بفرضة الْمجَاز قداحه، ولان لَهُ من الْجَبَل بطول الْحصار جماحه، تستسف بِمَا سواهُ رياحه، وتملكت الْبِلَاد والعباد رماحه، وَلم يدر أَن لله كتائب تخفى عَن عُيُون الْكَتَائِب، وتكمن فِي مدارج الأنفاس ومياه المشارب، وَأَن الجديدين اللَّيْل وَالنَّهَار يبليان الْجَدِيد، ويأتيان بالعجائب، وعَلى هَذِه الْحَال المهمة، والنوائب الْملَّة، فمقامكم شغل بالنا، وَفِي ميدان مساهمتكم مجَال آمالنا نصل السُّؤَال عَن أَبْنَائِكُم فِي كل الأحيان، ونعاقب بعث الرسائل على تعاقب الزَّمَان، وَفِي هَذِه الْأَيَّام وَفد علينا

ص: 261

رسولاكم فلَان وَفُلَان، وصل الله عزتهما، [ووالى رفعتهما] ويمن وجهتهما، وفادة كَانَ الْيمن لَهَا وَالْحَمْد لله رائدا، وَسعد الْإِسْلَام وَأَهله لركابهما قائدا، منصرفين عَن مخيم الطاغية، الَّذِي بعثتموهما إِلَيْهِ، بعد أَن قوضت رحاله، وحالت حَاله، وحم هَلَاكه، وانتثرت أسلاكه، وأديا إِلَيْنَا كتابكُمْ، الَّذِي طَال عهدنا باجتلاء غرره، واقتنا درره، وتعرفت عوارف الْفضل والكمال بَين ورده وصدره، جَوَابا عَن بعض الْكتب الَّتِي وجهنا إِلَيْكُم وأوفدنا عَلَيْكُم، ظهر أَنه لم يخلص غَيره من جملَة مكاتبات عديدة بعثناها، وركائب مخاطبات إِلَيْكُم حثثناها، عاقت الْأَهْوَال عَن وصولها، وفصلتها الحوداث قبل بَث فصولها، وَشرح محصولها، عَرَفْتُمْ فِيهِ أَن ركابكم العالي، اسْتَقر بِمَدِينَة الجزائر قراره، واطمأنت بهَا دَاره، بعد الشدَّة الَّتِي هِيَ إِن شَاءَ الله ختام الشدائد، والأزمة الَّتِي عرفكم الله فِيهَا جميل العوائد وَأَن الْقَبَائِل بذلك الوطن قد اعتلقت من طاعتكم سَببا وثيقا، وسلكت من الانقياد لأمركم الْعلي سَبِيلا وَاضحا وطريقا، وَدخلت فِي طاعتكم فوجا فوجا، وفريقا فريقا، مستبقين من تَجْدِيد العهود الَّتِي أعطوها صفقات إِيمَانهم، ورهنوا فِي الوفا بهَا، الْكَرِيم من أَخْلَاقهم وأديانهم، وَإِن الْوُفُود إِلَيْكُم قد أَقبلت، والسعود لدعوتكم قد انجلت، وَإِن صفحكم قد شَمل من أناب، وعفوكم قد تغمد من تَابَ، وقبولكم قد فتح للوارد الْبَاب، وَوصل للمنبت الْأَسْبَاب، وَإِنَّكُمْ لم تقدمُوا عملا على مُخَاطبَة الطاغية بِالْحجَّةِ الَّتِي أملتم أَن تستنزله من مهواته، وتستنقذ مُضْغَة الْإِسْلَام من لهواته، قيَاما بِحَق الله فِي الْحَال الَّتِي يهم فِيهَا للقلوب شَأْنهَا، وَلَا ينفع النُّفُوس الْكَرِيمَة إِلَّا إيمَانهَا، فَكَانَ من التَّوْفِيق الْغَرِيب. والصنع العجيب، أَن رسوليكم وردا على طاغية الرّوم بقاطع أَجله، ووفدا إِلَيْهِ بخيبة أمله، وَنِيَّة الْمُؤمن كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 262

من عمله، فَمَا كَانَت كتبكم إِلَيْهِ إِلَّا كَتِيبَة، تقدمها طلائع النَّصْر، ومقدمة رفع تخصيصها عَن الْجَبَل دَعْوَى الْحصْر، ورقى شفى بِهِ الزَّمَان زمانته، ووثيقة مكن بهَا الْإِيمَان من أَمَانَته [وعلاجا لم يفق بعده من ألم، وَسَهْما من سِهَام الخواطر الْخَالِصَة لله أصَاب وراميها بِذِي سلم، فكال رَسُولا كم مِمَّن طلع علينا بشيرا بهلاكه، وانتثار أسلاكه، ظُهُور حَرَكَة الإدبار فِي أملاكه، فَضَحكت ثغور هَذِه الثغور، ووضحت مَذَاهِب الْأُمُور، وشفيت علل الصُّدُور، واستأنف الْإِسْلَام بدار الْكَمَال وَكَمَال البدور، وسفر السعد عَن وَجهه الْمشرق. ووردت علينا المسرات المختلفات من جهتي الْمغرب والمشرق، هَذِه تعلق بحياة الحبيب الْكَرِيم ودنو دَاره، وَهَذِه تفصح بممات الْعَدو وتباره، فيا لَهما من بشارتين اختلفتا، فرجوعهما إِلَى عنصر وَاحِد، والتقاؤهما فِي أصل كريم، وَإِن تشفعت الْمَقَاصِد، إِذْ هما عنوان على فضل نيتكم الَّتِي أنوارها قد بهرت، وببركة سريرتكم الَّتِي بَانَتْ شواهدها وَظَهَرت. وَإِذا اعْتبرنَا التَّرْجِيح فِي هَذَا الْمَحْصُول، رَأينَا أَن الْفُرُوع لَا تقوى قُوَّة الْأُصُول، وَأَن الْبشَارَة بعصمتكم، أقوى علا قدرا، وَأَرْفَع خطرا، أوزعنا الله شكرا، يكون لما أولى من كليهمَا كفاء، وَوَهَبْنَا قيَاما بحقهما ووفاء، فَإِنَّهُمَا نعم أذهلت الْعُقُول، واستصغرت الْمُسْتَعَار من الْأَلْفَاظ وَالْمَنْقُول، فَنحْن نهنئكم بِهَذَيْنِ الصنعين الَّذين هما من آثَار نيتكم، وَصدق طويتكم، وَكَأن بمواهب الله قد اتسقت، وأفنان الْيمن قد بسقت، وليالي الشدائد قد أضاءها الْفرج بعد مَا غسقت، وَدين الْإِسْلَام قد استحكم متاته، وَالْكفْر قد أمكن مِنْهُ اضطرابه وشتاته. وَلَا تسئلوا عَن الْأَحْوَال بِهَذَا الْقطر، الَّذِي كلبت لهَذِهِ الْأَحْوَال عداته، إِنَّمَا هُوَ جَسَد عاودته حَيَاته، وَبدر راجعته من بعد السرا راياته. وَأما مَا عندنَا من الدعا لعهدكم، والضراعة لله فِي دوَام سعدكم، فَلَو علمنَا أَنه خَفِي بجهدنا فِي تَقْرِيره، ووكلنا أَلْسِنَة الأقلام بشرحه، وتيسيره، إِنَّمَا هُوَ

ص: 263

صبح وضح سفوره، وتألق فِي الْآفَاق نوره، وَالله تَعَالَى يصل لكم أَسبَاب عنايته ويوزعنا شكر مَا من بِهِ من عصمَة مقامكم ووقايته. وَقد حضر بَين يدينا رسولاكم أعزهما الله، وألقيا إِلَيْنَا مَا دَار بَينهمَا وَبَين النَّصَارَى فِي أَمر السّلم الَّذِي أكدتم حكمهَا بِمُقْتَضى نظركم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، وجر مقامكم على مَا يَلِيق بفضله، وَمَا وعد بِهِ من صرف الجفن الَّذِي ظهر عَلَيْهِ الْعَدو، من الأجفان الْوَاصِلَة من جهتكم من جملَة مَا تضمنه الشُّرُوط، وتشتمل عَلَيْهِ الربوط، وَإِن الْوَلَد الَّذِي أَقَامَ النَّصَارَى بعد أمه يرضى ذَلِك، ويسلك مِمَّا كَانَ وَالِده ينقاد إِلَيْهِ أوضح المسالك، فأمسكناهما عندنَا يَسِيرا، لزي مَا تنبلج عَنهُ المراوضة، وتفضي إِلَيْهِ الْمُفَاوضَة. أطلع الله من الْأُمُور كلهَا على مَا يكون فِيهِ سَعَادَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وكبت أعدائه الْكَافرين. وَإِن تفضلتم بتعريفنا إِن أمكن بِبَعْض أحوالكم، فَهُوَ صلَة لأفضالكم، وَتَمام على الَّذِي أحسن من كمالكم. وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته] .

ص: 264

وَمِمَّا صدر عني فِي غَرَض التهنئة وَقد استولى السُّلْطَان أَبُو عُثْمَان بن أبي زيد بن أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان أبي يحيى يغمراسن بن زيان على مستوطن سلفه وَمحل خلافتهم من مَدِينَة تلمسان حرسها الله

الْمقَام الَّذِي نظم من عُقُود الدولة مَا انْتَشَر، وأقال بِهِ ملكهَا بعد مَا عثر، فأحيا السّنَن الْحسن من مَكَارِم قومه، وَأَحْيَا الْأَثر، مقَام مَحل أخينا الَّذِي نسر بتجديد وده، وإعادة عَهده، وصفينا الَّذِي نبتهج باتساق أمره، واستئناف سعده، ونصل الثنا على أَصَالَة مجده، ونثق مِنْهُ بالمعتمد الَّذِي يحي فِي سَبِيل الله [وإعانة هَذِه الْبِلَاد] سنة قومه، وَأثر جده، السُّلْطَان الكذا [أبي سعيد عُثْمَان بن السُّلْطَان الكذا أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن السُّلْطَان الكذا أبي زَكَرِيَّا ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يحيى يغمراس بن زيان] ، وصل الله لدولته الرفيعة، أَسبَاب الانتظام والاتساق، وأطلع لَهَا كواكب السَّعَادَة باهرة الْإِشْرَاق، وَمد عَلَيْهَا من عنايته كل وارف الْجنَاح خفاق الرواق، وهناها الْملك، الَّذِي جددت ملابسه بعد الإخلاق، وجمعت شَمله بعد الِافْتِرَاق، وتناولته بِوَاجِب الِاسْتِحْقَاق. مُعظم، مقَامه أتم التَّعْظِيم، وممجد سُلْطَانه الرفيع ومجده الصميم، الْمثنى على دينه المتين وفضله العميم، والمسرور بِمَا سناه الله لسعده من تَجْدِيد الْعَهْد الْقَدِيم، والود الْكَرِيم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن

ص: 265

نصر. سَلام كريم يستمد الشَّمْس من نور محياه، ويستعير الرَّوْض طيب رياه، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله المبدي المعيد، ميسر الأمل الْبعيد، الَّذِي من توكل عَلَيْهِ، ولجأ إِلَيْهِ، فقد أَوَى إِلَى [الظل الظليل] والركن الشَّديد، وَمن شكر نعْمَته، تكفل لَهُ بالمزيد، وَمن أسلفه فِي ذَاته عملا صَالحا، جنى على الْأَيَّام ثَمَرَة قَصده الحميد، وَالصَّلَاة [وَالسَّلَام] على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله ذِي الْقدر الرفيع والعز المكين، وَالْمجد المشيد، الْهَادِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين سلكوا على نهجه الْوَاضِح وقصده السديد، وتناسقوا فِي سلك أَتْبَاعه، تناسق الدّرّ الفريد. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر على أَعدَاء الله والتأييد، والصنع الَّذِي يتجلى للعيون باسم الثغر سامي الْجيد. وَلَا زَالَت صنائعه تعتمد مصانع المكرمات بالتنجيد، وتتعاهد أمهَا بالترديد. فَإنَّا كتبنَا إِلَيْكُم، كتب الله لكم بليغ الأوطار، وإحراز الآمال [وهناكم] بِمَا خولكم من الْملك الرفيع الْخلال، وجعلكم من الشَّاكِرِينَ لنعمه بالأقوال والأعمال، من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَيْسَ يفضل الله [سُبْحَانَهُ] المرجو فِي الشدايد الْجَمِيل العوايد، ثمَّ ببركة الِاعْتِدَاد بمقامكم السَّامِي الصاعد، والأصيل الْقَوَاعِد، إِلَّا مَا شرح الصُّدُور، وَأكْثر السرُور، وَبسط النُّفُوس، وأضحك الزَّمن العبوس، من اتساق [أُمُور] ذَلِك الْملك لديكم، واجتماع كَلمته عَلَيْكُم، وَمَا تعرفنا من أَن الدولة الزيانية، وصل الله لبدورها اسْتِئْنَاف الْكَمَال، وَأَعْلَى أعلامها فِي

ص: 266

هضاب الْيمن والإقبال، تذكرت الْوَسَائِل الْقَدِيمَة والأذمة، والقت إِلَى قَومهَا الأزمة، وحنت إِلَى عَهدهم على طول النَّوَى، وَأنْشد لِسَان حَالهَا " نقل فُؤَادك حَيْثُ شيت من الْهوى "، وَأصْبح شتيت شملها بِأَهْلِهَا مجموعا، وَعلم عليائها بأيدي أوليائها مَرْفُوعا، وملابس اعتزازها على ابتزارها جَدِيدَة، وظلال سعودها على أغوارها ونجودها وديدة، وقبيلها قد أنجح فِي ائتلافه أمل الآمل، ومبتداها مَرْفُوع مَعَ وجود الْعَامِل، وَالْكثير من أوطانها، قد سلكت مَسْلَك تلمسانها فِي الطَّاعَة، وتبادرت إِلَى استباق فَضِيلَة الْوِفَاق بِحَسب الِاسْتِطَاعَة، فَعظم الاستبشار، بِأَن كَانَ إِلَيْكُم ملكهَا، وَفِي يدكم اختبالها، من غير أَن يعلق بأسبابها، من لَيْسَ من أَرْبَابهَا، ويطمع فِي اكتسابها، من لم يكن فِي حِسَابهَا، وَقُلْنَا إِنَّمَا هُوَ إِرْث وَجب، وعاصب حجب، وَركب عاج بعد القفول، وشمس طلعت بعد الأفول، وجيد حلى بَعْدَمَا اشْتَكَى العطل، وغريم قضى بَعْدَمَا مطل، وطرف تنبه بَعْدَمَا هجع، ودرى استقام سيره بَعْدَمَا رَجَعَ، وَقَضِيَّة انْصَرف دليلها عَن حُدُود القواطع، وطرحت عَلَيْهِ [أشعتها] السُّعُود السواطع، لَا بل عبد أبق، لغدر سبق، حَتَّى إِذا رَجَعَ نَهَاهُ، وعذله الْعقل وَنَهَاهُ، جنح بعد هجره، إِلَى كنف من نَشأ فِي حجره. وَعلمنَا أَن الدولة الَّتِي عرفنَا مَكَانهَا قد دالت، والغمامة الَّتِي شطرنا مواقعها، قد انثالت، والعهد الْقَدِيم قد تجدّد، والود الْكَرِيم قد تَأَكد، فجرينا فِي المسرة ملْء الأعنة، وشاركنا فِي شكر هَذِه الْمِنَّة، مَا لإيالتكم على هَذِه الْبِلَاد الأندلسية من حُقُوق لَا تنكر، وأعمال لَا تزَال تشكر، طالما خلصت إِلَيْهَا الأمداد ذَوَات الدسر والألواح، وطلعت عَلَيْهَا شرعها الْبيض طُلُوع فلق الصَّباح، تتسابق دهم جيادها

