الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ النَّذْرِ]
ِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَالَ الْمُصَنِّفُ. وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا. يَعْنِي إذَا كَانَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا.
الثَّانِيَةُ: النَّذْرُ مَكْرُوهٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «النَّذْرُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَرُدُّ قَضَاءً. وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ النَّاظِمُ: وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ. وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله فِي تَحْرِيمِهِ. وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُبَاحٌ. وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا بِلَا نِزَاعٍ. وَيَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهَادِي، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ وَلَوْ كَافِرًا بِعِبَادَةٍ. نُصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: مِنْهُ بِغَيْرِهَا. مَأْخَذُهُ: أَنَّ نَذْرَهُ لَهَا كَالْعِبَادَةِ. لَا الْيَمِينِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ. وَقِيلَ: بِغَيْرِ عِبَادَةٍ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: يَصِحُّ مِنْهُ بِعِبَادَةٍ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: يَحْسُنُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: إنَّ نَذْرَهُ لِلْعِبَادَةِ عِبَادَةٌ. وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ. فَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ: لَمْ يَصِحَّ) بِلَا نِزَاعٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ. يُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِيمَنْ قَالَ " أَنَا أُهْدِي جَارِيَتِي أَوْ دَارِي " فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ. قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، أَوْ الْأَكْثَرِ: يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ " لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا " أَوْ " عَلَيَّ كَذَا ". وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ، إلَّا مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: بِشَرْطِ إضَافَتِهِ. فَيَقُولُ " لِلَّهِ عَلَيَّ ". وَقَدْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرِهِ: وَهُوَ قَوْلٌ يَلْتَزِمُ بِهِ الْمُكَلَّفُ الْمُخْتَارُ لِلَّهِ حَقًّا: " بِعَلَيَّ لِلَّهِ " أَوْ " نَذَرْت لِلَّهِ ".
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ. فَلَوْ قَالَ " لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ " لَمْ يَنْعَقِدْ) . لَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.
وَحَكَى فِي الْمُغْنِي احْتِمَالًا. وَجَعَلَ فِي الْكَافِي قِيَاسَ الْمَذْهَبِ: يَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي الْوَاجِبِ. وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: الِانْعِقَادُ. وَقَوْلِ الْقَاضِي: عَدَمُهُ. انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي الْكَافِي احْتِمَالًا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي نَذْرِ الْمُحَالِ كَيَمِينِ الْغَمُوسِ. وَيَأْتِي: إذَا نَذَرَ صَوْمَ نِصْفِ يَوْمٍ.
قَوْلُهُ (وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ " لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ " فَيَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) .
وَكَذَا قَوْلُهُ " لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا " وَلَا نِيَّةَ لَهُ.
قَوْلُهُ (الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ. وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ) غَيْرَهُ (أَوْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ " إنْ كَلَّمْتُك فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوْ الصَّدَقَةُ بِمَالِي " فَهَذَا يَمِينٌ يَتَخَيَّرُ. بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ) . يَعْنِي: إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. نَقَلَ صَالِحٌ: إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ، بِلَا خِلَافٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ. وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا يَضُرُّ قَوْلُهُ " عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ " أَوْ " لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ " وَنَحْوِهِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَوْكِيدٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ كَأَنْتِ طَالِقٌ بَتَّةَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: فَإِنْ قَصَدَ لُزُومَ الْجَزَاءِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ: لَزِمَهُ مُطْلَقًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. نَقَلَ الْجَمَاعَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِحَجَّةٍ، أَوْ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ أَرَادَ يَمِينًا: كَفَّرَ يَمِينَهُ. وَإِنْ أَرَادَ نَذْرًا: فَعَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، مَنْ قَالَ " أَنَا أُهْدِي جَارِيَتِي، أَوْ دَارِي " فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ. وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ: حَلَفَتْ " إنْ لَبِسْت قَمِيصِي هَذَا فَهُوَ مَهْدِيٌّ " تُكَفِّرُ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ. وَنَقَلَ مُهَنَّا: إنْ قَالَ " غَنَمِي صَدَقَةٌ " وَلَهُ غَنَمٌ شَرِكَةٌ. إنْ نَوَى يَمِينًا: فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِبَيْعِهِ، وَالْمُشْتَرِي عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِشِرَائِهِ، فَاشْتَرَاهُ: كَفَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفَّارَةً. نُصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: إذَا حَلَفَ بِمُبَاحٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَنَذْرِهِمَا. فَإِنَّ مَا لَمْ يَلْزَمْ بِنَذْرِهِ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إذَا حَلَفَ بِهِ. فَمَنْ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُ النَّاذِرَ شَيْءٌ، لَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِالْأَوْلَى. فَإِنَّ إيجَابَ النَّذْرِ أَقْوَى مِنْ إيجَابِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: نَذْرُ الْمُبَاحِ. كَقَوْلِهِ " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي " أَوْ " أَرْكَبَ دَابَّتِي " فَهَذَا كَالْيَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ. عَلَى مَا يَأْتِي. وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ. وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ فِي نَذْرِ الْمُبَاحِ.
