المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الصَّدقَات والبيعات   صدر عني فِي ذَلِك صدَاق مُنْعَقد على أُخْت السُّلْطَان - ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب - جـ ١

[لسان الدين بن الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم

- ‌(التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ)

- ‌الصَّدقَات والبيعات

- ‌الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وعَلى آله وصحبة وَسلم تَسْلِيمًا

- ‌(وكتبت فِي مثل هَذَا الْغَرَض إِلَى أَمِير الْمَدِينَة المقدسة على ساكنها من الله أفضل الصَّلَاة وَأطيب السَّلَام)

- ‌التهاني بالصنايع المكيفات

- ‌(وَمن التهاني فِي الإبلال من الْمَرَض مَا صدر عني مهنئا أَمِير الْمُسلمين أَبَا عنان رَحْمَة الله عَلَيْهِ)

- ‌وَصد رعني أَيْضا فِي غَرَض الهنا بشفاء من مرض لسلطان الْمغرب

- ‌كتب التعازي فِي الْحَوَادِث والنائبات

- ‌وَصدر عني فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان أبي عنان فِي غَرَض العزا والهناء

- ‌(وأصحبت فِي معنى العزاء والهنا إِلَيْهِ فِي غَرَض الرسَالَة، كتابا نَصه بعد سطر)

- ‌كتب الشفاعات

- ‌كتب الِاسْتِظْهَار على العداه والاستنجاز للغداه

- ‌كتب الشُّكْر على الْهَدَايَا الواردات

- ‌(كتب تَقْرِير المودات)

- ‌(صدر عَنى مُخَاطبَة السُّلْطَان أَبى الْحسن بن)

- ‌(السُّلْطَان أَبى سعيد ابْن السُّلْطَان أَبى يُوسُف)

- ‌(ابْن عبد الْحق مَا نَصه:)

- ‌جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات

الفصل: ‌ ‌الصَّدقَات والبيعات   صدر عني فِي ذَلِك صدَاق مُنْعَقد على أُخْت السُّلْطَان

‌الصَّدقَات والبيعات

صدر عني فِي ذَلِك صدَاق مُنْعَقد على أُخْت السُّلْطَان أبي الْحجَّاج بن نصر للرئيس أبي الْحسن عَليّ بن نصر، مَا نَصه:

الْحَمد لله مانح أَسبَاب الهبات ومسديها، وفاتح أَبْوَاب الآمال الْبَعِيدَة المنال ومدنيها، وجاعل البركات الظَّاهِرَة، منوطة بِاتِّبَاع [أوَامِر] هَذِه الشَّرِيعَة الطاهرة، وَاجْتنَاب نواهيها. حمدا يصل المنن بالمنن، ويربط الْمَوَاهِب بالمواهب، الَّذِي أنشأ الْإِنْسَان، من نفس وَاحِدَة، وَجعل الْعَالم صِفَات حدوثها بعرمه شاهدة، وجاد على الخلايق من نعمه وعواطف رحماه، بِأَفْضَل صلات وَأكْرم عايدة، وأوردهم من موارد لطفه، كل عذب المشارب. هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، ومنهى عباده، إِلَى مَا سبق فيهم. من سوابق الْإِرَادَة، وجاعلهم قسمَيْنِ، فمنية إِلَى الشَّقَاء ومنية إِلَى السَّعَادَة، لَا اعْتِرَاض على حكمه الْفَصْل، وَأمره الْغَالِب. تقدس عَن لواحق الْحَوَادِث والأغيار، وتعلى عَن هواجس الخواطر، وخطرات الأفكار، ووسع الأكوان، ظَاهرهَا وباطنها، باللطف الْخَفي، والجود المدرار، فشملت نعْمَته الهامية السَّحَاب. أوجر الْعَالم ليعبدوه، وألزمهم أَن ينزهوه ويمجدوه، وعرفهم وجوده الضَّرُورِيّ، ولولاه مَا عرفوه [وَلَا وجدوه] . وخلفهم فِي بطُون أمهاتهم، خلقا من بعد خلق، فِي ظلمَة الغياهب. شرع لنا الْإِسْلَام سَبِيلا وَاضحا، وأطلع [لنا من]] مراشده الباهرة

ص: 81

نورا لامحا، وَبعث إِلَيْنَا نبيه الْكَرِيم، رَسُولا أَمينا، وهاديا ناصحا، فَعرفنَا برسالته، المستحيل من الجايز، والمحظور من الْوَاجِب، وَالْحَمْد لله الَّذِي تنزه فِي عَظمته، وتوحد فِي كبريائه، وتعلى ملكه الْقَدِيم، وسلطانه الْكَرِيم، فِي أرضه وسمايه، وأحاط علما بِأَسْبَاب كل أَمر وأحواله، وانبعاثه ومآله، وابتدايه وانتهايه، وصور نوع الْإِنْسَان بِحِكْمَتِهِ من الطين اللازب. نحمده سُبْحَانَهُ على مَا أجزل من إحسانه، وخول من رفده، ونسبحه آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، وَأَن من شَيْء، إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، ونعترف بِأَن كل عارفة ونعمة واكفة، ومنة تالدة أَو طارفة، فَإِنَّمَا هِيَ من عِنْده. ونبرأ من المجادلة والمناصب، ونشكره، عز وَجهه، على مَا أَسْبغ من الإنعام، ونقر لَهُ بالوحدانية، المنزهة عَن الِانْتِهَاء والانصرام، ونستزيد من مواهبه الفياضة، وعوارفه الجسام، وآلايه المحسبة المآرب، ونسله أَن يمدنا بالتوفيق والعصمة، ويصل لنا أَسبَاب الْعِنَايَة وَالنعْمَة، وينور أبصارنا بِنور هداه، الَّذِي يشفي من العما، وَيذْهب بالظلمة، ويحملنا من رِضَاهُ على أوضح الْمذَاهب، ونشهد أَنه الله، الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، الْغَنِيّ عَن الأنداد، المبرأ عَن الِاتِّصَال والانفصال، والصاحبة وَالْأَوْلَاد، الْمُنْفَرد بِالْقَبْضِ والبسط، والإعدام والإيجاد، الْملك الَّذِي لَا تفيض خزاينه على كَثْرَة المسترفد والراغب. ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الطّيب العناصر، وَنبيه العميم المكارم، الْعَظِيم المفاخر، وأمينة المحرز فضل الأول وَالْآخر، وَصفيه الطَّاهِر الْمُنَاسب، الْكَرِيم الضرايب. تخيره من أشرف القبايل محتدا ومنتسبا،

ص: 82

وَأَتَاهُ من كل الفضايل سَببا، وَاخْتَارَ لَهُ الْبُطُون الطاهرة، والأصلاب الفاخرة، أما فَأَما، وَأَبا فأبا، واختصه من شرف الْأَخْلَاق، وكريم الْمُنَاسب، وَألبسهُ من المفاخر الرايقة الطرر، والمحامد المتألقة الْغرَر، أشرف اللبَاس، وَأَتَاهُ من كَمَال والخصايص، وخصايص الْكَمَال، كل مضطرد الْقيَاس، وَجعل أمته الَّتِي كرمها باتباعه، والاستضاء، بِنور شعاعه، خير أمة أخرجت للنَّاس، وملكها بعز دَعوته، مَا زوى لَهُ من الْمَشَارِق والمغارب، فشرع صلى الله عليه وسلم، النِّكَاح ذَرِيعَة إِلَى النَّمَاء، وَحفظ الْأَنْسَاب، ومألفة لمفترقات الْأَهْوَاء، وصلَة لمتباعدات الْأَسْبَاب، ورفعها لما يهجس من الشَّك، ويختلج من الأرتياب، وصونا لبيوت الشّرف، عَن الأوشاب والشوايب. [وخطب عليه السلام، وخطب إِلَيْهِ، فِي الْأَحْيَاء، وَقبل الْخطْبَة للدُّعَاء، وجدع بالحلال أنف الْغيرَة والأباء] ، وَأمر بالتحيز للنطف، والارتياد لعقايل الشّرف تكريما للمناسب، وتنزيها للمناصب، فسعد باتباعه كل سالك الطَّرِيقَة [وَأَوَى إِلَى جناب الله كل آو لحزبه المفلح وفريقه] ، وَبَان المبتدع من المتبع، بتمييز الْحق وتعريفه [ليميز الله الْخَبيث من الطّيب] ، وَمَا الأخابث كالأطايب، فصلوات الله وَسَلَامه، وتحيته وإكرامه تستلم شرِيف ترابه، وتزاحم الْوُفُود على بَابه، وتعرس ركايبها، بَين روضته الطاهرة ومحرابه، وتحدو جوانبها أَيدي الصِّبَا والجنايب، صَلَاة نجدها زلفى فِي الْمعَاد، وقربة إِلَى رب الْعباد، وذخرا يَوْم قيام الأشهاد، ووسيلة تنَال بهَا

ص: 83

من رِضَاهُ أَسْنَى الرغايب، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، نُجُوم الأقتدا والإتمام، وسيوف دين الْإِسْلَام، السَّادة البررة، القادة الْأَعْلَام، أحلاس الْخَيل، وَرُهْبَان اللَّيْل، وَأسد الكتايب، ونستوهب من الله للمقام الْعلي المولوى السلطاني الْكَرِيم، اليوسفي النصري، سَعْدا ضافية حلله، وَعزا يُضَاعف بِهِ الدّين الحنيف أمله، وتمهيدا يتوفر لجميل صنع الله فِيهِ جذله، وعناية آلهية، يدل حاضرها على الغايب، وَلَا زَالَ نظره الْجَمِيل يعم الْأَقَارِب والأباعد، وَعطفه وشفقته، يعذبان لِلْخلقِ الْمَوَارِد، [وخلاله الْكَرِيمَة تقيد الأمداح الشوارد] ، وَلَا زَالَ الزَّمَان يتحلى من حلاه، ومآثر علاهُ، بأنفس من عُقُود الترايب.

أما بعد هَذِه الْمُقدمَة، الَّتِي كرمت اختتاما وافتتاحا، وَوجدت فِي ميدان الرِّضَا والسعد، وبلوغ الأمل، وإحراز الْقَصْد، مغدا ومراحا، وأوسعت الْعُيُون قُرَّة، والصدور إنشراحا، فَإِن [من] الْمَعْلُوم الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَالْمُسلم الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ بتعليل، وَلَا يخَاف على محكمه وَارِد مسخ وَلَا عَارض تَأْوِيل. فقد صَحَّ مِنْهُ كل سَبِيل، مَا خول الله هَذِه الدولة النصرية، كتب الله نصر كتابها، وَجعل مآثرها قلايد تجعلها الايام قلايد فَوق نحورها وترايبها، من الْكَمَال الَّذِي وَردت بِهِ، غير مدافعة حياطة، وَالْمجد اهذي تفيأت رياضه، وَالْعدْل الَّذِي رفعت فَوق الْعباد ظلاله، وَالْفضل الَّذِي استشعرت شيمته

ص: 84

وخلاله، وَالْجهَاد الَّذِي تلقت رايته بِالِاسْتِحْقَاقِ، [وَقَامَت بعرضه] كِفَايَة عَمَّن دونهَا من مُلُوك الْآفَاق، وَإِن الله سُبْحَانَهُ، نصر الدّين الحنيف، بسلفها فِي الْقَدِيم، ثمَّ تَدَارُكه بخلفها فِي هَذَا الأقليم، فضاء بنورهم صبح اللَّيْل البهيم، وأينع روض الْعِزّ فَلَيْسَ بالمصرح وَلَا بالمشيم، وتواترها صَدرا عَن صدر، وهلالا عَن بدر، وَولدا عَن أَب، وراثة حق وَنسب، من كل ملك صادح بِالْحَقِّ، مبرز فِي حلبة السَّبق، مراقب لله فِي الْخلق، وَهَمَّام يحِيل جِيَاد النَّصْر، ويطلع شمس السَّعَادَة فِي الْعَصْر. كلما أفل شهَاب ثاقب، طلع بَدْرًا فلاكه مفاخر ومناقب. صانوا حلل الْعليا عَن ابتذالها، وحفظوا على الْأَيَّام رونق جمَالهَا، وعالجوا الْملَّة الحنيفة من اعتلالها، وماذا عَسى أَن يبلغ القَوْل وَإِن اضطرد، أَو ينتهى الْمَدْح وَإِن شرد، فِي أنباء صحابة الرَّسُول وأنصاره، وسلالة سعد بن عبَادَة، وزيره الَّذِي لَا يضاهى فِي رفْعَة شَأْنه، وعلو مِقْدَاره، ووليه الَّذِي أعلن بإجلاله فِي قومه الْأَنْصَار وإكباره، وَقَالَ لَهُم لما أطل، قومُوا لسيدكم تسجيلا لعقد فخاره، إِلَى أَن ألبس الله طوق هَذِه الْخلَافَة النصرية، أشرفها فِي الْعَشِيرَة جيدا، وَأَكْرمهَا أَبَا وجدودا، وَجعل زمامها فِي أولى النَّاس بمقادتها، وأخصهم عِنْد إِحَالَة القداح بِسَهْم سعادتها، وأطولهم باعا فِي توفير الْخلال، الَّتِي يقتضيها، والمحامد الَّتِي يختارها ويرتضيها، مَوْلَانَا السُّلْطَان

ص: 85

الْكَبِير الشهير الخطير، الْعَادِل الْفَاضِل، الْمَاجِد الْكَامِل، الأروع الباسل، الْمُجَاهِد الحافل، الْمَاضِي الصفاح، فِي ذَات الله والذوابل، هضبة الثَّبَات، إِذا هفت من الروع الهضاب، وَسيف الله الْمَاضِي الشبا إِذا كهمت السيوف العضاب، الَّذِي اشْتَمَل بِالطَّهَارَةِ يافعا وكهلا، وَكَانَ مذ كَانَ لخلافة الْمُسلمين أَهلا، الْمُجَاهِد، الكذا، [السعيد الشَّهِيد] أَبُو الْوَلِيد ابْن مَوْلَانَا الْهمام الأخطر، الْعلم الْأَشْهر، عنصر الْمجد اللّبَاب، وبحر النوال الْفَيَّاض الْعباب، وطود الرياسة العالي الجناب، وصارف عنان الدولة إِلَى أبنايه، بالعزم [الْمَاضِي الشبا] الثاقب الشهَاب، والرأي المصمى بعزة الصَّوَاب، ومستحقها بالاكتساب والانتساب، ومخلدها مِنْهُم، فِي الأعقاب إِن شَاءَ الله، وأعقاب الأعقاب، أبي سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل ابْن يُوسُف بن نصر، المضاهي من نضار الانتساب [الرفيع] ، بِغَيْر الرايق وَلَا البهرج، الْمُنْتَهى فِي ذؤابة كرام الْخَزْرَج، جدد الله عَلَيْهِ ملابس الرَّحْمَة، وجزاه أفضل مَا جزا بِهِ الصَّالِحين، من مُلُوك هَذِه الْأمة، فَللَّه من سنة أَحْيَاهَا، وسيرة عدل أطلع محياها، وسبيل بر أوضحها، وَأَحَادِيث مجد عَن سلفة [من صحابة رَسُول الله] أثبتها وصححها، وصير الله ملكه إِلَى قرارة رِضَاهُ واختياره، وخلاصة حبه من بَين ساير بنيه وإيثاره، بدر أقماره، وندرة نضاره، وعنوان سعده، وبركة دَاره، الَّذِي أَعلَى عماد ملكه وَرَفعه، وَضم شَمل الْمُسلمين من بعده وَجمعه، وَبني على أساسه، وأثبج الْكَمَال من مُقَدمَات