ص: 267

فِي أَعِنَّة الرِّيَاح، مفعمات الأعطان، بإعانة هَذِه الأوطان، معربة عَن أَصَالَة الدّين، وَعز السُّلْطَان، قد سمح لَهَا بالخزائن الثرة، من يسْتَقلّ الْكثير، إِذا سمح، ويبلغ بهمته السما مهمى طمح، فحقيق أَن يلبس بخبرها حلل الجذل، وترتاح لنسيم سعدها الْمقل. فَمَا عدمت وَالْحَمْد لله الْمَكَان وَلَا السُّلْطَان، وَلَا حل بِنَا مَا كَانَ على مَا كَانَ. وَمن قدم فِي سَبِيل الله مَا قدم ذَلِك السّلف [الصَّالح] الَّذِي درج، وأخلص فِي إمداد الْإِسْلَام وإرفاده الْعَمَل، الَّذِي إِلَى مرقى الْقبُول عرج، كَيفَ لَا يقيل الله دولته إِذا عثرت، وينظم عقودها إِذا أنتثرت، ويحيي آثارها بَعْدَمَا درست، ويجنيها من عَفوه وإقالته ثمَّ مَا غرست، فَهَذَا الْقطر الجهادي، هُوَ ميدان الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وسوق التِّجَارَة الرابحة. وَالله سُبْحَانَهُ أوفى من ضمن أجرا، وَأكْرم من أربح تجرا. وإننا أصدرنا إِلَيْكُم هَذَا الْخطاب مهنيا، وَعَن الود الْكَرِيم وَالْوَلَاء الصميم مُبينًا، وَفِي تَقْرِير مَا بَين الأسلاف [جدد الله عَلَيْهِم ملابس الرضْوَان] معيدا مبديا، وَإِن تَأَخّر مِنْهُ الْغَرَض، وَقضى لهَذَا الْعَهْد واجبه المفترض، والأعذار وَاضِحَة، وأدلتها راجحة، وللضرائر أَحْكَام تمضى، والفروض الفوايت تقضي، فَكيف والاعتقاد الْجَمِيل ميسر مُمكن، وَالْوَقْت وَالْحَمْد لله مُتَمَكن. وَمَا برحنا من منَاط اجْتِهَاد، وترجيح استشهاد، وَالْأَخْبَار يطرب مفهومها، والألفاظ لَا يتخصص عمومها، وَالْأَحَادِيث يتجول فِي معارضتها [النّظر] وَلَا يلْزم الْعَمَل مَا لم يَصح الْخَبَر. فَلَمَّا تحققنا الْأَمر من فصه، وتعاضد قِيَاسه بنصه، لم نقدم على الْمُبَادرَة عملا، وَبينا لكم من حسن اعتقادنا مَا كَانَ مُجملا، فليهن تِلْكَ الإيالة مَا استأنفت من شبابها وتسربلت من جَدِيد

ص: 268

أثوابها، ولتستقبل الْعَيْش خضرًا، والدهر معتذرا [والسعد مُسْفِرًا] وَالزَّمَان من ذَنبه تايبا مُسْتَغْفِرًا. وَأما مَا لدينا من الْوَلَاء الْمُحكم الْأَسْبَاب، والاعتداد بؤاد ذَلِك الجناب، فشيء يضيق عَنهُ نطاق الْكتاب، وَيقصر فِيهِ إطناب الإطناب، فثقوا منا بالخلوص الَّذِي تسابقت إِلَى الْغَايَة القصوى جياده، والصفا الَّذِي تجلت بلآلى الوفا أجياده. وأوفدنا إِلَى مقامكم الْكَرِيم [بكتابنا هَذَا] نَائِبا عَنَّا فِي غَرَض الهنا، ومقررا قَوَاعِد الْحبّ الوثيق إِلَيْنَا، فلَانا، وفضلكم يصغي إِلَيْهِ، وَيعْتَبر من ذَلِك مَا لَدَيْهِ. وَالله عز وجل [يصل إعزاز سلطانكم، وتمهيد أوطانكم] وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.

وَصدر عني أَيْضا فِي مُخَاطبَة سُلْطَان مَدِينَة تلمسان الدايل على هَذَا الْعَهْد، الْأَمِير أبي حمو مُوسَى بن الْأَمِير أبي يَعْقُوب يُوسُف بن الْأَمِير أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا يحيى ابْن السُّلْطَان أبي يحيى يغمراسن بن زيان، عَن السُّلْطَان بالأندلس فِي غَرَض الهنا لما دَال أَمر وَطنه إِلَيْهِ وَقد وصل كِتَابه يعرف بذلك

من الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد بن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نَصره، إِلَى السُّلْطَان

ص: 269

الكذا وصل الله لَهُ أَسبَاب الْعِنَايَة، وعرفه سَعَادَة الْإِمَارَة الْمُبَارَكَة وَالْولَايَة، وَحمله على سنَن التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة. سَلام كريم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله مُجَدد العهود، ومنجز الوعود، ومطلع نُجُوم السُّعُود، ومخول الْآبَاء مِيرَاث الجدود، ومتمم الأمل ومكمل الْمَقْصُود، الَّذِي أعادكم إِلَى ملككم، وَالْعود أَحْمد، إِعَادَة الْفضل والجود، وَيسر عَلَيْكُم مرامه على طول الحوم على الْوُرُود. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله ومصطفاه من هَذَا الْوُجُود، نَبِي الرَّحْمَة الهامية العهود، وَصَاحب الْمقَام الْمَحْمُود، الصادع بِالْآيَاتِ الْبَينَات الزاكية الشُّهُود، والمعجزات الثَّابِتَة الْعُقُود، شَفِيع الْخَلَائق فِي الْيَوْم الْمَوْعُود، وداعيهم على بَصِيرَة من ربه إِلَى دَار الخلود، فَمن اعْتصمَ بحبله أَو أَوَى إِلَى طلبه، تمسك بِالسَّبَبِ المشدود، ولجأ إِلَى الظل الْمَمْدُود. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه السَّادة الْأسود، الركع السُّجُود، الَّذين جمعُوا فِي نَصره بَين الوفا والعهود، وَفرقُوا بَين الصوارم والغمود، وَرفعُوا قبَّة مِلَّته، مديدة الطنب سامية العمود. والدعا لسلطانكم بالعز الصافي الْوُرُود، والسعد الضافي البرود. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا ثاقب الشهَاب، وَعزا رفيع الجناب، وتوفيقا متين الْأَسْبَاب، وصنعا يتكفل بِتمَام الْأَغْرَاض، وَكَمَال الْآرَاب. من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَنعم الله واكفة السَّحَاب، وآلاؤه مفتحة الْأَبْوَاب، ضافية الأثواب، وَعِنْدنَا لكم من الود اللّبَاب، والاعتقاد الأنيق الجلباب. ذخائر حزناها عَن سلفنا بِالْإِرْثِ والاكتساب. وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا تأدى إِلَيْنَا كتابكُمْ المبرور، وخطابكم الْمَأْثُور، فأهلا بِهِ من وَافد يحدوه الجذل وَالسُّرُور، وزائر تَنْشَرِح بِهِ من أوليائه الصُّدُور، عرفتمونا فِيهِ بِمَا كَانَ من صنع الله، الَّذِي أوضح السَّبِيل، وجبر الْقَبِيل، وأبلغ التأميل، وجلى من

ص: 270

رِضَاهُ وفضله الْوَجْه الْجَمِيل، وَأَنه سُبْحَانَهُ أعادكم إِلَى سلطانكم، وسوغكم الْقَرار فِي أوطانكم، ورد عَلَيْكُم مِيرَاث جدودكم، وَأذن فِي استيناف سعودكم، فَأَصْبَحت قصوركم آهلة، ودعوتكم [فِي نعْمَة] من الله شَامِلَة، ومنة مِنْهُ كَامِلَة، وَأَن مَا يجاور حضرتكم من تلمسان من الْجِهَات، تبادرت إِلَى الدُّخُول فِي الطَّاعَة، وحملت الْأَمر على الْفَوْر بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، فَلم تكن عهودها بالعهود المضاعة، وانتظم العقد على وسطاه، وتهنا الْملك مَا خوله الله وَأَعْطَاهُ، وامتدت فِي تِلْكَ الساحة خطاه، وَفرع ثنية الْعِزّ واقتعد مطاه. واستوفينا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من جزيئات التَّعْرِيف فِي ذَلِك التكييف، والصنع اللَّطِيف. فقابلنا مَا كَانَ من اعتقادكم إيانا بإهدائه، وإطرافكم بأنبائه، بالشكر لسلطانكم الَّذِي تأسست قَوَاعِد ولائه على سنَن سلفه [فِي مُوالَاة سلفنا] ونهج آبَائِهِ، وسررنا بسعادة علائه، وَسَأَلنَا من الله دوَام نعْمَته واتصال آلائه. وَقُلْنَا إِرْث رده الدَّهْر على أَهله، وَشَيْء عَاد إِلَى مَحَله، ويجد زين بعقده، وَسيف أُعِيد إِلَى غمده، وَبدر عَاد إِلَى إبداره من بعد سراره، وَسَاكن رَجَعَ إِلَى دَاره، وفلك استقام على مَدَاره. ورأينا أَنَّهَا عناية من الله بكم ظَاهِرَة، وسعادة أنوارها باهرة، إِذْ مثل هَذِه الضَّالة الَّتِي ملكتم زمامها، والإمارة الَّتِي رفعتم أعلامها، قَلما استخلص حَقّهَا، وأوضحت فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم طرقها، إِلَّا عَن حروب مبيرة مبيدة، ومواقف عَظِيمَة شَدِيدَة، ونفوس ريعت، وَحُرْمَة للدّين أضيعت، فكونكم صير الله لكم ذَلِك عفوا، من غير عَنَّا [إِنَّمَا هُوَ لطف مِنْهُ] بكم، واعتنا. وَوَقعت بَيْنكُم وَبَين الدولة المرينية، أعزها الله، عُقُود أحكم مِنْهَا كل بِنَا، وتأسست قواعدها على ود وَصفا، فَلم تمتد إِلَى البرى يَد اعتداء، وَلَا رَاع الْخلق بذلك الوطن وُقُوع دَاء،

ص: 271

وَذَلِكَ دَلِيل على رضوَان من الله وَقبُول، وَسعد مَوْصُول، وفروع سوغت مِيرَاث أصُول. فَنحْن نهنيكم بِمَا من الله بِهِ عَلَيْكُم، وسنى من السَّعَادَة الَّتِي سَاقهَا إِلَيْكُم، ونسله لكم تَحْسِين العواقب، وإعلاء المراقي والمراقب، ونقرر سرورنا باستقامة أَحْوَال الْمُسلمين على الْعُمُوم وَالْإِطْلَاق، وَحَيْثُ اتّفق من الْآفَاق، وخصوصا فِيمَا قرب منا جواره، وَدنت دَاره، وفيمن بَينه وَبَين سلفنا الود الَّذِي لَا يجهل مِقْدَاره. وَلَا تخفى آثاره. وَالله عز وجل يسعدكم بهَا من رَجْعَة، ويمتعكم بهَا من نجعة، ويحملكم فِيهَا على الْبر وَالتَّقوى، ويجعلنا وَإِيَّاكُم مِمَّن اعْتصمَ بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى. وَهُوَ سُبْحَانَهُ ينجح الْأَعْمَال، وَيجْرِي على مَا يرضيه الْأَحْوَال. وَهُوَ عز وجل يصل سعدكم [ويحرس مجدكم] ، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ص: 272

وَصدر عني أَيْضا وَقد اتَّصل الْخَبَر باستقلال ملك الْمغرب السُّلْطَان الْمُعظم أبي عنان رحمه الله على الْملك

الْمقَام الَّذِي لَهُ الْمجد الصراح، والحسب الوضاح، والأصالة الَّتِي أَخْبَارهَا فِي عوالي الْمَعَالِي ومعالي العوالي هِيَ الحسان الصِّحَاح، وَالْبَيْت الَّذِي دعائمه العزائم والصوارم والرماح، وطينته الْجَلالَة والبسالة والسماح، وفضائله الْعَالِيَة، ومكارمه المتوالية [كَمَا متع الصَّباح] وأخبار فخره المنشور، ومجده الْمَشْهُور، تسرى فِي وجهات الْمَعْمُور، كَمَا تسرى الرِّيَاح. مقَام مَحل أخينا الَّذِي لَهُ الْمجد الوثيق الأساس، والأصالة الَّتِي ذكرهَا فِي النَّاس ذَات الندى والباس، والمفاخر الَّتِي يشْهد بهَا موقف الجلاد، ومثابة الإرفاد، وَظُهُور الْجِيَاد، ولسان القنا المياد، وصفح القرطاس، والمآثر الَّتِي أغْنى فِيهَا أَعْلَام الْإِجْمَاع عَن إِعْمَال الْقيَاس [السُّلْطَان الْجَلِيل، الْمُعظم الْكَبِير الشهير، الإِمَام الْعَادِل، البطل الباسل، الحافل الْفَاضِل الْكَامِل، الأمضى الموقر المبرور أَبُو عنان] ابْن مَحل أَبينَا الَّذِي نعظم قدره، ونوجب بره، السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا [الْمُؤَيد المعان] صَاحب الْجُود الشهير فِي الأقطار، وَالْفضل المتألق الْأَنْوَار، والمآثر الَّتِي هِيَ أوضح من محيا النَّهَار، أَمِير الْمُسلمين، الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين أبي سعيد، ابْن السُّلْطَان الكذا، أَمِير الْمُسلمين وناصر الدّين، الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين، الْمُقَدّس الأرضي، المبرور المرحوم أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن عبد الْحق. أبقاه الله يَرْمِي أغراض الْأَعْمَال الصَّالِحَة، بمكارمه الْوَاضِحَة

ص: 273

فَيُصِيب، ويمد يَده إِلَى مواهب توفيق الله وتسديده، فيتوفر لَهُ مِنْهَا النَّصِيب، ويجدد عهود سلفه الَّتِي أَعمالهَا الْكَرِيمَة عِنْد الله لَا تخيب. مُعظم سُلْطَانه الشهير الْجَلالَة، الرفيع الْأَصَالَة، الْمثنى على مناسبه الَّتِي يقصر عَن ذكرهَا لِسَان الإطالة، الدَّاعِي إِلَى الله أَن يصل لَهُ بسلوك مرضاته عوائد آلائه المزدادة، ونعمه المنثالة، الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر. سَلام كريم طيب بر عميم، تتأرج فِي روض الِاعْتِدَاد بكم فِي الله نواسمه، وتفتر عَن ثغر الوداد الْمَحْض فِيهِ مباسمه، وتتفتح عَن زهر الثنا بِأَعْلَى معالي ذَلِك الْملك الشهير الْعلَا كمايمه، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي لَا يضيع عمل عَامل، وَلَا يخيب فِي فَضله العميم أمل آمل، معود الْإِسْلَام وَأَهله من ذَلِك الْملك الَّذِي يتَمَسَّك على مر الْأَوْقَات بحبله، ويستظهر بجموعه الناصرة على جَمِيع الْمَوَاهِب كل يسر شَامِل، وحامله من فَضله الْعَظِيم الْمَوَاهِب عِنْد التباس الْمذَاهب على سَبِيل سابل، ومنجده فِي الأزمات بِكُل كَاف من أوليائه أولي العزمات وكافل، فَإِن عظم كلب أعدائه، وغفل الدَّهْر عَن معالجة دائه، فَمَا رَبك بغافل. ومهمى ساءت ظنونه، واقتضيت بخصومات الْعَدو دُيُونه، حرك لَهُ همة كل ملك فَاضل، وأيده الله مِنْهُ بمدافع عَنهُ بعد مدافع، ومناضل عَنهُ إِثْر مناضل وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم، الرؤوف بِالْمُؤْمِنِينَ الرَّحِيم، أصدق قَائِل، وَأكْرم فَاعل [وأشرف الْبَريَّة بَين حاف وناعل] دَاعِي الْخلق للَّتِي هِيَ خير وَأبقى، ومنقذهم وهم غرقى من بَحر جهل بِلَا سَاحل، وَقَائِدهمْ إِلَى مَا فِيهِ السَّعَادَة المخلدة، والعناية المؤبدة، فِي عَاجل وآجل، والملجأ المنيع الَّذِي يأوون إِلَى ظله عِنْد كل أَمر هائل،

