المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في بيان معنى الحروف - شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير - جـ ١

[ابن النجار الفتوحي]

الفصل: ‌فصل في بيان معنى الحروف

‌فصل في بيان معنى الحروف

"الْحُرُوفُ" أَيْ هَذَا فَصْلُ بَيَانِ مَعْنَى الْحُرُوفِ.

قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "قَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ الْحَرْفَ لا يَسْتَقِلُّ بِالْمَعْنَى1. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ. فَتَقَرَّرَ الْمُرَادُ أَوَّلاً، وَالإِشَارَةُ إلَى الإِشْكَالِ ثَانِيًا، وَحَلُّهُ ثَالِثًا.

أَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ "مِنْ" وَ "إلَى" مَشْرُوطٌ فِي وَضْعِهَا دَالَّةٌ2 عَلَى مَعْنَاهَا الإِفْرَادِيِّ، وَهُوَ الابْتِدَاءُ وَالانْتِهَاءُ. وَذِكْرُ مُتَعَلَّقِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، وَمِنْهُ الابْتِدَاءُ، وَإِلَيْهِ الانْتِهَاءُ. وَالاسْمُ نَحْوُ "الابْتِدَاءِ" وَ "الانْتِهَاءِ"، وَالْفِعْلُ نَحْوُ "ابْتَدَأَ" وَ "انْتَهَى" غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا الإِشْكَالُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ: ذُو، وَأُولُو3، وأُولاتُ4، وَقَيْدٌ، وَقَيْسٌ5، وَقَابَ، وَأَيْ، وَبَعْضُ، وَكُلُّ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَمَامَ، وَقُدَّامَ، وَخَلْفَ، وَوَرَاءَ

مِمَّا لا يُحْصَى كَذَلِكَ، إذْ لَمْ يُجَوِّزْ الْوَاضِعُ اسْتِعْمَالَهَا إلَاّ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا. فَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا حُرُوفًا. وَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ.

وَأَمَّا الْحَلُّ: فَهُوَ أَنَّهَا - وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ اسْتِعْمَالُهَا إلَاّ كَذَلِكَ، لأَمْرٍ مَا عَرَضَ-. فَغَيْرُ6 مَشْرُوطٍ فِي وَضْعِهَا [دَالَّةٌ] 7 ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ "ذُو" بِمَعْنَى

1 في شرح العضد: بالمفهومية.

2 في ش: الدلالة.

3 في ش: والواو.

4 في ش ض ب: ولات.

5 في ش ض ب: أو قيس.

6 في ش: فهو غير.

7 زيادة من شرح العضد.

ص: 226

صَاحِبٍ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِفْرَادِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِغَرَضٍ مَا، وَهُوَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فِي نَحْوِ: زَيْدٌ ذُو مَالٍ، وَذُو فَرَسٍ، فَوَضْعُهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ. لا أَنَّهُ1 لَوْ ذُكِرَ دُونَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ! وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ عَدَمِ فَائِدَةِ2 الْوَضْعِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ.

وَكَذَلِكَ "فَوْقَ" وُضِعَ لِمَكَانٍ لَهُ عُلُوٌّ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الانْفِرَادِ3 ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِيُتَوَصَّلَ [بِهِ] 4 إلَى عُلْوٍ خَاصٍّ، اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَاقِي5 الأَلْفَاظِ"6.

"وَإِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْحَرْفُ مَا7 وُضِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النِّسْبَةِ كَالابْتِدَاءِ8 وَالانْتِهَاءِ، لِكُلِّ ابْتِدَاءٍ أَوْ انْتِهَاءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ.

وَالنِّسْبَةُ لا تَتَعَيَّنُ إلَاّ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. فَالابْتِدَاءُ الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يَتَعَيَّنُ9 بِالْبَصْرَةِ. وَالانْتِهَاءُ الَّذِي لِلْكُوفَةِ يَتَعَيَّنُ10 بِالْكُوفَةِ، فَمَا11 لَمْ يُذْكَرْ

1 كذا في شرح العضد، وفي الأصول الخطيّة كلها: لأنه.

2 في ش: فائدة المعنى.

3 في شرح العضد: الإفراد.

4 زيادة من شرح العضد.

5 في شرح العضد: بواقي.

6 شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 186.

7 ساقطة من شرح العضد.

8 كذا في شرح العضد. وفي ش: الانتهاء. وفي د ز ع ض ب: للابتداء.

9 في ش ب ض: متعين.

10 في ش ب ض: متعين.

11 في ش: فلما.

ص: 227

مُتَعَلَّقُهُ، لا يَتَحَصَّلُ فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي1 هُوَ مَدْلُولُ الْحَرْفِ، لا فِي الْعَقْلِ وَلا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، فَيَتَعَقَّلُ بِتَعَقُّلِهِ2، بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِلنَّوْعِ بِعَيْنِهِ3 كَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ.

[وَ] 4 بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِذَاتٍ مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ. نَحْوُ "ذُو" وَ "فَوْقَ" وَ "عَلَى"، وَ "عَنْ"، وَ "الْكَافِ" إذَا أُرِيدَ بِهَا5 عُلُوٌّ وَتَجَاوُزٌ وَشَبَهٌ6 مُطْلَقًا. فَهُوَ كَالابْتِدَاءِ [وَالانْتِهَاءِ] 7

8". اهـ.

وَالْمُرَادُ بِالْحُرُوفِ هُنَا: "مَا يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ"، لا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الاسْمِ وَالْفِعْلِ، لأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ. كَـ "إِذَا" وَ "إِذْ"، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْحُرُوفِ تَغْلِيبًا بِاعْتِبَارِ الأَكْثَرِ.

1 ساقطة من شرح العضد.

2 في د: متعلقه.

3 في شرح العضد: نفسه.

4 زيادة من شرح العضد.

5 في شرح العضد: به.

6 في ش: ونسبة. وفي ع: وتشبيه.

7 زيادة من شرح العضد.

8 شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 189.

ص: 228

"الْوَاوُ"

"الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ" تَكُونُ "لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ" أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ. عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ1.

وَهِيَ تَارَةً تَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ2، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} 3 وَعَلَى سَابِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} 4 وَعَلَى5 لاحِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {6 كَذَلِكَ يُوحِي 6 إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك} 7.

فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ "قَامَ8 زَيْدٌ وَعَمْرٌو" احْتَمَلَ ثَلاثَةَ9 مَعَانٍ:

1 انظر تفصيل الكلام على معاني "الواو" في "الجنى الداني ص158-174، مغني اللبيب 1/ 391-408، البرهان 4/ 435 وما بعدها، الإتقان 2/ 255 وما بعدها، الصاحبي ص117 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص99 وما بعدها، المفصل ص304، معترك الإقران 3/ 446 وما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية ص130-137، التمهيد للأسنوي ص54 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 63 وما بعدها، المعتمد للبصري 1/ 38 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 1/ 189 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 365، فواتح الرحموت 1/ 229، كشف الأسرار 2/ 109-127، رصف المباني ص410-428، الأزهيّة ص240-249، المسودة ص355".

2 في ش: صاحبه.

3 الآية 15 من العنكبوت.

4 الآية 26 من الحديد.

5 في ش: والى.

6 في ش: ولقد أرسلنا.

7 الآية 3 من الشورى.

8 ساقطة من ش.

9 في ش: ثلاث.

ص: 229

الْمَعِيَّةَ – 1 عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ 1 - وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ.

قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: "وَكَوْنُهَا لِلْمَعِيَّةِ رَاجِحٌ، وَلِلتَّرْتِيبِ كَثِيرٌ، وَلِعَكْسِهِ قَلِيلٌ"2.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُتَعَاطِفَيْهَا تَفَاوُتٌ أَوْ تَرَاخٍ نَحْوَ {إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ} 3.

وَالتَّعْبِيرُ بِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، - كَمَا فِي الْمَتْنِ-: هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ4، فَلَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا مَثَلاً:"قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلا بِالتَّقْدِيمِ، وَلا بِالتَّأْخِيرِ لِخُرُوجِهَا بِالتَّقْيِيدِ عَنْ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ الْجَمْعِ: فَمَعْنَاهُ: أَيُّ جَمْعٍ كَانَ. فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا.

وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: مُطْلَقُ الأَمْرِ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا قُلْت "الأَمْرُ الْمُطْلَقُ" فَقَدْ أَدْخَلْت اللَاّمَ عَلَى الأَمْرِ، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ، ثُمَّ وَصَفْته بَعْدَ ذَلِكَ بِالإِطْلاقِ5، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا. وَأَمَّا مُطْلَقُ الأَمْرِ: فَالإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِلتَّمْيِيزِ. فَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقٍ لا عَامٌّ، فَيَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ.

1 ساقطة من ش ز.

2 تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ص174.

3 الآية 7 من القصص.

4 كالمرادي في الجنى الداني ص158 والزمخشري في المفصل ص204 والآمدي في الإحكام 1/ 63 وابن الحاجب في مختصره 1/ 189.

5 في ض: باطلاق.

ص: 230

وَعَلَى هَذَا: فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ يَنْقَسِمُ إلَى جَائِزٍ وَغَيْرِهِ. وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لِلْجَائِزِ فَقَطْ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ، وَمُطْلَقُ الأَمْرِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ طَهُورٌ، وَمُطْلَقُ الْمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى طَهُورٍ وَغَيْرِهِ. وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ لِلْحُرِّ، وَمُطْلَقُ الْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.

فَإِذَا قِيلَ: الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ أَوْ لا؟ كَانَ الصَّوَابُ إثْبَاتَ مُطْلَقِ الْمِلْكِ لَهُ دُونَ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.

وَإِذَا قِيلَ: الْفَاسِقُ مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ؟ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَزُولُ الإِشْكَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْدُوبِ. هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْ لا؟ وَفِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ: الْمُسْلِمِ1 هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَمْ لا؟

"وَتَأْتِي" الْوَاوُ "بِمَعْنَى مَعَ" كَقَوْلِهِمْ: "جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ"، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَفْعُولِ مَعَهُ2.

"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "أَوْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} 3 وَقَوْلِهِ: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} 4.

"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "رُبَّ" كَقَوْلِهِ5:

وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ

1 ساقطة من ش.

2 كـ "سِرْتُ واللَّيْلَ" وتسمى واو المفعول معه، ويكون ما بعدها منصوباً. "انظر مغني اللبيب 1/ 398، الإحكام للآمدي 1/ 63، معترك الأقران 3/ 446".

3 الآية 3 من النساء.

4 الآية الأولى من فاطر. وهي بكاملها ساقطة من ع.

5 هذا صدر بيت من أرجوزة لعامر بن الحارث المعروف بـ "جرات العود" نسبة إليه البغدادي في خزانة الأدب "4/ 197" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "3/ 107" وعجزه:

إلاّ اليعافيرُ وإلاّ العيسُ

ص: 231

وَقَوْلِ الآخَرِ:

وَنَارٍ لَوْ نَفَخَتْ بِهَا أَضَاءَتْ

وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ

"وَ" تَأْتِي الْوَاوُ "لِقَسَمٍ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ} 1.

"وَ" تَأْتِي "لاسْتِئْنَافٍ" وَهُوَ كَثِيرٌ2.

"وَ" تَأْتِي لِ "حَالٍ" أَيْ: بِمَعْنَى الْحَالِ. نَحْوُ "جَاءَ زَيْدٌ3 وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ"، "جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَضْحَكُ".

1 الآية 1-4 من الفجر.

2 وذلك كقوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً، وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ} [الأنعام 2] وقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً، وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ} [مريم 65-66] . "انظر الجنى الداني ص163، مغني اللبيب 2/ 397، البرهان 4/ 437، الإتقان 2/ 257، معترك الإقران 3/ 447".

3 ساقطة من ش.

ص: 232

"الْفَاءُ"

"الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ"1 تَكُونُ "لِتَرْتِيبٍ" وَهُوَ قِسْمَانِ:

- مَعْنَوِيٌّ كَـ "قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو".

- وَذِكْرِيٌّ: وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} 2 {فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} 3 {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} 4 {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} 5 {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} 6 وَتَقُولُ: "تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ". وَتَقُول: "قَالَ فَأَحْسَنَ"، "وَخَطَبَ فَأَوْجَزَ"، "وَأَعْطَى فَأَجْزَلَ".

"وَ" تَأْتِي الْفَاءُ أَيْضًا لِـ "تَعْقِيبٍ" وَهُوَ كَوْنُ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ7 مُهْلَةٍ. فَكَأَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ بِعَقِبِ الأَوَّلِ فِي الْجُمْلَةِ "كُلٌّ بِحَسَبِهِ عُرْفًا" يَعْنِي أَنَّ التَّعْقِيبَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. تَقُولُ: "تَزَوَّجَ فُلانٌ فَوُلِدَ لَهُ"

1 انظر تفصيل الكلام على معاني الفاء في "مغني اللبيب 1/ 173-182، الجنى الداني ص61-78، البرهان 4/ 294-301، الإتقان 2/ 209 وما بعدها، الصاحبي ص109 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص101، الإحكام للآمدي 1/ 68، التمهيد للآسنوي ص56، القواعد والفوائد الأصولية ص137، المفصل ص304، المعتمد 1/ 39، كشف الأسرار للبخاري 2/ 127 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 234، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 348، الأزهيّة ص250-257، رصف المباني ص376-387".

2 الآية 36 من البقرة.

3 الآية 54 من البقرة.

4 الآية 136 من الأعراف.

5 الآية 153 من النساء.

6 الآية 45 من هود.

7 في ز: بلا.

ص: 233

إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَاّ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ1 فِي "مُغْنِي اللَّبِيبِ"2.

وَنَقَلَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ. الإِجْمَاعَ: أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي انْتِفَائِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} 3 4 مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِهْلاكِ5.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ:"أَرَدْنَا إهْلاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا"4. وَمِثْلُهُ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ} 6.

"وَتَأْتِي" الْفَاءُ أَيْضًا "سَبَبِيَّةٌ" وَهُوَ كَثِيرٌ 7 فِي عَطْفِ الْجُمَلِ 7، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} 8 {فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} 9، وَكَذَا فِي عَطْفِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ} 10.

1 هو عبد الله بن يوسف بن هشام، جمال الدين، ابو محمد، علاّمة النحو وإمام العربية، قال ابن خلدون:"مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه". أشهر كتبه "مغني اللبيب" و "شذور الذهب" و "قطر الندى" و "التذكرة" توفي سنة 761 هـ "انظر ترجمته في البدر الطالع 1/400، الدرر الكامنة 2/ 415، بغية الوعاة 2/ 68، شذرات الذهب 6/ 191".

2 مغني اللبيب 1/ 174.

3 الآية 4 من الأعراف.

4 ساقطة من ز.

5معاني القرآن للفراء 1/ 371.

6 الآية 98 من النحل.

7 ساقطة من ش.

8 الآيه 15 من القصص.

9 الآية 37 من البقرة.

10 الآيات 52- 54 من الواقعة.

ص: 234

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "رَابِطَةً" لِلْجَوَابِ. وَذَلِكَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ:

الأُولَى1: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْك بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 2 وَقَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 3.

الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي فِعْلُهَا جَامِدٌ نَحْوُ:{إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْك مَالاً وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ} 4 {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} 5 {وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} 6 {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 7.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا إنْشَاءً نَحْوُ: {إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} 8 {فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} 9 {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} 10 فِيهِ أَمْرَانِ: الاسْمِيَّةُ، وَالإِنْشَاءُ.

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مَاضِيًا لَفْظًا وَمَعْنًى. إمَّا حَقِيقَةً نَحْوَ: {إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} 11، {إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ

1 ساقطة من ش.

2 الآية 17 من الأنعام.

3 الآية 118 من المائدة.

4 الآيتان 39-40 من الكهف.

5 الآية 271 من البقرة.

6 الآية 38 من النساء.

7 الآية 28 من آل عمران.

8 الآية 31 من آل عمران.

9 الآية 150 من الآنعام.

10 الآية 30 من الملك.

11 الآية 77 من يوسف.

ص: 235

وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ} 1، وَإِمَّا مَجَازًا نَحْوَ:{وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} 2، نَزَلَ هَذَا الْفِعْلُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ مَا قَدْ وَقَعَ.

الْخَامِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفِ اسْتِقْبَالٍ نَحْوُ: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دَيْنِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ} 3 {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} 4.

السَّادِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفٍ لَهُ الصَّدْرُ، كَقَوْلِهِ:

فَإِنْ أَهْلَكْ فَذِي لَهَبٍ لَظَاهُ

عَلَيَّ يَكَادُ يَلْتَهِبُ الْتِهَابَا5

لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ "رُبَّ" مُقَدَّرَةٌ وَأَنَّ لَهَا الصَّدْرَ.

وَأَمَّا إتْيَانُهَا زَائِدَةً فَاخْتَلَفُوا فِيهِ6: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ7 أَنَّهَا لا تَكُونُ زَائِدَةً. وَأَجَازَهُ الأَخْفَشُ8 فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا. وَحُكِيَ: "أَخُوك فَوَجَدَ".

1 الآية 26 من يوسف.

2 الآية 90 من النمل.

3 الآية 54 من المائدة.

4 الآية 115 من آل عمران.

5 البيت لربيعة بن مقروم الضبّيِ، نسبه له البغدادي في خزانة الأدب "4/ 201" وشرح شواهد مغني اللبيب "4/ 35" بلفظ:

فإن أهلك فذي حَنَقِ لظاه

عليّ تكاد تلتهب التهاباً

وفي مغني اللبيب "1/ 176": "فذي لهب".

وهذا البيت للشاعر في قصيدة يسلي بها عن نفسه بعد قضاء مأربه وإدراك ثأره، يقول فيه: إنْ متُّ فرب رجل ذي غيظ وغضب، تكاد نار عداوته تتوقد توقداً لما لقى مني وما فعلت به

6 ساقطة من ز ض ب ع.

7 في ش: تبعه إلى.

8 هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي النحوي، أبو الحسن الأخفش الأوسط، أخذ النحو عن سيبويه، وصحب الخليل، وكان معلماً لولد الكسائي. وقد سمي بالأخفش أحد عشر نحوياً ذكرهم السيوطي في "المزهر" ثم قال:"حيث أطلق في كتب النحو الأخفش، فهو الأوسط"، أشهر كتبه "تفسير معاني القرآن" و "المقاييس في النحو" و "الاشتقاق" وغيرها توفي سنة 210هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي 1/ 185، المزهر 2/ 405، 453، 456، بغية الوعاة 1/ 590، إنباه الرواة 2/ 36، طبقات النحويين للزبيدي ص72، وفيات الإعيان 2/ 122، شذرات الذهب 2/ 36، معجم الإدباء 11/ 224".

ص: 236

"ثُمَّ"

"ثُمَّ" حَرْفُ عَطْفٍ1 تَكُونُ "لِتَشْرِيكٍ" فِي الأَصَحِّ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ "وَ" تَكُونُ أَيْضًا لِـ "تَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ" أَيْ بِتَرَاخٍ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ مَعْنَوِيٌّ وَفِي الْجُمَلِ2 "ذِكْرِيٌّ"3 نَحْوُ:

إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ

ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ4

فَهُوَ تَرْتِيبٌ فِي الإِخْبَارِ لا فِي الْمَوْجُودِ5.

1انظر معاني "ثُمَّ" في "الجنى الداني ص426-432، رصف المباني ص173 وما بعدها، الإتفاق 2/ 189، مغني اللبيب 1/ 124-127، البرهان 4/ 266-270، الإحكام للآمدي 1/ 69، شرح تنقيح الفصول ص101، الصاحبي ص148، القواعد والفوائد الأصولية ص138 وما بعدها، التمهيد للأسنوي ص57، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 344 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 234 وما بعدها، كشف الإسرار 2/ 131 وما بعدها، معترك الأقران 2/ 52، الإشارة إلى الإيجاز ص35، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص40 وما بعدها، المفصل ص304، المسودة ص356".

2 في ض: الجملة.

3 في ش: ذاتي.

4 البيت لأبي نواس الحسن بن هانىء، نسبه له البغدادي في خزانة الأدب "4/ 412" شرح أبيات مغني اللبيب "3/ 40"، وهو مروي في ديوانه "ص493" في قصيدة يمدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر، ولفظه في الخزانة وشرح أبيات المغني والديوان:

قُلْ لمن سادَ ثُمَّ سادَ أبوهُ

قَبْلَهُ، ثُمَّ قبلَ ذلكَ جَدُّه

5 في ش: الموجود.

ص: 237

"حتّى"

"حَتَّى، الْعَاطِفَةُ لِلْغَايَةِ"1 نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} 2، فَلا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا إلَاّ غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا - مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ3- نَحْوُ:"مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ" وَ "قَدِمَ الْحُجَّاجُ4 حَتَّى الْمُشَاةُ".

"وَلا تَرْتِيبَ فِيهَا" فَهِيَ كَالْوَاوِ، فَإِنَّك تَقُولُ:"حَفِظْت الْقُرْآنَ حَتَّى سُورَةَ الْبَقَرَةِ"، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا حَفِظْت أَوْ مُتَوَسِّطًا وَقِيلَ: هِيَ كَالْفَاءِ. وَقِيلَ: كَـ "ثُمَّ".

"وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ" نَحْوَ "قَدِمَ الْحُجَّاجُ5 حَتَّى الْمُشَاةُ6""أَوْ كَجُزْئِهِ" نَحْوَ "أَعْجَبَتْنِي7 الْجَارِيَةُ حَتَّى حَدِيثُهَا". فَإِنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ بَعْضًا مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ كَالْبَعْضِ، لأَنَّهُ مَعْنًى، مِنْ مَعَانِيهَا.

1 انظر في الكلام على "حتى""الجنى الداني ص542-558، الاتقان 2/ 192، مغني اللبيب 1/ 131-139، الأزهيّة ص223 وما بعدها، رصف المباني ص180-185، شرح تنقيح الفصول ص102، الإحكام للآمدي 1/ 69، البرهان 4/ 272 وما بعدها، معترك الأقران 2/ 78 وما بعدها، القواعد والفوائد الإصولية ص143، الصاحبي ص150 وما بعدها، تسهيل الفوائد ص146-175، كشف الأسرار 2/ 160 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 240 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 345 وما بعدها، المفصل ص304".

2 الآية 5 من القدر.

3 قال المرادي: والزيادة تشمل القوة والتعظيم، والنقص يشمل الضعف والتحقير. "الجنى الداني ص548" وعلى ذلك فلا بدّ أن يكون الثاني عظيماً إن كان الأول حقيراً، أو حقيراً إن كان الأول عظيماً، أو قوياً إن كان الأول ضعيفاً، أو ضعيفاً إن كان قوياً، لأن معناها الغاية، "انظر رصف المباني ص181، الأزهيّة ص223، تسهيل الفوائد ص175، المفصل ص304".

4 في ش ز ض ب: الحاج.

5 في ش: الناس. وفي ض: الحاج.

6 في ش: الحجاج.

7 في ش: حجبتني.

ص: 238

وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِحَتَّى مُبَايِنًا لِمَتْبُوعِهِ فِي الْجِنْسِ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتُقَدَّرُ بَعْضِيَّتُهُ1 كَقَوْلِهِ:

أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ

وَالزَّادَ، حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا2

لأَنَّ الْمَعْنَى: أَلْقَى مَا يَثْقُلُهُ3 حَتَّى نَعْلَهُ.

"وَتَأْتِي" حَتَّى "لِتَعْلِيلٍ" كَقَوْلِهِ: "كَلَّمْته حَتَّى يَأْمُرَ لِي بِشَيْءٍ"، وَعَلامَتُهَا: أَنْ يَصْلُحَ مَوْضِعَهَا "كَيْ"، وَمِنْهُ:"أَسْلِمْ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ".

"وَقَلَّ" أَنْ تَأْتِيَ "لاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ" كَقَوْلِهِ:

لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ الْفُضُولِ سَمَاحَةً

حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ4

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي "الْمُغْنِي": "حَتَّى تَأْتِي لأَحَدِ ثَلاثَةِ مَعَانٍ: "انْتِهَاءُ الْغَايَةِ"، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَ "التَّعْلِيلُ"، وَ "بِمَعْنَى "إلَاّ" فِي الاسْتِثْنَاءِ"، وَهُوَ أَقَلُّهَا.

1 في ب ع ض: بعضيه.