تَنْبِيهٌ أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله بِقَوْلِهِ (فَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا، كَالطَّلَاقِ: اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلُهُ) . أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ دَاخِلٌ فِي احْتِمَالِ الْمُصَنِّفِ. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُ الْمُبَاحِ: فَنَذْرُ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى. وَالْمَذْهَبُ: انْعِقَادُهُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَتَقَدَّمَ فِي " كِتَابِ الطَّلَاقِ " أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ: كَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ صَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَيُكَفِّرُ) . إذَا نَذَرَ شُرْبَ الْخَمْرِ، أَوْ صَوْمَ يَوْمِ الْحَيْضِ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيُكَفِّرُ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ: يُكَفِّرُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ، وَلَا الْمَعْصِيَةِ. وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ) كَمَا تَقَدَّمَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: هُوَ لَاغٍ. لَا شَيْءَ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ نَذَرَ لَيَهْدِمَنَّ دَارَ غَيْرِهِ لَبِنَةً لَبِنَةً: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ.
(وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ أَوَالِاعْتِكَاف فِي مَكَان مُعَيَّنٍ. فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ. وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) .
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رحمه الله: إذَا حَلَفَ بِمُبَاحٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ. وَذَكَرَ الْأَدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ: أَنَّ نَذْرَ شُرْبِ الْخَمْرِ لَغْوٌ. وَنَذْرَ ذَبْحِ وَلَدِهِ: يُكَفَّرُ. وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ: أَنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ لَغْوٌ. وَفِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ وَجْهٌ: أَنَّهُ كَنَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ. عَلَى مَا يَأْتِي وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ: أَثِمَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا. وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَيَقْضِيهِ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. وَعَنْهُ: لَا يَقْضِي. نَقَلَهَا حَنْبَلٌ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ: يُكَفِّرُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُذْهَبُ يُكَفِّرُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ: لَا يُكَفِّرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. فَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ. وَعَنْهُ: يَصِحُّ صَوْمُهُ وَيَأْثَمُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يَنْعَقِدُ بِنَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ. وَلَا يَصُومُهُ، وَيَقْضِي. فَتَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ. وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ. لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً. كَنَذْرِ مَرِيضٍ صَوْمَ يَوْمٍ يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ. فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ. وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ. وَالطَّلَاقُ زَمَنَ الْحَيْضِ: صَادَفَ التَّحْرِيمَ يَنْعَقِدُ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَرِوَايَةٍ لَنَا. كَذَا هُنَا. وَنَذْرُ صَوْمِ لَيْلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ. وَلَا كَفَّارَةَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ صَوْمٍ. وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ: إذَا نَذَرَتْ صَوْمَ يَوْمِ الْحَيْضِ. وَصَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ وَقَدْ أَكَلَ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَالصَّلَاةَ زَمَنَ الْحَيْضِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَذْرَ صَوْمِ اللَّيْلِ مُنْعَقِدٌ فِي النَّوَادِرِ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالِانْتِصَارِ: لَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ الصَّوْمِ. وَفِي الْخِلَافِ، وَمُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ.
فَائِدَةٌ نَذْرُ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَنَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، إذَا لَمْ يَجُزْ صَوْمُهَا عَنْ الْفَرْضِ. وَإِنْ أَجَزْنَا صَوْمَهَا عَنْ الْفَرْضِ: فَهُوَ كَنَذْرِ سَائِرِ الْأَيَّامِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ كَنَذْرِ الْعَبْدِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ) وَكَذَا نَذْرُ ذَبْحِ نَفْسِهِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْخِرَقِيِّ.