ص: 274

وخطب غائل. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وأسرته وَحزبه، أَدِلَّة كل هامز وَسَائِر، وثمال كل عَارِف وَسَائِل، السَّابِقين فِي ميدان دين الْإِيمَان بِمَا شَاءَ من بَأْس ونائل، الَّذين ظاهروه فِي حَيَاته بِكُل أَبيض صارم، وأسمر ذابل، وخلفوه فِي دينه من بعده بِإِقَامَة كل [مياد مِنْهُ ومائل] . فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لملككم من توفيقه وإسعاده، أحظى مَا وهب 4 الْمُتَّقِينَ من عباده، وَحمل عزمكم الأمضى، وسعيكم الأرضى، على مَا يخلد لكم الْفَخر الْمَشْهُور وَالْحَمْد المسطور بَين عباده وبلاده، وجدد لمقامكم الْمَشْهُور عهود آبَائِهِ فِي نصر هَذِه الْبِلَاد القاصية الثغور وأجداده، حَتَّى يعلم عَدو هَذَا الْقطر أَنه لم يعْدم ناصرا مستنصرا فِي نَصره وإمداده، وسلطانا يُجَاهد فِي الله حق جهاده، وَأَن الْملك الْكَرِيم الَّذِي عرف صدق جهاده، لم يبرح عَن نصابه وَلَا خرج عَن معتاده، وَلَا انْتقل عَن أمجاده. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَيْسَ يفضل الله جل جلاله، ثمَّ ببركة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد الرفيع قدره، الْكَرِيم آله، ثمَّ بِمَا عندنَا من [الِاعْتِدَاد بنصر] سلطانكم الَّذِي اِنْفَسَحَ فِي طَاعَة الله مجاله، وتسنت بهَا إِن شَاءَ الله آماله، إِلَّا مَا يُرْجَى من سفور وَجه الصنع الَّذِي يبهر جماله، ويروق اقتباله، وَعِنْدنَا من الْعلم بِحُقُوق ذَلِك الْمجد الرفيع بِمَا لَا مزِيد على محصوله، وَمن الثَّنَاء على مَاله من الْأَصَالَة الشهيرة الْجَلالَة، مَالا تفي الْعبارَة بِبَعْض فصوله [وَمن الِاعْتِدَاد بأسنته الْمَاضِيَة فِي سَبِيل الله ونصوله] مَا يتكفل لِلْإِسْلَامِ

ص: 275

بإعلاء فروعه، وثبات أُصُوله. وَإِلَى هَذَا أنجح الله تَعَالَى فِي مرضاته أَعمالكُم، وبلغكم من فَضله آمالكم، فَإِنَّهُ ورد علينا كتابكُمْ الْكَرِيم، فاستجلينا مِنْهُ حلَّة بَيَان رشقت البراعة أعطافها، وروضة إِحْسَان أَتَت أكلهَا، وأدنت قطافها، ناطقا بِلِسَان الْفضل الَّذِي مجدكم مَعْدن نضاره ومطلع أنواره، جَارِيا فِي ميدان الْبر إِلَى أقْصَى مضماره، عرفتمونا فِيهِ بِمَا سناه الله لملككم من تيسير الْأُمُور، وانشراح الصُّدُور، وَأَن من بِتِلْكَ العدوة حرسها الله من الْمُسلمين، أَجمعُوا على مبايعتكم وأصفقوا، وَبَادرُوا إِلَى الدُّخُول فِي طاعتكم واستبقوا، وانتظموا فِي عقودها واتسقوا، يطير بهم الارتياح إِلَى التَّمَسُّك بعراها، والتيمن بالتماح بشراها، وَمَا كَانَ من اسْتِقْرَار ملككم الْعلي فِي قَرَار مجده، ومطلع أنوار سعده، ومثابة أَبِيه وجده، وأنكم لما ملكتم أسجحتم، وأقدركم الله فعفوتم وصفحتم، وَأَن دعوتكم استقام طريقها وَعز فريقها، وخفقت بالسعد أعلامها، وأصابت الْأَغْرَاض الْبَعِيدَة سهامها، على سَبِيل من التَّيْسِير قريب، وحد من السَّعَادَة غَرِيب، جعلتم فِيهِ الرِّضَا وَالْقَبُول، شكرا لله على النِّعْمَة الَّتِي ألبسكم حللها، وقلدكم حلاها، والمثابة الَّتِي أهلكم لعلاها، فَسُرِرْنَا بِمَا كَانَ من ثبات ذَلِك الْملك فِي نصابه، واستقرار الْحق فِي أربابه، وَقُلْنَا اللَّيْث أَحَق بغابه، وَالسيف أولى بقرابه. وَهل هُوَ إِلَّا تَاج عقد على مفرقه، وَبدر طلع من مشرقه، ووارث قَامَ بِحَق سلفه. وكوكب حل بَيت شرفه. فَالْحَمْد لَك على أَن أصبح بكم [عماد الْملك الْأَصِيل] مَرْفُوعا، وَشَمل الْقَبِيل الْجَلِيل مَرْفُوعا. وَكَيف لَا نسر باشتمال ذَلِك الْملك الْكَرِيم عَلَيْكُم، وَأَن جعل الله أزمته فِي يديكم، وَلم يظفر بِهِ من يروم فَسَادًا، ويسوم أسواق الْفَضَائِل كسادا، أَو يسد بَين الْمُسلمين

ص: 276

وإخوانهم بَابا، وَيقطع أسباباً، ويوقد للفتنة شهابا. فَمَا عدمنا بِفضل الله عارفة الْجد المساعد، وَلَا برحنا بَين النَّحْر والساعد، نتقلب فِي مرضاة الْأَب [الأرضى] وَالْأَخ الْمَاجِد، ونلتمس من الله أثْنَاء ذَلِك جميل العوائد. أبقى الله تِلْكَ الإيالة اليعقوبية، فِي أعقابها على اسْتِمْرَار الدهور وأعقابها بمنه. وعرفتمونما أَنكُمْ بِمُقْتَضى مَا لكم فِي سَبِيل الله من الْعَزْم الَّذِي مضاربه إِن شَاءَ الله لَا تفل، وعراه الْوَثِيقَة لَا تنفصم وَلَا تحل، أمددتم ثغر الْجَبَل بِالْمَالِ، وفسحتم لِلْإِسْلَامِ فِيهِ مجَال الآمال، وأقرضتم الله تَعَالَى فِي إمداده وسداده كرائم الْأَعْمَال. وحبذا الْعَمَل الصَّالح الَّذِي إِلَيْهِ ابتدرتم، وَنعم مَحل الصنيعة مَا تخيرتم بَاب هَذَا الْقطر الْغَرِيب، ومهب أنفاس النَّصْر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْقَرِيب، ومطلع نور الله تَعَالَى أنجاد هَذِه الْبِلَاد وأغوارها، وفاتحة الْكتاب من سور ذَات أسوارها. فَإِن جعل الله الْجبَال أوتادا، تمسك من الأَرْض فراشا لِلْخلقِ ومهادا، فجبل الْفَتْح بِخُصُوص وتد هَذِه الأَرْض الَّذِي لولاه مَا قر رجفانها، وَلَا نَامَتْ فِي كنف الْأَمْن أجفانها، وجبلها الَّذِي لم يزل يَعْصِمهَا من المَاء إِذا فاض للشدائد طوفانها، ولسلفكم بافتتاحه واسترجاعه واستخلاصه قلبا للكفر بَين أضلاعه، المكرمة الَّتِي يكل عَن وصفهَا لِسَان قس إياد، والمنقبة الَّتِي لَا يجاريها إِلَّا فاتحه الأول طَارق ابْن زِيَاد، أَبى الله إِلَّا أَن يمنح فِيهِ ملككم [الرفيع] عَن عدَّة الْمجد، ويصون مِنْهُ الطّراز الْمَذْهَب الَّذِي رقمه الله على حلَّة السعد. وَمَا كَانَ مقامكم

ص: 277

ليترك ذَلِك الْفَخر الْمَذْكُور لكم بَين الرُّكْن وَالْمقَام عرضة للانتقام، وَلَا ليصرف عَنهُ وَجه الاهتمام، مَعَ الاقتدار بالملوك الأعزة والإئتمام، وَوُجُود أَنَفَة الْملك وحمية الْإِسْلَام. فَمَا هِيَ إِلَّا مكرمَة جددت لتِلْك المكارم عهدا، وأنجزت لنصر الله وَعدا، وشرحت للدّين صَدرا، وأثبتت فِي الصَّالِحَات الْبَاقِيَات ذكرا. وَمَا تَفعلُوا من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله، هُوَ خيرا وَأعظم أجرا. وَقد كُنَّا أصدرنا إِلَى مقامكم الرفيع كتابا، وأعملنا فِي شَأْن الْجَبَل وَمَا إِلَى ذَلِك خطابا، بِمَا يهز الشيم الزكية، ويحرك الهمم الملكية، فَحصل فَبل وُصُوله إِلَيْكُم الأمل، وَسبق القَوْل وَالْحَمْد لله فِي الْعَمَل، وحرك شيمكم الْكَرِيمَة باعث ذَاتهَا، ونبهها عَلَيْهِ كَمَال صفاتها. وَمن كَانَ سلالة ذَلِك الْملك الْكَرِيم النّسَب، الْأَصِيل الْحسب، أغناه مطبوع فَضله عَن المكتسب ورندة حرسها الله تَعَالَى وَمَا إِلَيْهَا، ترتقب جميل ذَلِك النّظر، وتلتمس عارفة الْملك الْكَرِيم السّير، حَتَّى يَشْمَل جَمِيعهَا رماق فَضله، وَيُسَوِّي بَينهَا مألوف عدله، ويغتنم فِيهَا ثَنَاء الْإِسْلَام وَأَهله. وعرفتمونى بِمَا قَرَّرَهُ لديكم الْوَلِيّ فِي الله [الشَّيْخ الْأَجَل المرفع الأَرْض الْمُجَاهِد الْأَفْضَل الأمضى] أَبُو مهْدي عِيسَى بن الْحسن، شكر الله مذاهبه، وحرس شَاهد وده وغائبه، من اعتدادنا بذلك الْملك الرفيع الْعلَا، واستظهارنا بعزماته على الْأَعْدَاء. وَالْمَذْكُور، وصل الله أَسبَاب وده، وشكر حسن عَهده، وَإِن أطنب فِي ذَلِك بِمُقْتَضى مجده، لَا يبلغ فِيمَا عندنَا من ذَلِك بعض جده، فغايته بعيدَة المدا، وَمَا خَفِي مِنْهُ أعظم مِمَّا بدا. وَقد كَانَ الْمَذْكُور قبل حركتكم من تلمسان، كتب إِلَيْنَا معلما بِمَا تنطوي عَلَيْهِ نيتكم الصَّالِحَة لهَذِهِ الْبِلَاد الْمسلمَة، وتضمره،

ص: 278

فِيهَا من الْعَزْم على نصر الدّين وإعلاه الْكَلِمَة، وَقرر مَا يُعلمهُ فِيهَا من مَقَاصِد جلالكم، وَضمن لَهَا من الْفضل [مَا يضمن] عَن أمثالكم، فشكرنا لَهُ نِيَّة الْوَلِيّ الصَّرِيح، ووثقنا من خَبره الْحسن الصَّحِيح، وَسَأَلنَا الله لنا وَلكم الْخيرَة فِيمَا يَقْضِيه، وَالْحمل على مَا يرتضيه، وَأَن يجدد لِلْإِسْلَامِ بكم عهود اعتلائه، ويصل لكم بتوفيقه سوابغ آلائه. وعرفتمونا أَيْضا أَنكُمْ خاطبتم طاغية الرّوم فِي تثبيت الْعَهْد الَّذِي قد ربطه، وَالْوَفَاء بِمَا فِي الصُّلْح على بِلَاد الْمُسلمين اشْتَرَطَهُ، لينسحب رواق الْأَمْن على هَذِه الأقطار بيمن إقبالكم، وَيكون اسْتِصْحَاب الْعَافِيَة بهَا فَاتِحَة أَعمالكُم، ومثلكم من يحرص على اكْتِسَاب المكارم الفاخرة. وتطمح همته، أبقاه الله، إِلَى الْجمع بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. شكر الله عَن الْإِسْلَام مكارمكم الَّتِي تعنى بتشييد مبانيه وتيسير أمانيه. وطلبتم أَن نطلعكم على مَا تزيد لدينا بِهَذِهِ الأقطار من أَخْبَار الْكفَّار، بِمُقْتَضى جلالكم الرفيع الْمِقْدَار. وَنحن نلقى إِلَى مقامكم، أَن هَذَا الطاغية، لَا أنجح الله سَعْيه، وَلَا سدد رَأْيه، لما وصل إِلَيْهِ سُلْطَان ابْن عُثْمَان، وَخرج لَهُ عَن مضمره، وَألقى إِلَيْهِ مَا يجد بركَة أَثَره، لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى ظَهرت ثَمَرَة الْفساد، وذاعت فِي أَرض الْعَدو حَرَكَة الاحتشاد، وَكتب يعرف أَن جبل الْفَتْح، خرج عَن شُرُوطه، فِي صلحه، بِمَا كَانَ من حُصُول صَاحبه فِي إيالتكم، وقيامه بدعوة جلالتكم. فراجعناه نعرفه أَن أَمِير الْمُسلمين بالعدوة لم يبرح عَن مَحَله، وَلَا تقلص مديد ظله، وَلَا خرج عَن عوايده، وَلَا انْتقل عَن الْوَلَد ووالده. وَنحن عَقدنَا مَعَه الصُّلْح على تِلْكَ الْبِلَاد فِي جملَة مَا عَلَيْهِ عَقدنَا، وأكدنا عَلَيْهِ من المواثيق مَا أكدنا. ثمَّ تعرفنا أَنه يقْصد الجزيرة لمباشرة أمورها، وَكتب إِلَيْنَا بعض ناسه، أَنه إِنَّمَا يقْصد رندة أَو جبل الْفَتْح، فَلم نقدم عملا على تَوْجِيه مدد الرُّمَاة والفرسان، صُحْبَة من اخترنا لهَذَا الشَّأْن

ص: 279

من القواد الْأَعْيَان، وأمرناهم بالْمقَام بِهِ حَتَّى تنبلج الْأَخْبَار، وَيظْهر مَا يبرزه اللَّيْل وَالنَّهَار. وَنَرْجُو أَن يكون دفاع الله من دُوننَا مدَدا، وَأَن يُهَيِّئ لنا من أمرنَا رشدا. هَذَا مَا عندنَا شرحناه إِلَيْكُم، وألقيناه لديكم، وَأَنْتُم تَعْمَلُونَ فِي الإنجاد، ومعاملة الله فِي نصر هَذِه الْبِلَاد، بِمَا يخلد لكم الذّكر المسطور الأوراق، ويتكفل لكم بالنعيم الخالد، والسعد الباق. وَالله تَعَالَى يصل بمرضاته سعودكم، ويبلغكم بهَا مقصودكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.