ص: 86

قِيَاسه. مَوْلَانَا وعمدة ديننَا ودنيانا، الْوَاحِد المعدول بآلاف الْمُلُوك الصَّيْد، درة السلك، وَبَيت القصيد، الْجَامِع لما تفرق من محَاسِن الدَّهْر، كفو الْخلَافَة، المليء لَهَا بِالْمهْرِ، ذِي الْعَزْم الأمضى، وَالسَّعْي الأرضي، والسياسة الَّتِي أقرَّت الْعُيُون المرهى، والنفوس المرضى، الشهير الْحلم والأناة فِي [معمور الأَرْض شرقه وغربة] الميمون النقيبة، فِي سلمه وحربه، والمصنوع لَهُ فِي أعدايه، عناية من ربه، أَمِير الْمُسلمين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف، أبقاه الله، وأيامه عَن غرر السعد سافرة، وأقسامه من النَّصْر وَالْفضل وافرة، وكتايبه ظَاهِرَة ظافرة، والحوادث عَن مقَامه، شاردة نافرة. فَمن لَهُ مجد كمجد هَذِه الدولة، الَّتِي لَهَا الْفَخر الْحقيق، وَالنّسب الصَّرِيح العريق، وَالسَّبَب المتين الوثيق، واقتدى بِهَذِهِ الشَّجَرَة النصرية الشماء، الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء. فروعها من الْأَقَارِب والرؤساء، فَكَانُوا نجوما أمدتهم شمسها المنيرة، بالثناء والسناء، فَلم يألوا فِي الاهتداء بهم والاقتداء فضلا منشور اللِّوَاء، وعدلا مديد الأنباء، ومجدا كريم الْأَبْنَاء، وجهادا قامعا للأعداء [يقوم مِنْهُم الْأَبْنَاء فِي ذَلِك بِحُقُوق الْآبَاء] ، ويتوارثون كَابِرًا عَن كَابر، مذخور ذَلِك الْعَلَاء، فَأَصْبحُوا صوارم جلادها، وولاة بلادها، وظهراء سلطانها، وزين أوطانها، حفظ الله عَلَيْهِم، من عز هَذِه الإيالة النصرية اليوسفية، مَادَّة سعدهم، وعنصر مجدهم، وَإِن من أفضل من أنجبته هَذِه الْبيُوت الرياسية، من أبنايها، الرييس الكذا الكذا [أبي فلَان] ، وصل الله سعده، وحرس

ص: 87

مجده. فَإِنَّهُ نَشأ والعفاف يظله، وَالْمجد ينهله ويعله، وَالطَّهَارَة تضفي عَلَيْهِ، سوابغ أذيالها، والآصالة تورده عذب زلالها، [والسعادة] تَأْخُذ بضبعيه صعدا وتفسح لَهُ من بُلُوغ الآمال مدا، لم يعلق بأثواب شبيبته مَا يريبها ويشينها، وَلَا تلبس بِمَا يُنَافِيهِ فَضلهَا ودينها، وأسندت إِلَيْهِ الْولَايَة فسلك فِيهَا سيرة الْعدْل، وتحلى بحلى النزاهة وَالْفضل، وَإنَّهُ أعزه الله، ترقت إِلَى الْغَايَة القصوى آماله، وَانْفَسَحَ لَهُ فِي التمَاس الْعِزّ الأقعس مجاله [من الشّرف الْعد] ، وتشوفت نَفسه إِلَى إِحْرَاز الْوَسِيلَة، الَّتِي لَو طمعت فِيهَا الْكَوَاكِب الزهر، لتزحزت عَن مراكزها استلطافا، وهشت من آفاقها، استنزالا واستعطافا. وَسَأَلَ الله أَن يكيف لَهُ من الْمقَام اليوسفي، مصاهرة [يزِيد بهَا فخره] العالي أضعافا. فَوَافَقت دَعوته من الله إِجَابَة، ووافقت رغبته من خَلِيفَته [اسعافا] وأجابه، وَمَا برح يستخير الله [سُبْحَانَهُ] وَنعم المستخار، ويمد يَد الضراعة إِلَيْهِ، وَالله يقْضِي مَا يَشَاء ويختار. وَعرض على [الْمقَام] المقتدى بالرسول الَّذِي خطب إِلَيْهِ، صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه عَلَيْهِ، مَا تَوَجَّهت إِلَيْهِ آماله، وتوسل بالقربى، الَّذِي يتوسل بهَا أَمْثَاله. فَلَمَّا اتَّصَلت رغبته، وانثالت وتمادت وتوالت، وورى بالسعادة زنده، وخفق بالظفر بنده، وَرَأى مَوْلَانَا [أيده الله وأعز نَصره وَأَعلاهُ] أَن وصل سَببه، وزكى حَسبه، وأوضح فِي الإنعام عَلَيْهِ مذْهبه، وَأوجب لَهُ الْعَهْد

ص: 88

السّني، والإملاك السّني فِي أُخْته، الْحرَّة الجليلة الطاهرة [المعظمة السعيدة] إبنة وَالِده، مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد، وصل الله [لَهما عوايد] الْيمن والسعد، وَعرفهَا فِي انتقالها أَضْعَاف مَا عَرفته، من منشإ الْمجد، إِيجَابا حالفته السُّعُود، وأنجزت لَهُ الآمال الوعود، وَأسسَ بُنْيَانه، على تقوى من الله ورضوانه، الَّذِي تؤسس عَلَيْهِ الْعُقُود الدِّينِيَّة والعهود، فَعرف الرييس الْأَجَل، أعزه الله، قدر هَذِه النِّعْمَة، الَّتِي لَا تقاس بهَا النعم، إِلَّا وترفعت عَن أجناسها، وَخرجت عَن حكم قياسها، وتلقاها بِمَا يجب من الشُّكْر الَّذِي يُقَابل جلايل النعم، وتستزاد بِهِ عوارف الْكَرم، وانعقد بَينهمَا الإملاك السعيد، فِي الْحرَّة [الجليلة] المخطوبة [الْمُسَمَّاة] على صدَاق أوجبت السّنة، تعْيين مقدمه وتاليه، وتبيين نَقده وكاليه، وأجرى قبُوله الْمقَام الْكَرِيم اليوسفى، حرس الله لَهُ أَسبَاب معاليه، [فَجرى رفده الذى يصله، وإحسانه الذى يواليه] ، مبلغه مَا بَين نقد حَاضر، وكالي مستأخر ألفا دنير، إثنان من دَنَانِير الذَّهَب الْعين، وَكَذَا وَكَذَا. على هَذَا انْعَقَد النِّكَاح، وَتمّ بِسَبَبِهِ وكمل. وَلَو كَانَ [هَذَا الْقدر يكافي] ، مِقْدَارًا، أَو يوازي منصبا ملوكيا ونجارا، لم يكن لهَذَا المنصب فِي عرُوض الدُّنْيَا ونقودها، على اخْتِلَاف أقطارها، وتباين حُدُودهَا، مَا يكافي قدرا، ويوفي مهْرا. لَا كنها سنة الْإِسْلَام، واقتفاء مَذَاهِب الشَّرْع الْوَاضِحَة الْإِعْلَام، وسبيل الْعُقُود الشَّرْعِيَّة، فِيمَا يَخُصهَا من الْأَحْكَام. وَتَزَوجهَا بِكَلِمَة الله الَّتِي علت على جَمِيع

ص: 89

الْكَلم، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله المبتعث إِلَى الْعَرَب والعجم، الماحي بِنور هداه، أسداف الظُّلم، وَبِمَا أَخذه الله عز وجل، لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ فِي كِتَابه الْعَزِيز، الَّذِي أوضح لأولى الْأَلْبَاب قَصده، من الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بعده. فليعاملها بِمَا يجب لمنصبها الْكَبِير، ومجدها الشهير، من المكارمة المتكفلة باستخلاص الضَّمِير، وَهِي وصل الله لَهَا أَسبَاب السَّعَادَة، تعامله بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالهَا، وتعرف لَهُ الدرجَة، الني لَا ينكرها أَمْثَالهَا. عقد عَلَيْهَا الْأَمْلَاك [هَذَا] ، السعيد، وَكيل الْمولى أَخِيهَا، وَهُوَ فلَان، بِمَا بِيَدِهِ، من قبل مقَامه، من التَّفْوِيض الْعَام، الَّذِي من فُصُول النِّكَاح، من يرجع إِلَى نظره، أيده الله بِسَبَب أَو ملك أَو وَلَاء [حَسْبَمَا] . يعرفهُ شُهُوده، وَهِي بكر فِي حجر الْمقَام المولوي،، ونحت ولَايَة نظره العلى، وَبعد تَقْدِيم الاستمار، واقتضاء الْإِذْن من مقَامهَا الرفيع الْمِقْدَار، وَتَحْصِيل مَا يجب فِي [هَذَا الْبَاب] ، شرعا، على حسب الِاخْتِيَار. وَالله تَعَالَى يَجْعَل هَذَا العقد مُبَارَكًا، قد جَادَتْ البركات الهامية أرجاه، وأجابت السَّعَادَة نداه، ويبقي عَلَيْهِمَا من [عناية] ، هَذَا الْمقَام الْكَرِيم المولوي، مَا يحمدان إِعَادَته وأبداه، بِفضل الله. شهد على الرييس الكذا وَالْوَكِيل، بِمَا فِيهِ عَنْهُمَا من أشهداه بِهِ، وهما بِحَال كَمَال الْإِشْهَاد. فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين لصفر عَام اثْنَيْنِ وَخمسين وسبعماية.

ص: 90

وَمِمَّا صدر عني فِي ذَلِك صدَاق انْعَقَد للأمير الْأَجَل أبي عَليّ مَنْصُور، ابْن السُّلْطَان أبي سعيد ابْن السُّلْطَان أبي يُوسُف بن عبد الْحق، مَعَ بنت الشَّيْخ الْجَلِيل الْمُجَاهِد أبي سرحان مَسْعُود بن الشَّيْخ أبي عُثْمَان بن أبي الْعلي رحمهمَا الله تَعَالَى.

الْحَمد لله الَّذِي ارتضى الْإِسْلَام دينا قويما، وَشرح لنا مِنْهُ منهاجا وَاضحا، وسبيلا مُسْتَقِيمًا، وأسبغ علينا بسابغه، كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس، فضلا عميما، عجزت الْعُقُول عَن كنه ذَاته، فضلت فِي بيدائه الأوهام، وحارت الأفكار، فِي تعدد صِفَاته، فَأَصْبَحت طائشة السِّهَام، وسددت الأفهام الثاقبة والأذهان المراقبة، إِلَى هدف، الأحاطة بِعِلْمِهِ، فَكَانَ الْقُصُور قصارى تِلْكَ الأفهام، فوقفت مَوَاقِف الِانْقِطَاع، عَن بُلُوغ ذَلِك المرام، لَا تَسْتَطِيع تَأْخِيرا وَلَا تَقْدِيمًا. تقدس فِي ربوبيته الْوَاجِبَة عَن النظراء والأنداد، وتنزه بوحدانيته عَن الصاحبة وَالْأَوْلَاد، وتعلى فِي كبريائه عَن لواحق الْكَوْن وَالْفساد، وأحاط علمه بالكاينات، على تبَاين الْأَنْوَاع، وتنافر الأضداد لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة، فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، إِنَّه كَانَ عليما حكيما. وتبارك الَّذِي أنشأ الْإِنْسَان، وسواه بِيَدِهِ ، وَنفخ روح الْحَيَاة فِي جسده، ورسم قبُول النهى وَالْأَمر فِي خلده، وَحفظ نَوعه بعقبه وَولده، وَأحسن خلقه فِي ظلمَة الْأَرْحَام تقويما، ثمَّ لما أوجده، بعد أَن لم يكن شَيْئا مَذْكُورا، وشق سَمعه وبصره، فَكَانَ سميعا بَصيرًا، وأودع قلبه من هِدَايَة الْحق نورا، وألهمه طَرِيق النّظر وَالِاسْتِدْلَال

ص: 91

فَعلم ببديهة عقله، أَن لَهُ صانعا قَدِيما قَدِيرًا، يسر لَهُ المآرب تيسيرا، وتمم لَهُ الْمصَالح تتميما، ثمَّ أطاف بِهِ من الشَّرِيعَة حمى حصينا، وبوأه بِهِ من عصمَة النَّفس وَالْمَال، حرما أَمينا [وأسلكه من رفقه ولطفه، سَبِيلا مُبينًا] ، وَأوردهُ من هدايته وإرشاده، مشرعا معينا، وألزمه من وظايف التَّكْلِيف، مَفْرُوضًا ومسنونا، ومحظورا ومحتوما. وَالْحَمْد لله الَّذِي لَا تحصى ضروب نعمه المترادفة، وَلَا تنفد خزاين رَحمته، مَعَ اتِّصَال سحايبها الواكفة، وَلَا يتجهم وُجُوه وجوده على [كَثْرَة الأكف المستمدة من فيض بحورها] الغارقة، وَلَا يعْدم من لَجأ إِلَيْهِ وتوكل عَلَيْهِ فضلا جسيما. فَبِأَي مواهبه العميمه، يغرى لِسَان التَّحْمِيد، وَفِي أَي بَاب من أَبْوَاب آلايه [الْكَرِيمَة] يحط ركاب التمجيد، أبنعمة الْخلق أم بِنِعْمَة الرزق، أم بِنِعْمَة التَّوْحِيد. لقد بهرت آلَاء ذِي الْعَرْش الْمجِيد، خُصُوصا وعموما، وَمن عنايته جل جلاله، بِهَذَا النَّوْع الَّذِي فَضله بِالْعقلِ على كثير من خلقه، وشرفه لما عرفه طَرِيق الْقيام بِحقِّهِ، أَن جعل الآخر مِنْهُ كَالْأولِ، فِي سلوك سَبِيل الْخَيْر، وَاتِّبَاع طرقه، وَجعل لَهُ بِمُقْتَضى لطفه ورفقه، حدودا يقتفي آثارها ورسوما. فسكن بِمَا شرع لَهُ من الْإِحْصَان، بعضه إِلَى بعض، وهيأ لَهُ بالتناسل بَقَاء النَّوْع وَعمْرَان الأَرْض، وَجعل لَهُ التعاون على وظايف الدُّنْيَا، والإعداد إِلَى يَوْم الْعرض، فَحفِظت رسوم الْمصَالح الدِّينِيَّة والدنيوية، بالمثابرة عَلَيْهَا والحض، وأينعت أدواح الرشد، بعد أَن كَانَت هشيما. نحمده سُبْحَانَهُ، حمد معترف بتقصيره، عَاجز من حَقه الْوَاجِب على أَدَاء كبيره، ملق زِمَام التَّفْوِيض، إِلَى لطيف تَدْبيره، مستزيد من مواهب هدايته وتبصيره،