إحْدَاهُمَا: هُوَ كَذَلِكَ. يَعْنِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ لَا غَيْرُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَنَصَرَهُ. وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ: وَهُوَ الْأَقْوَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَنَصُّهُمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَنَصَرَهَا الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا. وَعَنْهُ: إنْ قَالَ " إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ كَذَا " أَوْ نَحْوُهُ، وَقَصَدَ الْيَمِينَ: فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَنَذْرُ مَعْصِيَةٍ. فَيَذْبَحُ فِي مَسْأَلَةِ الذَّبْحِ: كَبْشًا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. وَقَالَ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ. قَالَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ. قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ طَاعَةً حَالِفًا بِهَا: أَجْزَأَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. فَكَيْفَ لَا يُجْزِئُهُ إذَا نَذَرَ مَعْصِيَةً حَالِفًا بِهَا؟ .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَعَلَى هَذَا عَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ الْآتِيَةِ يَلْزَمَانِ النَّاذِرَ. وَالْحَالِفُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
تَنْبِيهٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْخِرَقِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: ذَبَحَ كَبْشًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: ذَبَحَ شَاةً. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: وَتَارَةً هَذَا، وَتَارَةً قَالَ هَذَا. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ أَبِيهِ وَكُلَّ مَعْصُومٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ: فَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله رِوَايَتَانِ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: عَلَى الْوَلَدِ. وَاخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَقَالَ: مَا لَمْ تَقِسْ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: الْعَمُّ وَالْأَخُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وِلَايَةً.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَلَدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمْ: لَزِمَهُ بِعَدَدِهِمْ كَفَّارَاتٌ أَوْ كِبَاشٌ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَعَزَاهُ إلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ ذَبْحِ كَبْشٍ، قِيلَ: يَذْبَحُهُ مَكَانَ نَذْرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَعَنْهُ. بَلْ يَذْبَحُ كَبْشًا حَيْثُ هُوَ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَقُطِعَ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: هُوَ كَالْهَدْيِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَلْزَمَانِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ. فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ وَلَا كَفَّارَةَ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ نَذَرَ مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ " يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ مَا يَفِي بِبَعْضِهِ إلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ. قُلْت: فَيُعَايِي بِهَا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: إجْزَاءُ الصَّدَقَةِ بِثُلُثِ مَالِهِ. وَلَا كَفَّارَةَ نُصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ. وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَيُعَايِي بِهَا أَيْضًا. وَعَنْهُ. تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُحْكَى رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَعَنْهُ: يَشْمَلُ النَّقْدَ فَقَطْ.
وَقِيلَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي: وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالصَّامِتِ، أَوْ يَعُمُّ غَيْرَهُ بِلَا نِيَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: أَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى اخْتِيَارِ شَيْخِنَا كُلُّ أَحَدٍ بِحَسْبِ عَزْمِهِ. وَنَصّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله. فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ فِيمَنْ نَذَرَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ أَيَكُونُ الثُّلُثُ مِنْ الصَّامِتِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُ؟ قَالَ: إنَّمَا يَكُونُ هَذَا عَلَى قَدْرِ مَا نَوَى، أَوْ عَلَى قَدْرِ مَخْرَجِ يَمِينِهِ. وَالْأَمْوَالُ تَخْتَلِفُ عِنْدَ النَّاسِ. وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ: أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ. لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَمَرَ أَبَا لُبَابَةَ بِالثُّلُثِ. فَإِنْ نَفِدَ هَذَا الْمَالُ وَأَنْشَأَ غَيْرَهُ، وَقَضَى دَيْنَهُ. فَإِنَّمَا يَجِبُ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ. قَالَ فِي الْهَدْيِ: يُرِيدُ بِيَوْمِ حِنْثِهِ: يَوْمَ نَذْرِهِ. وَهَذَا صَحِيحٌ. قِيلَ: فَيَنْظُرُ قَدْرَ الثُّلُثِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَيُخْرِجُهُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَإِنَّمَا نَصُّهُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَدْرُ دَيْنِهِ. وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله صَحِيحٌ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمَدِينِ. وَعَلَى قَوْلٍ سَبَقَ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِكَوْنِ قَدْرِ الدِّينِ مُسْتَثْنًى بِالشَّرْعِ مِنْ النَّذْرِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفٍ: لَزِمَهُ جَمِيعُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ. قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ: إنْ زَادَ الْمَنْذُورُ عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ: أَجْزَأَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ كُلُّ الْمُسَمَّى. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ، يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ. لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (الْخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ. كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْقِرَبِ، عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ. سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ. فَقَالَ " إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ: إنْ سَلَّمَ اللَّهُ مَالِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا ") . قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْحَابِ: بِشَرْطِ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ نَذَرَ صِيَامَ نِصْفِ يَوْمٍ: لَزِمَهُ يَوْمٌ كَامِلٌ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
الرَّابِعَةُ: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: لَوْ حَلَفَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ، مِثْلَ مَا لَوْ قَالَ " وَاَللَّهِ لَئِنْ سَلَّمَ مَالِي لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ تَعَدُّدِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ وَالْمَنْصُوصُ: أَوْ حَلَفَ بِقَصْدِ التَّبَرُّرِ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا بِنَذْرٍ.