ص: 280

وَصدر عني أَيْضا وَقد بلغ إِعْمَال حركته لتمهيد وَطن سجلماسة عِنْدَمَا تصير الْأَمر إِلَيْهِ، وحلوله بِمَدِينَة مراكش بعد أَن قَامَت تِلْكَ الْبِلَاد بدعوته، وعقدت الْبيعَة لَهُ، وَفِي عَام أحد وَخمسين وسبعماية مَا نَصه:

الْمقَام الَّذِي لِسَان سنانه فِي حومة الردع وميدانه بليغ فصيح، وَخبر بأسه ونداه فِي مُسْند الْفَخر الْبعيد مداه غَرِيب صَحِيح، وَنسب جهاده المرتقب الْحِين فِي ذوابة النَّصْر الْعَزِيز وَالْفَتْح الْمُبين أصيل صَرِيح. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي آيَة سعده ثَابِتَة محكمَة، وحلة مجده ضافية معلمة، وَحجَّة فخره محررة مسلمة، وخواطر يقينه مسددة ملهمة، وأبواب الْحَوَادِث عَن مقَامه الرفيع مُبْهمَة، ومناسك جوده من وهاد الأَرْض ونجوده محجوجة ميممة. السُّلْطَان الكذا أبي عنان ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله، ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن، ابْن السُّلْطَان الكذا [صَاحب المكارم الشهيرة، والمدابر الَّتِي هِيَ أوضح من شمس الظهيرة، أَمِير الْمُسلمين] أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا [الْمُؤَيد المعان الأمضى صَاحب الْجِهَاد المبرور وَالسَّعْي المشكور وَالْأَجْر الموفور أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين] أَي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق، أبقاه الله، يسلم لَهُ الْأسد الْورْد فِي وثبات الْإِقْدَام، [ويعترف لَهُ الْعلم الْفَرد بثبات الْأَقْدَام] ويقر لَهُ الصَّباح الطلق بإشراق القسام، والغمام الْجُود بالآلاء الجسام [وَلَا زَالَ سعده حاسم الْحَد حَدِيد الحسام، وأنباء مجده الْمَأْثُور

ص: 281

تسري فِيمَا لآيتي الْمَعْمُور مسرى الْحَيَاة فِي الْأَجْسَام] مُعظم سُلْطَانه الَّذِي تَعْظِيمه فِي الْوُجُود محتوم الْوُجُوب، وصنايعه فِي جُيُوب الْآفَاق ألزم للأطواق من الْجُيُوب، وحسنات ملكه السعيد ماحية للذنوب، ولطايف صفحه المبذول يسكن طير الأمل فِي أوكار الْقُلُوب، وأسرار نَصره المذخور مكتتبة السطور فِي أوراق الغيوب [الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر] سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا سفر الْقَمَر اللياح عَن جَبينه [وروى النسيم اللدن أَحَادِيث الطّيب عَن دارنيه، وتلقى عرابة الْمشرق بِيَمِينِهِ] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي أضفى على معاطف ملككم الْأَصِيل، حلل الصنع الْجَمِيل، ففاق جماله، وراق لِبَاسه، وَيسر لعزمه الْمَنْصُور مُقَدمَات الظُّهُور، [فأنتج قِيَاسه، وسل من أَمركُم الْمَقْصُود [حسابا] فالجود حَده، والصفح غمده، وَالْمجد رياسه، وَمكن لَهُ فِي أرضه [ليقرضه تَعَالَى من الْجِهَاد فِيهِ حق قرضه] ، فعلت فروعه، ورست أساسه، وَصحت لَهُ حُدُود الْمجد سَالِمَة من النَّقْد بِمَا منعته فصوله، وَجمعته أجناسه. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، عنصر نور الْهدى الَّذِي اضاء الظُّلم مقباسه، وينبوع مواد الرَّحْمَة الواكف على الْأمة مجاسه، وسيلتنا إِلَى الله فِي الْيَوْم العصيب، والفوز قد أعيا التماسه، وملجأنا عِنْد الْفَزع الْأَكْبَر إِذا غلب الرجا ياسه، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وناسه الْكِرَام وَحزبه، فيا حبذا صَحبه الْكِرَام وناسه وَحزبه، الَّذِي قَامَ بِهِ الْحق

ص: 282

قسطاسه، مَا وَفِي للروض آسه، ودلت على السحر أنفاسه. [الدُّعَاء لمقامكم الأسمى بنصر يرتاح لهبوب رِيحه مياد القنا المياد ومياسه] وصنع جميل يتوفر مجْرَاه وَطيب مسراه جذل الْإِسْلَام وإيناسه، وَفتح تتفتح عَن أزهار الْعِنَايَة الإلهية أطراسه، ويعنى براوية فخره] من طرسه الأنيق، وخيرة ضحاكه وعباسه. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يروق اقتباله، وصنعا تصيب شاكلة الرشاد والتوفيق والسداد نباله، ونصرا يتوفر جدل الْإِسْلَام بِهِ وينعم باله. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله جل جلاله، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع لمقامكم الأسمى الَّذِي تسنت من فضل الله آماله، إِلَّا الْخَيْر الْمُتَّصِل دَوَامه، الدَّائِم اتِّصَاله، واليسر الَّذِي اِنْفَسَحَ لجياد الأمل مجاله، وَالْحَمْد لله حمدا يتكفل بالمزيد رويته وارتجاله. ومقامكم هُوَ عدَّة الْإِسْلَام وَأَهله، وَالْمقَام الَّذِي يأوي إِلَى ظله، ويعول بعد الله على فضل عَادَته وإعادة فَضله، حكم الله لملككم [وَقد فعل] بأعلا مَحَله، وأصحبه الْإِعَانَة والتوفيق فِي ظعنه وحله. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وَأَعْلَى فِي الْمُلُوك الْمُجَاهدين قدركم، فإننا بِحَسب مَا نطوي لكم [عَلَيْهِ الضمائر] من وداد أضفى من نطف الْغَمَام، وأصون من دُرَر الأزهار فِي أصداف الكمام، واعتقاد نجدد حلله، على بِلَا الْأَيَّام، نرى أَن الْأَيَّام الْمَاضِيَة، إِذا اجتازت إغفالا من خبر سَار عنْدكُمْ نفيده، وَوجه مَسَرَّة بكم نبديه أَو نعيده، فَإِنَّهَا حصص من الدَّهْر، لم يَقع بهَا الِانْتِفَاع، وضياع من الزَّمَان استولى عَلَيْهَا الضّيَاع. فبودنا لَوْلَا الْمَوَانِع، أَن تكون المخاطبة لَا تغب، وَالْمُكَاتبَة مطردَة كَمَا نحب. وَمن لدن تعريفكم إيانا بِمَا كَانَ من صنع الله لكم فِي وجهتكم إِلَى سجلماسة،

ص: 283

الَّتِي كَانَت لما كتبه الله من ظُهُور مقامكم عنوانا، وَلما أجمله من خطاب سعادتكم بَيَانا، وأنكم شرعتم فِي فصل الْبِلَاد المراكشية الَّتِي مناصلها مَاضِيَة، وأغراضها [لديون الآمال] متقاضية، لم تزل النُّفُوس، تهوى إِلَيْكُم تشوقا للأنبا واستطلاعا، والحواس التماسا لأخباركم السايرة قد صَارَت كلهَا أسماعا. فَمَا سلكتم من وجهتكم طَرِيقا إِلَّا اتخذنا القلق رَفِيقًا، والتمسنا خَبرا يكون بالركون إِلَيْهِ خليقا، واعتلفنا من الدُّعَاء لكم بِمَا فِيهِ الْخَيْر والخيرة سَببا وثيقا، وَالْأَخْبَار مَعَ ذَلِك أسانيدها مقلة، [وطرقها مختلة] فَمِنْهَا المهمل والمقطوع، والضعيف والموضوع، لَا يجد التَّرْجِيح بَين متعارضها مسلكا، وَلَا يقتبس من جُمْلَتهَا نور صدق يجلو من الالتباس حلكا. فَأَقَمْنَا نرتقب حَدِيثا يحصل بِهِ الْعلم، وَيَنْبَنِي على أَصله الحكم، إِلَى أَن تحقق الْآن لدينا مَا سناه الله لكم من الِاسْتِيلَاء على تِلْكَ الأوطان [ودخولكم لمستقر أمرهَا الرفيع الْأَمر والشان] وَأَن الله [تَعَالَى] أجْرى لكم عَادَة الظفر لما شبت نَار الْحَرْب، وَعقد لكم صَفْقَة الظُّهُور فِي سوق الطعْن وَالضَّرْب، فجنيتم ثَمَرَة الْعَزْم عذَابا جناها، واجتليتم وُجُوه السعد يبهر سناها، وَأَن ركابكم اسْتَقر [أمره] بِمَدِينَة مراكش دَار الْملك الْقَدِيم، والبقعة الطّيبَة الْأَدِيم، والقطر الَّذِي جمع من الْمرَافِق مَا تفرق فِي الأقاليم، حَيْثُ الْخَيل وَالْخَيْر، والخطة الفسيحة، يعيا عَن بُلُوغ مداها الطير، والجباية الدارة الأخلاف، والربوع المتوفرة الآلاف، وَالْمَدينَة الَّتِي رغمت الرّوم بسعادة نصبتها وشقيت [وَلَقِيت من جَزَاء نسبتها] نسبتها على الْأَيَّام مَا لقِيت،

ص: 284

وَلَا تزَال ترهب مِنْهَا تِلْكَ الْقُوَّة مَا بقيت، وَأَن سلككم قد اتسق نظامه، وملككم قد تيَسّر من الظُّهُور مرامه، فبادرنا بهنايكم مبادرة الخلوص الَّذِي لَا يشوبه الريب، والتشيع الَّذِي يتساوى مِنْهُ الْمحْضر والغيب، وقياما بِحَق أخوتكم الَّتِي سبق أفضالها، وكرمت فِي سَبِيل الله أَعمالهَا، وعلما بِأَن نيتكم فِي الْجِهَاد، ستشرق بِهَذِهِ الْبِلَاد [غرر] محاسنها المجلوة، ويبرز سر طباعها، إِلَى عَالم الْفِعْل من عَالم الْقُوَّة. فَمن مَدِينَة مراكش [حرسها الله] هبت ريَاح النَّصْر فِيمَا سلف من الدول، وفيهَا تحركت لنصر الدّين همم الْمُلُوك الأول، وطاروا إِلَى إغاثة هَذِه الْبِلَاد ببيض الصفاح وَسمر الأسل، حَتَّى قصوا جنَاح الشّرك، وأوقعوا وقيعتي الزلاقة والأرك، وَلَعَلَّ الثَّالِثَة إِن شَاءَ الله، تنْسب إِلَى سَعَادَة تِلْكَ الْمَدِينَة الَّتِي حللتم، وَهَذِه الأمنية تكون ثَمَرَة الْحَرَكَة الَّتِي أعملتم. وَلَا تسلوا عَمَّا عندنَا لكم من الْحبّ الَّذِي خلص لبابه، وتوفرت وَالْحَمْد لله أَسبَابه، فقد تقرر فِي مدونة الصدْق بَابه، وتألق شهابه. فَلَمَّا أَخذ التَّحْقِيق مأخذه من هَذَا الْخَبَر، واقتضت مِنْهُ الحكم أدوات النّظر، لبينا من حق الهنا الْوَاجِب الندا، وبادرنا قبل فَوَات الْوَقْت الْأَدَاء، علمنَا بِأَن مقامكم لَا يحجب وَجه رِضَاهُ عَن عذر، وَلَا يلقى من يرد عَلَيْهِ إِلَّا بترحيب وبر، وَبِذَلِك جمع الله الْقُلُوب على وده، وصنع الصنايع لمجده، واطلع على الْآفَاق أنوار سعده. وَالله سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ.

ص: 285

وكتبت أَيْضا عَن السُّلْطَان أبي الْحجَّاج ابْن نصر للأمير على النَّاصِر بن أَمِير الْمُسلمين السُّلْطَان أبي الْحسن فِي غَرَض التهنية

الْإِمَارَة الَّتِي لم تزل المكارم الراضية، والعزائم الْمَاضِيَة، وَالْجَلالَة الراقية، والأعمال الصَّالِحَة الْبَاقِيَة. إِمَارَة مَحل أخينا الَّذِي نعظم مجده السَّامِي الْجلَال، ونثني على شيمه الطاهرة الْخلال، ونعتد بوده الْكَرِيم الْأَقْوَال والأعمال، ونسر بِمَا يسنيه الله لعزه الفسيح المجال، من عوائد الْيمن والإقبال، الْأَمِير [الْأَجَل الْأَعَز الْأَسْنَى الأمجد الأسمى الأرفع الأسعد الأصعد] أبي عَليّ النَّاصِر ابْن مَحل أَبينَا الَّذِي نعظمه ونجله، ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان [الْجَلِيل الْأَعَز، الرفيع الْأَسْنَى الأسمى، الصَّدْر الأرقى، الْكَبِير الشهير الْمُجَاهِد الأمضى، الْمُعظم الموقر المبرور الْمُقَدّس، المرحوم الأرضى أبي الْحسن، ابْن السُّلْطَان [الْجَلِيل الْأَغَر المرفع الأسمى الظَّاهِر الطَّاهِر الخطير الْمَاجِد الْأَسْنَى، الإِمَام الْعَادِل الْفَاضِل الْكَامِل المبرور الْمُقَدّس أبي سعيد، ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم الخطير الحافل الْفَاضِل الْكَامِل الموقر، المبرور المرحوم أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن عبد الْحق] ، أبقاه الله والسعود إِلَيْهِ مبتدرة مستبقة، والمسرات لَدَيْهِ منتظمة متسقة، وغرر أَيَّامه وَاضِحَة مشرقة، والأهواء على محبته متفقة. مُعظم إمارته الرفيعة الْجَانِب، الْقَائِم من إجلالها وَنشر خلالها بِالْحَقِّ الْوَاجِب، الْمثنى على مَالهَا من السّير الفاضلة

ص: 286

الْمذَاهب، والأصالة الرفيعة الْمُنَاسب، والبسالة الْمَاضِيَة الْمضَارب، والمكارم الَّتِي تشهد بهَا مَوَاقِف الجلاد، وَظُهُور الْجِيَاد وصحائف الْكتب، وصفائح الجلاد، الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر. سَلام كريم بر عميم، تتأرج الأرجاء من طيب نفحته، ويشرق نور الود الْأَصِيل عَن صفحته، يخص أخوتكم الفاضلة، وإمارتكم الحافلة، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. أما بعد حمد الله الَّذِي شرح بالتوكل عَلَيْهِ صدورا، وَجعل الود فِي ذَاته كنزا مذخورا. والأعمال الَّتِي تقرب إِلَيْهِ نورا، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي بَعثه بِالْحَقِّ هاديا، وبالرعب منصورا، وَرفع لدعوته الغالية، لِوَاء من عنايته منشورا، وَاخْتَارَهُ لإِقَامَة دين الْحق، وَالْأَرْض قد ملئت إفكا وزورا، حَتَّى بلغ ملك أمته، وتبلغ مَا كَانَ من الأَرْض معمورا، وَالرِّضَا عَن آله وأحزابه [وقرابته وَأَصْحَابه] ، الَّذين اتسقوا فِي قلائد مِلَّته الرفيعة شذورا، وطلعوا فِي سمائها بدورا، وبذلوا نُفُوسهم النفيسة فِي نَصره وإعلاء أمره، فَكَانَت شَفَاعَته لَهُم جَزَاء وَكَانَ سَعْيهمْ مشكورا، وَالدُّعَاء لإمارتكم الْعَالِيَة بالسعد الَّذِي يصاحب مِنْهَا ركابهَا مدَدا موفورا، والتوفيق الَّذِي يُوسع عَملهَا نجحا وَأَهْلهَا سُرُورًا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم سَعْدا متجدد الْأَحْكَام، وصنعا مشرق الْأَنْوَار وافر الْأَقْسَام، وعرفكم مَا عودكم من عوارف

ص: 287

الإنعام، وعوائد النَّصْر الْوَاضِح الْأَعْلَام، وَلَا زايد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ ببركة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي أوضح برهانه، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع، فِي مقَام مَحل أَبينَا، والدكم السُّلْطَان الْجَلِيل، أسعد الله سُلْطَانه، ومهد أوطانه، إِلَّا مَا يُرْجَى من عوائد الله الجميلة أَو مننه الجزيلة، وألطافه الكافية الكفيلة. وَعِنْدنَا من التَّعْظِيم لتِلْك الْإِمَارَة الرفيعة، مَا هُوَ أشهر من الشهير، وَأعظم من أَن يحْتَاج إِلَى تَفْسِير [فَلَا تزَال] تَعْتَد بِجَانِب إخوتها بالغنا الْكَبِير، والذخر الخطير، ونثني على مكارمها بالقلم وَاللِّسَان وَالضَّمِير. وَإِلَى هَذَا أيد الله إمارتكم وسنى إرادتكم، وأسعد إدارتكم، فقد علم الغايب وَالشَّاهِد، والصادر والوارد، مَا عندنَا لكم من الْحبّ الَّذِي صفت مِنْهُ الْمَوَارِد، وَالْوَلَاء الَّذِي تضوعت بطيبه الْمعَاهد. وأننا تعرفنا مَا كَانَ من قدومكم السعيد على أحواز ألمرية من تِلْكَ الأقطار، وطلوعكم عَلَيْهَا بالعزم الْمَاضِي والجيش الجرار، وَأَن مَحل والدنا، وصل الله لَهُ علو الْمِقْدَار، قدم مِنْكُم بَين يَدَيْهِ مُقَدّمَة الْيمن والاستبشار، ورائد السَّعَادَة المشرقة الْأَنْوَار، بخلال مَا يتلاحق بهَا ركابه العالي [قدره] على الأقدار وَأَن مخايل النجح لإمارتكم الرفيعة، قد ظَهرت، وأدلة الصنع الْجَمِيل قد بهرت وَمن بِتِلْكَ الْجِهَة من الْقَبَائِل الْمُخْتَلفَة فِي الطَّاعَة قد ابْتَدَرْت، وبإماتها

ص: 288

الإمارية قد ايتمرت، وَإِنَّكُمْ قد أَخَذْتُم فِي تسكين الأوطان وتمهيدها، واستئناف العزائم وتجديدها، وإطفاء نَار الْفِتَن وإخمادها وإعلاء أَرْكَان تِلْكَ الإيالة وَرفع عمادها، فكتبنا إِلَيْكُم هَذَا الْكتاب نهنئكم بِمَا سناه الله لمجدكم الرفيع من حسن الصنع، ونقرر مَا عندنَا من الود الْكَرِيم، وَالْحب الصميم، ونستفهم من أحوالكم لنكون من علمهَا على السّنَن القويم، وَحَتَّى لَا تزَال الْأَسْبَاب مُتَّصِلَة، والمودة جَدِيدَة مقتبلة. وَلَوْلَا الْعَوَائِق الْمَانِعَة، والشقة الْبَعِيدَة، والأمواج المترامية [المتدافقة] لم تقف المخاطبة، ولوصلنا المراسلة وَالْمُكَاتبَة. ومجدكم يقبل الْأَعْذَار الصَّحِيحَة بِمُقْتَضى كَمَاله، ومعهود أفضاله. وَالله تَعَالَى يصلح لكم الْأَحْوَال، ويسكن الْأَهْوَال، ويبلغكم من فَضله الآمال. [وَلكم الْفضل فِي التَّعْرِيف بِمَا لديكم من أَحْوَال مَحل أَبينَا) وصل الله عوايد النَّصْر لسلطانه، وتكفل بأعلا أمره ورفعة شَأْنه، وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَلما ملك السُّلْطَان أَبُو سَالم الْمغرب قلت أخاطبه عَن سُلْطَان الأندلس مهنئا

الْمقَام الَّذِي عالج زَمَانه الزَّمن فشفا، وَضمن لَهُ غَرِيم الْقدر باوغ الوطر فوفا، وانسدل بإيالته على الْأمة لِبَاس الْوِقَايَة والعصمة فضفا، وَاسْتظْهر للدهر بعقوده طَالبا إِرْث آبَائِهِ وجدوده، فَكتب عَلَيْهِ اسْتَقل بِالْوَاجِبِ واكتفا.