2 هذا البيت لأبي مروان النحوي، نسبه إليه سيبويه في الكتاب "1/ 50" والبغدادي في خزانة الأدب "1/ 446"، وحكى البغدادي في شرح أبيات المغني "3/ 98" نسبته إليه عن الأخفش، ونَسَبَهُ البعض إلى الملتمس، ونسبه ياقوت في معجم الأدباء "19/ 146" إلى مروان النحوي لا أبي مروان.

وفي هذا البيت وصف الشاعر راكباً جهدت راحلته، فخاف إن تنقطع به، أو كان خائفاً من عدوٍ يطلبه، فخفف رحله بإلقاء ما كان معه من كتاب وزاد ونعل.

3 في ش: ما يستثقله.

4 البيت للمُقَنَّع الكِنْدي، نسبه إليه أبو تمام في الحماسة "شرح الحماسة للمرزوقي ص1734" والسيوطي في شرح شواهد المغني "1/ 372" والبغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب "3/ 102".

والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك لا يعدّ سماحة، إلاّ أن تعطي في حالة قِلّة المال.

ص: 239

وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ بِمَنْزِلِهِ "إلَى" فِي الْمَعْنَى [وَالْعَمَلِ]1.

الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، إلَاّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ. وَذَكَرَهَا.

الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ ابْتِدَاءٍ، أَيْ حَرْفًا تُبْتَدَأُ بَعْدَهُ الْجُمَلُ، أَيْ تُسْتَأْنَفُ"2.

1 زيادة من مغني اللبيب.

2 مغني اللبيب 1/ 131 وما بعدها.

ص: 240

"مِنْ"

"مِنْ" الْجَارَّةُ1 "لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ" فِي الْمَكَانِ اتِّفَاقًا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} 2، وَفِي الزَّمَانِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ3، وَابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} 4 {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ} 5 {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} 6 وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ7، وَأَبُو حَيَّانَ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ.

فَتَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حَقِيقَةً. وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَانِي مَجَازًا، هَذَا

1 انظر تفصيل الكلام على مِنْ في "الجنى الداني ص308-321، أوضح المسالك 3/ 21 وما بعدها، رصف المباني ص322-326، الأزهيّة ص293 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 61، الإشارة إلى الإيجاز ص35، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص40، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 362، البرهان 4/ 415-426، مغني اللبيب 1/ 353-363، الاتقان 2/ 247 وما بعدها، التمهيد ص58، الصاحبي ص172، القواعد والفوائد الأصولية ص150 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 244، المفصل ص283".

2 الآية الأولى من سورة الإسراء.

3 هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، أبو العباس المبرِّد، إمام النحو واللغة. أشهر مصنفاته "الكامل" و "الروضة" و "المقتضب" و "معاني القرآن" و "إعراب القرآن" و "الاشتقاق". توفي سنة 258هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات النحويين واللغويين ص101، وفيات الإعيان 3/ 441، نور القبس ص324، معجم الأدباء 19/ 111، طبقات المفسرين للداودي 2/ 267، شذرات الذهب 2/ 190، إنباه الرواة 3/ 241، بغية الوغاة 1/ 269، المنتظم 6/ 9".

4 الآية 108 من التوبة.

5 الآية 79 من الإسراء.

6 الآية 4 من الروم.

7 انظر تسهيل الفوائد ص144.

ص: 241

قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ1، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبَيُّنِ2، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.

"وَلَهَا" أَيْ وَلِمَنْ "مَعَانٍ" غَيْرِ ذَلِكَ:

- مِنْهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ} 3 أَيْ لأَجْلِ الصَّوَاعِقِ.

- وَمِنْهَا: الْبَدَلُ، [نَحْوُ] :{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ} 4 {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} 5 أَيْ بَدَلَكُمْ.

- وَمِنْهَا: انْتِهَاءُ الْغَايَةِ، - مِثْلَ "إلَى"- فَتَكُونُ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مِنْ الْفَاعِلِ6، وَلانْتِهَاءِ7 غَايَةِ الْفِعْلِ مِنْ الْمَفْعُولِ، نَحْوُ "رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ" 8 أَيْ مِنْ مَكَانِي إلَى خَلَلِ السَّحَابِ 8. فَابْتِدَاءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ مِنْ9 الدَّارِ، وَانْتِهَاؤُهَا10 فِي خَلَلِ السَّحَابِ.

1 نحو "كل من هذا الطعام، والبس من هذه الثياب، وخذ من هذه الدراهم.. الخ""رصف المباني ص323".

2 نحو "قبضت رطلاً من القمح، وكرّاً من شعير، ونَنَّاً من سمن، وخاتماً من حديد، ومشيت ميلاً من الأرض.. الخ". "رصف المباني ص323".

3 الآية 19 من البقرة.

4 الآية 38 من التوبة.

5 الآية 60 من الزخرف.

6 في ش: الفعل.

7 في ع ض: والانتهاء.

8 ساقطة من ش.

9 في ش: في.

10 في ش: وانتهاؤها وقع.

ص: 242

ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ: أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: هِيَ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لَكِنْ فِي حَقِّ1 الْمَفْعُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْمِثَالِ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ، بِتَقْدِيرِ:"رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي ظَاهِرًا مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ".

- وَمِنْهَا تَنْصِيصُ الْعُمُومِ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى نَكِرَةٍ لا تَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ، نَحْوُ "مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ" فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ دُخُولِهَا مُحْتَمِلاً لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَلِنَفْيِ الْوَحْدَةِ2. وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ، يَقُولَ3: بَلْ رَجُلانِ. [وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ "مِنْ"]4.

- وَمِنْهَا: الْفَصْلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ} 5 وَتُعْرَفُ بِدُخُولِهَا عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ.

- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "الْبَاءِ". نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} 6. قَالَ يُونُسُ7: أَيْ بِطَرْفٍ.

- وَمِنْهَا مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "فِي" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ

1 في ش: ابتداء.

2 أي نفي واحد من هذا الجنس، دون ما فوق الواحد. "الجنى الداني ص317".

3 في ض: يقال.

4 زيادة من مغني اللبيب 1/ 358.

5 الآية 220 من البقرة.

6 الآية 45 من الشورى.

7 هو يونس بن حبيب الضبي النحوي البصري، أبو عبد الرحمن، الإمام البارع في النحو والأدب، أشهر مصنفاته كتاب "معاني القرآن" و "اللغات" و "الأمثال" وغيرها. توفي سنة 182 هـ "انظر ترجمته في إنباه الرواة 4/68، بغية الوعاة 2/ 365، شذرات الذهب 1/ 301، طبقات النحويين واللغويين ص51، وفيات الإعيان 6/ 242، المعارف ص541، المزهر 2/ 399، 423، 461، معجم الأدباء 20/ 64".

ص: 243

الأَرْضِ} 1. أَيْ فِي الأَرْضِ. وقَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} 2 بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: " {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} "3.

- "وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عِنْدَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:"4 {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا} 5 وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم]"وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ"6.

- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَلَى"، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} 7 أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.

- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَنْ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} 8.

1 الآية 40 من فاطر.

2 الآية 92 من النساء.

3 ساقطة من ش.

4 ساقطة من ش.

5 الآية 10 من آل عمران.

6 الحديث أخرجه البخاري "1/ 214" ومسلم "1/ 415" وأبو داود "2/ 110" والترمذي "تحفة الأحوذي 2/ 194" والنسائي "3/ 70" عن المغيرة مرفوعاً، وأخرجه مالك في الموطأ "2/ 900" وأحمد في مسنده "4/ 97" عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعاً. ونصه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة قال: "الا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ".

والجَدّ –بفتح الجيم-: هو الغنى. وقيل: هو الخظ. ومعنى "ولا ينفع ذا الجد منك الجَدّ" أي لا ينفع صاحب الحظ في الدنيا من نزول العذاب حظُه وإنما ينفعه العمل الصالح. وقال أبو عبيد: معناه لا ينفع ذا الغنى منه غناه، إنما تنفعه طاعته.

7 الآية 77 من الأنبياء.

8 الآية 22 من الزمر.

ص: 244

"إلَى"

"إلَى1: لانْتِهَائِهَا" أَيْ انْتِهَاءِ الْغَايَةِ 2 عِنْدَ الْجُمْهُورِ 2.