ص: 92

مستسق من ألطاف لطفه الْخَفي، وفضله الحفي نسيما، ونشكره أَن ألهمنا شكره، الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَزِيد من النعم، وَيضمن من الآلاء، أوفى الحظوظ، وأوفر الْقيم، وعَلى أَن سددنا إِلَيْهِ، وصرفنا فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ، شبا اللِّسَان والقلم، شكرا يكون بتضاعف هبات الْجُود وَالْكَرم زعيما. ونشهد أَلا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة يذهب نورها بِالشَّكِّ والالتباس، ويتأرج مِنْهَا رياض الصدْق عاطر الأنفاس، وتثنى نفحات الْبسط من مهبات الإيناس، وتطلع وَجه التَّحْقِيق لأبصار بصاير النَّاس، وضاحا وسيما. ونشهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، النَّبِي الْعَرَبِيّ، الْقرشِي الْهَاشِمِي، عَبده وَرَسُوله، الَّذِي اخْتَارَهُ واصطفاه، ووفاه [من مَخْصُوص اعتنايه] ، وَمَا وفاه، وَأَبْرَأ بِهِ الْوُجُود من علته المعضلة وشفاه، وَأثْنى عَلَيْهِ فِي مُحكم كِتَابه الْحَكِيم وَكَفاهُ، فخرا عَظِيما، انتخبه من سلالة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، وَأنزل بِشَارَة ببعثه فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَأثبت بهدايته الْحق، ومحا برسالته الأضاليل، وكرم بولادته الذَّبِيح والخليل، وَجعله أزكى الخلايق عنصرا وأطهرهم خيما. النُّور الَّذِي تضاءلت الْأَنْوَار لطلوعه، وَنَفث روح الْقُدس فِي روعه، وتفجرت يناييع الْخيرَات والبركات من ينبوعه، واحتفل الشّرف الْعد بَين أُصُوله الطاهرة وفروعه، حَدِيثا وقديما. ابتعثه والشرك قد أظلت آفاقه، والعدوان قد قَامَت أسواقه، وَالْبَغي قد أتلعت أعناقه،

ص: 93

وَحقّ الله قد نكث عَهده وميثاقه، والعقايد زايفة عَن الْحق تثليثا وتجسيما، فَدَعَا الْخلق على بَصِيرَة مِمَّن خصّه بِخَتْم الرسَالَة، ومحا بِنور الْحق [ظلمَة الْجَهَالَة] وَشَمل الْخلق بالبركات الهامية المنثالة، وَبَين المآخذ والمتارك تبيينا أنقذ من العماية والجهالة، وأوضح الْمذَاهب عَن الله تحليلا وتحريما، فَكَانَ مِمَّا ندب إِلَيْهِ النِّكَاح، الَّذِي أَخذ بحكمتى الطَّبْع وَالشَّرْع ، وَجمع بَينهمَا [أحسن] الْجمع ، وَأمره بِالِاخْتِيَارِ للنسل وَالزَّرْع ، فتطابقت دلالتا الْعقل والسمع، منطوقا ومفهوما. ونصلى عَلَيْهِ عدد الْحَصاد وَالتُّرَاب ونهدي من كريم التَّحِيَّة، مَا يغْرس بَين تِلْكَ الرَّوْضَة الطاهرة والمحراب، ونعفر الخدود فِي مواطنه الْكَرِيمَة، بالوهم قبل الْقدوم على لحده الرفيع الجناب، ونهدي إِلَيْهِ بالنفوس الَّتِي أنقذها هَدْيه، وخلصها سَعْيه على حَال الاغتراب، ونسلم تَسْلِيمًا وَنرْضى عَن آله وقرابته، وأوليائه وعصابته، وأنصاره الْكِرَام وصحابته، المستوجبين من الله عز وجل، بنصره وإجابته، مزية قَوْله، ويدخلهم مدخلًا كَرِيمًا، مَا ركضت جِيَاد الألسن، فِي ميادين ثنايهم، ولجأت الآمال الضاحية إِلَى ظلالهم وأفيائهم، واهتدت السراة بأنوار سمايهم، واقتدت الْأمة فِي آدَاب الدّين وَالدُّنْيَا بمآثر عليائهم، انتفاعا بهَا وتعليما، ونستوهب من الله سُبْحَانَهُ [لهَذَا الْمقَام الْعلي] ، السعيد السلطاني اليوسفي] سَعْدا تبهر الْعُقُول عجايبه، وَعزا لَا يراع حماه، وَلَا يذعر

ص: 94

جَانِبه، وصنعا إلهيا لَا تَلْتَبِس مذاهبه، ونصرا تجوس خلال الديار كتبه أَو كتايبه، وفخرا يَنْتَظِم مِنْهُ لبات الزَّمَان وترايبه، درا نظيما، وَلَا زَالَ ملكه مثوى العفاة ومحط الآمال، ومقامه السعيد، فذلكة حِسَاب الْكَمَال، وبابه الْعلي، كعبة الْجلَال، فَكلما رام أمرا بعيد المنال، كَانَ لَهُ السعد خدينا، والدهر خديما.

أما بعد هَذَا الْفَاتِحَة، الَّتِي فتحت من النجح كل بَاب، ومتت إِلَى التَّوْفِيق بوسائل وَأَسْبَاب، فقد علم من مَذَاهِب [أهل] السّنة، وتقرر، وَتردد، وتكرر، وتخلص بالبراهين الأشعرية وتحرر، أَن التحسين والتقبيح، لَا يُحِبَّانِ بِالْعقلِ وَلَا بالطبع، وَإِنَّمَا الْمرجع فيهمَا إِلَى حكم الشَّرْع، وَإِن الْعقل إِذا شدّ لحكم من الْأَحْكَام عقدا، وتناوله قبولا أَو ردا [فحقه أَن] يعرض على سُلْطَان الشَّرْع توقيعه، ويلقى فِي يَد ذَلِك المسيطر النَّاقِد جَمِيعه. فَمَا كتب بامضائه، أنفذ وأعمل، وَمَا لم يجزه، طرح وأهمل. وَلَا خَفَاء أَن النِّكَاح، مِمَّا اقْتَضَاهُ الشَّرْع وَالْعقل، وتعاضد فِيهِ السّمع وَالنَّقْل، وَأَن الرَّسُول الَّذِي أعْطى كل شَيْء حَقه، وأوضح من الْهدى طرقه، ندب إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل وَبَين حكم مستطيع الطول [وَغير مستطيع الطول] حَتَّى كَاد نَدبه إِلَيْهِ أَن يكون وجوبا، وَإِلَى تِلْكَ الصِّيَغ مَنْسُوبا، [فَمن أُوتِيَ رشدا، وسلك من الِاتِّبَاع قصدا اقْتدى بِمَا شَرعه صلى الله عليه وسلم، وَبَينه، وَفتح مَا فَتحه، وَحسن مَا حسنه، واستمع

ص: 95

القَوْل فَاتبع أحْسنه] وَلَا أبهى من حلل الْمجد، إِذا كَانَت عَلَيْهَا من التَّقْوَى طرر مذْهبه، وقلايد من طَاعَة الله وَرَسُوله منتخبة، فَإِن تقوى أولى الرياسة وَالْمجد عز الدّين، وَظُهُور السّنة فِي هَذِه الميادين، وَهَذَا الْقرب من الْمَعْمُور، وَإِن نأي حسا لَا معنى، عَن مطالع ذَلِك النُّور، مستمسك بِحَبل السّنة وَالْجَمَاعَة [لَا يزَال أَهله على الْحق كَمَا قَالَ عليه السلام، إِلَى قيام السَّاعَة. [وَلما جعل الله] بعدوتيه، الدولتين الساهرتين النصرية والمرينية، على هدى، ومنح الْخلق مِنْهُمَا نَاس وندا، فاستولتا من الْكَمَال على مدا، وجعلتا التعاون فِي سَبِيل الله دينا وسبيلا مُبينًا، بِأَن أتحف الدولة المرينية بالإمداد والإنجاد، وأتحفتها الدولة النصرية بِأَجْر الْجِهَاد، ومرضاة رب الْعباد، فضفى السّتْر [وَالْحَمْد لله] ، على الْبِلَاد، واتصلت الْأَيْدِي على الدفاع وَالْجهَاد. وَلما كَانَت أَحْوَال هَاتين الإيالتين، لم تزل على مر الْأَيَّام، وكبارهما، كَأَنَّهُمَا حَال وَاحِدَة، وضمايرهما على الصِّفَات متعاقدة، تنْتَقل بَينهمَا من ظلّ إِلَى ظلّ، وتجنح بِحَسب الدَّوَاعِي من مَحل كريم إِلَى مَحل، كَأَنَّمَا ينتقلون من يَد إِلَى يَد، ويترددون بَين قلب وكبد. فورد على هَذِه الْأَبْوَاب الجهادية، مِنْهُم صُدُور ميادين، وأعلام فضل وَدين، وآساد عرين، وأهلة من مطالع سَمَاء بني مرين، تلقاهم الرتب بانشراح صدورها، وتحلهم الْأَمْلَاك بَين شموسها وبدورها، وتستظهر مِنْهُم على أعدايها بكريم أودايها، فربعها بهم عَامر وآهل، وَبُيُوتهمْ فِيهَا يدل عَلَيْهِ سِنَان حايل، وجواد

ص: 96

كَاهِل. إِن تحركت المراكب، كَانُوا آساد سُرُوجهَا، وَأَن نصبت الْمَرَاتِب، كَانُوا نُجُوم بروجها، وَإِن أحضرت بساتين الكتايب، كَانَت عمايمهم الْبيض أزهار مروجها، يلقون عَصا التسيار بِهَذَا الوطن اعتباطا، ويوسعون الْعدَد استكثارا وَالْجهَاد ارتباطا، ويطيرون إِلَى الْجِهَاد بأجنحة السمر الْحداد ارتياحا ونشاطا، من كل همام غذاه الْملك بدره، وبوأه الْملك فِي مستقره. وَإِن من أرفع من ورد على هَذِه الإيالة النصرية قدرا، وَاسْتحق من موكب جيادها قلبا، وَمن مجْلِس أمجادها صَدرا، من استولى من الشّرف الْعد على أتمه، وتوسل إِلَى الْملك المريني بِأَبِيهِ وجده وَعَمه [وَابْن عَمه] ، ذَلِك الشَّيْخ الْأَجَل [الْأَعَز الأرفع الأمجد، الأحفل الأسعد الأوحد، الأطهر الْأَصِيل الْمُعظم] ، أَبُو عَليّ مَنْصُور ابْن السُّلْطَان [الْأَجَل الْأَعَز الأطول الْأَفْضَل الأحفل الأسعد الأطهر الأمجد، الباسل الْفَاضِل الْكَامِل، الْمُعظم المبرور الْمُقَدّس] ، أبي عَليّ عمر ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل، الْأَعْلَى الأمجد الأحفل، الأسعد الأوحد، الأرضي، الْمُجَاهِد، الأسمى، الحافل الْكَامِل، الْجواد الْبَاذِل، علم الْأَعْلَام، نَاصِر دين الْإِسْلَام، الْعَادِل الْفَاضِل الْمُؤَيد المعان، الْمُعظم الْمُقَدّس، أَمِير الْمُسلمين [أبي سعيد] ، ابْن السُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم الْمُقَدّس، أَمِير الْمُسلمين، وناصر الدّين، الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين، أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق، من مُلُوك الْمغرب الْأَقْصَى، وَأولى المآثر الَّتِي لَا تحصى. مجَالِسهمْ بالعلماء معمورة، ومكارمهم فِي الْآفَاق مَشْهُورَة، ووقايعهم بالْكفْر مَذْكُورَة، وموالاتهم، لأملاك [الْجِهَاد] ، بِهَذِهِ الْبِلَاد، فِي صحف