الْخَامِسَةُ: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (مَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ: انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ) بِلَا نِزَاعٍ. وَيَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَهُ. ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالْفُنُونِ. لِوُجُودِ أَحَدِ سَبَبَيْهِ. وَالنَّذْرُ كَالْيَمِينِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَمَنَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ مَنَعَ كَوْنَهُ سَبَبًا. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ. فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْوَاجِبِ. ذَكَرَاهُ فِي جَوَازِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ: لَمْ يَجِبْ، لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْقُدُومُ، وَمَا وُجِدَ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ " كِتَابِ الْأَيْمَانِ " وُجُوبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ عَلَى الْفَوْرِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فَمَاتَ قَبْلَ عِتْقِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ. وَلَزِمَهُ
كَفَّارَةُ يَمِينٍ. نُصَّ عَلَيْهِ. لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَنْذُورِ. وَإِنْ قَتَلَهُ السَّيِّدُ: فَهَلْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. فَيَجِبُ صَرْفُ قِيمَتِهِ فِي الرِّقَابِ. وَلَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لِسَيِّدِهِ الْقِيمَةُ. وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ وَخَرَّجَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ. لِأَنَّ الْبَدَلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُبْدَلِ. وَلِهَذَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ، فَقُتِلَ قَبْلَ قَبُولِهِ: كَانَ لَهُ قِيمَتُهُ. قَالَ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ. لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ: وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ) . أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ السَّنَةِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُطْلِقَ السَّنَةَ، أَوْ يُعَيِّنَهَا. فَإِنْ عَيَّنَهَا لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ. فَيَقْضِي، وَيُكَفِّرُ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
وَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ أَيْضًا: يَوْمَا الْعِيدَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ. فَيَدْخُلَانِ فِي نَذْرِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي. وَالْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ. كَرَمَضَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ أَيْضًا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، إذَا قُلْنَا: لَا يُجْزِئُ عَنْ صَوْمِ الْفَرْضِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: يَدْخُلْنَ فِي نَذْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: وَعَنْهُ يَتَنَاوَلُ النَّذْرُ أَيَّامَ النَّهْيِ دُونَ أَيَّامِ رَمَضَانَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: الْقَضَاءُ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَيَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ عَلَى الصَّحِيحِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ. وَأَمَّا إذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ، وَأَطْلَقَ: فَفِي لُزُومِ التَّتَابُعِ فِيهَا مَا فِي نَذْرِ صَوْمِ شَهْرٍ مُطْلَقٍ، عَلَى مَا يَأْتِي. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَيَلْزَمُهُ صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ. وَأَيَّامِ النَّهْيِ، وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَصُومُ مَعَ التَّفْرِيقِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ صِيَامَهَا مُتَتَابِعَةٌ. وَهِيَ عَلَى مَا بِهَا مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ تَمَامٍ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: لَا يَعُمُّ الْعِيدَ وَرَمَضَانَ. وَفِي التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ. وَعَنْهُ: يَقْضِي الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ إنْ أَفْطَرَهَا. وَقَالَ فِي الْكَافِي: إنْ لَزِمَ التَّتَابُعُ فَكَمُعَيَّنَةٍ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مَتَى شَرَطَ التَّتَابُعَ فَهُوَ كَنَذْرِهِ الْمُعَيَّنَةِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مِنْ الْآنَ، أَوْ مِنْ وَقْتِ كَذَا. فَهِيَ كَالْمُعَيَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: كَمُطْلَقَةٍ فِي لُزُومِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِلنَّذْرِ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ: لَزِمَهُ صَوْمُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ لُزُومُهُ إنْ اسْتَصْحَبَ صَوْمَهُ. وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رحمه الله: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ: كَانَ لَهُ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ. انْتَهَى. وَحُكْمُهُ فِي دُخُولِ رَمَضَانَ وَالْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ: حُكْمُ السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ. فَإِنْ كَفَّرَ لِتَرْكِهِ صِيَامَ يَوْمٍ، أَوْ أَكْثَرَ، بِصِيَامٍ: فَاحْتِمَالَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. قُلْت: فَعَلَى الصِّحَّةِ، يُعَايِي بِهَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ مِنْ قَادِرٍ، وَمَنْ قَضَى مَا يَجِبُ فِطْرُهُ: كَيَوْمِ عِيدٍ وَنَحْوِهِ. وَقَضَاءِ مَا أَفْطَرَهُ مِنْ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ. وَصَوْمِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِعُذْرٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ دَخَلَ: فَفِي الْكَفَّارَةِ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرٌ وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: عَدَمُهَا مَعَ الْقَضَاءِ. لِأَنَّ النَّذْرَ سَقَطَ لِقَضَاءِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ ابْتِدَاءً، وَوُجُوبِهَا مَعَ صَوْمِ الظِّهَارِ. لِأَنَّهُ سَبَبُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوع، وَغَيْرِهِ: وَلَا يَدْخُلُ رَمَضَانُ. وَقِيلَ: بَلْ قَضَاءُ فِطْرِهِ مِنْهُ لِعُذْرٍ، وَيَوْمِ نَهْيٍ، وَصَوْمِ ظِهَارٍ، وَنَحْوِهِ: فَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُهَا مَعَ صَوْمِ ظِهَارٍ. لِأَنَّهُ سَبَبُهُ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، أَوْ حَيْضٍ: أَفْطَرَ. وَقَضَى وَكَفَّرَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ. وَنُقِلَ عَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ: صَحَّ صَوْمُهُ. وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَمَنْ ابْتَدَأَ بِنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ اثْنَيْنِ، أَوْ خَمِيسٍ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يُمْكِنُ، فَوُجِدَ: لَزِمَهُ. فَإِنْ صَادَفَ مَرَضًا، أَوْ حَيْضًا غَيْرَ مُعْتَادٍ: قَضَى. وَقِيلَ: وَكَفَّرَ كَمَا لَوْ صَادَفَ عِيدًا. وَعَنْهُ: تَكْفِي الْكَفَّارَةُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ حَيْضٍ وَعِيدٍ. وَقِيلَ: إنْ صَامَ الْعِيدَ: صَحَّ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ يَقْضِي الْعِيدَ. وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى. ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي " بَابِ صَوْمِ النَّذْرِ، وَالتَّطَوُّعِ ". وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي " بَابِ النَّذْرِ "
: فَائِدَةٌ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَبَدًا، ثُمَّ جَهِلَهُ. فَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِصِيَامِ الْأُسْبُوعِ كَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: بَلْ يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا، أَيَّ يَوْمٍ كَانَ. وَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ؟ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. بِخِلَافِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالتَّعْيِينُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. فَهَلْ يَصُومُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهَا فَرْضًا وَعَدَمِهِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا هُنَاكَ. فَالْمَذْهَبُ هُنَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ. فَقَدِمَ لَيْلًا: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ قَالَ فِي مُنْتَخَبِ وَلَدِ الشِّيرَازِيِّ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ صَبِيحَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا. فَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا إتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَوَاءٌ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ، أَوْ صَائِمٌ) .
إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَقَدِمَ نَهَارًا، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَقْدَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، أَوْ يَقْدَمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ. فَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ عَنْ التَّكْفِيرِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَوْ قَدِمَ يَوْمَ فِطْرٍ، أَوْ أَضْحَى، فَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ. وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. وَأَطْلَقَا فِيمَا إذَا كَانَ مُفْطِرًا فِي غَيْرِهِمَا: الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْقَضَاءِ كَفَّارَةٌ. وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْقَضَاءِ: الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدَّمَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ أَصْلًا، وَلَا كَفَّارَةَ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَدِمَ، وَهُوَ صَائِمٌ تَطَوُّعًا. فَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ لِلصَّوْمِ لِخَبَرٍ سَمِعَهُ: صَحَّ صَوْمُهُ، وَأَجْزَأَهُ. وَإِنْ نَوَى حِينَ قَدِمَ: أَجْزَأَهُ أَيْضًا. عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ.
وَمَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ: إذَا قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ. وَقُلْنَا: بِصِحَّتِهِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " كِتَابِ الصَّوْمِ ". وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَدِمَ بَعْدَهُ: فَلَغْوٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ: الصَّوْمُ مِنْ قُدُومِهِ أَوْ كُلَّ الْيَوْمِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْقَضَاءِ كَفَّارَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ: قَضَاهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الصَّوَابُ فِي هَذَا: أَنَّهُ لَغْوٌ. أَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَمْسِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يَقْضِي وَيُكَفِّرُ. وَفِي الِانْتِصَارِ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ. كَحَيْضٍ، وَأَنَّ فِي إمْسَاكِهِ أَوْجُهًا.
الثَّالِثُ: يَلْزَمُ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ) . وَهُوَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ.
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ فِي رَمَضَانَ: لَمْ يَقْضِ. وَلَمْ يُكَفِّرْ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: حَمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ نَذْرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِمُصَادَفَتِهِ رَمَضَانَ. قَالَ: وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَنَصُّهُمَا. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشَرَ: هَذَا الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يَلْزَمُهُ صَوْمٌ آخَرُ. لَا لِأَنَّ صَوْمَهُ أَغْنَى عَنْهُمَا، بَلْ لِتَعَذُّرِهِ فِيهِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: إذَا نَوَى صَوْمَهُ عَنْهُمَا فَقِيلَ: لَغْوٌ. وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ. انْتَهَى. وَعَنْهُ. لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ إذَا قَدِمَ فِي نَهَارِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ. وَالْمَذْهَبُ انْعِقَادُهُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَهُ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ.
إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: فِي نِيَّةِ نَذْرِهِ أَيْضًا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ النَّذْرِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَفِي تَعْلِيلِهِ بُعْدٌ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ الْفُصُولِ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ وَافَقَ قُدُومُهُ وَهُوَ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُتِمُّهُ. وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ. بَلْ يَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ كَصَوْمٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ: يَكْفِيهِ لَهُمَا.
الثَّانِيَةُ: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ لَوْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ. فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ عَمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَجُنَّ كُلَّ الشَّهْرِ: لَمْ يَقْضِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَكَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ. وَعَنْهُ: يَقْضِي.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) بِلَا نِزَاعٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) بِلَا نِزَاعٍ.
(وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ فِي الْمَعْذُورِ: يَفْدِي فَقَطْ. ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ. فَوَائِدُ الْأُولَى: صَوْمُهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ: كَفِطْرِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ هُنَا
الثَّانِيَةُ: لَوْ جُنَّ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ: لَمْ يَقْضِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: يَقْضِيهِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ. أَوْ غَيْرِهِ وَقَضَاهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا مُوَاصِلًا لِتَتِمَّتِهِ. وَعَنْهُ: لَهُ تَفْرِيقُهُ. وَعَنْهُ: وَتَرْكُ مُوَاصَلَتِهِ أَيْضًا.
الرَّابِعَةُ: يَبْنِي مَنْ لَا يَقْطَعُ عُذْرُهُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ: لَمْ يُجْزِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ. كَالصَّلَاةِ. لَكِنْ لَوْ كَانَ نَذَرَهُ بِصَدَقَةِ مَالٍ: جَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِلدَّفْعِ. كَالزَّكَاةِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ النَّاظِمُ:
وَيُجْزِئُهُ فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ سِوَاهُ
…
كَالزَّكَاةِ لِنَفْعِ الْخَلْقِ لَا الْمُتَعَبِّدِ
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ وَيُكَفِّرُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبُ الْأَدَمِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَابْنِ الْبَنَّا.
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِبَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَ فِيهَا. وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا الْحَاوِي.
تَنْبِيهٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ التَّتَابُعَ فِي الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ، هَلْ وَجَبَ لِضَرُورَةِ الزَّمَنِ؟ وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ. أَوْ لِإِطْلَاقِ النَّذْرِ؟ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْخِرَقِيِّ، وَالْجَمَاعَةِ. وَلِهَذَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ بِلَفْظِهِ، أَوْ نَوَاهُ: لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: إذَا تَرَكَ صَوْمَ الشَّهْرِ كُلِّهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ، أَوْ يُجْزِئُهُ مُتَفَرِّقًا؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلِهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا: الْتِفَاتٌ إلَى مَا إذَا نَوَى صَوْمَ شَهْرٍ، وَأَطْلَقَ: هَلْ يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا أَمْ لَا؟ . وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّتَابُعِ. وَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ هُنَا تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ التَّتَابُعِ. كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ثَمَّ. انْتَهَى. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ قَيَّدَ الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ بِالتَّتَابُعِ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ ابْتِدَاءً وَكَفَّرَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِعُذْرٍ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَكَفَّرَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَنْهُ: لَا يُكَفِّرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي.
قَوْلُهُ (وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ: لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَالرِّعَايَةُ الْكُبْرَى. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي إجْزَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ. قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ.
فَائِدَةٌ لَوْ قَطَعَ تَتَابُعَهُ بِلَا عُذْرٍ: اسْتَأْنَفَهُ. وَمَعَ عُذْرٍ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ. أَوْ يَبْنِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهَلْ يُتِمُّ ثَلَاثِينَ، أَوْ الْأَيَّامَ الْفَائِتَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْت: يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ: إذَا ابْتَدَأَ صَوْمَ شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ. وَتَقَدَّمَ: إذَا فَاتَهُ رَمَضَانُ: هَلْ يَقْضِي شَهْرًا. أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؟ وَيُكَفِّرُ. عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ كَشَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ. ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ أَفْطَرَهُ بِلَا عُذْرٍ: كَفَّرَ. وَهَلْ يَنْقَطِعُ فَيَسْتَأْنِفُهُ أَمْ لَا؟ فَيَقْضِي مَا تَرَكَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَكَذَا قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَهَلْ يُتِمُّهُ أَوْ يَسْتَأْنِفُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: يُكَفِّرُ وَيَسْتَأْنِفُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) يَعْنِي: أَوْ يَنْوِيَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ " لَوْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَهُوَ كَذَلِكَ. فَلَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ. كَمَا لَوْ قَالَ عِشْرِينَ وَنَحْوَهَا. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. جُزِمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا، وَإِنْ لَزِمَهُ فِي غَيْرِهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ " شَهْرًا ".