"وَ" تَأْتِي "بِمَعْنَى "مَعَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ} 3 أَيْ مَعَ اللَّهِ4، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ} 5 أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ6. وَقَوْلُ الْعَرَبِ "الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ"7 أَيْ مَعَ الذَّوْدِ.

1 انظر معاني "إلى" في "مغني اللبيب 1/78 وما بعدها، الجنى الداني ص385-390، الاًزهيًة ص282 وما بعدها، رصف المباني ص80-83، القواعد والفوائد الأصولية ص144-149، المعتمد 1/ 40، الإحكام للآمدي 1/ 62، البرهان 4/ 232-234، أوضح المسالك 3/47. الصاحبي ص132، فواتح الرحموت1/244 وما بعدها، الإتقان 2/ 161 وما بعدها، التمهيد للأسنوي ص59 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص102 وما بعدها، كشف الأسرار 2/ 177 وما بعدها، المفصل ص283، المسودة ص356 وما بعدها".

2 ساقطة من ش.

3 الآية 52 من آل عمران.

4 روى ذلك الطبري في تفسيره عن السدي وابن جريج واعتمده وقال: "وأنما حَسُنَ أن يقال "إلى الله" بمعنى "مع الله" لأن من شأن العرب إذا ضمّوا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضمّ أحدهما مع الآخر إذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكان "مع" "إلى" أحياناً". "انظر تفسير الطبري 3/ 284، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص571".

5 الآية 2 من النساء.

6 انظر الأزهيّة ص282، رصف المباني ص83، تأويل مشكل القرآن ص571، الصاحبي ص132، المفصل ص283.

7 المثل ورد في معاني القرآن للفراء "1/218" وتأويل مشكل القرآن "ص571" ولسان العرب "3/ 167" وتفسير الطبري "3/ 284" والجنى الداني "ص386" ومغني اللبيب "1/ 78" وغيرها. وهو يضرب في اجتماع القيليل إلى القليل حتى يؤدي إلى الكثير، والذود: هو القطيع من الإبل، من الثلاثة إلى العشرة.

ص: 245

وَقَالَ الْحَسَنُ1 وَأَبُو عُبَيْدَةَ: "إلَى" فِي قَوْله تَعَالَى: {مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ} بِمَعْنَى "فِي"، أَيْ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ2.

"وَابْتِدَاؤُهَا" أَيْ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ "دَاخِلٌ" فِي الْمُغَيَّا3 "لا انْتِهَاؤُهَا" وَهُوَ مَا بَعْدَ "إلَى" فَلَوْ قَالَ: "لَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ". لَزِمَهُ4 تِسْعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِدُخُولِ الأَوَّلِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْعَاشِرِ.

وَقِيلَ: لا يَدْخُلانِ فَيَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ، "كَالْمَرَافِقِ"5 دَخَلَتْ، وَإِلَاّ فَلا تَدْخُلُ كَـ {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} 6.

1 هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، إمام أهل البصرة المجمع على جلالته في كل فن، وهو من سادات التابعين وفضلائهم، جمع العلم والزهد والورع والعبادة، أشهر كتبه "تفسير القرآن". توفي سنة 110هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي 1/ 147، وفيات الأعيان 1/ 354، شذرات الذهب 1/ 136، المعارف ص440، تهذيب الأسماء واللغات 1/ 161، صفة الصفوة 3/ 233".

2 نقل المصنف عن الحسن وأبي عبيدة فيه دمج للقولين معاً، لأن قول أبي عبيدة في قوله سبحانه:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} أي من أعواني في ذات الله. ذكره في كتابه "مجاز القرآن""1/ 94" وحكاه عنه أبو حيان في "البحر المحيط""2/ 471". أما الحسن فقد نقل إبو حيان عنه أنه قال في الآية: أي من أنصاري في السبيل إلى الله. "البحر المحيط 2/ 471".

3 في ش: المعنى.

4 ساقطة من ض.

5 أي في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة 6] .

6 الآية 187 من البقرة.

ص: 246

"عَلَى"

"عَلَى"1 أَشْهَرُ مَعَانِيهَا أَنْ تَكُونَ "لاسْتِعْلاءٍ" سَوَاءٌ كَانَ ذَاتِيًّا2. نَحْوُ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} 3 أَوْ مَعْنَوِيًّا نَحْوُ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} 4.

"وَ" تَكُونُ أَيْضًا "هِيَ لِلإِيجَابِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ" - فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ -: "وَ "عَلَى" ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ"5.

"وَلَهَا مَعَانٍ" غَيْرُ ذَلِكَ.

- أَحَدُهَا: التَّفْوِيضُ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي "النَّهْرِ" فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 6: "إذَا عَقَدْت قَلْبَك عَلَى أَمْرٍ بَعْدَ الاسْتِشَارَةِ، فَاجْعَلْ تَفْوِيضَك فِيهِ إلَى اللَّهِ"7.

- الثَّانِي: الْمُصَاحَبَةُ8: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} 9.

1 انظر معاني "على" في "الجنى الداني ص470-480، مغني اللبيب 1/ 152-157، الأزهيّة ص285-288، رصف المباني ص371 وما بعدها، الصاحبي ص156، الإشارة إلى الإيجاز ص34، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص39، تأويل مشاكل القرآن ص573، 587، معترك الإقران 2/ 201 وما بعدها، البرهان 4/ 284 وما بعدها، أوضح المسالك 3/ 40 وما بعدها، الإتقان 2/ 201 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 63، كشف الأسرار 2/ 173 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 243، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 347، المفصل ص287".

2 أي حسيّاً.

3 الآية 44 من هود.

4 الآية 45 من المائدة.

5 الفروع 2/ 554.

6 الآية 159 من آل عمران.

7 تفسير النهر 3/ 99.

8 إي كـ "مَعْ". "انظر مغني اللبيب 1/ 153، معترك الأقران 2/ 670".

9 الآية 177 من البقرة.

ص: 247

الثَّالِثُ: الْمُجَاوَزَةُ1 نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ

لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا2

أَيْ: إذَا رَضِيَتْ عَنِّي.

الرَّابِعُ: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} 3 أَيْ: لِهِدَايَتِكُمْ.

الْخَامِسُ: الظَّرْفِيَّةُ4، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} 5 6 أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ 6.

السَّادِسُ: الاسْتِدْرَاكُ، كَقَوْلِك7:"فُلانٌ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِسُوءِ صُنْعِهِ، عَلَى أَنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" أَيْ لَكِنْ لا يَيْأَسُ.

السَّابِعُ: الزِّيَادَةُ، نَحْوُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ8".

1 أي كـ "عَنْ". "مغني اللبيب 1/ 153، المحلي على جمع الجوامع 1/ 347". وفي ع: للمجاوزة.

2 البيب للقُحَيْف العقيلي، نسبه له الجواليقي في شرح أدب الكاتب "شرح أبيات المغني للبغدادي 3/ 232" والسيوطي في شرح شواهد المغني "1/ 416" والبغدادي في خزانة الأدب "4/ 249" والهروي في الأزهيّة "ص287" وغيرهم.

3 الآية 185 من البقرة.

4 أي كـ "في". "معترك الأقران 2/ 670".

5 الآية 102 من البقرة.

6 ساقطة من ش.

7 في ش ض: كقوله.

8 رواه عديّ بن حاتم وأبو هريرة وعبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه". إخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد في مسنده وغيرهم. "انظر صحيح البخاري 8/ 159، صحيح مسلم 3/ 1272، سنن ابن ماجة 1/ 681، مسند أحمد 4/ 256، سنن الدارمي 2/ 186، نيل الأوطار 8/ 267 وما بعدها، كشف الخفا 2/ 247".

ص: 248

أَيْ1 يَمِينًا.

إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَفِي "عَلَى" أَرْبَعَةُ مَذَاهِبُ2.

أَحَدُهَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ -: أَنَّهَا حَرْفٌ، إلَاّ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ. فَتَكُونُ اسْمًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظَمَؤُهَا3

الثَّانِي - وَبِهِ قَالَ الأَخْفَشُ -: أَنها4 تَكُونَ اسْمًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورُهَا وَفَاعِلُ مُتَعَلَّقِهَا ضَمِيرَيْنِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك} 5.

الثَّالِثُ: أَنَّهَا اسْمٌ دَائِمًا عِنْدَ ابْنِ طَاهِرٍ6 وَابْنِ خَرُوفٍ7 وَابْنِ

1 في ض: أي من حلف.