ص: 289

مقَام مَحل أخينا الَّذِي ثغر الدَّهْر لما اسْتَحَقَّه من عزة الْأَمر برود شنيب، وقبة الْفَخر قد أحكم مِنْهَا على مجده الغر وفضله الْغمر تطنيب، ومركب الْعِزَّة القعساء لخدمته فِي الإصباح والمسا جنيب، ولسان الثنا على حمله وَدينه يتلوه على الْإِشْهَاد من مرينه، إِن إِبْرَاهِيم كليم أَواه منيب. [السُّلْطَان الكذا أبي سَالم ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن] أبقاه الله تضرب [بِصدق عزمه] الْأَمْثَال، كَمَا ارْتَفع لحجته دَعوته الْإِشْكَال، فمهما طمحت نَفسه إِلَى غَرَض بعيد قرب مِنْهُ المنال، وطأطأت أعناقها الآمال، وأهطعت الْغَايَة الَّتِي لاتنال. [مُعظم مقَامه السرُور بسعادة أَيَّامه، وَمَا يتَّصل بِهِ من فضل الله وإنعامه فلَان. سَلام كريم بر عميم يخص مقامكم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته] .

أما بعد حمد الله مُدبر الْوُجُود، الَّذِي بِيَدِهِ مقاليده، الْملك الْحق الَّذِي ثَبت ببديهة الْعقل توحيده، جَبَّار [السَّمَوَات وَالْأَرْض] فَالْأَمْر أمره وَالْعَبِيد عبيده، جَاعل الشُّكْر مِفْتَاح الْمَزِيد من نعمه، فَهُوَ كَمَا وعد يحب الشاكر ويزيده. فَمن اسْتَعَانَ بِهِ فِي الملمة أَعَانَهُ وَنَصره، وأنجده تأييده، وَمن توكل عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّات ساعده مَا يُريدهُ، وَمن تذلل لعظمته، اشرأب بالعز جَيِّدَة. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله ذِي الشّرف العالي مشيده، وَالْحَمْد المتوالي [فِي الذّكر الْحَكِيم] ترديده، وَالْفَخْر الَّذِي لَا يطال سمكه، وَلَا يخلق جديده [صَاحب

ص: 290

الْأمة] الَّذِي امتاز بِطَاعَتِهِ شقي الْخلق وسعيده، فَأصْبح الْبَاطِل وَسيف الْحق يُبْدِهِ، وَغدا عقد الْإِيمَان، وَهُوَ وثيق السَّبَب شديده. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين نصروه فِي حَيَاته بالعزائم الصادقة، وَيَوْم الروع لَا يَتَأَتَّى وليده، وخلفوه فِي أمته بالاهتداء الَّذِي بَان فَضله، وَظهر تسديده، وَكَانُوا فِي سَمَاء مِلَّته كَالنُّجُومِ المشرقة لمن يَبْتَغِي الْخَيْر ويستزيده. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يطوي المراحل [بريده][فَيُشبه الْغَيْث برود الْبَلَد الماحل بريده] ونصرا يقصر على تمهيد الأرجاء على الْجِهَاد الَّذِي هُوَ مطمح الأمل، والرجا عدته وعديده، حَتَّى يزِيد عطف المثقف إنشاؤه، وَخذ المورد توريده، وَيقوم خطيب الحسام [مكبرا بالفتوحات الجسام] فَيُقَال هَذَا الْيَوْم عيده، وَهنا كم الْملك الَّذِي ذخر لنظم مآثركم طويله ومديده. فَإِذا تذوكرت الأفلاك، ونظمت من الْفَخر الأسلاك، فسيفكم سفاحه، ورأيكم رشيده. حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وساجع شكر الله على الأفواه، قد طَابَ بدوحة الصنع الْجَمِيل تغريده، والمسئول فِي صلَة عوايده وفضله، من يبْدَأ الْخلق ويعيده. وَإِلَى هَذَا هُنَاكُم الله مَا خولكم، وبلغكم من فَضله أَملكُم، فإننا من لدن انْبَعَثَ عزمكم على طلب حقكم، وَقد تَأذن الله فِي استخلاصه، ومطاردة أَملكُم الَّذِي أجلى الركض الحثيث عَن اقتناصه، ونبهكم الْقدر والحظ المبتدر، والسعد الَّذِي راقت مِنْهُ الْغرَر، فسهل الصعب عَلَيْكُم وَهَان الْخطر، وانقاد الوطن وتأتى الوطر، وبرز إِلَى الْوُجُود مَا تضمنه اللَّوْح المستطر، لسر من الْقبُول حباه،

ص: 291

وحتمه لكم وأوجبه، وَمَكَان فِي الْإِرْث أسقط بِهِ من دونكم وحجبه، لم نزل نسل الله [لكم] حسن العقبى ونجح المنال، ونتشوف إِلَى مَا نُرِيد من قبلكُمْ من الْأَحْوَال، ونتلقى مَا يرد من أنبائكم المعربة عَن سمو الْقدر، والسعادة المشرقة الْبَدْر بانشراح الصَّدْر، إِذْ لم توسع الْأَحْوَال المتعارفة عندنَا زِيَادَة على هَذَا الْقدر، إِلَى أَن طلع علينا كتابكُمْ الْأَسْنَى متحفا بثمرة السعد طيبَة المجنى، قد تأسس مِنْهُ على الْوَفَاء وكرم الْعَهْد الْمَبْنِيّ، وتطابق مِنْهُ فِي مَقَاصِد الْفضل والكمال، الْفظ وَالْمعْنَى، وأطلعتمونا طلع الأنباء، الَّتِي لم يزل التشوف يحوم حول حماها، والشفقة تتزاحم على منتماها، وتسرع الأفكار إِلَى فك معماها، وأنكم مَا زلتم ترفلون فِي لطائف رفق الله برا وبحرا، وتتوسدون من صنائعه وعنايته سحرًا ونحرا، إِلَى أَن نقلكم من صدر الْفلك إِلَى سَرِير الْملك، مرتجى ثَمَرَة الْحَيَاة الطّيبَة من شَجَرَة الْفلك، وسيق على أزهار الْأَنْوَار كمائم الظُّلم الحلك، فتأرجت نواسم الْقبُول من مهبها، وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا، وتذكرت الرعايا صنائع والدكم الْمُقَدّس فدعتها، وانصتت لدَعْوَة الْحق فرعتها، وَأقَام الله بدار الْملك، وَهُوَ الأَصْل والرياش الَّذِي مِنْهُ يمسك النصل، من حمى الْحَوْزَة، وَأَحْيَا العراسة وأجزل فِي حفظهَا عَلَيْكُم الجزالة والصرامة، بِمَا يسْتَوْجب بهَا هُوَ وعقبه مِنْكُم الحظوة والكرامة، فَلم يجد عدوه الْحِيَل، وَلَا نفع الْحصْر، حَتَّى نزل بمصارحتكم إِيَّاه النَّصْر، وَسعد

ص: 292

بدعوتكم الْعَصْر [وارتاح إِلَى محياكم الْقصر] ووردت عَلَيْكُم الْوقُود تجر ذيول الأمل، وتستشعر النشاط من بعد الكسل، وتراجع الوفا الْمَعْهُود، وتذكر الْحُقُوق السالفة والعهود، وأنكم حثثتم السّير إِلَى الحضرة الَّتِي فارقتكم مطالعها هلالا، فقدمتم الْيَوْم عَلَيْهَا بَدْرًا، وارتاحت إِلَى لقائكم على مر الْأَيَّام، وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا، وَأَن وزيركم شكر الله وفاه، وَجعل مَعْرُوف اعتقادكم الْجَمِيل كَفاهُ، وَجه آلَات الْملك الَّذِي يستظهر بهَا الْأَمر الْعَزِيز، ليَكُون بهَا على الْمَدِينَة التبريز، وقررتم مَا سلكتم بيمن أظفر الله بِهِ أَمركُم، وشفا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ صدركم، من عَفْو عَن دم، وإيجاد بعد عدم [ورعي بعد رمم، وإيثار عَادَة فضل موروث وكرم] فاستوفينا مَا قررتم من مَقَاصِد نظمت البلاغة شذورها وجلت ظلم الحبر نجومها القاتمة وبدورها، وَحضر بَين يدينا رَسُولكُم فلَان، فَزَاد الْخَبَر إيضاحا، وَأفَاد بشرح الجزئيات الَّتِي غايتها الصُّدُور انشراحا، فقابلنا نعم الله عَلَيْكُم بشكره وحمده، وَسَأَلنَا لنا وَلكم مزِيد فَضله، فَكل نعْمَة من عِنْده، وَقُلْنَا ذخر ثمين انتظم بعقده، وحسام مَاض عَاد إِلَى غمده، وَفرع كريم، اسْتَقل بمنبت أَبِيه وجده، وَمَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا، وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده، ثمَّ ثنينا [الْعَنَان] إِلَى شكر مجدكم الَّذِي لَا يُنكر حَقه، وَلَا تَلْتَبِس فِي الْأَصَالَة طرقه، فالجواد لَا يُنكر سبقه، والغيث يدل عَلَيْهِ برقه، وتيقنا بِمَا قررتم من استشعار الْعِفَّة عَمَّن قصدكم من طوائف النَّاس، على اخْتِلَاف الآجناس، وخفضتم جنَاح الإيناس، وسلامة الصُّدُور [وَذَهَاب الباس، وسررنا وَالله الْعَلِيم بخفايا الصُّدُور] وموارد الأنفاس،

ص: 293

سُرُورًا ننازعكم مِنْهُ فضل اللبَاس، وفضله ذَلِك الكاس، فَإِن اتِّصَال الْحُقُوق إِلَى أهليها، وَكَون رتب الْآبَاء، تَسْتَقِر فِي لَاحق بهَا من بنيها، مِمَّا جبلت النُّفُوس على استحسانه وإيثاره، ويجده كل قلب وفْق اخْتِيَاره. فَكيف إِذا تعاضد ذَلِك ود متوارث عَن السّلف، مَحْفُوظ بدره عَن الكلف. فَنحْن نهنيكم والهنا شَامِل، ونؤمل لكم الْمَزِيد، وَالله لَا يخيب لَدَيْهِ آمل، ونسله أَن يسعدكم بِمَا صَار لكم، وَيجْعَل فِي طَاعَته عَمَلكُمْ [ويشكر كم فِيمَن شكر آلاءه ونعمه، وَذكر فَضله وَكَرمه] وَهُوَ تَعَالَى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ص: 294

ووصلت الْأَخْبَار بِمَا جرت بِهِ الْحَادِثَة من دُخُول عَدو قبرس مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة، تمّ رَجَعَ الْمُسلمُونَ إِلَيْهَا، وتدارك السُّلْطَان بِمصْر أمرهَا، ورام أَخذ الثأر من الْعَدو، وَأَنْشَأَ الأساطيل، صدرت مُخَاطبَة السُّلْطَان بالأندلس رضي الله عنه من إملائي مَا نَصه، وَتوجه الرُّسُل بذلك إِلَى بَابه

الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة الَّتِي تعنو لعزة قدرهَا الْأَبْوَاب، ويعتزي إِلَى نسب عدلها الْحِكْمَة وَالصَّوَاب، وتناديها الأقطار الْبَعِيدَة مفتخرة بولائها، واصلة السَّبَب بعلائها، فيصدر بِمَا يشفي الجوى مِنْهَا الْجَواب. فَإِذا حسن مناب عَن أَئِمَّة الْهدى، وسباق المدى، كَانَ مِنْهَا عَن عمومة النُّبُوَّة النواب، وَإِذا أضفت على العفاة بغَيْرهَا أَثوَاب الصَّلَاة، ضفت مِنْهَا على الْكَعْبَة المقدسة الأثواب، أَبْوَاب السُّلْطَان الْكَبِير الْجَلِيل الشهير، الظَّاهِر الطَّاهِر، الأوحد الأسعد، الأصعد الأمجد الْأَعْلَى، الْعَادِل، الْعَامِل الْعَالم الْفَاضِل الْكَامِل، [سُلْطَان الْعدْل، وحيد الْفضل] ، جمال الْإِسْلَام، علم الْأَعْلَام، فَخر هَذِه الْأَيَّام، ملك البرين والبحرين، مُؤَمل الْأَمْصَار [والأقطار] ، عاصب تَاج الفخار، هازم الفرنج وَالتّرْك والتطار، الْملك الْمَنْصُور، أَبُو الْفتُوح شعْبَان، ابْن الْأَمِير الرفيع المجادة، الْكَرِيم الْبُنُوَّة والولادة، الطَّاهِر الظَّاهِر، الْكَبِير الشهير، الْمُعظم الممجد الأسمى، الموقر

ص: 295

5 -

الْأَعْلَى، فَخر الْملَّة، سيف الْأمة، تَاج الْإِمَارَة، عز الْإِسْلَام، جمال الْأَنَام، قمر الميادين، أَسد أجمة الدّين، سمام الطغاة والمعتدين، الْمُقَدّس، المظفر، الْأَمِير أبي حسن، ابْن السُّلْطَان الْكَبِير الشهير، ملك الْإِسْلَام وَأَبُو السلاطين، سيف خلَافَة الله فِي الْعَالمين، ولى الْمُؤمنِينَ، وظهير الدّين، سُلْطَان الْحَج وَالْجهَاد، وكاسي الْحرم الْأمين، قامع الْمُعْتَدِينَ، قاهر الْخَوَارِج والمتمردين، نَاصِر السّنة، محيي الْملَّة، ملك البرين والبحرين، مُقيم رسوم الْحَرَمَيْنِ الشريفين، الْعَامِل الْعَالم، الْعَامِل الطَّاهِر، الظَّاهِر الأسعد، الأصعد الأوحد، الْأَعْلَى الْمَنْصُور، الْمُؤَيد المعان، المرفع الْمُعظم، المبجل المؤمل، الْمُجَاهِد المرابط الْغَازِي، أَبُو عبد الله مُحَمَّد، بن قلاوون الصَّالِحِي، أبقاه الله، وفلق الإصباح يشْهد بِكَمَالِهِ، وخدمة الْحَرَمَيْنِ الشريفين، طراز مَذْهَب على حلَّة أَعماله، ومسورات الْإِسْلَام آمِنَة على طول الْأَيَّام من إهماله، وَلَا زَالَ ركنا للدّين الحنيف، تتزاحم على مستلمه الشريف شفَاه آماله. [سَلام كريم بر عميم، كَمَا اسْتوْدعت الرياض أسرارها صدر النسيم، وَأرْسلت مطالع الْفجْر أنهارها من بَحر الصَّباح الوسيم، يسري من الطّيب وَالْحَمْد المستطيل، المطيب فِي الصوان الْكَرِيم، وَيقف مَوَاقِف الْأَدَب والفهامة، بِمَا استحفظ من الإمانة، إِلَى مجَال الْإِمَامَة، وقُوف الحفيظ الْعَلِيم، يعْتَمد مشارع تِلْكَ الْأَبْوَاب الشارعة إِلَى الْفضل العميم، الْمُقَابلَة لذمام وَسَائِل الْإِسْلَام بالصدر المشروح، وَالْبر الممنوح، وَالْقلب السَّلِيم، من مُعظم سُلْطَانه، ومجل شانه، المفتخر بالانتظام فِي سلك خلصائه، أَمِير الْمُسلمين

ص: 296

بالأندلس، عبد الله، الْغَنِيّ بِاللَّه، مُحَمَّد بن يُوسُف [بن اسماعيل بن فرج] ابْن نصر، بلغه الله من رِضَاهُ أقْصَى سؤله، وأعانه على جِهَاد عَدو الله وعدو رَسُوله.