قَوْلُهُ (وَإِنْ)(نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا) يَعْنِي غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
(فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ) يَعْنِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ (أَوْ حَيْضٍ)(: قَضَى لَا غَيْرُ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. قَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّا. وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْخِرَقِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) بِلَا نِزَاعٍ، بِلَا كَفَّارَةٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيِّ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ [الْخِرَقِيِّ وَ] أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَنَا وَجْهٌ ثَالِثٌ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. فَفِي الْمَرَضِ: يُخَيَّرُ. وَفِي السَّفَرِ: يَتَعَيَّنُ الِاسْتِئْنَافُ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ " مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ " الْمَرَضُ أَيْضًا. لَكِنَّ مُرَادَهُ بِالْمَرَضِ
هُنَا: الْمَرَضُ غَيْرُ الْمَخُوفِ. وَمُرَادُهُ بِالْمَرَضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) . يَعْنِي: يُطْعِمُ وَلَا يُكَفِّرُ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ. وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً كَغَيْرِ الصَّوْمِ. قَالَ فِي الْحَاوِي: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي. وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُطْعَمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَيُكَفَّرُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ وُجُوبُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْ كُلِّهِ فَقِيرٌ وَاحِدٌ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ. وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ. وَسَبَقَ فِي فِعْلِ الْوَلِيِّ عَنْهُ: أَنَّهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ: لَوْ نَذَرَهُ فِي حَالِ عَجْزِهِ عَنْهُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ: فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ الشَّالَنْجِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ عَنْهُ. قَالَ: وَالْمُرَادُ وَلَا يُطِيقُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ. وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي. قَالَ: وَكَذَا أَطْلَقَ شَيْخُنَا، يَعْنِي: بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ رحمه الله. قَالَ: الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ الْمَنْذُورِ يَلْزَمُهُ. وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ. انْتَهَى. فَأَمَّا إنْ نَذَرَ مَنْ لَا يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً الْحَجَّ، فَإِنْ وَجَدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ: لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ السَّابِقِ. وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ فِي فِعْلِ الْوَلِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي ضَمَانِ الْمَجْهُولِ أَكْثَرُ مَا فِيهِ: أَنْ يُظْهِرَ مِنْ الدِّينِ مَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ. وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ. كَمَا لَوْ نَذَرَ أَلْفَ حَجَّةٍ، وَالصَّدَقَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَا يَمْلِكُ قِيرَاطًا: فَإِنَّهُ يَصِحُّ. لِأَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ بِرِضَاهُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْعَاجِزِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَعَجَزَ عَنْهُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ)(نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ) . أَوْ مَكَّةَ وَأَطْلَقَ (لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) . لِأَنَّهُ مَشْيٌ إلَى عِبَادَةٍ. وَالْمَشْيُ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ. وَمُرَادُهُ وَمُرَادُ غَيْرِهِ: يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ، مَا لَمْ يَنْوِ إتْيَانَهُ. لَا حَقِيقَةَ الْمَشْيِ.
صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ.
فَائِدَةٌ حَيْثُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ أَوْ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ مَكَانِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا، مُحْتَجًّا بِهِ وَبِمَا لَوْ نَذَرَ مِنْ مَحَلِّهِ: لَمْ يَجُزْ مِنْ مِيقَاتِهِ، عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ مِنْ الْأَبْعَدِ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ مِيقَاتِهِ. وَقِيلَ هُنَا: أَوْ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى أَمْنِهِ فَسَادَهُ بِوَطْئِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ. وَقَالَ أَيْضًا: يَرْكَبُ فِي الْحَجِّ إذَا رَمَى، وَفِي الْعُمْرَةِ إذَا سَعَى. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالتَّحْلِيلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهٌ مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ " لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ. وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
فَائِدَةٌ لَوْ نَذَرَ الْإِتْيَانَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ: لَغَا قَوْلُهُ " غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ " وَلَزِمَهُ إتْيَانُهُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ أَصَحُّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَوُجُوبُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الدَّمِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. ذَكَرَهَا ابْنُ رَزِينٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَسْتَأْنِفُهُ مَاشِيًا، لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ. كَتَفْرِيقِهِ صَوْمًا مُتَتَابِعًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى. فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ) . يَعْنِي: الْمُتَقَدِّمَتَانِ. وَهُمَا: هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ دَمٍ؟ وَقَدْ عَلِمْت الْمَذْهَبَ مِنْهُمَا. لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ طَاعَةٍ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا: وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا وَكَذَا إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ: سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالرَّمْيِ. وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ الْأَقْصَى: لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَالصَّلَاةُ فِيهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَهُمْ: لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ. لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا. وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ حَرَمٍ: لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَانِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَوْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ: لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ. فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ. قَالَا: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً: فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ، عَنْ الْوَاجِبِ) . عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ ".
(إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) . فَيُجْزِئَهُ مَا عَيَّنَهُ بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ عَبْدٍ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَهُ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ أُتْلِفَ الْعَبْدُ الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، يَصْرِفُهَا إلَى الرِّقَابِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ: طَافَ طَوَافَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: هَذَا بَدَلٌ وَاجِبٌ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى يَدَيْهِ. وَفِي الْكَفَّارَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالْفُرُوعِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَا: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لُزُومُ الْكَفَّارَةِ، لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ. فَوَائِدُ الْأُولَى: مِثْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحُكْمِ: لَوْ نَذَرَ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْبَعِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا، أَوْ الْحَجَّ حَافِيًا حَاسِرًا. أَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الْحَجَّ حَاسِرَةً. وَفَاءً بِالطَّاعَةِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَفِي الْكَفَّارَةِ لِتَرْكِهِ الْمَنْهِيَّ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ قَالَ " حَافِيًا حَاسِرًا " كَفَّرَ وَلَمْ يَفْعَلْ الصِّفَةَ. وَقِيلَ: يَمْشِي مُنْذُ أَحْرَمَ. انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَذَرَ الطَّوَافَ. فَأَقَلُّهُ: أُسْبُوعٌ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا، فَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ. وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً: لَمْ يُجْزِئْهُ أَقَلُّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ. لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ، فَلَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ
الثَّانِي. فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَصِحُّ. وَيَبْدَأُ بِالثَّانِيَةِ لِقُوَّتِهَا. وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى. وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ. انْتَهَى.
الرَّابِعَةُ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23]{إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله وَجْهًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ. وَاخْتَارَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مِنْ تَأْجِيلِ الْعَارِيَّةِ وَالصُّلْحِ عَنْ عِوَضِ الْمُتْلَفِ بِمُؤَجَّلٍ. وَلَمَّا قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله: بِمَ يُعْرَفُ الْكَذَّابُونَ؟ قَالَ: بِخَلْفِ الْمَوَاعِيدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ. وَتَقَدَّمَ الْخُلْفُ بِالْعَهْدِ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الْأَيْمَانِ ".
الْخَامِسَةُ: لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَفِي الدَّلَالَةِ بِهَا غُمُوضٌ. فَلِهَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23]{إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24] . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ. فَإِنَّ " إلَّا " لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ، وَ " أَنْ " الْمَفْتُوحَةَ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ. فَمَا بَقِيَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا. فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِشَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟ وَطُولُ الْأَيَّامِ يُحَاوِلُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَكَادُ يُتَفَطَّنُ لِوَجْهِ الدَّلِيلِ مِنْهَا. وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ، وَ " أَنْ " النَّاصِبَةُ لَا الشَّرْطِيَّةُ. وَلَا يَفْطِنُونَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَمَا هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؟ فَتَأَمَّلْهُ. فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ. وَهُوَ أَصْلٌ فِي اشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْأَفْعَالِ.
وَالْجَوَابُ، أَنَّا نَقُولُ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَالْمُسْتَثْنَى حَالَةٌ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ قَبْلَ " أَنْ " النَّاصِبَةِ. وَعَامِلَةٌ فِيهَا أَعْنِي الْحَالُ عَامِلَةٌ فِي " أَنْ " النَّاصِبَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23] فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا مُعَلَّقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ حُذِفَتْ " مُعَلَّقًا " وَالْبَاءُ مِنْ " أَنْ " فَيَكُونُ النَّهْيُ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ " إلَّا " الْمُتَأَخِّرَةِ قَدْ حَصَرَتْ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ دُونَ سَائِرِ الْأَحْوَالِ. فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالُ بِالْإِبَاحَةِ، وَغَيْرُهَا بِالتَّحْرِيمِ. وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ شَيْءٌ هُنَاكَ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ إلَّا هَذِهِ. فَتَكُونُ وَاجِبَةً. فَهَذَا مُدْرَكُ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا مُدْرَكُ التَّعْلِيقِ: فَهُوَ قَوْلُنَا " مُعَلَّقًا " فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا إذَا قَالَ " لَا تَخْرُجُ إلَّا ضَاحِكًا " فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالضَّحِكِ لِلْخُرُوجِ. وَانْتَظَمَ " مُعَلَّقًا " مَعَ " أَنْ " بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَاتُّجِهَ الْأَمْرُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ عِنْدَ الْوَعْدِ بِالْأَفْعَالِ. انْتَهَى.