2 انظر شرح أبيات المغني للبغدادي 3/ 266 وما بعدها.

3 هذا صدر بيت لمزاحم العقيلي يصف فيه القطا، نسبه له ابن منظور في اللسان "11/ 383" وابن السيد البطليوسي في الاقتضاب "ص428" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "3/ 301" والبغدادي في شرح أبيات المغني "3/ 267" وجزانة الأدب "4/ 255"، وحكى نسبته إليه السيوطي في شرح شواهد المغني "1/ 426"، وعجزه:

تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِبيْدَاءَ مَجْهَلِ

4 في ش: أن.

5 الآية 37 من الآحزاب.

6 هو محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي، أبو بكر، المعروف بالخِدَبّ. والخِدَبّ: هو الرجل الطويل. وقد كان من حذاق النحويين وأئمتهم، وعليه تتلمذ ابن خروف. توفي في حدود 580هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 28، إنباه الرواة 4/ 188".

7 هو علي بن محمد بن علي، نظام الدين، أبو الحسن بن خَرُوف الأندلسي النحوي، كان إماماً في العربية، ماهراً في الأصول، أشهر مصنفاته "شرح كتاب سيبويه" و "شرح الجمل" وفي سنة 609هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 2/ 203، إنباه الرواة 4/ 186،وفيات الأعيان 3/ 22".

ص: 249

الطَّرَاوَةِ1 وَالشَّلُوبِينَ2 وَالآمِدِيِّ وَحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ3.

وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا حَرْفٌ دَائِمًا. وَبِهِ قَالَ السِّيرَافِيُّ4: وَتُقَدَّرُ5 بِحَرْفِ جَرٍّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَجْرُورٌ مَحْذُوفٌ.

1 هو سليمان بن محمد بن عبد الله السبائي المالقي، أبو الحسين بن الطَّرَاوة، النحوي الماهر، والأديب البارع، والشاعر المجيد. قال السيوطي:"له آراء في النحو تفرد بها وخالف فيها جمهور النحاة" توفي سنة 528هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 602، إنباه الرواة 4/ 107".

2 هو عمر بن محمد بن عبم الأندلسي، أبو علي الأزدي الإشبيلي النحوي، إمام العربية في عصره. والشلوبين تعني بلغة الأندلس: الأبيض الأشقر. من كتبه "تعليق على كتاب سيبويه" و "شرحان على الجزولية" و "التوطئة" في النحو. توفي سنة 645هـ. "انظر ترجمته في إنباه الرواة 2/332، بغية الوعاة 2/ 224، شذرات الذهب 5/ 232، وفيات الأعيان 3/ 123".

3 انظر الكتاب لسيبويه 2/ 310.

4 هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد السيرافي القاضي، النحوي الفقيه العلامة، أشهر مصنفاته "شرح كتاب سيبويه" و "أخبار النحويين البصريين" و "الوقف والابتداء" و "شرح مقصورة ابن دريد". توفي سنة 638هـ. "انظر ترجمته في معجم الأدباء 8/ 145-233، المنتظم 7/ 95، بغية الوعاة 1/ 507، وفيات الأعيان 1/ 360، طبقات النحويين واللغويين ص119، إنباه الرواة 1/ 313، شذرات الذهب 3/ 65".

5 ساقطة من ش.

ص: 250

"فِي"

"فِي"1 تَكُونُ "لِظَرْفٍ" زَمَانًا وَمَكَانًا مِثَالُهُمَا قَوْله تَعَالَى: {الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} 2، فَالأُولَى: لِلْمَكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلزَّمَانِ.

وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ وَمَظْرُوفُهُ جِسْمَيْنِ، كَقَوْلِك "زَيْدٌ فِي الدَّارِ". وَقَدْ يَكُونَانِ مَعْنَيَيْنِ، كَقَوْلِك:"الْبَرَكَةُ فِي الْقَنَاعَةِ". وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ جِسْمًا، وَالْمَظْرُوفُ مَعْنًى كَقَوْلِك:"الإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ"، وَعَكْسُهُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} 3.

"وَهِيَ بِمَعْنَاهُ" أَيْ وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ "عَلَى قَوْلٍ" أَبِي4 الْبَقَاءِ5. وَأَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ6 "فِي" قَوْله تَعَالَى: {وَلأَصْلُبَنكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} 7.

1 انظر معاني "في" في "نهاية السول 1/ 376 وما بعدها، الجنى الداني ص250-253، رصف المباني ص388-391، الأزهيّة ص277-282، مغني اللبيب 1/ 182 وما بعدها، أوضح المسالك 3/ 38 وما بعدها، البرهان 4/ 302 وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص567، الإشارة إلى الإيجاز ص31 وما بعدها، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص37 وما بعدها، الصاحبي ص157، شرح تنقيح الفصول ص103، الإحكام للآمدي 1/ 62، التمهيد ص60، القواعد والفوائد الأصولية ص149 وما بعدها، الإتقان 2/ 211 وما بعدها، كشف الأسرار 2/ 181 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 348 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 247 وما بعدها، المفصّل ص284، معترك الأقران 3/ 170 وما بعدها".

2 الآية 1-4 من الروم.

3 الآية 19 من البروج.

4 في ش: لأبي.

5 إملاء ما مَنْ به الرحمن 2/ 124.

6 في ش: النحويين.

7 الآية 71 من طه.

ص: 251

وَجَعَلَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ1 وَالْبَيْضَاوِيُّ: لِلظَّرْفِ مَجَازًا2. كَأَنَّ الْجِذْعَ صَارَ ظَرْفًا لِلْمَصْلُوبِ. لَمَّا تَمَكَّنَ عَلَيْهِ تَمَكَّنَ3 الْمَظْرُوفُ مِنْ الظَّرْفِ4.

وَقَالَ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ: هِيَ بِمَعْنَى "عَلَى"، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} 5 أَيْ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} 6 أَيْ: عَلَيْهَا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 7 أَيْ عَلَى السَّمَاءِ.

"وَ" تَأْتِي "فِي""لاسْتِعْلاءٍ" وَتَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ8.

"وَتَعْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} 9 أَيْ لأَجْلِهِ.

1 هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم، علاّمة التفسير والحديث والنحو واللغة والبيان، صاحب المصنفات الحسان في الفنون المختلفة. أشهر كتبه "الكشاف" في التفسير و "الفائق" في غريب الحديث و "أساس البلاغة" في اللغة و "المفصّل" في النحو و "المستقصى" في الأمثال و "المنهاج" في الأصول و "معجم الحدود" وغيرها. توفي سنة 538هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 4/ 254 وما بعدها، طبقات المفسرين للداودي 2/ 314 وما بعدها، بغية الوعاة 2/ 279، إنباه الرواة 3/ 265، المنتظم 10/ 112، شذرات الذهب 4/ 118، معجم الأدباء 19/ 126 وما بعدها".

2 في ش: مجاز.

3 ساقطة من ش.

4 انظر المفصّل للزمخشري ص284 ومنهاج الوصول للبيضاوي مع شرحه نهاية السول 1/ 375.

5 الآية 38 من الطور.

6 الآية 11 من الأنعام.

7 الآية 16 من الملك.

8 نحو قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه 71] وما إلى ذلك. "انظر مغني اللبيب 1/ 183".

9 الآية 32 من يوسف.

ص: 252

وَمِنْهُ: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 1. وَأَنْكَرَهُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ2.

"وَ" تَأْتِي "فِي" أَيْضًا "سَبَبِيَّةً" كَقَوْلِهِ [صلى الله عليه وسلم] : "فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ3 مِائَةٌ" 4 وَ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ" 5 أَيْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ6.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "مُصَاحَبَةٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} 7 {اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ} 8 أَيْ مَعَهُمْ مُصَاحِبِينَ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَوْكِيدٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} 9 إذْ الرُّكُوبُ يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ "فِي" فَهِيَ مَزِيدَةٌ تَوْكِيدًا.

1 الآية 14 من النور.

2 انظر النهاج للبيضاوي وشرحه للأسنوي 1/ 375، 377.

3 في ش: المؤمنة نحر.