ص: 97

الْبر مسطورة، وأبوابهم بالوسايل مَقْصُودَة، وألويتهم فِي نصر الدّين معقودة، تغمد الله من سلف من مُلُوك هَاتين الدولتين بِرِضَاهُ وَرَحمته، وَشَمل من ولى وَخلف بمزيد فَضله وَنعمته. وَأَنه لما قدم على هَذِه الْبِلَاد النصرية الْآن، وَقد ازدهت بالإيالة اليوسفية أقطارها، وأضاءت بِنور الْعدْل ديارها، وَصفا بهَا مورد الْيمن وضفى ستر الأوان، وأشرقت الأَرْض بِنور الرَّحْمَن، واعتدل بِعدْل سلالة الْأَنْصَار، وَأَبْنَاء صحابة النَّبِي الْمُخْتَار فِيهَا وزن الرِّهَان، تَلقاهُ روح حَيَاتهَا وَبدر إمامها، وَمعنى مَعَانِيهَا، وَولى الْمُسلمين فِيهَا، مَوْلَانَا وعصمة ديننَا ودنيانا، السُّلْطَان الْجَلِيل، الظَّاهِر الطَّاهِر، الْعَادِل الْمُجَاهِد [الْفَاضِل] ، ثمال الْأمة، [وسلالة كرام الأيمة] ، الدَّاعِي للوسايل والأذمة، أَمِير الْمُسلمين أَبُو الْحجَّاج، أيده الله، تَلقاهُ بالرحب والسهل، وخلطه بالعشير والأهل، فمهد لَهُ الْكَرَامَة قبل الوساد، وتكلفت لَهُ الْغَايَة، بتقليل النظراء وتكثير الحساد، وَخبر عَنهُ [بِحَضْرَتِهِ] ، أفضل مَا خبر من منتقل من مشابه من الْعقل وَالدّين وَالْعَمَل، على شاكلة أَبنَاء السلاطين، وَأَنه ذهب إِلَى تحصين دينه بالإحصان، وَجمع شَمله بكفو من أَهله، فِي هَذِه الأوطان، وَاخْتَارَ فِي بيُوت الْمجد بَيْتا يُوَافق أصالته الراسخة الْبُنيان، فأداه اخْتِيَاره الَّذِي شهد توقله بالسداد والرجحان، إِلَى الْبَيْت الرفيع، المستولى فِي ميدان جلالة الشَّأْن على الأمد، مقاسمه فِي بحبوحة الْحسب، وملاقيه فِي ذرْوَة النّسَب، حَيْثُ الْعِزّ مَرْفُوعَة قباقبه، وَالْفَخْر مَوْصُولَة أَسبَابه، وَالْجهَاد دامية عضابه، جليس الضراغم الضارية، وميدان الْجِيَاد المتسابقة إِلَى الْفضل المتبارية. ذَلِك بَيت الشَّيْخ [الْأَجَل الْأَعَز الأرفع الْأَسْنَى] الكذا، أبي سرحان مَسْعُود ابْن الشَّيْخ الْجَلِيل الْأَغَر الأرفع الْمُعظم الْأَسْنَى،

ص: 98

ظهير الدولة الإسماعيلية، ذِي السَّابِقَة لدعوتها والأولية، والاختصاص بتشييد أَرْكَانهَا والمزية، أَسد الحروب، إِذا اضطرمت نارها وفار تيارها، وَبدر دجاها إِذا احْتَجَبت بالنقع أقمارها، الْكَرِيم المآثر فِي الدفاع عَن الدّين، حسام كَبِير السلاطين، أَسد العرين، شيخ الْمُجَاهدين، من مَشَايِخ بني مرين، [الْمُقَدّس، الأرضي، الْمُعظم] ، أبي سعيد عُثْمَان ابْن الشَّيْخ [الْجَلِيل الْكَبِير، الشهير الخطير، الْمُعظم الأوحد، الْأَظْهر الأطهر، الأمجد، الْمُعظم الْمُقَدّس الأرضي] ، أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن عبد الْحق، النّسَب الْمَعْرُوف، والمعدن الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ هَذِه السيوف، والعنصر الَّذِي تشمخ بِهِ هَذِه المعاطير الأنفة والأنوف. فحين ظهر بِهَذَا الْبَيْت، الَّذِي هيأ لَهُ التَّوْفِيق اتفاقه، وَمد عَلَيْهِ السعد رواقه، شَدِيد الظنين على ذخره، وثابر مِنْهُ على مُرَجّح فخره، وَعرض غَرَضه على الْمقَام الْكَرِيم اليوسفي، الَّذِي أَوَى إِلَى إيالته، واستظل بِظِل جلالته، ملتمسا بركَة إِشَارَته، وراجيا أثر استخارته، فَاسْتَرْجع، أيد الله نظره، وَاسْتحْسن مأخذه فِي ذَلِك وشكره، وَرَأى أَنَّهَا وشايج على مُظَاهرَة مقَامه تلتحم، وعقود مجد فِي لبة دولته الرفيعة، تنتظم، وَقُلُوب على محبته تأتلف، وألسن بِحقِّهِ الْوَاجِب تعترف، وشآجيب مجد بِبَابِهِ إِن شَاءَ الله تقف، كافأ الله مقَامه ببلوغ الأمل، وإنجاح الْعَمَل، حَتَّى يودي حَقه من صنايعه، هَؤُلَاءِ الحفدة والبنون، وتجنى من غرس الْخَيْر [فِي أَهله، وَوَضعه فِي مَحَله] مَا تقر الْعُيُون.

فَخَطب للشَّيْخ [الْأَجَل الْأَغَر الأرفع، الْمَاجِد الْمُعظم] ، أبي الْحسن عَليّ ابْن الشَّيْخ الكذا ابي سرحان مَسْعُود ابْن أبي سعيد الْمَذْكُور قبل، أُخْته الْحرَّة الماجدة الفاضلة، مسعودة، وصل الله سعدها، وحرس مجدها، خطْبَة قابلها

ص: 99

السعيد بِوَجْهِهِ الْمشرق الأسرة [وضاحكة الْيمن] بالثغور المفترة، وانعقد بَينهمَا فِي الخطوبة الْمُسَمَّاة الْأَمْلَاك السعيد [الَّذِي يسير بِهِ الأمل الْبعيد] ، على صدَاق، أوجبت السّنة تعْيين حَده، وتبيين كاليه ونقده، مبلغه بَين نقد عجلته يَد الْإِحْضَار، وكالي أجلته مَكَارِم الاختبار، مُشْتَمل على خدم وعروض من الأثواب الرفيعة، وحلى النضار، بِحَسب حسبها الرفيع الْمِقْدَار، وَذَلِكَ أَرْبَعَة من خلاخل الذَّهَب قيمتهَا أربعماية دنير من الذَّهَب الْعين، وتاج من الذَّهَب قِيمَته كَذَا إِلَى كَذَا، تزَوجهَا بِكَلِمَة الله الَّتِي علت الْكَلِمَات الْعليا، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُول الله، الَّذِي علم آدَاب الدّين وَالدُّنْيَا، وَبِمَا أَخذه الله لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ من الدرجَة الرفيعة المقررة بِلِسَان الشَّرِيعَة، حَسْبَمَا بَينه الله سُبْحَانَهُ وَحده، من الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بعده. فليتجاريا فِي ميدان المكارمة تجاري [الْجِيَاد] ، الْعتاق، ويعملا على شاكلة مَا لَهما من طَهَارَة الأحساب، وكرم الأعراق. عقد عَلَيْهَا هَذَا الْأَمْلَاك السعيد، فلَان، وَهِي بكر عذراء، صَحِيحَة الْجِسْم وَالْعقل، مَحْمُولَة من الْحِلْية على أوضح السَّبِيل، وَبعد تقدم الاستيمار، وَتَحْصِيل مَا يجب فِي هَذِه الْحَال شرعا، على الأختيار، شهد عَلَيْهِمَا بِمَا فِيهِ عَنْهُمَا من أشهداه، وهما بِحَال كَمَال الْإِشْهَاد. وَالله عز وجل، يَجْعَل هَذَا العقد أَيمن عقد، يسر السعد أَسبَابه، وَفتح الْيمن أبوابه، وسحب التَّوْفِيق أثوابه، ورسم النجح كِتَابه. وَيبقى هَذَا الْمقَام اليوسفي ظلا لمن قصد جنابه [وثمالا لمن أمل ثَوَابه] ، وَلَا أعدمه مَوَدَّة صَادِقَة، ومدحة رائقة، ودعوة مجابة بمنه. وَكتب فِي كَذَا

ص: 100

وَمِمَّا صدر عني أَيْضا صدَاق مُنْعَقد على بنت سيد الشرفاء، الجلة وَعلم أَعْلَام هَذِه أَعْلَام هَذِه الْملَّة، أبي عبد الله بن عمرَان، لولد الشَّيْخ الْفَقِيه الْخَطِيب الْكَبِير الشهير، أبي عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق، أعزهما الله بعد أَن صدر الْأَمر من سُلْطَان الْمغرب، أَمِير الْمُسلمين أبي سَالم، أَن يكون الصَدَاق الْمَذْكُور من إملائي على كتاب بَابه، فأمليت فِي الْيَوْم الَّذِي صدر لي الْأَمر الْعلي بذلك، مَا نَصه بعد سطر الِافْتِتَاح:

الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة، وَالنعْمَة السابغة، وَالْملك الْكَبِير، وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر [والإنشاء] ، وَالْفضل، يؤتيه من يَشَاء. وَهُوَ الْحَيّ الْحَلِيم المريد الْقَدِير، الْوَاحِد الْأَحَد، الَّذِي لَا يحول بَقَاؤُهُ، وَإِن حَال الزَّمَان، وَطَالَ الأمد الْفَرد، الَّذِي اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْعدَد، والصاحبة وَالْولد، فَلَا يُدْرِكهُ فِي ذَاته، بِتَعَدُّد صِفَاته، التكثير، الْملك الْحق الَّذِي غنى بعز جبروته، فِي عَظِيم ملكوته، عَن الأعوان والظهراء، والصاحبة والوزراء، والأمثال والنظراء، فَلَا ينجده الْمعِين، وَلَا يرشده النصيح، وَلَا يُشَارِكهُ الْوَزير الْحَكِيم، الَّذِي فتق رتق الأكوان، على اخْتِلَاف الصُّور والألوان، وَقد تعاقب الملوان، وَأعْطى كل شَيْء خلقه، من الجماد والنبات وَالْحَيَوَان. فأذعن لَهُ الإبداع، وانقاد لَهُ الاختراع، وأطاعه التَّصْوِير. أضلّ وَهدى، وَتفرد بالوحدانية، فَلم يتَّخذ

ص: 101

صَاحِبَة وَلَا ولدا، وأحصى مدارج الحركات، ومدارك اللحظات، فيعينه مَا [يظنّ وَظهر] وَرَاح وَغدا، وَحصر شوارد الأنفاس، وأشخاص الْأَجْنَاس، فأحاط بِكُل شَيْء علما، وأحصى كل شَيْء عددا. أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير. تجلى الْأَبْصَار البصاير نور جَلَاله، فاض على السَّمَوَات وَالْأَرْض، عميم جوده، وكريم نواله، وامتن على الْوُجُود بمنحه قبل استمناحه وسؤاله، فَهُوَ الْغَنِيّ الْمَحْض، وَمن سواهُ فَهُوَ، الْفَقِير. وَالْحَمْد لله الَّذِي فضل نوع الْإِنْسَان، وَخَصه بمزيد الإنعام وَالْإِحْسَان، وحباه بِفضل الْعقل، وَفضل اللِّسَان، فأمكنه الإفصاح عَن مقاصده الحسان وَالتَّعْبِير، وابتداه بجزيل نعماية، وَاعْتَمدهُ بعميم آلايه، وصوره من الطين اللازب بيد إنشايه، وَنفخ فِيهِ من روحه، وأسجد لَهُ الملايكة سمايه، وَاخْتَارَ مِنْهُ صفرَة أوليايه، ونخبة أنبيايه، وَجعله محلا لقبوله، وَأهلا لاصطفايه،، وَأعد لأَجله دَاري جزايه. وحسبك فخارا يُشِير إِلَيْهِ المشير. وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع بنية السَّمَاء والقبة الشماء، مَا اتخذ لَهَا عمادا، وَجعل الأَرْض فراشا لَهَا ومهادا، وَالْجِبَال الراسية أوتادا، وَأَنْشَأَ الْبشر، لما دَرأ وَنشر، من نفس وَاحِدَة، بَث مِنْهَا أعدادا، وَضرب لَهُم من بعد الْحَيَاة ميعادا، فَمِنْهُ النشأة، وَإِلَيْهِ الْمصير. وتبارك الله رب الْعَالمين، الَّذِي نطق الْحَيّ والجماد من تَعْظِيمه بِلِسَان، واعترف الْخلق أَنه الْحق، وكل من عَلَيْهَا فان. وَثَبت ببديهة الْحق وجوده، من غير اعْتِبَار مَكَان، وَلَا بسبوق زمَان، وَأَلْقَتْ الموجودات إِلَى حكم قدرته يَد الإذعان، فَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، مَا بَين سر وإعلان. ونعوذ بِاللَّه، من سخطه ونستجير، وَسُبْحَان من

ص: 102

أنشأ النُّفُوس البشرية وسواها، وأدار على من اصْطفى مِنْهَا، وَاخْتَارَ كؤوس مَعْرفَته حَتَّى رَوَاهَا، وأرشدها بِنور الإلهام فِي ظلمات الْأَرْحَام، إِلَى الْوُقُوف بربوع توحيده والإلمام، وَقد مَال بهَا عَن الجادة هَواهَا، وَعظم الْأَرْحَام إِلَى جعل تقواه مقترنة بتقواها، فوضح حَقّهَا الأكيد، وَظهر قدرهَا الْكَبِير.

ونحمده، وَله الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة، ونثني عَلَيْهِ بِمَا على نَفسه، اثنى من صِفَاته الْعلي، وأسمايه الْحسنى [ونشكره على] ونعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، ونعترف لملكه الْحق، بعجز الْعُقُول الذاهلة، والنفوس الْقَاهِرَة، فَكلما بهرت الْأَلْبَاب منته الوافرة، وآلاؤه المتوافرة، فشأننا الْعَجز، وصفتنا التَّقْصِير. ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا آله إِلَّا هُوَ، ثَبت فِي بالبديهة وجوده فَلَا يسع جَهله، لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، بِيَدِهِ الْخلق، وَالْأَمر، وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله، عين المقاسم والمواهب جوده وفضله، وأجرى الأقدار على حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ وَاخْتَارَهُ حكمه وعدله. يحط وَيرْفَع، وَيُعْطِي وَيمْنَع، لَا يسل عَمَّا يفعل، وَلَا يعْتَرض، فِيمَا يصنع، بِمَا اقتضته الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالتَّدْبِير، شَهَادَة تتأرج نفحات الْإِخْلَاص من أزهارها، وتتخلق [أكوان الأردان] ، من شذا معطارها، وتسفر غرر التَّوْحِيد من مطالع أسرارها، وتضيء أرجاء الْوُجُود أشعة نجومها وأقمارها، وتستفاد كنوز الْيَقِين من مكامن أسرارها، ونجدها عتادا إِذا زخرفت الْجنان وسعرت السعير. ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي شرح صَدره، وَرفع ذكره، وَرَسُوله الَّذِي

ص: 103

بلغ نَهْيه وَأمره، ونجيه الَّذِي أدنى مَحَله، وأسنى قدره، ونوره الَّذِي أَمن من المحاق بدره، ومختاره الْأمين، المكين، البشير النذير، أكْرم ولد آدم عَلَيْهِ، وأرفعهم منزلَة لَدَيْهِ، ومصطفاه الَّذِي جعل الْفضل طوع يَدَيْهِ، ومجتباه الَّذِي مدحه فِي الْقُرْآن الْحَكِيم، بالخلق الْعَظِيم، وَأثْنى عَلَيْهِ، وَنبيه الَّذِي لَهُ شرف الْأَقْصَى، وَالْفضل الشهير، نُكْتَة الْعَالم، وفايدة الأكوان، والمتقدم بِفضل [السَّابِقَة] وَإِن تَأَخّر بِالزَّمَانِ، وَحجَّة الله المؤيدة بالبرهان، وَخَاتم النبين وناسخ الْأَدْيَان، المحرز من شَأْن الْكَمَال وَكَمَال الشَّأْن، مَالا يحصره الْعد، وَلَا يَأْخُذهُ التَّقْدِير. أرْسلهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ لجَمِيع الْخلق، بشيرا بِلِسَان الصدْق، بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ لإنس الْكَوْن وجنه، وسراجا منيرا، وَنَصره بِالْحَرْبِ، والمجال الصعب، بجيوش الرعب، يسير بَين يَدَيْهِ شهورا، وأذهب عَن أهل بَيته الرجس وطهرهم تَطْهِيرا، وَاخْتَارَ لَهُ من دوحة الْفَخر قبيلا، وَمن عنصر الْمجد عشيرا، فَنعم الْقَبِيل، وَنعم العشير، وأضفى عَلَيْهِ ملابس التكريم، وَوَصفه بالرؤف الرَّحِيم. وافترض على الْمُؤمنِينَ فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم، وَجعله فذلكة الْحساب، وَبَيت القصيد ويتيمة العقد النظيم، دَرَجَة ييس مِنْهَا المثيل، وَعجز عَنْهَا النظير، وأفرده بالفخر الأجلى، وَالْقدر الْأَعْلَى، والكمال الْأَقْصَى، [وَنَصّ عَلَيْهِ] فِي صحف أنبيائه نصا، وأولاه من مواهب عنايته، ولطايف ولَايَته، مَالا يعد وَلَا يُحْصى، وَأسرى بِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى، [ووثر لَهُ] ، ظهر الْبراق، لاختراق السَّبع

ص: 104

الطباق، فَمَا استصعب وَلَا استعصا، فَعرف فَضله الْمَلأ الْأَعْلَى، والفلك الْأَثِير، ابتعثه الله، والجاهلية الجهلا تصول، والعدوان تشام مِنْهُ النصول، وحرمات الله، تجتث مِنْهَا الْفُرُوع وَالْأُصُول، وَالْمَعْرُوف يقطع بِسَبَبِهِ الْمَوْصُول، والسعادة لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهَا الْحُصُول، وَدِمَاء الضُّعَفَاء تطل، وأيدي الأقويا تطول، فقر الرجفان، وارتفع الْعدوان، وَسَهل العسير، وانتصف الْغَرِيم، ووضح النهج الْكَرِيم، وَثَبت التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم، وطلع الصُّبْح وانصرم الصريم، وَاسْتقر الْحق فَلَا يبرح وَلَا يريم، وَأخذ الْأَحْكَام عَن الله، التَّمْهِيد والتقرير. فَكَانَ مِمَّا سنه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، النِّكَاح، الَّذِي ندب إِلَيْهِ ندبا كَاد يلْحق بِالْإِيجَابِ، وخطب إِلَيْهِ تهمما بِهَذَا الْبَاب، فَكَانَت سنة وَافَقت هواً، وقصداً جمع بَين الضرورية البشرية، وَالثَّوَاب وذريعة إِلَى صون الْأَنْسَاب وَحفظ الأحساب، وننزيها للدّين من شوايب الإرتياب، وغرضا كَرِيمًا يكل فِي ميدانه وتعظيم شَأْنه، الْبَيَان وَالتَّعْبِير، وَلم يزل صلوَات الله عَلَيْهِ، يحض عَلَيْهِ بإفصاحه وتبيينه، وَقَوله من تزوج فقد كمل نصف دينه، ويجلي وَجه النصح يروق نور جَبينه، ويحض ذَات الدّين والشرف بتعيينه، ليرجح الْأُمَم فِي الْمعَاد، وَيقوم قيام الْإِشْهَاد الْعدَد الْكثير، صلى الله عليه وسلم، وَشرف وكرم وَقدس وَعظم، وَبَارك ورحم، مَا أظلم اللَّيْل البهيم، وأشرق الصُّبْح الْمُنِير، ورضى عَن آله وصحابته وعترته وقرابته، نُجُوم الْهدى المشرقة، وبحور الندى المغرقة، والعصابة المومنة بِالْغَيْبِ المصدقة، والأسرة الملتفة فِي الرعب المحدقة، الَّتِي كَانَت تهدي بهديه،

ص: 105

فِيمَا يُشِير، وتسري بأنوار مراشده وتسير، ونستوهب من الله لهَذَا الْمقَام الْعلي المولوي [الإمامي السعيد السّني] ، الإبراهيمي المستعينى، سَعْدا يتكفل بعز السُّلْطَان، وتمهيد الأوطان، ونصرا يعلي أَعْلَام الْإِيمَان، وَيرْفَع رواق الْيمن وَالْإِيمَان [وصنعا يخلد آيَات الْفَخر فِي صفحات الْأَزْمَان] ، وعدلا يكف أكف الْبَغي والعدوان، وتوفيقا يَقُود إِلَى الْقبُول من الله والرضوان، ويمنا تلوذ بِهِ الآمال، فيحالفها البشير. فَهُوَ الَّذِي جدد الرَّسْم بعد مَا درس، وحاط الْأمة بِسيف الله وحرس، وجنى من ثَمَرَات الْملك الْأَصِيل، مَا ازدرع سلفه الأرضي بالعزم الأمضى واغترس، فغفر الله لَيْث الْبَغي لما افترس، واستخلص أَمر الله من يَد غاضبه فَهُوَ الأحق بِهِ والجدير. فأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا، وأفاقت النُّفُوس من كربها، ودارت أفلاك الْأَمر الْعَزِيز على قطبها، وَأَلْقَتْ الْفِتْنَة أوزار حربها، وابتهج الْمِنْبَر والسرير، وَلَا زَالَ جَامع شَمل الدّين بعد شتاته، وواصل سَبَب الْحق بعد انبتاته، وحافظ كلمة الله، وَالله لَا مبدل لكلماته. ومخيف الزَّمَان العادي بعزماته وطارد شدايده وأزماته، يطلع بَدْرًا فِي ظلماته، ويسطع فجرا فِي مدلهماته، حَتَّى يَأْمَن بِهِ الخايف، وَيجْبر الكسير، ودام مستعينا بِاللَّه فِي جَمِيع أَحْوَاله، مستزيدا بِذكرِهِ من نواله، متوكلا عَلَيْهِ فِي حركاته وسكنانه، وأقواله وأعماله، فَالله نعم الْمولى وَنعم النصير.

أما بعد هَذِه الْفَاتِحَة الَّتِي تجلت وُجُوه المسرات المستمرات، خلال اختتامها وافتتاحها، وتأرجت أزهار تحميد الله وتمجيده، من بَين أدواحها، ووضحت فِي ليل الحبر تباشير صباحها، والمقدمة الَّتِي تكفلت للأعمال بنجح

ص: 106

آمالها، وللآمال بفوز قداحها، فَإِن السَّعَادَة فِي الأقتداء بسنن خَاتم الْأَنْبِيَاء حَاصِلَة، وآيات الْكتاب الْعَزِيز، بَين الْحق وَالْبَاطِل فاصلة، وصنعة الله وَإِن أَبَت المناصل غير ناصلة، فَمن وفْق للسعادة الْمُعَادَة، اقْتدى وَاتبع، وثوى بِربع الْهدى وَربع. وَالشَّرْع قد قرر الْآدَاب ورتبها، ورفض الْفَوَاحِش واجتنبها، وانتقى المراشد وانتخبها، وَله الحكم على الْعقل، بسيوف النَّقْل، الرايقة الصقل مهما حسن أَو قبح، وَإِن وازن الْعقل وَرجح، ونأى بصنعة الْقيَاس وتبحح. وَالنِّكَاح من الْأَغْرَاض الَّتِي حسنها الشَّرْع وزينها، وأوضح تضافر الْمصَالح الشَّرْعِيَّة والطبيعية فِيهِ وَبَينهَا [ونفق الْفضل وَحرم العضل] وأرشد من الْحيرَة، وأرغم بالحلال أنف الْغيرَة، فتعاضدت الْأَنْسَاب والأصهار، وَأمكن بالتآلف والاستظهار، وَبَان الْحق ووضح النَّهَار، سنة الله الَّتِي قر بهَا الْقَرار، وعمرت الْمنَازل والديار، وتنافس فِيهَا الأخيار، وامتدت إِلَيْهَا الْأَيْدِي والأبصار، وحكمته الَّتِي لطفت مِنْهَا الْأَسْرَار، وَوَجَب فِيهَا الِاعْتِبَار. وَكَانَ أولى بالمثابرة على هَذِه المراشد، وتتميم مَا قرر من الْأَغْرَاض الشَّرْعِيَّة والمقاصد، والمسارعة إِلَى هَذِه المشارع الروية والموارد، والمبادرة إِلَى اقتناء هَذِه المحامد، أولو الْعلم الَّذين يَتَّقُونَ الله حق تُقَاته، ويحرصون على التمَاس مرضاته، فهم أقطاب سنته ومفترضاته، وورثة أنبيائه ودعاته، وأشرف الْملَّة الَّذين يُحَافِظُونَ على الْمُنَاسب الرفيعة، وياخذون وَيدعونَ بقسطاس الشَّرِيعَة. فهنالك تزدان حلل الْعلم والشرف بحلى الْعَمَل، وتطلع شمس الْآدَاب الدِّينِيَّة، أبهى من الشَّمْس فِي الْحمل، وتستبشر النُّفُوس النفيسة، من إِحْرَاز مزايا الدّين وَالدُّنْيَا ببلوغ الأمل. وَإِن هَذَا

ص: 107

الْمغرب الْأَقْصَى الَّذِي عدمت فِيهِ، وَالْحَمْد لله، الْفرق والأهواء، وسطعت من [فضايل أَهله] الأضواء، ولاح من حسن اقتدايهم بِإِمَام دَار الْهِجْرَة، رضى الله عَنهُ، السَّبِيل السوَاء، تشرف قَدِيما، ببضعة من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَجعلهَا بَين سحره ونحره، وتبعة من إِحْدَى ريحانتي الْجنَّة، اتخذها إكليلا لمفرق فخره، فَاسْتَوَى على الأمد القصي، وَأصْبح كرسيا لأهل الْوَصِيّ، وَاسِعًا آل عَبَّاس بدايل، ذِي بَأْس ونايل، لَوْلَا أَنه اغتبط لتوقد ذرْوَة الشوق وفرعها، وَعجل الكرة وأبدعها، واستخلص الْجنَّة الَّتِي بذرها جده وزرعها، فصرف لفاس، عمرها الله بِالْإِسْلَامِ حلته، وأورث مِنْهَا بالبقعة الزكية سراته وجلته، فتبوؤا مِنْهَا بالدور

المعشب الرَّوْض، الأرج النُّور [قرارة السعد] ومثوى عشير سبط وبأس جعد، ودست وَعِيد ووعد، وفْق برق ورعد، يتناقلون رتب الشّرف الصَّرِيح، كَابِرًا عَن كَابر، ويروي مسلسل بَيتهمْ الرفيع الْعمد، كل حَرِيص على عوالي الْمَعَالِي مثابر. فالكف عَن صلَة، وَالْأُذن عَن حسن، وَالْعين عَن قُرَّة، وَالْقلب عَن جَابر، حَيْثُ الأنوف الشم، وَالْوُجُوه الغر، والعزة القعساء وَالنّسب الْحر، والفواطم فِي صدف الصون من لدن الْكَوْن، كأنهن الدّرّ. قَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] ، وَنعم الْآل، والموارد الصادقة إِذا كذب الْآل، وَمن إِذا لم يصل عَلَيْهِم فِي الصَّلَاة، حبطت مِنْهَا الْأَعْمَال، طيبَة الركب، ونشيدة الطَّالِب، وسراة لؤَي بن غَالب، وملتقى نور الله، مَا بَين فَاطِمَة الزهراء وَعلي بن أبي طَالب، والأدارسة الَّذين سيف جدهم بالمأذنة الْعُظْمَى، والمرقب

ص: 108

الأسمى، منتضى مَشْهُور، قد سالمته أفلاك ودهور، وتجافت عَنهُ أَعْوَام وشهور. فَلهُ إِذا حذفت المعالم، وطمست للفخر المواسم، ظُهُور. وَلم تزل الْمُلُوك الْكِرَام تستدعيهم إِلَى صُدُور الْمجَالِس، وتزين عُقُود المحافل بدررهم النفايس، وتشركهم فِي المآكل والمشارب والملابس، وَتجْعَل توفيرهم إِلَى استخلاص ضماير الْمُسلمين ذَرِيعَة، وتقديمهم دينا، وتجلتهم شَرِيعَة، وتبرزهم فِي المحول، إِذا شكا النَّاس نازلهم وَجَهْدهمْ، وتستسقي بهم غيث السما، كَمَا استسقى عمر رضي الله عنه بجهدهم، إِلَى أَن تَلا الدَّهْر سُورَة آل عمرَان، فياشد مَا أعجز، ووعد أَن يحيي بآيتها الْبَيِّنَة الشّرف، وآثار من [مضى من] ، وَالسَّلَف، فوفى وأنجز، فتوفرت رغبات الْأَعْلَام على التَّعَلُّق بعروتهم الوثقى، وسمت مِنْهُم الهمم إِلَى الْمحل، الأرقى، وتبادر الْفُضَلَاء والأعوان، ركضا، إِلَى المنافسة فِي قربهم وسبقا، ابْتِغَاء لما عِنْد الله، فَمَا عِنْد الله خير وَأبقى، واغتباطا بذرية رَسُوله، الَّذِي من ظفر بقربها أحرز الْفَخر حَقًا. أبقى الله أعلامهم سامية، وبركاتهم هامية، وآمال الْعلمَاء، وَرَثَة جدهم، إِلَى غَايَة مجدهم مترامية. وَإِن السَّيِّد الْفَقِيه الْجَلِيل، الْكَبِير الشهير الخطير، رييس الفئة العلمية العديدة الوافرة، وَصدر كتبتها الغانمة الظافرة، وجواد هَذِه الحلبة الْكَرِيمَة، وَفَارق هَذِه الديمة، تَاج المفرق، وفخر الْمغرب على الْمشرق، على الْحلَّة السيرا، وبركة الدولة الغرا، ممهد الأقاليم برماح الأقلام، وآسى الكلوم الرعيبة برقى الْكَلَام، وَعلم الْأَعْلَام، والمؤتمن على أسرار مُلُوك الْإِسْلَام، الَّذِي أَصبَحت مَدِينَة الْملك بيمن نقيبته، وَفضل