أما بعد حمد الله الَّذِي جعل قلادة الْإِسْلَام على الدَّوَام، آمِنَة من الانخرام والانتشار مفصلة النظام بحرز المآثر الْعِظَام والْآثَار، معرف أَهلهَا فِي حزن البسيطة وسهلها، عوارف الصنع المثار، وإقالة العثار، القوى الْعَزِيز، الَّذِي لَا يغالب قدره بالاحتشاد والاستكثار، وَلَا يبْذل غيبه المحجوب، بعد مَا عين حكمه للْوُجُوب فِي خَزَائِن الاستبشار، حَتَّى تظهر خبيئة عنايته بأوليائه، المعترفين بآلائه بادية للأبصار، فِيمَا قرب وَبعد من الْأَعْصَار، وَرَحمته عِنْد الاستغاثة بِهِ والانتصار، فِي مُخْتَلف الأقطار والأمصار، الْوَلِيّ الَّذِي [لَا تكدر هبات] فَضله شُرُوط الِاعْتِصَام، وَلَا يشين خطب حَمده ضرائر الاقتصاد والاختصار. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، نخبة الأكوان [وسر الدهور والأزمان وَفَائِدَة] الأدوار، نور الله المتميز باختصاصه، واستصفائه واستخلاصه، قبل خلق الظلمَة والأنوار، وَرَحمته الوارفة الشاملة الهامية، الهاملة على الهضاب والوهاد، والنجاد والأغوار، أقرب عوالم الشَّهَادَة والخلق إِلَى حَضْرَة الْحق، على تعدد الرتب وتفاضل الأطوار. منقذ النَّاس من الْبَوَار، ومبوئهم من جوَار الله خير الْجوَار، نَبِي الرَّحْمَة وَالْجهَاد، والغوار، الْمَنْصُور على الْأَحْزَاب، عِنْدَمَا استداروا بمثوى نبوته على الأطم والأسوار دور السوار، الواعد عَن ربه بِظُهُور

ص: 297

دينه الْحق الْأَدْيَان، فمهما أوقدوا نَارا تكفل الله بإطفاء النَّار وإخماد الأوار. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه حماة الذمار، ومقتحمي الغمار، وباذلى كرام الْأَمْوَال من دونه ونفائس الْأَعْمَار، القائمين فِي سما مِلَّته للاهتداء بسننهم والاقتدا بسننهم، مقَام النُّجُوم الهادية والأقمار، مَا صقلت مدارس النسيم سيوف الْأَنْهَار، وخجل الْورْد من تَبَسم البهار، وغازلت عُيُون [زهر المجرة عُيُون] الأزهار، وطرد أدهم اللَّيْل أَشهب النَّهَار، وَالدُّعَاء لتِلْك الْأَبْوَاب المتعددة الْحجاب [المعودة] باجتلاء غرر الْفتُوح، والمطالع المشيدة المصانع، على الْعِزّ الممنوح، والأواوين المؤيدة بالدواوين، بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح، بإعلاء الْمظَاهر والصروح، وأناره الله بأهلة تِلْكَ السُّرُوج، ساحات تِلْكَ السُّرُوج، وَلَا زَالَت أَقْلَام بشائرها تَأتي على سُورَة الْفَتْح بأكمل الشُّرُوح. فَإنَّا كتبناه لمثابتكم السُّلْطَانِيَّة ذَات الْعِزّ الأحمى، وَالْملك الْأَشْرَف الأسمى، والصيت الْبعيد المرمى، كتب الله لَهَا من عنايته وَقد فعل أوفر مقاسم النعمى، وَجعل غيث نوالها الأهمى، وحظ جلالها من الله الْحَظ الأنمى، ودامت كواكب سعودها تمزق جلابيب الظلماء، وأخبار بأسها وجودهَا، وسعادة وجودهَا، [تهديها على الْبعد] ركائب الدأماء، وترفرف برياح ارتياحها أَجْنِحَة بَنَات المَاء. من منزلنا المحبور بسعادة سلطانكم الْمَنْصُور، وخزي عدوه المدحور، بِحَمْرَاء غرناطة، دَار ملك الْجِهَاد بِجَزِيرَة الأندلس، وَإِلَى الله عَنْهَا الدفاع، وأنار بمشكاة نوره، الَّذِي وعد بإتمامه، الْأَعْلَام مِنْهَا والإيفاع، وَوصل لَهَا بشرف مخاطبتكم الِارْتفَاع وَالِانْتِفَاع، حَتَّى تشفع بتهانيكم الأوتار، وَنور الإشفاع، وآلاء الله لدينا

ص: 298

[بِنِعْمَة دين الْإِسْلَام علينا] قد أخجلت اللِّسَان الشكُور، وَإِن استنفدت الرواح والبكور، والثقة بِاللَّه فِي هَذَا الثغر الْغَرِيب قد كثرت الْعدَد المنزور، وَالْحق الصَّالح قد كافح الزُّور، والتوطين على الشَّهَادَة قد شرح الصُّدُور، واقتطع فِي الْجنَّة الْمنَازل والدور، والمعرفة بمقام تِلْكَ الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة، عقائد لَا تبدل، وأدواح علائها حمائم الْحَمد بهَا تتهدل، ومحافل ثنائها تتراكم فِي سمائها الألوة والمندل. وَالْحَال مَا علمْتُم بَحر زاخر الأمواج، وعدو وافر الأفواج، وجياد ضمرتها مصابرة الْهياج، وداء على الْأَيَّام متوقع الاهتياج، وَعدد إِلَى [الْإِمْدَاد والإصراخ] عَظِيم الِاحْتِيَاج، فالنفوس إِلَى الله تجْهر وتسلم، وَالصبيان فِي الْمكَاتب تدرب على مَوَاقِف الشَّهَادَة وَتعلم، والألسنة بِغَيْر شعار الْإِسْلَام لَا تنبس غَالِبا وَلَا تَتَكَلَّم، إِلَّا أَن عَادَة الْخَبِير اللَّطِيف، تخفيض الذعر المطيف، وَنصر النزر الضَّعِيف على عدد التَّضْعِيف، وَالْحَال تزجى بَين الْحَرْب وَالسّلم، والمكالمة، والكلم، وتأميل الْجَبْر، وارتقاب عَاقِبَة الصَّبْر، على حماة الدبر. وَإِلَى هَذَا فإننا اتَّصل بِنَا مَا رامت المروم من المكيدة الَّتِي كَانَ دفاع الله من دونهَا سدا، وَالْمَلَائِكَة الْكِرَام جندا، والعصمة سورا، وَالروح الْأمين مدَدا منصورا، وَأَنَّهَا استنفدت الوسع فِي احتشادها حَتَّى ضَاقَتْ اللجج عَن أعوادها، وَبَلغت المجهود فِي استنفارها، حَتَّى غص كَافِر الْبَحْر بكفارها، يَصِيح بهم التأليب، ويذمرهم الصَّلِيب، وسول لَهُم الشَّيْطَان كيادة ثغر الْإسْكَنْدَريَّة شجى صُدُورهمْ،

ص: 299

ومرمى آمال غدورهم، ومحوم قديمهم، ومتعلل غريمهم، ليهتموا ثغور الْإِسْلَام بصدمتها، ويقودوا جناب السواحل فِي رمتها، ويرفعوا عَن دينهم المعرة، ويتلقفوا فِي الْقُدس كرة الكرة، ويفصلوا مَا امْتَدَّ من ظلال الْإِسْلَام، ويشيموا سيوف التغلب على الشَّام، ويحولوا بَين الْمُسلمين، وَبَين محط أوزارهم، وحجهم ومزارهم، وَبَيت رَبهم، الَّذِي يقصدونه من كل فج عميق، ويركبون إِلَيْهِ نهج كل طَرِيق، وقبر نَبِيّهم الَّذِي يطفئون بزيارته من الشوق كل حريق، ويكحلون الجفون بمشاهدة آثاره عَن بكاء وشهيق، وشوق بذلك الحبيب خليق، ويقطعوا حَبل الْمُسلمين بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى بُلُوغ فريق، وَلَا غَرَض تَشْرِيق، وَالله، من ورائهم مُحِيط، وبدمائهم مشيط، وبعباده بَصِير، ولدينه الْحق ولى ونصير " هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله، وَلَو كره الْمُشْركُونَ ". فَمَا هُوَ إِلَّا أَن طما جرادهم، وخلص إِلَيْهَا مُرَادهم، وفاض عَلَيْهَا بحرهم، وَعظم [من المحلوك] أَمرهم، حَتَّى اشْترك الشّرك بعض أسوارها، ونال النهب بمستطرف ديارها، ظنت أَنَّهَا الوهية الَّتِي لَا ترفع، والمصيبة الَّتِي غَلَّتهَا لَا تنقع، واشتمل الباس، وذعر النَّاس، وَأرى الشدَّة من يتدارك بالفرج، وَأعَاد إِلَى السعَة من الْحَرج، وَأَنْشَأَ ريح النَّصْر عاطرة الأرج، وَنصر حزب الْإِسْلَام، من لَا غَالب لمن ينصره، وَحصر الْعَدو بخصره [من كَانَ الْعَدو يحصره] وَظهر الْحق على الْبَاطِل، والحالي بزينة الله على العاطل، فَخرج الْعَدو [الخاسر عَمَّا حازه] وَالسُّيُوف ترهقه حَيْثُ تلفيه، والسهام تثبته

ص: 300

وتنفيه، وغرماء كرة الْإِسْلَام تَقْتَضِي مِنْهُ دينهَا وتستوفيه، والخزي قد جلل سباله الصهب، وحناء الدما قد خضبت مشيخته الشهب، والغلب قد أخضع رقابه الغلب، فكم من غريق أردته دروعه [لما حشي بالروع روعه] وطعين نظمت بالسمهري ضلوعه، فغلبوا هُنَالك وانقلبوا صاغرين، وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين، و " كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَبِيرَة بِإِذن الله، وَالله مَعَ الصابرين ". فأى رَحْمَة منشورة ضفت على الْإِسْلَام ظلالها، وخطة نعْمَة اتَّسع نطاقها ورحب مجالها، ومجلى صَنِيعَة راق عُيُون الْمُؤمنِينَ جمَالهَا، واهتزت بهَا الأَرْض وربت، وبشكر الله جل جلاله أعربت، واستبشرت [النُّفُوس] وَذهب الْبُؤْس، وضفى بمنة الله اللبوس، وَظَهَرت عناية الله بمقامكم، وإقالة عَثْرَة الْإِسْلَام فِي أيامكم، فَمَا كَانَ سُبْحَانَهُ لِيُضيع لكم خدمَة

الْحَرَمَيْنِ، أَنَّهَا الْوَسِيلَة الْكُبْرَى، والذريعة إِلَى سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَهِي عُهْدَة الله الَّتِي يصونها من كل اهتضام، وقلادته الَّتِي مَا يَتْرُكهَا بِغَيْر نظام. وَكَانَ من لطائف هَذَا الْفَتْح الَّذِي أجزل الْبُشْرَى، وأوسع أَعْلَام الْإِسْلَام نشرا، وُرُوده بعد أَن شفيت الْعلَّة، ونصرت الْملَّة، وَبعد أَن جَفا الدَّهْر وتجافا وعادا، ثمَّ صافا، وهجر ووافى، وأمرض ثمَّ عافا، فَلَو ورد مقدمه ثمَّ تاليه، ونقده مُتَأَخّر عَن كاليه، أَو كَانَت أواخره بَعيدا مَا بَينهَا وَبَين أواليه، لأوجست الظنون وَسَاءَتْ، وَبَلغت الهموم من النُّفُوس مَا شَاءَت، فَإِن الْإِسْلَام كالجسد يتداعى كُله لتألم بعضه، ويتساهم إخوانه فِي بَسطه وَقَبضه، وسماؤه مرتبطة بأرضه، ونفله مُتَعَلق بفرضه، فَالْحَمْد لله الَّذِي خفف الأثقال، وزار وأقال، وسوغ فِي الشُّكْر الْمقَال، وَجمع بَين الْقُلُوب وإنالة الْمَطْلُوب. وَإِن وجد الْعَدو طعم الْإِسْلَام مرا لما ذاقه، وَعوده صلبا فَمَا أطاقه، وَرفع عَن

ص: 301

طَرِيق بَيت الله مَا عاقه، وقاد إِلَيْكُم فِي بُيُوتكُمْ فضل الْجِهَاد وَسَاقه، ورد الْمَكْر السيء على الْعَدو وأحاقه. فَمَا كَانَت هَذِه المكيدة، إِلَّا داهية للكفر طارقة. ونكبة لعضب التَّثْلِيث غارقة، ومعجزة من آثَار النَّبِي الشريف لهَذَا الدّين المنيف خارقة، استأصلت الْعَدو وَالْمَال، وَقطعت لِلْعَدو الآمال، وأوهنت الْيَمين وَالشمَال. فبادرنا عِنْد تعرف الْخَبَر المختال من أَثوَاب المسرة فِي أبهى الحبر، الْمهْدي أعظم العبر، إِلَى تهنئتكم، تطير بهَا أَجْنِحَة الارتياح، مبارية للرياح، وتستفزنا دواعي الأفراح، بِحَسب الود الصراح، وَكَيف [لَا يسر الْيَسَار بِيَمِينِهِ] ، وَالْوَجْه بجبينه، وَالْمُسلم بِدِينِهِ. وخاطبناكم مهنئين، وَلَوْلَا الْعَوَائِق الَّتِي لَا تَبْرَح، والموانع الَّتِي وضحت حَتَّى لَا تشرح، ومكابدة هَذَا الْعَدو الَّذِي يأسو الدَّهْر بِهِ ويجرح، لم نجتز بإعلام الْقَلَم من إِعْمَال الْقدَم، حَتَّى نتشرف بالورود على تِلْكَ المثابة الشَّرِيفَة، ونمتاز بزيارة الْأَبْوَاب المنيفة، فَيَقْضِي الْفَرْض تَحت رعيها، وبركة سعيها، لاكن الْمَرْء جنيب أمله، وَنِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله. فهنيئا بِمَا منحكم الله من ظفر شهِدت برضى الله مراسمه، وافترت عَن ثغور الْعِنَايَة الربانية مباسمه، وتوفرت لديكم مواهبه ومقاسمه، ويهنى الْبَيْت الْمُقَدّس، مَكَان فضل الله وَمِنْه، وسلامة مجنه، وَالْإِسْلَام عصمَة ثغره المؤشر، وطهارة كِتَابه المنشر، وجمال عنوانه، وقفل صنوانه، وَبَاب إيوانه، بمرفإ الْفسْطَاط، ومركز لِوَاء الرِّبَاط، وَمحل رحال الِاغْتِبَاط، ومتخير الْإسْكَنْدَريَّة عَن الْبناء والاختطاط. وَمِمَّا زادنا بجحا بِهَذَا الْفَتْح وسرورا زايدا بِهَذَا الْمنح، مَا تحققنا أَنه يثير من شَفَقَة الْمُسلمين لهَذَا الْقطر الَّذِي لَا يزَال يطرقه مَا طرق الْإسْكَنْدَريَّة على مر الْأَيَّام، ويجلب عَلَيْهِ برا وبحرا عَبدة الْأَصْنَام، بِحَيْثُ الْبر مَوْصُول، وَالْكفْر بِكَثْرَة الْعدَد يصول، ونيران الْجوَار مترامية للعيان، والفراسخ القليلة