4 الحديث قطعه من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن، وبيّن فيه الفرائض والسنن والديات، ولفظه "وأنَّ في النفس الديَةَ مائة من الإبل". وقد أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود في المراسيل والنسائي وابن حبان وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والدارقطني وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود. قال الحاكم: إسناده صحيح، وهو من قواعد الإسلام. وقال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح. "انظر نصب الراية 2/ 339-342، سنن البيهقي 8/ 73، موطأ مالك 2/ 849، نيل الأوطار 7/ 65، سبيل السلام 3/ 245".

5 الحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة مرفوعاً، وأخرجه الدارمي والبخاري أيضاً عن ابن عمر مرفوعاً. "انظر صحيح البخاري 4/ 157، صحيح مسلم 4/ 2110، سنن ابن ماجة 2/ 1421، مسند أحمد 2/ 269، سنن الدارمي 2/ 331، كشف الخفا 1/ 403".

6 في ش: مصاحبة.

7 الآية 79 من القصص.

8 الآية 28 من الأعراف.

9 الآية 41 من هود.

ص: 253

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَعْوِيضٍ" وَهِيَ الزَّائِدَةُ عِوَضًا عَنْ أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ. كَقَوْلِهِ: "رَغِبْتُ فِيمَنْ رَغِبْتُ"، أَيْ فِيهِ.

"وَ" تَأْتِي "فِي""بِمَعْنَى الْبَاءِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} 1 أَيْ يُلْزِمُكُمْ2 بِهِ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} 3 أَيْ إلَيْهَا غَيْظًا.

"وَ" بِمَعْنَى "مِنْ" الْجَارَّةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ4:

وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ

ثَلاثِينَ شَهْرًا5 فِي ثَلاثَةِ أَحْوَالِ6

أَيْ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ.

1 الآية 11 من الشورى.

2 كذا في الأصول الخطية كلها، وليس بصواب. والصواب قول ابن هشام في "المغني" والمرادي في "الجنى الداني" والحلي في "شرح جمع الجوامع" حيث قالوا: إن معناها "يكثّركم به"، حيث أن سياق الآية {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ} . "انظر المحلي على جمع الجوامع 1/ 349، مغني اللبيب 1/ 183، الجنى الداني ص251".

3 الآية 9 من إبراهيم.

4 هو أمرؤ القيس بن حُجْر بن عمرو الكِنْدي، الشاعر الجاهلي المشهور، الملقب بذي القروح. قال ابن خالوية: لأن قيصر أرسل إليه حلة مسمومة، فلما لبسها أسرع السُمّ إليه، فتثقب لحمه، فسمي ذا القروح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه:"هو قائد الشعراء إلى النار". "انظر ترجمته في الشعر والشعراء 1/ 52-86، تهذيب الأساء واللغات 1/ 125، المزهر 2/ 443".

5 في ش: حولاً.

6 البيت لامرئ القيس مروي في ديوانه ص27، ونسبه له البغدادي في "شرح شواهد المغني" "4/ 79" والمرادي في "الجنى الداني" ص252. ومعناه: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالرفاهية والنعيم ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال! قاله الأصمعي وابن السكيت.

ص: 254

"اللَاّمُ"

"وَ" تَأْتِي "اللَاّمُ" الْجَارَّةُ1 "لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً، لا يُعْدَلُ عَنْهُ" أَيْ عَنْ الْمِلْكِ إلَاّ بِدَلِيلٍ. قَالَهُ أَبُو2 الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "التَّمْهِيدِ".

"وَلَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ3":

أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ4. نَحْوُ "زُرْتُك لِشَرَفِكَ"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} 5، وَقَوْلِهِ: "أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَى زَيْدٍ"، فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ، رَضِيَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَرْضَ، لأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لا تَعْلِيقٌ.

الثَّانِي: الاسْتِحْقَاقُ6، نَحْوُ:"النَّارُ لِلْكَافِرِينَ".

الثَّالِثُ: الاخْتِصَاصُ7، نَحْوُ "الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ".

وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالاخْتِصَاصِ، بِأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ8 أَخَصُّ. فَإِنَّ

1 انظر معاني اللام في "الجنى الداني ص95-139، معترك الأقران 2/ 239-243، الأزهيّة ص298 وما بعدها، تسهيل الفوائد ص145، اللامات لابن فارس ص15-26، رصف المباني ص218-256، تأويل مشكل القرآن ص569-572، مغني اللبيب 1/ 228-261، المفصّل ص286-326 وما بعدها، الإتقان 2/ 224-227، البرهان 4/339-350، أوضح المسالك 3/ 29-35، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 350 وما بعدها، الصاحبي ص112-116، شرح تنقيح الفصول ص103 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/62".

2 في ش: ابن.

3 ساقطة من ش.

4 وهي التي يصلح موضعها "من أجل". "البرهان 4/ 340".

5 الآية 105 من النساء.

6 قال ابن هاشم: "وهي الواقعة بين معنى وذات". "مغني اللبيب 1/ 228".

7 ومعناه أنها تدلّ على أن بين الأول والثاني نسبة باعتبار ما دَلَّ عليه متعَلَّقُهُ. "البرهان 4/ 339".

8 كذا في شرح تنقيح الفصول. وفي الأصول الخطية كلها: الاختصاص.

ص: 255

ضَابِطَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَمَا شَهِدَتْ لِلْفَرَسِ بِالسَّرْجِ، وَبِالْبَابِ1 لِلدَّارِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَادَةً، نَحْوُ:"هَذَا ابْنٌ لِزَيْدٍ". فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ2.

الرَّابِعُ: لامُ الْعَاقِبَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللَاّمُ الصَّيْرُورَةِ، وَبِلامِ الْمَآلِ نَحْوُ:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 3.

الْخَامِسُ: التَّمْلِيكُ. نَحْوُ: "وَهَبْت لِزَيْدٍ دِينَارًا". وَمِنْهُ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} 4.

السَّادِسُ: شِبْهُ الْمِلْكِ. نَحْوُ: {وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} 5.

السَّابِعُ: تَوْكِيدُ النَّفْيِ، أَيُّ نَفْيٍ كَانَ، نَحْوُ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} 6، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللَاّمُ الْجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بَعْدَ نَفْيٍ؛ لأَنَّ الْجَحْدَ هُوَ نَفْيُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ7.

الثَّامِنُ: لِمُطْلَقِ التَّوْكِيدِ. وَهِيَ الدَّاخِلَةُ لِتَقْوِيَةِ عَامِلٍ ضَعِيفٍ بِالتَّأْخِيرِ. نَحْوُ: {إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} 8 الأَصْلُ: تَعْبُرُونَ الرُّؤْيَا، أَوْ لِكَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْعَمَلِ نَحْوُ:{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} 9 وَهَذَانِ مَقِيسَانِ.

1 كذا في شرح تنقيح الفصول. وفي الأصول الخطية كلها: الباب.

2 شرح تنقيح الفصول ص104.

3 الآية 8 من القصص.

4 الآية 60 من التوبة.

5 الآية 72 من النحل.

6 الآية 33 من الأنفال.

7 قال الزركشي: "وضابطها أنها لو سقطت تمَّ الكلام بدونها، وإنما ذكرتْ توكيداً لنفي الكون". "البرهان 4/ 344"

8 الآية 43 من يوسف.

9 الآية 16 من البروج.

ص: 256

وَرُبَّمَا أَكَّدَ بِهَا1 بِدُخُولِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ "نَحْوُ {رَدِفَ لَكُمْ} "2. وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ زِيَادَةَ اللَاّمِ، وَتَابَعَهُ الْفَارِسِيُّ3.

التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} 4 {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} 5.

الْعَاشِرُ: التَّعْدِيَةُ، نَحْوُ "مَا أَضْرِبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو". وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا} 6. وَقِيلَ: إنَّهَا تُشْبِهُ الْمِلْكَ.

الْحَادِيَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَلَى" نَحْوُ: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} 7، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَرْمَلَةَ8 عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ" 9 أَنَّ الْمُرَادَ: عَلَيْهِمْ.

1 في ض: بهما.

2 الآية 72 من النمل، وهي ساقطة من ش.

3 هو الحسن بن احمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي النحوي، إمام عصره في علوم العربية. أشهر مصنفاته "الإيضاح" في النحو و "التذكرة" و "المقصور والممدود" و "الحجة في القراءات" توفي سنة 377هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 1/ 361 وما بعدها، معجم الادباء 7/ 232 وما بعدها، إنباه الرواة 1/ 273 وما بعدها، شذرات الذهب 3/ 88، المنتظم 7/ 138، بغية الوعاة 1/ 496".