ص: 109

ضريبته، مَدِينَة السَّلَام، وانجلت بِنور تَدْبيره غياهب الظلام، وهيأته لسعادة الْخلق، وإبانة طرق الْحق، عناية الْملك العلام الْعَالم الْعلَا، الأوحد، الطَّاهِر الظَّاهِر، الأسعد، الإِمَام اذي يقدمهُ الْمُلُوك والأمراء، ونسيج وَحده، الَّذِي عدمت لَهُ النظراء [وتقاصرت عَن مدى شاوه النظراء] مُسْند حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، غضا أعمل فِيهِ ركضا، وَقطع جوا فجوا، وأرضا فأرضا، يرى نَقله من معدنه فرضا، حَتَّى لفظ من أدواح الْمشَاهد النَّبَوِيَّة أزهاره، وأنفد ليله فِي اقتناء الفضايل والجلائل ونهاره، وأسمع بِلَفْظِهِ من فَوق المراقي السامية، مشايخه وكباره، وقفل عَن حج بَيت الله وزيارة الرَّسُول، الَّذِي اخْتَارَهُ، قفول النسيم عَن الرَّوْض بعد مَا زَارَهُ وأودعه أسراره، توجب مُلُوك الْإِسْلَام إيثاره، وتجلو عَن منصات منابرها أفكاره. صدر الصُّدُور، وَبدر البدور، وَعلم المرقب الْمَشْهُور، ومؤمل الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور، الْفَاضِل الْكَامِل، والحافظ المحافظ، الْعَالم الْعلم، المتقن المُصَنّف، أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا ولي الله، الَّذِي ظَهرت بركاته وتقيدت بِالْكتاب وَالسّنة [سكناته وحركاته] ، الْمَعْمُور الزَّمن بالأحباب والإنابة، الْمَخْصُوص الدعْوَة بالإجابة، الَّذِي وَاصل فِي مجاورة حرم الله شتاء وصيفا، وأخذته بِهِ أكف الاختبار، فَلم يَك عِنْد الِاعْتِبَار زيفا، حَتَّى أم بِالْمَسْجِدِ الْكَرِيم، وَإِن كَانَ ضيفا، وَتقدم مُصَلَّاهُ اختبارا لم يجر حيفا. وحسبك بهَا فَضِيلَة سلت عَلَيْهَا عناية الله سَيْفا، وَاخْتَارَ بذلك البقيع الْكَرِيم لحده، مُنْقَطِعًا إِلَى الله وَحده، فَأَصْبَحت تربته مزورة مَقْصُودَة، وكرامته مَشْهُورَة مَشْهُودَة، وفضايله لَيست خافية وَلَا محجوبة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْجَلِيل الطَّاهِر

ص: 110

الظَّاهِر، القانت العابد، الزَّاهِد المتصوف، الصَّالح الْمُعظم، الْمُقَدّس، المرحوم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن ولي الله، الرفيع الدرجَة لَدَيْهِ والرتبة، الْكَرِيم اللَّحْد، الزكي التربة. الَّذِي تذممت بجاه جواره مُلُوك وَطنه، واستنارت بملحده بَين أحداثها ومدفنه، ابْتِغَاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ، والقربة الشَّيْخ الكذا، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق، سلالة أَوْلِيَاء الله، الَّذين شهرت أَحْوَالهم، وَقصرت على مواهب السَّعَادَة آمالهم، وأشرقت بإدامة ذكر الله خلالهم، جيران تَاج العارفين، ومشايخ القايمين بمقام تربته والعاكفين، وعماد الْعباد المتسمين بِولَايَة الله المتصفين، أبقاه الله للْعلم وَالْعَمَل، وبلوغ الأمل، وتدبير الدولة الَّتِي لَهَا الْفَخر على الدول، وَحجَّة فضل العصور الْمُتَأَخِّرَة عَن العصور الأول، لما كَانَ لَهُ فِي مضمار الْفضل [الْمشرق الْأَنْوَار] ، بالتقديم والتبريز والكمال الَّذِي خلص مِنْهُ الإبريز، وَنَشَأ فِي حجره، فرع مجده، ونير سعده سلالة الْكَرَامَة وَالْولَايَة، والمؤمل لوراثة فَضله وَعلمه، بعد بُلُوغ عمر النِّهَايَة، وهلال سمايه الَّذِي حكمت لَهُ بالإبدار، والعصمة من السرَار، مخايل الْبِدَايَة، وتوهم إمتطاؤه كتد الْمِنْبَر، وَهُوَ فِي كتد الر اية،، الْفَقِيه الكذا، أَبُو الْقَاسِم، بلغه الله فِيهِ [غَايَة الآمال] وَحفظ عين، كَمَاله من عين الْكَمَال، فَهُوَ عين الْكَمَال، نظر لَهُ النّظر الَّذِي يتكفل بِحسن العواقب، وَيجمع شتات المناقب، ورشحه إِلَى أَعلَى المراقى والمراقب، وَولي فِيهِ وَجه

ص: 111

اجْتِهَاد الملاحظ المراقب، شطر النَّجْم، المصاقب للنجم المثاقب، [وأمد لَهُ] الْوَسِيلَة إِلَى الحاشر العاقب، وَذهب إِلَى أَن يصون شبابه بإحصانه فِي ريعانه، ويلبسه ثوب العفاف، يسحب فِي ميدانه ذيل أردانه، فجالت مِنْهُ فِي هَذَا الْغَرَض الَّذِي يسمح فِي اقتناء جوهره بِالْعرضِ، الخواطر المقدسة والأفكار، وقرع باستخارته بَاب من يخلق مَا يَشَاء ويختار، حَسْبَمَا كَانَ يَفْعَله فِي أُمُوره المهمة، النَّبِي الْمُخْتَار، فانبعث لخطاب، واعتبرت الْأَعْيَان فِي الْمَدِينَة الَّتِي عظم مِنْهَا الشان، وأقرت بفضلها الْبلدَانِ، واستحضرت الأقطاب، وتنخل الطاب، فَوقف أمله على هَذَا الْبَيْت، الَّذِي عقد عَلَيْهِ الْخِنْصر، وَالْفَخْر، الَّذِي سَمعه السَّامع، وأبصره المبصر، وَاخْتَارَ وَهُوَ السديدة أفكاره، وعنوان عقل الْفَتى اخْتِيَاره، الْبَيْت الَّذِي لَا يعدل الأختيار عَن جنابه [شرفا وتجلة] ، وإعظاما أَصبَحت رسومه مُسْتَقلَّة، خير بَيت طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وتفرعت من قَوَاعِده الْقَوَاعِد الْخمس، وَشهد بفخره الْيَوْم والأمس، وصمتت لهيبته الشفاه، فشأنها الْإِشَارَة والهمس. بَيت الشّرف الَّذِي تعرفه الْخيام وَالْحلَل، [لَا بل النجد] ، والملل، ومعدن الْفَخر الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل، وَيعْمل فِي تعزيزه وتوقيره أَمر الله الممتثل. وَرمى إِلَى ذَلِك الْجَبَل المنيف بهمته، وأغرا أمله باختطاطه بِنَاء هَذَا الْبناء السعيد فِي ذروته وقمته، ومت إِلَيْهِ بوسايله الَّتِي لَا ترد وأذمته، فَخَطب مِنْهُم السَّيِّد الشريف [الطَّاهِر الظَّاهِر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد

ص: 112

الأعدل الْأَفْضَل الْأَكْمَل] ، الْمُعظم، لباب لبابهم، وعنوان كِتَابهمْ، وواصل أسبابهم، وبركة شيبهم وشبابهم، ذِي الْقدر المنيف، والحسب الْغَنِيّ عَن التَّعْرِيف، الَّذِي تذكر بالغرر الفاطمية عزته، وَيدل على نفاسة ذَلِك العقد الثمين درته، جليس الْخلَافَة وأثيرها، وعميد الْعِصَابَة العلوية وكبيرها، أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن علم الْأَعْلَام، وكبير الشرفاء الْكِرَام، وَالْمُعْتَمد بالإجلال والإعظام، المتميز بقدم الرسوخ، ورسوخ الْأَقْدَام، والمتمسك من مثوى جده، بمحط الرحل وَمحل الالمام، الْمَخْصُوص بميزات الْمُلُوك الْعِظَام، الْمُعْتَمد مِنْهُم بالإحظاء وَالْإِكْرَام، المتبرك بِهِ وبولده، من أهل بَلَده عِنْد اللِّقَاء وَالسَّلَام [الشريف الْكَبِير الْجَلِيل التقي الأواب الأسعد الأرضي الْمُقَدّس المرحوم] ، أبي عبد الله مُحَمَّد بن عمرَان ابْن عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عَليّ بن يحيى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حمود بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى الحوطي، الَّذِي جبر الْبَيْت، وَأَحْيَا الْحَيّ. وَخلف الْمَيِّت ابْن الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، أبقاه الله علم أَعْلَام، وركن استلام، وشهاب هدى يجلو كل الإظلام ووسيلة إِلَى الله فِي كشف ضرّ أَو استنزال غمام، على وَلَده الأسعد أبي الْقَاسِم، بنت أَخِيه السَّيِّد الشريف، [الْأَجَل الظَّاهِر الْأَسْنَى الأعدل الأزكى] قسيمه فِي نسبه، وَمَا تقرر من حميد مذْهبه، فرع الشَّجَرَة الشماء [والسرحة الهاشمية] الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء، الَّذِي توشح بِالطَّهَارَةِ والعفاف يافعا ووليدا، واحرز الْفَخر طريفا وتليدا [الصَّالح الْفَاضِل التقي الخاشع المتبرك بِهِ الْمُقَدّس المرحوم] أبي فلَان قدس الله تربته، وَرفع فِي الملاء الْأَعْلَى، مَعَ سلطة أولى الْفضل الَّذِي تتلى رتبته. وَهِي الشَّرِيفَة

ص: 113

السعيدة، الفاضلة الطاهرة، كَرِيمَة شرفه، وَبكر حجابه، ودرة صدفه، فَاطِمَة، جعلهَا الله خير خلف، من أمهاتها اللأى طَال مَا اهْتَدَى بِهن الرِّجَال، وَإِن كن نسا، وَنقل عَنْهُن إِلَى أبنايهن، وهم الْمُؤْمِنُونَ، حكم الله صباحا ومسا، خطْبَة كَانَ السعد قايد زمامها، واليمن مُقَرر أَحْكَامهَا، والرضى وَالْقَبُول ضامني تَمامهَا. فَتلقى الشريف الطَّاهِر، أَبُو عبد الله عَنْهَا بِالْقبُولِ وَالرِّضَا خطبَته، وأسعف رغبته، وَرَأى أَنه كَمَا قيل فِي أَوَّلهمْ، فَحل لَا يقْدَح أَنفه، وكفؤ يَقْتَضِي الْعدْل والعلمية أَن يمْنَع صرفه، وَعلم لَا يجهل اسْمه وَلَا يُنكر فعله، وَلَا يحذف حرفه. فَكَانَ الارتياح والنشاط، وَالرِّضَا والاغتباط، ثمَّ الِالْتِزَام والارتباط، وانعقد بَينهمَا [النِّكَاح فِي الخطوبة، الْمُسَمَّاة على بركَة الله الباهرة الْآيَات، وعَلى صدَاق مبلغه مَا بَين نقد معجل وكالي مُؤَجل كَذَا وَكَذَا، النَّقْد من ذَاك كَذَا وَكَذَا والكالى وَقدره كَذَا وَكَذَا، وسعت المكارمة أنظاره إِلَى كَذَا وَكَذَا من الْآن] ، تحمل وَالِد الزَّوْج، حرس الله أَسبَاب معاليه، وبلغه من سَعَادَة الزَّوْجَيْنِ مَا يرتضيه، جَمِيع مَا ذكر، من نقد الصَدَاق وكاليه، [تحمل حمل لَا مدْخل للحمالة كَحكم فِيهِ] وعَلى ذَلِك انْعَقَد النِّكَاح، وتمت مَعَانِيه، وبسببه اسْتَقَلت مبانيه، وَهِي متصفة بالأوصاف الَّتِي تبيح كَمَال الْإِشْهَاد وتسنيه. تزَوجهَا بِكَلِمَة الله، الَّتِي علت الْكَلِمَات وفاقتها، وبهرت الْأَبْصَار وراقتها، وَتَقَدَّمت الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَمَا حدتها الْمَوَانِع وَلَا عاقتها، وعَلى سنة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، رَسُوله، الَّتِي انتخبتها المراشد وانتقتها [ونظمت الميامن ونسقتها] ، وعَلى مَا أَخذه الله سُبْحَانَهُ، لِلزَّوْجَاتِ على أَزوَاجهنَّ، وللأزواج على الزَّوْجَات، من حسن الْعشْرَة،

ص: 114

وَإِيجَاب الدَّرَجَات وَكِلَاهُمَا غَنِي عَن الوصاة بالآداب الْكَرِيمَة والخلال المرتضاة، حَتَّى تتكفل المكارمة بقرة الْعُيُون، وانشراح الصُّدُور، وتسعد الشموس بالبدور، وتزين نُجُوم سلالة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، آفَاق الْمنَازل الْمُبَارَكَة والدور، وتنتظم فِي لبة الْمجد انتظام الشذور. شهد [على السَّيِّد الْفَقِيه الْخَطِيب وَالِد الزَّوْج، وَولده السَّيِّد الشريف الْمُعظم أبي عبد الله بن عمرَان بِمَا ذكر عَنْهُم فِي هَذَا الْكتاب، وَحضر إِشْهَاد الزَّوْج من أشهدوه بِهِ على أنفسهم وهم بِحَال صِحَة كَمَال الْإِشْهَاد وعَلى أتم الْأَحْوَال المسوغة لهَذَا المُرَاد كَذَا] ، وَالله عز وجل يَجْعَل هَذَا العقد، أسعد عقد، حضرت لمرعاه الجلة، وسرت بتأتي مثله الْملَّة، وأنارت [بسعادته] البدور والأهلة، وَثبتت من سنيه وأمانيه [وَكَونه مؤسسا على تقوى الله ورضوانه] ، الْعُقُود المستقلة، ويبقيهما فِي العيشة الرغد، واتصال السعد، وَتَحْت بركَة من لَهما، من الْأَب الصَّالح وَالْجد، ويضفى عَلَيْهِمَا من الْعِصْمَة، درعا حصينا، ويجعلهما من أهل السَّعَادَة، دنيا ودينا، ويسلك بهما من التَّوْفِيق، سَبِيلا مُبينًا. وَصَلَاة الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، [الَّذِي بوأنا من السَّعَادَة] مَكَانا مكينا، وأجلانا، وَجه الْفَوْز، يروق جبينا، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا.