ص: 302

متوسطة بَين مُخْتَلف النَّحْل والأديان، وَالْعدَد لَا ينْسب، والصريخ إِلَّا من عِنْد الله لَا يحْسب، فتنجدنا بِالدُّعَاءِ أَلْسِنَة فضلائه وتسهمنا خواطر صالحيه وأوليائه، وَالله لَا يقطع عَن الْجَمِيع عوائد آلائه، ويعرفنا بركَة خَاتم أنبيائه، وينصرنا فِي أرضه بملائكة سمائه، وَقد كَانَ اتَّصل بِنَا فِي هَذِه الْأَيَّام الفارطة الذخر الَّذِي مَلأ الْيَد استكثارا، وَالْجَلد اسْتِعْدَادًا واستظهارا، والهمم فخارا، وأضاء الْقطر أنوارا، جوابكم الْكَرِيم، يشيم من نفحاته شذى الْأَخْضَر والجليل، ويلتمس من خلال حَافَّاته بَرَكَات الْخَلِيل، وَيقرب الْوُجُوه بِهِ آثَار الْمعَاهد، ويلتمح من ثنايا بوارقه بوارق الْفَوَائِد، فَأكْرم بِهِ من وَافد مخطوب، وزائر مرقوب، صدعنا بِهِ فِي حفل الْجِهَاد انتحاء وافتخارا، ثمَّ صناه فِي كرائم الخزائن اقتناء للخلف وادخارا، وَجَعَلنَا قراه [شكر الْعباد روضا معطارا] ، وثنا يبْقى فِي الْخَافِقين مطارا، وَدُعَاء يعلى الله بِهِ لمقامكم السنى فِي أوليائه مِقْدَارًا، ويجهز بِهِ لملككم كَمَا فعل أنصارا، ويثيبكم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا يرضى السُّعَدَاء بغَيْرهَا قرارا. وَالله عز وجل يَجْعَل لأفلاك الهنا على مُخَاطبَة مقامكم الرفيع [الْعلَا] مدارا، وَيُقِيم الشُّكْر ألزم الْوَظَائِف بحقكم ابتدارا، وَالثنَاء أولى مَا تحلى بِهِ مجدكم شعارا، ويبقيكم لِلْإِسْلَامِ ركنا شَدِيدا وظلا مديدا، وسماء مدرارا، مَا استأنفت البدور إبدارا، وعاقب اللَّيْل نَهَارا. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

ص: 303

وَصدر عني أَيْضا لما استولى السُّلْطَان أَبُو زيان ابْن الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن على مَدِينَة مراكش، وَقد كَانَ اقْترن بوظيفها عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي، مَا نَصه

الْمقَام الَّذِي سعده متاح، وَعطفه بالصنع الْجَمِيل مرتاح وجبينه بالبشر ملتاح، وإقليد سَيْفه للمقفلات فتاح، ولأزهار أَعْلَامه فِي بطاح الجلاد والبطاح بالنصر افْتِتَاح. مقَام مَحل أخينا الطالع صبع سعده بسعادة الْعَصْر، المثمر نصله بجنى النَّصْر، الْبَريَّة من الْإِحَاطَة بصنع الله لَهُ أَدَاة الْحصْر. السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا] أبقاه الله وأعلام مجده عالية ولبات أَحْوَاله بالسعد حَالية، وألطاف الله لَدَيْهِ مُتَوَالِيَة، وأنوار توفيقه للخطوب جالية، وأعين الْعِصْمَة لَهُ كالية، وعزائمه تشقى بهَا الْأُمَم المناصبة، وتشفى الْأُمَم الموالية. مُعظم مجده المسرور بِظُهُور سعده، المؤمل من الله على يَدَيْهِ إنجاز وعده [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيده الله وَنَصره][يسلم عَلَيْكُم سَلاما لائقا بمثابتكم السامية] وفضائلكم الهامية النامية، بل المنسحبة الهامية وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته

ص: 304

أما بعد حمد الله الْعلي الْكَبِير، الْوَلِيّ النصير، مخول الْفتُوح، ومعود المنوح، وميسر العسير، الَّذِي وعد الْمُتَّقِينَ بِحسن العقبى فِي الْكتاب الْمُنِير، وَقرن النجح بِحسن التَّدْبِير. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، البشير النذير، المرتقى بمقامه الْأَثِير، فَوق الْفلك الْأَثِير، بدر الرُّسُل الْمُنِير، وكهف الْأمة المجير، وَسبب نجاتنا من سوء الْمصير، الَّذِي بجاهه نقرع أَبْوَاب [التَّيْسِير ونجتلي وُجُوه] التباشير، وَفِي مرضاته نعمل شبا اللدن الطَّوِيل، وظبا العضب الطرير. وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل والعشير، ملبسى كسْرَى أَثوَاب المهيض الكسير، [ومنزلي قَيْصر عَن ذرْوَة السرير] وورثة الْحق وقادة الجماهير، وكواكب الْهِدَايَة المستنير. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم سَعَادَة مصاحبة فِي الْمقَام والمسير، وعناية مُقَارنَة لإشارة النصيح المشير، وَلَا زَالَ سعدكم يغلب أَعْيَان الأقطار الشاردة، والعمالات المعاندة فعل الإكسير، وَيرد حظوظها إِلَى محط ملككم المستدير. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله اللَّطِيف الْخَبِير، إِلَّا التَّمَتُّع من الْهُدْنَة المكيفة ببركتكم فِي الْمحل الوثير، وَالِاعْتِرَاف لله بِالْخَيرِ الْكثير، وَالسُّرُور لِلْإِسْلَامِ على يدكم، بِجمع الشتيت ونظم النثير، وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وَعِنْدنَا اعْتِدَاد كريم لَا يزَال يرهب فِي سَبِيل الله حَده، ونرتقب فِي الظُّهُور على أَعدَاء الله وعده، ونصابر الظمأ حَتَّى نرد ورده، ونشفى عليل النُّفُوس عِنْده، وَالله

ص: 305

يبلغ فِي الْإِسْلَام قَصده، ويكيف نَصره وعضده، ويثير من جعل مَعَه آلِهَة مُتعَدِّدَة بِمن عَبده وَحده، وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم [وحرس مجدكم] . فإننا لما وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم سافرا عَن محيا الْفَتْح الَّذِي راق جمالا وفَاق كمالا، وَأَنْشَأَ للاسلام آمالا، [ورحب مجالا] ودعا بالأماني فَجَاءَت عجالا فتح مراكش لما فَاء الله طاعتها، كَمَا رفع بعد إيالتكم إضاعتها، وأسعد فيئتها، كَمَا أسْرع بعد إيالتكم لإجابة داعيكم جيئتها، وَإنَّهُ لِلْفَتْحِ الْأَغَر المجحل، والسعد الهني الْمُعَجل، دَار الْملك الْقَدِيم، والنصر الوسيم [والعز الجسيم] وطية الْحَادِي ومرتاد المسيم، حَيْثُ الجباية النامية، والشفاعات السامية، والسحب الهامية، وسيوف الْجِهَاد الدامية، وإثباج الْكَتَائِب المترامية، ومنبعث الْقُوَّة المطاقة، ومنشأ عزم الأرك والزلاقة، والحضرة الَّتِي إِلَيْهَا ينْسب بالمشرق وَالْمغْرب. هُنَاكُم الله ملكة نَوَاصِيهَا، واستيعاب قاصيها، وخولكم من فَضله ويمنه، غَايَة لَا يُدْرِكهَا القَوْل، وَلَا يحصيها. كتبنَا نهنئكم هناء من لَهُ فِي المنحة النَّصِيب الأوفر، والحظ الْأَكْبَر، ونسل الله لكم، توالي الصنع الَّذِي أنواره تبهر، ونقرر [مَا لدينا من الْحبّ] الَّذِي عضد خَبره الْمخبر، وأصحبنا نُودي خطابكم الْكَرِيم، الَّذِي لَا يجهل الْفضل ببعثه، وَلَا يُنكر على حَال التشوف الَّذِي صروحه تظهر، والارتقاب الَّذِي يسنيه الله لكم من فضل طلائعه تنْتَظر، وَهُوَ فلَان. ثمَّ رَأينَا أَن لَا بُد من مشافهة تصْحَب الْمُرَاجَعَة، تتميما لوظائف الْبر، وَإِقَامَة لرسوم الود الْكَرِيم العلن والسر، وَإِن كَانَت سَعَة

ص: 306

الِاجْتِهَاد، مقصرة عَن ثَمَرَة الوداد، ومدارك اليراع والمداد، عاجزة عَن بُلُوغ هَذِه الآماد، وَإِنَّمَا يشفع فِيهِ شَافِع الْقبُول الْمُعْتَاد، ومسامحة الْمجد الرفيع الْعِمَاد، واخترنا لذَلِك من الفضلا الحسبا، أولى الصّلاح والزكا، القائدين الحاجين فلَانا وَفُلَانًا، [وصل الله عزتهما، وَكتب سلامتهما] وأملنا تَعْجِيل قبولهما، وَقد شَاهدا مَا يسر السَّامع، ويحسب المطامع من كَمَال هبة، وَتَمام آمال عَن السعد المقتبل معرفَة، وَكَمَال مقاصدكم، ضافية أثوابه، متعوذة بتغمد التَّقْصِير أثوابه، وَالله يصل لكم عزا عالية هضابه، مطنبة فَوق النُّجُوم قبابه، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

ص: 307

وَلما وصل كتاب سُلْطَان الْمغرب على هَذَا الْعَهْد أَمِير الْمُسلمين أبي فَارس عبد الْعَزِيز، ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن، يعرف باستيلائه على الْخلَافَة بالمغرب، صدر عني فِي ذَلِك

الْمقَام الَّذِي خصت عبوديته لِلْإِسْلَامِ الْعَزِيز بِالْإِضَافَة، عَلامَة على انسدال الْأمان وارتفاع المخافة، وَاخْتَارَهُ الْملك السعيد، وَقد أينع الْقَمَر الْجَدِيد، لرفع الْخلاف بِنصب الْخلَافَة، وشمخ مِنْهُ الْقَبِيل المريني، بمآزر الإباية والإنافة، وأورثته الفراسة العمرية حق أَبِيه بِالنّسَبِ الصَّرِيح لَا بالقافة، مقَام مَحل أخينا الَّذِي استبشرنا بوصل سَببه وَسبب وَصله، واغتبطنا مِنْهُ بالفرع الْكَرِيم الْقَرِيب من أَصله، وتفرسنا فراسة الْمُؤمن، أَن نصر الْإِسْلَام فِي نصله، واستظهرنا مِنْهُ بِسيف الْجِهَاد الَّذِي اشْتَمَل حَده على فَصله ورجونا أَن يجنى الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْبِلَاد ثَمَرَات فَضله وخصله، السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان] أبقاه الله، وعنايته تقية من المكاره وتحميه، وترقيه إِلَى مراقي سلفه الْكَرِيم وتسميه، وحمائم الْبركَة تزكّى فَرعه الباسق وتنميه، ولازال سهم سعادته يُصِيب شاكلة الرمى إِذا يرميه، وشديد عزمه يسمه التَّوْفِيق ويسميه، مُعظم منصبه المسرور بِهِ، الْعَارِف بأصالة حَسبه [الدَّاعِي إِلَى الله

ص: 308

بتتميم أمله من فَضله] وتكميل أربه، [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر] سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا سفر وَجه الصَّباح الوسيم، وَأهْدى الرَّوْض شذاه مَعَ رَسُول النسيم، يخص سلطانكم الْأَعْلَى [وأخوتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله ملك الْمُلُوك ومولاها، ومقدر آجالها وأعمالها وأوصافها وحلاها، ليبلوها قيمًا ولاها، يُؤْتى الْملك من يَشَاء، وَينْزع مِمَّن يَشَاء، بطَائفَة ابتلاها، وَطَائِفَة تولاها، جَاعل منصب الْخلَافَة أسمى مطامح الْإِنْسَان من بعد النُّبُوَّة الرفيعة الشان وأعلاها، وأحقها بِوُجُوه التجلة وأولاها، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع أنوار الْهدى الَّتِي جلاها، وسر عنايته فِي أُخْرَى النشآت وأولاها، النَّبِي الْكَرِيم الَّذِي فَازَ من قداح الِاخْتِصَاص والاصطفاء بمعلاها. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، وعترته وَحزبه، الَّذين خلفوه فِي أمته، بالسنن الَّتِي تَركهَا لهدايتهم وخلاها، فسدوا مسده بضرورة الْخلَافَة، حَتَّى كفيت الْملَّة الَّتِي جلاها، وضفت على من استرعاه الله ملاها، فانتظمت الدولة معمور الأَرْض وفلاها، وجاس التَّوْحِيد مفارق الهضاب الشم وفلاها، والدعا لمقام أخوتكم حرس الله جَوَانِب علاها، وصل لَدَيْهَا [أَسبَاب الْفضل الَّذِي أولاها] وأولاها بالسعادة الَّتِي يروق مجتلاها، والصنايع الَّتِي لَا تنقضى، إِلَّا ردفها أكبر مِنْهَا وتلاها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم نعْمَة لحظها الْقدر والخط

ص: 309

المبتدر وأملاها، وَعزة تفترع ثنايا الشُّهْرَة ابْن جلاها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله بِعَين عنايته وكلأها، وَعرفهَا عوارف لطفه الَّتِي مَا ودعها مَعهَا وَلَا قلاها، وَلَا زَائِد بِفضل الله الأنعم تفياها الْإِسْلَام ببركتكم، وتملاها، وهدنة تقلد الْوَقْت الَّذِي لَا يشوبه المقت شذورها وتملاها. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم سَعْدا يُنَاسب عمركم فِي الْجدّة، ويتكفل لكم بانفساح الْمدَّة، وَجعل ملككم السعيد كملك سلفكم الْكَرِيم، ملْجأ الْإِسْلَام فِي الشدَّة، وملاذ الْأَنَام فِي الأزمات، يمدون إِلَيْهِ الاكف المستمدة شَادَّة أعداد جيوشه المنصورة وكتائبه الموفورة عَن الْعدة، حَتَّى يمضى سيوفه فِي رِقَاب الْكَفَرَة بِاللَّه كمضاء سيوف خلفاء رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فِي أصل الرِّدَّة، وتنفذ لفتوحه المنتثرة فِي الْآفَاق صفحات الطروس، وينابيع الأمدة. فإننا اتَّصل بِنَا وَأهلا بِهِ من بريد بشرى، ووافد نعْمَة كبرى [لَا يصغر إِلَيْهِ] مسراه من مسرى، فَمَا أفضل وَأسرى، وَأعرف بمواقع السرُور لدينا وأدرى، كتابكُمْ الَّذِي عظم قدرا، وطلع فِي مراقب البشاير بَدْرًا، وَأقر للدّين الحنيف عينا، وَشرح صَدرا، متحفا بالنبإ الَّذِي جدد ملابس الآمال ضافية الأذيال، وأطلع وُجُوه الْجمال والإجمال فِي آفَاق الْكَمَال، وحلى سور القضايا العاطلة من بعد الإهمال، بأسورة نجح الْأَحْوَال، واشتمل على أشتات البركات كل الاشتمال، بِمَا كَانَ من تصير ملك أبيكم إِلَى يديكم الْمُسْتَحقَّة لنصابه، الهنأة