ص: 115

وَلما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج رحمه الله، وَولي وَلَده رضى الله عَنهُ، الْأَمر من بعده، كَانَ مماصدر عني الْبيعَة المنعقدة عَلَيْهِ من أهل الحضرة الْعلية والإيالة الْكَرِيمَة النصرية نصا بعد الْفَاتِحَة.

الْحَمد لله الَّذِي جلّ شانا، وَعز سُلْطَانا، وَأقَام على ربوبيته الْوَاجِبَة فِي كل كل شَيْء خلقه برهانا، الْوَاجِب الْوُجُود ضَرُورَة، إِذْ كَانَ وجود مَا سواهُ إمكانا، الْحَيّ القيوم حَيَاة أبدية، منزهة عَن الِابْتِدَاء والانتهاء، فَلَا تعرف وقتا، وَلَا تستدعي زَمَانا، الْعَلِيم الَّذِي يعلم السِّرّ وأخفى، فَلَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، إِلَّا أحَاط بهَا علما، وأدركها عيَانًا، الْقَدِير الَّذِي أَلْقَت الموجودات كلهَا إِلَى عَظمته، يَد الخضوع إسلاما لَهُ وإذعانا، المريد الَّذِي بِيَدِهِ تصريف الأقدار، وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار، فَإِن منع، منع عدلا، وَإِن منح، منح إحسانا، شهد [تدول الْملك] ، بزمام ملكه، وَدلّ حُدُوث مَا سواهُ على قدمه، وأثنت أَلْسِنَة الْحَيّ والجماد على مواهبه وقسمه، وفاض على عوالم السما وَالْأَرْض، بَحر جوده العميم النوال، من قبل سُؤَاله، وَكَرمه، فمامن شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ، ويثني على نعمه سرا وإعلاما، فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله، وسع الأكوان على تباينها فَضله، وَقدر الْمَوَاهِب والمقاسم عدله، منعا ومنحا،

ص: 116

وَزِيَادَة ونقصانا، وَالْحَمْد لله الَّذِي بِيَدِهِ الاختراع والإنشاء، [ملك الْمُلُوك] ، يُؤْتِي الْملك من يشا، [ويعز من يشا ويذل من يشا] ، سبق فِي فِي مَكْنُون غيبه القضا [وخفيت عَن خلقه الْأَسْبَاب، وعميت عَلَيْهِم الأنباء] وعجزت عُقُولهمْ عَن أَن تستكشف مِنْهَا كنها، أَو تدْرك مِنْهَا بَيَانا. وَالْحَمْد لله الَّذِي رفع قبَّة السَّمَاء مَا اتخذ لَهَا عمادا، وَجعل الأَرْض فراشا ومهادا، وَخلق الْجبَال الراسية أوتادا، ورتب أوضاعها أجناسا متفاضلة، وأنواعا متباينة متقابلة. فحيوانا ونباتا وجمادا، وَأقَام فِيهَا، على ربوبيته حِكْمَة الأبداع والْآثَار، باهرة الشعاع وإشهارا، وَجعل اللَّيْل وَالنَّهَار، وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا، وَقدر لسياسة سياجا لعالم الْإِنْسَان، يضم مِنْهُ مَا انتثر، ويطوي من تعديه مَا نشر، تحمله على الْآدَاب الَّتِي ترشده إِذا ضل، وتقيمه إِذا عثر، وتجبره على أَن لتزم السّنَن، وَيتبع الْأَثر، لطفا مِنْهُ شَمل الْبشر وَحَنَانًا. وَلما عمر الأَرْض بِهَذَا الْجِنْس الَّذِي فَضله وشرفه، ووهب لَهُ الْعقل الَّذِي يفكر بِهِ فِي حكمته حَتَّى عرفه، وَبِمَا يجب لربوبيته الْوَاجِبَة وَصفه، جعلهم دَرَجَات، بَعْضهَا فَوق بعض، فقرا وغنا، وَطَاعَة وعصيانا، وَاخْتَارَ مِنْهُم سفرة الْوَحْي، وَحَملَة الْآيَات، وَأرْسل لَهُم الرُّسُل بالدلايل والمعجزات، وعرفهم بِمَا كلفهم من الْأَعْمَال المفترضات، ليجزي الَّذين أساءوا بِمَا عمِلُوا، وليجزي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى، [يَوْم اختبار

ص: 117

الْأَعْمَال، وَاعْتِبَار الْحَسَنَات] ، وَنصب الْعدْل والمجازات، فِي يَوْم الْعرض عَلَيْهِ قسطاسا وميزانا.

نحمده، وَله الْحَمد فِي االأولى وَالْآخِرَة، ونثني على مواهبه الجمة، وآلايه الوافرة، ونمد يَد الضراعة، فِي موقف الرجا وَالطَّاعَة، إِلَى الْمَزِيد من مننه الهامية الهامرة، ونسله دوَام ألطافه الخافية، وعصمته الظَّاهِرَة، واتصال نعمه، الَّتِي لَا تزَال نتعرفها، مثنى ووحدانا، ونشهد أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة نجدها فِي الْمعَاد عده وافية، ووسيلة بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة إِلَيْهِ راقية، وذخيرة بَاقِيَة، ونورا يسْعَى بَين أَيْدِينَا، وَيكون على الرِّضَا وَالْقَبُول فِينَا عنوانا. ونشهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّد النَّبِي الْعَرَبِيّ الْقرشِي الْهَاشِمِي، عَبده وَرَسُوله الَّذِي اصطفاه وَاخْتَارَهُ، وَرفع بَين النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ مِقْدَاره، وطهر قلبه، وَقدس أسراره، وبلغه من رِضَاهُ اخْتِيَاره، وَأَعْطَاهُ لِوَاء الشَّفَاعَة، يقفو آدم وَمن بعده من الْأَنْبِيَاء الْكِرَام آثاره، وَجعله أقرب الرُّسُل مكانة، وأرفعهم مَكَانا. رَسُول الرَّحْمَة، وَنور الظلمَة، وَإِمَام الرُّسُل الإيمة، الَّذِي جمع لَهُ بَين مزية السَّبق، ومزية التَّتِمَّة، وَجعل طَاعَته، من الْعَذَاب الْمُقِيم أَمَانًا، صَاحب الشَّفَاعَة الَّتِي تؤمل، والوسيلة الَّتِي بهَا إِلَى الله يتوسل، والدرجة الَّتِي لم يؤتها ملك المقرب، وَلَا النَّبِي الْمُرْسل، والرتبة الَّتِي لم يُعْطهَا الله سواهُ. إنْسَانا انتخبه من أشرف الْعَرَب أما وَأَبا، وأزكى الْبَريَّة طِينَة، وأرفعها نسبا، وابتعثه إِلَى كَافَّة الْخلق، عجما وعربا، وملأ بِنور دَعوته البسيطة جنوبا وَشمَالًا، ومشرقا ومغربا، وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه الَّذِي آمَنت بِهِ الْجِنّ لما سمعته، وَقَالُوا، إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا

ص: 118

عجبا، تَمامًا على الَّذِي أحسن، وتفصيلا لكل شئ وتبيانا، فصدع صلى الله عليه وسلم بِأَمْر من اخْتَار ذَاته الطاهرة، واصطفاها، وَأدّى أَمَانَة الله ووفاها، وَرَأى الخلايق على شفا المتالف فتلافاها، وتتبع أدواء الضلال فشفاها، ومحا معالم الْجَهْل وعفاها، وشاد الْحق لِلْخلقِ بنيانا، مؤيدا بالمعجزات، الَّتِي حججها تقبل وتسلم، فَمن جذع لفراقه يتألم، وجماد بِتَصْدِيق نبوته يتَكَلَّم، وجيش شكا لَهُ الظمأ، ففجر لريه الْمعِين مِنْهُ بنانا. وَأي معْجزَة ككتاب الله، الَّذِي لَا تَنْقَضِي عجايبه، فَهُوَ اليم، والعلوم النافعة كلهَا مذانبة، وأفق الْحق الَّذِي تهدي فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كواكبه، وَالْحجّة الْبَالِغَة الَّتِي أَصبَحت بَين الْحق وَالْبَاطِل فرقانا، فأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وآياته، وتمت كلمة الله صدقا وعدلا، لَا مبدل لكلماته، وَبلغ ملك أمته، مَا زوى لَهُ من أقطار الْمَعْمُور وجهاته، حَتَّى عمر من أكناف البسيطة، وأرياف الْبحار المحيطة وهادا وكثبانا، ونقلت كنوز كسْرَى بعز دَعوته الْغَالِبَة [وظفرت بفلح الحسام عزايمها الْمُطَالبَة] ، وَأصْبح إيوَان فَارس، مجر رماح الْعَرَب الْعَارِية، وقذفت جنود قَيْصر من دواليها بِالشُّهُبِ الثاقبة، حَتَّى فر عَن مدرته الطّيبَة آيبا بالصفقة الخايبة، وخلصت إِلَى فسطاط مصر بكتايبها المتعاقبة، فَلَا تسمع الآذان فِي مقاماتهم إِلَّا إِقَامَة وأذانا، وَلَا دَلِيل أظهر من هَذَا الْقطر الأندلسي الْغَرِيب، الَّذِي خاضت إِلَيْهِ بسيوفها أثباج الْبحار على بعد المراحل، ونزوح الديار، وتكاثف العمالات، وَاخْتِلَاف الْأَمْصَار، ومنقطع الْعِمَارَة بأقصى الشمَال ومحط السفار، طلعت عَلَيْهِ كلمة الله طُلُوع النَّهَار، واستوطنته قبايل الْعَرَب الْأَحْرَار، وأرغمت بِهِ أنوف الْكفَّار، ضرابا سَبِيل الله وطعانا. وَلما استقام الدّين، وتمم معالم الْإِيمَان الرَّسُول الْأمين، وَظهر الْحق الْمُبين، وراق من وَجه الْملَّة الحنيفية السمحة الجبين، وَأخذ المسالك والمآخذ والإفصاح

ص: 119

والتبيين وتقررت المستندات المعتمدات سنة، وقرأنا أسرة الْوَحْي بالرحلة عَن هَذِه الدَّار، والانتقال إِلَى مَحل الْكَرَامَة، وَدَار الْقَرار، وَخير الْملك، فَاخْتَارَ الرفيق الْأَعْلَى، موفقا إِلَى أكْرم الِاخْتِيَار، وجد صَحبه رضي الله عنهم، فِي الِاسْتِخْلَاف بعده والإيثار، حجَجًا مشرقة الْأَنْوَار، أطلقت بِالْحَقِّ يدا وأنطقت بِالصّدقِ لِسَانا، صلى الله عَلَيْهِ، وعَلى آله وصحابته وأسرته الطاهرة، وعصابته وأصهاره، وقرابته، الَّذِي كَانُوا فِي معاضدته إخْوَانًا، وعَلى إعلاء أمره الْحق أعوانا، نُجُوم الْملَّة وأقمارها، وغيوثها الهامية وبحورها، وسيوف الله الَّتِي لَا تنبو شفارها، وأعلام الْهدى الَّتِي لَا تبلى آثارها، ودعايم الدّين الَّتِي وقفت على الْبر وَالتَّقوى أركانا، وَحيا الله وُجُوه حى الْأَنْصَار، بِالنعَم والنضرة، أولي الْبَأْس عِنْد الحفيظة، وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة، الرضْوَان أَن يذهب النَّاس بِالشَّاة وَالْبَعِير، ويذهبون برَسُول الله، فنعمت المنقبة والأثرة، الحائزون ببيعة الرضْوَان، فضلا من الله ورضوانا، ووزراؤه وظهراؤه فِي كل أَمر، وخالصة يَوْم أحد وَبدر، لم يزَالُوا صَدرا فِي كل قلب، وَقَلْبًا فِي كل صدر، [يعدونه كل حمد، وَيصلونَ بنفوسهم فِي كل سر وجهر] ويعملون فِي إعلاء دينه. بيضًا عضابا، وسمرا لدانا، صَلَاة لَا تزَال سحايبها ثرة، وتحية دائمة مستمرة، مَا لهجت الألسن بثنايهم، ووقفت المفاخر على عليائهم، وتعلمت الْمَوَاهِب على آلايهم، وَقصرت المحامد على مسمياتهم وأسمايهم، وَكَانَ حثهم على الْفَوْز بِالْجنَّةِ ضمانا. ونسلك اللَّهُمَّ لهَذَا الْأَمر النَّصْر الَّذِي سَببه بسببهم مَوْصُول، وهم لفروعه السامية أصُول، فيا لَهَا من نصول خلفتها نصول أنجزت وعد النَّصْر، وَهُوَ ممطول، وأحيت

ص: 120

ربوع الْإِيمَان وَهِي طلول، نصرا عَزِيزًا، وفتحا مُبينًا، وتأييدا على أعدائك وتمكينا، وملكا يبْقى فِي الأعقاب وأعقاب الأعقاب وسلطانا. وأعنا اللَّهُمَّ على مَا أوجبت [من حسن الطَّاعَة] وتأدية الْحق بِجهْد الِاسْتِطَاعَة، وأعصمنا بإيالته العادلة من الإضاعة، واحملنا من مرضاته على سنَن السّنة وَالْجَمَاعَة، وَاجْعَلْهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه إِلَى قيام السَّاعَة، واعف عَنَّا واغفر لنا وارحمنا. أَنْت مَوْلَانَا.