ص: 310

برد اغتصابه، وشفا أوصابه، وأنكم حللتم ذروته المنيفة المنيعة، ونزعتم هضبته السامية الرفيعة، ونفيأتم أفياءه الخصيبة المريعة، وتقلدتم بيعَته المتبجحة فِي تَرْجِيح ميزَان الشَّرِيعَة، فدارت هَالة الْقَبِيل الْجَلِيل مِنْكُم على حَالي ظلمه وكربه كشعبي غمه، وبشرى فضل من الله ونعمة، ومظنة وفلق أمة، وقائد الزَّمن الحرون بزمه، وقعدتم مَحل والدكم، كَبِير الْمُلُوك الْكِبَار، وندرة مَعْدن الْحسب النضار، وَولى الشُّهْرَة الجامحة فِي الأقطار والأمصار، ومخلد الْآثَار، ومحتقر الْأَهْوَال فِي سَبِيل الله وراكب الأخطار، الَّذِي راعت الْكفْر عَزَائِمه الْمَاضِيَة القنا والشفار، وأساطيله الواطية صَخْر خدود الْبحار، وَصَبره واحتسابه تأسيا بِالنَّبِيِّ الْمُخْتَار، فِي مواهب التمحيص وَالِاخْتِيَار، وهمته المغراة بِطَلَب بالثار، واستقالة العثار. فَلَو أمهله الدَّهْر، لشفى أهل الْجنَّة من أهل النَّار، ولجاست جياده خلال الْبيُوت المشركة بِاللَّه والديار، فِي إِعْمَال تِلْكَ الْآفَاق والأقطار، وَقسمت أهل الصَّلِيب بَين حط الحتوف، وَطعم السيوف ورق الأسار، وركز راية الْإِسْلَام بدويه الصفر، وشفاف قلب الْكفْر، تخفق عذباتها بويح الْعِزَّة بِاللَّه والاقتدار. وَعَسَى أَن يكون دين هَذَا الأمل لوَلَده مذخورا، ولوليه مجموعا موفورا، فخزائنه سُبْحَانَهُ لَا تحصى وفورا، وحجب غيبه كم تَضَمَّنت صنعا مَسْتُورا، ونصرا تتلألأ صفحاته سُرُورًا، وَعزا عَاد من بعد الطي منشورا، وَبعد الِافْتِرَاق محشودا محشورا. فَسُرِرْنَا يعلم الله لكم بِهَذَا الصنع الْكَرِيم، والمنح الجسيم، سرُور من يعرف الْحق لأَهله، ويقر عينا باستقرار

ص: 311

الْأَمر فِي مَحَله، وينوب فِي رعى الذمام عَن سلفه، من قبله، وَيذْهب من الود الْكَرِيم والخلوص الْقَدِيم، على أوضح سبله، ويرتاد لِلْإِسْلَامِ فِي الأدلات الَّتِي يسببها الِاخْتِيَار اجْتِمَاع شَمله، وَيقرب الآمال بَين من اتّفق رَأْي أولى العقد والحل على فَضله، فالإسلام حَيْثُ تعيّنت إيالته الشَّرِيفَة، وملكته المنيفة، نسب يجمع، وذمام يشفع، ووسيلة لَا تدفع. ومتاب ينفع، ولوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمجمع، والجوار إِذْ كَانَ خلوا من مُوجبَات الشُّكْر والبواعث على مقارضات الْبر، قد ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث الغر، والوصايا المنتظمة انتظام الدّرّ. فَكيف إِذا كرمت المساعي، وتوفرت على المساهمة الدَّوَاعِي. فكتبنا نهنى الْملك مِنْكُم بعروس محلاه، والقبيل بِابْن سُلْطَانه الْكَبِير ومولاه، وَالدّين بإعمال الِاخْتِيَار فِيمَن تولاه، وَقُلْنَا رضى وَورث من آل يَعْقُوب، ونير رضى أسْرع فِي غيم هَذِه الفترة الثقوب [ومنهل سعد] ينْتَظر بِفضل الله وعد نَصره المرقوب. الْآن عدل الزَّمَان، وانسدل الْأمان، ووفا الضَّمَان، هَذِه نشيدة النصح الَّتِي أضلها فِيمَا سلف، ومجدد العهود الَّتِي يشبه الأَصْل ويحي السّلف، ومركز الْوِفَاق الَّذِي يرجع إِلَيْهِ من اخْتلف. وَإِن أَبْطَأت البادرة بِهَذَا الْعَمَل الْوَاجِب، فَرب مُتَأَخّر حَقه التَّقَدُّم، ومتلوم مَخْصُوص بالتكريم، والزارع يراقب الْفَصْل، والخطيب يطبق الْفَصْل، والمراجعة فرع عَن الْخطاب، وَالْفرع لَا يتَقَدَّم الأَصْل، وَفِي كل حَال فَإِنَّهَا فِيمَا يسركم السرُور الوثيق الْبَنَّا، والاستبشار

ص: 312

الْمَرْفُوع على أَعْلَام الاعتنا، فَإِذا جللكم المحبوب أصدرنا مُخَاطبَة الهنا، وَإِذا لحقتكم الْوِقَايَة، قابلنا نعْمَة الله بالشكر والثنا، فثقوا بودنا على توالي الأنا، هُنَاكُم الله بِمَا جلبه الْحَظ من ملك مقتبل الشَّبَاب، وَعز مفتح الْأَبْوَاب، وَجعله لكم ذَرِيعَة إِلَى الْفَخر وَالْأَجْر وَالثَّوَاب، وألبسكم ملابس السَّلامَة الضافية الأثواب، وسلك بكم مَسْلَك الاسْتقَامَة العائدة بالزلفى وَحسن المآب، وَقد وجهنا من يَنُوب عَنَّا فِي تَقْرِير هَذَا الهنا أحسن المناب، ويوفى مَا يرضاه من بر ذَلِك الجناب، ويستدرك [بِاللِّسَانِ مَا أغفله عبارَة الْكتاب، وَهُوَ قَاضِي الْجَمَاعَة وخطيب حمراينا الْعلية، الْفَقِيه القَاضِي الْخَطِيب الْفَاضِل الحسيب الخطى الْخَاصَّة، أَبُو الْحسن ابْن الْحسن وصل الله] لَهُ أَسبَاب الْكَرَامَة وعرفه عوارف الْيمن والسلامة، وَصَحبه بعنايته فِي الرحيل وَالْإِقَامَة، وَلكم الْفضل فِي الْقبُول عِنْد القفول عَلَيْكُم [وَالِاعْتِبَار لما يلقيه بَين يديكم] والإصغا لما أمرنَا بِهِ من شرح ضَرُورَة، وَعذر يُبْدِي وَجه الْحق فِي أحسن صُورَة، وخلوص حظوظه غير منزورة، ومقاصد جد مشكورة. ونسل الْعَزِيز سُبْحَانَهُ، أَن يصل عزة عَبده، وينجز لَهُ فِي النَّصْر صَادِق وعده، ويتكفل لَهُ وَلمن كفل أمره ببلوغ أمله فِي نصر الْإِسْلَام وعضده. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَرجعت حَضْرَة مراكش إِلَى طَاعَته فصدر عني فِي غَرَض هنائه:

الْمقَام الَّذِي ذخر لَهُ الْفَتْح الهنى، وجنى الْمنح السنى، وتهدلت فَوْقه الآمال يتساقط مِنْهَا الصنع الجنى، وَيسر لَهُ المآرب القاصية الْجواد الْغَنِيّ،

ص: 313

وأعرب بِحكم عوامله الْمَبْنِيّ، فَإِذا أشارت السُّعُود بجملها فَهُوَ الْمَعْنى، وَإِذا أهابت النُّفُوس بأمانيها كفلت بِهِ الْأَمَانِي، مقَام مَحل أخينا السعيد النصبة، الرفيع الهضبة، مَالك الظَّوَاهِر بالرهبة، والقلوب بالمحبة، ذِي الثنا الطّيب الْهِبَة، والرأي الحميد المغبة. السُّلْطَان الكذا [أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله، نوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف بن عبد الْحق] أبقاه الله فاتح مَا استغلق، ومجدد مَا أخلق، يُقيد شوارد الآمال، كلما أرسل أَعِنَّة الغارات وَأطلق، وَيُسْتَنْزَلُ النازى وَلَو تمسك بالعنان وَتعلق، فضلا عَن أَن يعد لامتناعه الأبلق، أَو يركب ظهر السهْم إِذا أحلق، مجل شَأْنه الْجَلِيل إِذا ذكر الشان، وَمُوجب حَقه إِذا تعيّنت من فروضه الْأَركان المصرورة، بِمَا يسنيه الله لَهُ من فتح يبتسم لَهُ الزَّمَان، وينسدل على الْبِلَاد المؤمنة الْأمان، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة يسر بهَا الْإِيمَان، وسعادة تنتظم عقودها كَمَا انتظم الجمان. أَمِير الْمُسلمين الْغَنِيّ بِاللَّه عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر. سَلام كريم. كَمَا حسر الْبَدْر لثام السَّحَاب عَن محياه، وَأهْدى النسيم الَّذِي عِنْد الهبوب طيب رياه، يخص مقَام أخوتكم السامية علياه، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الْوَاهِب المانح، النَّاصِر الفاتح، ميسر المناجح، ومكيف الْخَوَاتِم الْحَسَنَة والفواتح، جَاعل التَّوَكُّل عَلَيْهِ وتفويض الْأُمُور إِلَيْهِ مدنيا

ص: 314

للنازح، وَقَائِدًا إِلَى المسلك الْوَاضِح، ومجازي النيات الْخَالِصَة لوجهه بالصنائع الرائفة الملامح، والمواهب الرواجح، مِمَّن عَامله بالتجر الرابح، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع صبح الْهدى اللايح، وظل الله الظليل على الغادي والرايح، نَبِي الرَّحْمَة الهامية، فَوق الْحزن والبطايح. وشفيع الْأمة يَوْم خوف الفضايح، الرَّسُول الرؤوف الرَّحِيم الْكَرِيم النصايح، الجم اللطايف الصرايح، الَّذِي باتباعه نظفر بالسعى الناجح، وندرأ فِي نحر الْعَدو المكافح، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه حماة المسالح، أولى الرعى للْمصَالح، الَّذين نصروه فِي حَيَاته يبيض الصفايح، وخلفوه بِنَقْل الصحايح، فَكَانُوا أَحَق بقلائد المدايح، وَأولى بالثناء الْعطر النوافح، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر الَّذِي تركب أنباؤه ظُهُور الرِّيَاح اللوافح، والصنع الَّذِي يضيء بِنور الاستبصار، فِي عناية الْوَاحِد القهار احناء الجوانح. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يسهل الصعاب ويدنيها، وَعزا يشيد معالم الْفَخر ويبنيها، ونصرا يظْهر أفنان الْفتُوح ويجنيها، حَتَّى تسر بمأمون نصركم الدُّنْيَا وبنيها، وتتصل الْملَّة الحنيفية بأمانيها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والآمال متيسرة، والصنائع لمجمل الرجا فِي الله مفسرة، والأنباء مبشرة، والثغور ضاحكة مستبشرة، وقضايا السَّعَادَة منتشرة، وَالْإِسْلَام تبدو مخايل اجْتِمَاع شَمله، وَسُكُون الثايرة بَين أَهله، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله قد وضح بعد انسداد سبله، وَالْحَمْد لله حمدا، نستزيد بِهِ من فَضله، وَالله الْمُسْتَعَان على الْأَمر كُله. وَقد وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم الَّذِي وَفد فَأفَاد، وجاد غمامه وأجاد، [وَبشر الْبِلَاد والعباد، والنفوس الَّتِي أخلصت لله الْجِهَاد] . وخاضوا فِي سَبيله الخطوب الشداد بِمَا كَانَ من الْفَتْح الَّذِي رفع الله بغره الْعِمَاد، وفسح فِي

ص: 315

السرُور بِهِ الآماد، وَكفى النضال والجلاد، فتح مراكش، الَّذِي هيأته السَّعَادَة، وأخلصته المنحة الْمُعَادَة، ويسرته الْمَشِيئَة السابغة، ويمن الْإِرَادَة، على مَا قررتم من التَّيْسِير، ويمن الْمسير، واجتلا وُجُوه التباشير، وخدمة الْجبَال المتعاصية، وَطَاعَة النُّجُوم القاصية، وإلقاء المنتزين بالناصية. فالأفواج تدخل فِي دين الله، بالجنوح إِلَى الْجَمَاعَة والشهقات الشم تهرع بِالطَّاعَةِ، والمنابر تَنْطَلِق بالأوامر المطاعة، وَأَن من كَانَ بهَا بَادر النجَاة بِجمع قَلِيل، وحد فليل، وأنكم أتبعتم أَثَره بِمن تثقون بغنائه، وتجنون ثَمَر إدنائه، حَتَّى تستأصلون معضل دائه. فقابلنا مَا يسر الله لكم من الْفَتْح الجسيم، والصنع الوسيم، بِمَا يجب من ابتهاج واستبشار وَالسُّرُور الْمشرق الْأَنْوَار، وَسَأَلنَا الله علو الْمِقْدَار، وتمهيد الأقطار، وساهمنا كم فِي المنحة الْكَرِيمَة الْآثَار، والموهبة الَّتِي هِيَ علم فِي الْمَوَاهِب الْكِبَار، وَقُلْنَا عَاد فلك الْجِهَاد إِلَى الْمدَار، وسح هِلَال الْملك المريني بالإبدار، وارتفع عَن الْإِسْلَام مَا طرق صَفوه من الأكدار، وَارْتَفَعت بارتفاع الْمَوَانِع مقررة الْأَعْذَار، وَسَأَلنَا الله أَن يتم على الْإِسْلَام النِّعْمَة، بِجمع كلمتهم الَّتِي فرقها الشَّيْطَان، وَذَهَاب فتقتهم الَّتِي رجعت بهَا الأوطار، وجلت الْقطَّان، وطالما ضَاقَتْ الصُّدُور بِمَا شغل الْأمة عَن مهمها الأكيد، ونهجها السديد، وَنصر دينهَا مَعَ الِاعْتِرَاف بِكَلِمَة التَّوْحِيد، وَعصى الْكفْر قد انشقت، وَكلمَة الْعَذَاب قد حقت، والفتن فيهم مَا رعت وَلَا أبقت. فَلَو اجْتمع عز الْإِسْلَام لعادت الْفتُوح الأول، وَبلغ من رد مَا غصب الْكفْر الأمل، لَا كن هَذِه الفداءات الْمُبَارَكَة تدل على مَا وَرَاءَهَا

ص: 316

من فَائت يسْتَدرك، وحظوظ لله لَا تتْرك، وعزائم لجهاد عَدو الدّين تصرف، وعوائد تُعَاد كَمَا يعرف. وَلما أعطينا الهنا حَقه، وَإِن كَانَ جهدا لَا يَعْنِي بالمكتوم مكتوبه، وَلَا يُوفي إِلَّا من بعد التَّرَخُّص وُجُوبه، فاستيفاء مَا تجنيه البواطن من الود، وتضمره من حسن الْقَصْد، بَحر عَظِيم الْمَدّ، إِنَّمَا يُعلمهُ الله الَّذِي يطلع على الْخَفي من قلب الصّديق الحفي [عل مَاله فِي قلب صديقه من الود الوفير] صرفنَا أَعِنَّة الثنا لما كَانَ من مبادرتكم إِلَيْهَا بِهَذِهِ الطرفة الْوَارِدَة، والمنحة الوافدة، فَمثل هَذِه الْعِنَايَة شَاهد بالخلوص مَقْبُول، وَدَلِيل على أتم وُجُوه الصِّحَّة مَحْمُول، فَالله عز وجل يشْكر عَنَّا ودكم المستولي على ميدان الْكَمَال، المتحف من نصركم ببلوغ الآمال. وَلم نقنع فِي غَرَض الهنا، وَالشُّكْر والثنا على هَذَا الْمَقْصد الْبر، بِجَوَاب يَنُوب عَن لِسَان، ويجتهد فِي توفيه مَا جلبتم من وُجُوه الْبر وَالْإِحْسَان حَتَّى عينا من يتَوَلَّى ذَلِك بِمَا يجب من تَقْرِير، وَشرح وَتَفْسِير. وَهُوَ فلَان، ومجدكم، يصل عوائد الْقبُول، ويبلغ من الإصغاء لذَلِك أمضى المأمول، على عوائد الْفضل المبذول. وَالله عز وجل، يعرفكم عوارف الْيمن وَالْقَبُول،، والعز الْمَوْصُول، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ، عرف الله بركته.

ص: 317