أما بعد مَا افْتتح بِهِ من تحميد الله وتمجيده، وَالثنَاء الَّذِي تتعطر الأندية بترديده، فَإِن من الْمَشْهُور الَّذِي يعضده الْوُجُود وَيُؤَيِّدهُ، والمعلوم الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ ضل من يُنكره أَو يجحده، والذائع بِكُل قطر ترويه رُوَاة الأنباء وتسنده، مَا عَلَيْهِ هَذَا الْملك النصري الْحمى الْأنْصَارِيّ المنتمي، الَّذِي يُصِيب شاكلة الْحق إِذا رمي، ويعم الْعباد والبلاد غيثه مهمي همي، من أَصَالَة الأعراق، وكرم الْأَخْلَاق، وَالْفضل الباهر الْإِشْرَاق، وَالْجهَاد الَّذِي هُوَ سمر الْكَوَاكِب، وَحَدِيث الرفاق، وَإِن قومه الْمُلُوك الْكِرَام، إِن فوخروا بِنسَب، ذكرُوا سعد بن عبَادَة ومجده، أَو كَثُرُوا بِعَدَد، غلبوا بِاللَّه وَحده، أَو استنصروا فَرجوا كل شدَّة، واستظهروا من عزهم الْمَوْهُوب، وصبرهم على الخطوب، بِكُل عدد وعدة. دَارهم الثغر الْأَقْصَى ونعمت الدَّار، وشعارهم لَا غَالب إِلَّا الله وَنعم الشعار، زهاد إِذا ذكر الدّين، أسود إِذا حميت الميادين، جبال إِذا زحفت الصُّفُوف، بدور إِذا أظلمت الزحوف، غيوث إِذا منع الْمَعْرُوف، أَفْرَاد إِذا ذكر الألوف، إِن بويعوا فالملايكة وُفُود، وَحَملَة الْعلم وَحَملَة السِّلَاح شُهُود، وَإِن ولدُوا، فالسيوف تمايم، والسروج مهود، وَإِن أصحروا لِلْعَدو فالظلال بنود، وجنود السَّبع السما جُلُود. وَإِن أظلم اللَّيْل أسهروا جفونهم فِي حياطة الْمُسلمين والجفون رقود. وَإِن هَذَا

ص: 121

الْقطر الَّذِي انْتهى سَبِيل الْفَتْح الأول إِلَى قاصيته، وأجيلت قداح الْفَوْز بالدعوة الحنيفية على الْإِسْلَام فَأخذ الأسلام بناصيته، كَانَ من فَتحه الأول مَا قد علم حَسْبَمَا سطر ورسم، وَأَن مُوسَى بن نصير وفتاه، حل من فرضة مجازه مَا حل مُوسَى وفتاه، وَحل الْإِسْلَام مِنْهُ دَار قَرَار، وخطة حَقِيقَة بارتياد وَاخْتِيَار، وبلد لَا يُحْصى خَيره، وَلَا يفضله بِشَيْء من المزية مَا عدى الْحَرَمَيْنِ، غَيره، وامتدته الْأَيَّام حَتَّى تأنس الْعَدو لروعته، وخف عَلَيْهِ مَا كَانَ من صرعته، وقدح فأورى، وأعضل داؤه فاستشرى، وَصَارَت الصُّغْرَى، الَّتِي كَانَت الْكُبْرَى. فلولا أَن الله دعم الدّين مِنْهُم بالعمد الْوَثِيقَة حماة الْحَقِيقَة، وأيمة الخليقة، وسلالة مفتتحي الْيَمَامَة، ومقتحمي الحديقة، لأجهز النصل، وأجتث من الدّين الأَصْل. لَا كنهم انتدبوا إِلَى إمْسَاك الدّين بهَا انتدابا، ووصلوا بِالْإِسْلَامِ أسبابا، وتناولها مِنْهُم صقر قبيل الْخَزْرَج، ذُو الحسام المضرج، وَالثنَاء المؤرج، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر، أَمِير الْمُسلمين المنتدب لإِقَامَة سنة سيد الْمُرْسلين، قدوة الْمُلُوك الْمُجَاهدين، نضر الله وَجهه، وَتقبل جهاده، وشكر دفاعه، عَن حوزة الْإِسْلَام وبلاده. فأقشعت الظلمَة، وتماسكت الْأمة، وكف الْعَدو وأقصر، وَرَأى الْإِسْلَام بِمن استنصر، واستبصر فِي الطَّاعَة من استبصر، وهبت [بِطَاعَتِهِ لله] العزايم، وكرت على الْعَدو الهزايم، وتوارثوا ملكهَا ولدا عَن أَب، مستندين إِلَى عدل وبذل وبسالة وجلالة وَحسب، تتضح فِي أفق الْجلَال نُجُوم سيرهم هادية للسايرين، وتفرق من سطوتهم فِي الله أَسد

ص: 122

العرين، إِلَى أَن قَامَ بِالْأَمر وسطى سلكهم، وبركة ملكهم، الْخَلِيفَة [الْوَاجِبَة طَاعَته على الْخلق] ، [الشهير الْجَلالَة والبسالة] فِي الغرب والشرق، أَمِير الْمُسلمين بِوَاجِب الْحق، صَاحب أذيال العفاف وَالطَّهَارَة، السعيد الإيالة والإمارة، الْبعيد الْغَارة، من ذعر الْعَدو لبارق حسامه، وَذخر الْفَتْح السّني، لأيامه، صدر الْمُلُوك الْمُجَاهدين، وكبير الْخُلَفَاء العادلين، الْبعيد المدا فِي حماية الدّين، السعيد، الشَّهِيد أَبُو الْوَلِيد، ابْن الْمولى الْهمام، الأوحد الرفيع الممجد، الطَّاهِر الظَّاهِر الْأَعْلَى الرييس الْكَبِير الْجَلِيل، الْمُقَدّس الأرضي، أبي سعيد بن نصر، فأحيا رحمه الله، معالم الْكتاب وَالسّنة، وجلى بنوره غياهب الدجنة، وأعز الْإِسْلَام وحماه، وَرمى ثغر الْكفْر فأصماه، قدس الله روحه الطّيب وَسَقَى لحده من الرَّحْمَة والغمام الصيب، وأورث الْملك الجهادي من وَلَده خير ملك قبلت مِنْهُ كف، واستدار بِهِ موكب للْجِهَاد ملتف، وشمخ بخدمته أنف، وسما إِلَى مشاهدته طرف، وتأرج من ذكره عرف، وحدي إِلَى بَابه حرف، مَوْلَانَا الْخَلِيفَة الإِمَام، الْملك الْهمام، من أشرق بِنور إيالته الْإِسْلَام، وتشرفت بِوُجُودِهِ اللَّيَالِي والايام، بدر الْملك، وشمسه وسر الزَّمَان الَّذِي قصر عَن يَوْمه أمسه، الَّذِي شهر عدله، وبهر فَضله، وَظَهَرت عَلَيْهِ عناية ربه، وَكَانَ الْمَصْنُوع لَهُ فِي سلمه وحربه، مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين، وقدوة الْمُلُوك الْمُجَاهدين، وَالْأَيمَة العادلين، السعيد الشَّهِيد [الطَّاهِر الظَّاهِر الأوحد الْهمام الْخَلِيفَة الإِمَام] ، أَبُو الْحجَّاج رفع الله درجتة فِي أوليائه، وحشره مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من أنبيائه وشهدائه

ص: 123

فوضحت المسالك وَبَانَتْ، وأشرقت الْمعَاهد وازدانت، وَشَمل الصنع الإلهي، واللطف الْخَفي، أقطار هَذِه الْأمة حَيْثُ كَانَت. وَلما اخْتَار الله لَهُ مَا عِنْده، وَبلغ الْأَجَل الَّذِي قدره سُبْحَانَهُ لِحَيَاتِهِ وَحده، وَقَبضه إِلَيْهِ مطمئنا، مُسْتَغْفِرًا من ذَنبه، فِي الْحَالة الَّتِي أقرب مَا يكون العَبْد فِيهَا من ربه، كَأَنَّمَا تأهب للشَّهَادَة، فَاخْتَارَ زمانها ومكانها، وطهر بِالصَّوْمِ، نَفسه، الَّتِي كرم الله شَأْنهَا، وَطيب رِيحهَا وريحانها، فوقفت إزاء أَرْبَاب الشورى الَّتِي تصح الْإِمَامَة باتفاقها، وتنعقد بِعقد ميثاقها، من أَعْلَام الْعلم، بقاعدة ملكه غرناطة، حرسها الله الَّتِي غَيرهَا لَهَا تبع، وحماة الْإِسْلَام الَّذين فِي آرائهم للدّين وَالدُّنْيَا منتفع، وخلص الثِّقَات، ووجوه الطَّبَقَات على مبايعة وَارِث ملكه، بِحقِّهِ الحايز فِي ميدان الْكَمَال، وإحراز مَا للْإِمَامَة من الشُّرُوط والخلال، خصل سبقه، كَبِير وَلَده، وسابق أمده، ووارث ملكه، ووسطى سلكه، وعماد فسطاطه، [وَبدر الهالة من بساطه] مَوْلَانَا، قمر الْعليا، ودرة الخلفا، وَفرع الشَّجَرَة الشما، الَّتِي أَصْلهَا ثَابت، وفرعها فِي السَّمَاء، الَّذِي ظَهرت عَلَيْهِ مخايل الْملك، ناشيا ووليدا، واستشعرت الأقطار بِهِ، وَهُوَ فِي المهد أَمَانًا وتمهيدا، واستبشر الدّين الحنيف، فأتلع جيدا، واستأنف شبَابًا جَدِيدا، نَاصِر الْحق، وغياث الْخلق، الَّذِي تميز بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، وَالْحيَاء المنسدل الأستار، والبسالة المرهبة الشفار، والجود المنسكب الامطار، وَالْعدْل الْمشرق الْأَنْوَار، وَجمع الله فِيهِ شُرُوط الْملك على الِاخْتِيَار، مَوْلَانَا، وعمدة ديننَا ودنيانا، السُّلْطَان الْفَاضِل، وَالْإِمَام الْعَادِل، والهمام الباسل،

ص: 124

الْكَرِيم الشمايل، شمس الْملك وبدره، وَعين الزَّمَان وصدره، [أَمِير الْمُسلمين، وقرة عين الْمُؤمنِينَ، أَبُو عبد الله] ، وصل الله أَسبَاب سعده، كَمَا حلى أجياد المنابر بالدعا لمجده، وَجعل جنود السَّمَاء من جنده، وَنَصره بالنصر الْعَزِيز، فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده. وَرَأَوا أَن قد ظَفرت [بِعُرْوَة الْحق] أَيْديهم، وَأمن فِي ظلّ الله رايحهم وغاديهم، ودلت على حسن الْخَوَاتِم مباديهم، فبادروا وانثالوا، وتبختروا فِي ملابس الْأَمْن واختالوا، وهبوا إِلَى بيعَته، تطيرهم أَجْنِحَة السرُور، ويعلن أنطلاق وُجُوههم بانشراح الصُّدُور. وَاجْتمعَ مِنْهُم طوايف الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور، مَا بَين الشريف والمشروف، والروسا أولى المنصب الْمَعْرُوف، وَحَملَة الْعلم وَحَملَة السيوف، والأمنا وَمن لديهم من الألوف، وساير الكافة، أولى البدار لمثلهَا والخفوف، فعقدوا لَهُ الْبيعَة الْوَثِيقَة الأساس، السعيدة بِفضل الله، على النَّاس، البرى عقدهَا من الأرتياب والألتباس، الحايزة شُرُوط الْكَمَال، الماحية بِنور الْبَيَان ظلم الْإِشْكَال، الضمينة حسن العقبي ونجح الْمَآل، على مَا بُويِعَ عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَمن لَهُ من الصَّحَابَة والآل، وعَلى السّمع وَالطَّاعَة وملازمة السّنة وَالْجَمَاعَة، فأيديهم بالسلم وَالْحَرب رد ليده، وطاعتهم إِلَيْهِ خَالِصَة فِي يَوْمه وغده، وأهواؤهم متفقة حَالي الشدَّة والرخاء، وعهودهم مَحْفُوظَة على تداول السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. أشهدوا عَلَيْهَا الله، وَكفى بِهِ شَهِيدا، وأعطوا صفقات إِيمَانهم تثبيتا للوفاء بهَا وتأكيدا، وَجعلُوا مِنْهَا فِي أَعْنَاقهم ميثاقا وثيقا وعهدا شَدِيدا. وَالله عز وجل يَقُول، فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه، وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسنوتيه أجرا عَظِيما. وَمن أصدق من الله وَعدا أَو وعيدا. وهم قد بسطوا أَيْديهم يستنزلون رَحْمَة الله بالإخلاص والإنابة، وصرفوا وُجُوههم إِلَى من أَمرهم بِالدُّعَاءِ وَوَعدهمْ بالإجابة. يسْأَلُون لَهُ خير مَا يَقْضِيه، وَالسير على

ص: 125

مَا يرضيه، اللَّهُمَّ بابك عِنْد تقلب الْأَحْوَال عرفنَا، وَمن بَحر نعمك الْكَرِيمَة اغترفنا، وعفوك ستر عيوننا كلما اجترحنا السَّيِّئَات واقترفنا. من فضلك أغنيتنا، وبعينك الَّتِي لَا تنام حرستنا وحميتنا، فانصر حينا، وَارْحَمْ ميتنا وأوزعنا شكر مَا أوليتنا، وَاجعَل لنا الْخَيْر والخيرة فِيمَا إِلَيْهِ هديتنا. اللَّهُمَّ إِن قطرنا من مَادَّة الْإِسْلَام بعيد، وَقد أحدق بِنَا بَحر زاخر، وعدو شَدِيد. وَفينَا أيم وَضَعِيف، وهرم ووليد، وَأَنت مَوْلَانَا وَنحن عبيد، اللَّهُمَّ من بَايَعْنَاهُ فِي هَذَا العقد، فأسعدنا بمبايعته وطاعته، وَكن لَهُ حَيْثُ لَا يكون لنَفسِهِ، بعد استنفاد جهده فِي التحفظ واستطاعته، وكف عَنَّا كف عَدوك وعدوه، كلما هبت بِهِ ريَاح طماعته، يَا من يفرده العَبْد بضراعته، ونعوذ بحفظه من إضاعته، اللَّهُمَّ أد عَنَّا حَقه. فَإنَّا لَا نقوى على أدايه، وتول عَنَّا شكر سيرته وَمَا حمدنا من سير آبايه، واحمله من توفيقك على سوايه، اللَّهُمَّ إِنَّا إِلَيْهِ ناظرون، وَعَن أمره صادرون، ولإنجاز وعده فِي نصر من ينصرك منتظرون، فأعنه على مَا قلدته، وأنجز لديننا على يَدَيْهِ، بِمَا وعدته. فَمَا فقد شَيْئا من وَجدك، وَلَا خَابَ من قصدك، وَلَا ضل من اعتمدك، آمين آمين، يَا رب الْعَالمين. وَكتب الْمَلأ المذكورن أَسْمَاءَهُم بخطوط أَيْديهم فِي هَذَا الْكتاب، شاهدة عَلَيْهِم بِمَا التزموه دينا وَدُنْيا، وسلكوا مِنْهُ سَبِيلا مُبينًا. فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين لشوال من عَام خَمْسَة وَخمسين وسبعماية.

ص: 126