4 الآية 57 من الأعراف.

5 الآية 5 من الزلزلة.

6 الآية 5 من مريم.

7 الآية 107 من الإسراء.

8 هو حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي المصري، أبو عبد الله، وقيل أبو حفص، صاحب الإمام الشافعي وأحد رواة كتبه، كان إماماً حافظاً للحديث والفقه، صنف المبسوط والمختصر، وروى عنه مسلم في صحيحه وابن ماجة وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وغيرهم. توفي سنة 243هـ. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات 1/ 155، شذرات الذهب 2/ 103، وفيات الأعيان 1/ 353، طبقات الشافعية للسبكي 2/ 127 وما بعدها".

9 الحديث ورد في قصة بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها فتعتقها، إذا اشترط أهلها أن يكون =

ص: 257

الثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى "فِي" نَحْوُ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} 1.

الثَّالِثَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عِنْدَ" أَيْ الْوَقْتِيَّةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"2. وَمِنْهُ قَوْلُهُ3: "كَتَبْتُهُ لِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ كَذَا" أَيْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ4: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْت لِحَيَاتِي} 6.

الرَّابِعَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "مِنْ" نَحْوُ "سَمِعْت لَهُ صُرَاخًا" أَيْ مِنْهُ.

= الولاء لهم، فرفضت عائشة شراءها على هذا الشرط، فقال عليه الصلاة والسلام لعائشة:"خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن إعتق" ففعلت عائشة ذلك، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب في الناس فقال:"أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". أخرجه البخاري والترمذي والبيهقي والشافعي في الأم عن عائشة، واللفظ للبيهقي والشافعي. "انظر صحيح البخاري 3/ 250، تحفة الأحوذي 4/ 468، سنن البيهقي 10/ 295، الأم 4/ 126، أقضية النبي صلى الله عليه وسلم للقرطبي ص102".

1 الآية 47 من الأنبياء.

2 رواه أبو هريرة وابن عمر وابن عباس والبراء بن عازب مرفوعاً، وأخرجه البخاري مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وأحمد في مسنده. "انظر صحيح البخاري 3/ 35، صحيح مسلم 2/ 759، تحفة الأحوذي 3/ 369، سنن النسائي 4/ 132، سنن ابن ماجة 1/ 530، كشف الخفا 2/ 33، نصب الراية 2/ 437".

3 في ش: قولك.

4 انظر الكشاف 1/ 686، 4/ 600.

5 الآية 78 من الإسراء.

6 الآية 24 من الفجر.

ص: 258

الْخَامِسَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ} 1 أَيْ قَالُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ.

وَضَابِطُهَا: أَنْ تَجُرَّ اسْمَ مَنْ غَابَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا عَنْ قَوْلِ قَائِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَا بَعْدَ الْقَوْلِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَلالَةَ حَرْفٍ عَلَى مَعْنَى حَرْفٍ: هُوَ طَرِيقُ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ: فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَضْمِينِ2 الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ ذَلِكَ الْحَرْفُ 3 مَا يَصْلُحُ مَعَهُ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَرْفِ 3 عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَرَوْنَ التَّجَوُّزَ فِي الْفِعْلِ أَسْهَلَ مِنْ التَّجَوُّزِ فِي الْحَرْفِ.

1 الآية 11 من الأحقاف.

2 في ش: تضمن.

3 ساقطة من ش.

ص: 259

"بَلْ"

"بَلْ"1 تَأْتِي "لِعَطْفٍ وَإِضْرَابٍ، إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ فِي إثْبَاتٍ" نَحْوُ: "جَاءَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ "أَكْرِمْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا""فَتُعْطَى حُكْمَ مَا قَبْلَهَا" وَهِيَ مَجِيءُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَإِكْرَامُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "لِمَا بَعْدَهَا" أَيْ2 بَعْدَ "بَلْ" فِي الْمِثَالَيْنِ، وَهُوَ عَمْرٌو.

"وَ" إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ "فِي نَفْيٍ" نَحْوُ "مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ "لا تَضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا""فَـ" إنَّهَا "تُقَرِّرُ" حُكْمَ "مَا قَبْلَهَا" وَهُوَ نَفْيُ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "وَ" تُقَرِّرُ "ضِدَّهُ" أَيْ ضِدَّ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا "لِمَا بَعْدَهَا".

هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ [وَابْنُ] عَبْدِ الْوَارِثِ3، وَتِلْمِيذُهُ4

1 انظر معاني "بل" في "البرهان 4/ 258-260، معترك الأقران 1/ 637 وما بعدها، مغني اللبيب 1/ 119 وما بعدها، الإتقان 2/ 185 وما بعدها، الجنى الداني ص235 وما بعدها، رصف المباني ص153-157، الأزهيّة ص228-231، تأويل مشكل القرآن ص536، المفصل ص305، فواتح الرحموت 1/ 236 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص109 وما بعدها، الصاحبي ص145 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع 1/ 343 وما بعدها، كشف الأسرار 2/135 وما بعدها".

2 في ش: أي لما.

3 هو محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الوارث، أبو الحسين الفارسي النحوي، ابن اخت أبي علي الفارسي وتلميذه، وإمام النحو من بعده، أشهر تصانيفه "كتاب الهجاء" و "كتاب الشعر". توفي سنة 421هـ. "انظر ترجمته في إنباه الرواة 3/ 116، بغية الوعاة 1/ 94، معجم الادباء 18/ 186".

4 في ش: وتلميذ.

ص: 260

الْجُرْجَانِيُّ1 - مَعَ ذَلِكَ- أَنْ تَكُونَ نَاقِلَةً الْحُكْمَ2 الأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا، كَمَا فِي الإِثْبَاتِ وَمَا فِي حُكْمِهِ. فَيُحْتَمَلُ عِنْدَهُمْ فِي نَحْوِ:"مَا قَامَ عَمْرٌو، بَلْ زَيْدٌ"، وَفِي:"لا تَضْرِبْ زَيْدًا، بَلْ عَمْرًا" أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ "لا تَضْرِبْ عَمْرًا" أَيْضًا.

"وَ" لا تَكُونُ "بَلْ" عَاطِفَةً إنْ وَقَعَتْ "قَبْلَ جُمْلَةٍ" وَإِنَّمَا تَكُونُ "لابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ" وَهُوَ ضَرْبَانِ:

- ضَرْبٌ "لإِبْطَالِ" الْحُكْمِ السَّابِقِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} 3. وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} 4.

- وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ انْتِقَالٍ" أَيْ إضْرَابٌ لانْتِقَالٍ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ مِنْ غَيْرِ إبْطَالِ الأَوَّلِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ} 5 وقَوْله6 تَعَالَى: {بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا

1 هو عبد القاهر بن عبد الرحمن، أبو بكر الجرجاني الشافعي النحوي، الإمام المشهور، أخذ عن أبي الحسين بن عبد الوارث ابن اخت أبي علي الفارسي ولم يأخذ عن غيره، وكان من كبار أئمة العربية والبيان، أشهر كتبه "إعجاز القرآن" و "المقتصد في شرح الإيضاح" و "الجمل" وغيرها. توفي سنة 471هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 2/ 106، إنباه الرواة 2/188، شذرات الذهب 3/ 340، طبقات الشافعية للسبكي 5/ 149، الوافي بالوفيات 1/ 612، طبقات المفسرين للداودي 1/ 320".

2 في ش: حكم.

3 الآية 70 من المؤمنون.

4 الآية 26 من الأنبياء.

5 الآيتان 62، 63 من المؤمنون.

6 في ش: وقال.

ص: 261

عَمُونَ} 1. فَفِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ لَمْ تُبْطِلْ شَيْئًا مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا فِيهِ انْتِقَالٌ 2 مِنْ خَبَرٍ عَنْهُمْ 2 إلَى خَبَرٍ آخَرَ.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الإِضْرَابَ الانْتِقَالِيَّ قَطْعٌ لِلْخَبَرِ لا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ مَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ عَاطِفَةٌ أَيْضًا، لَكِنْ جُمْلَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ3 وَصَرَّحَ بِهِ وَلَدُهُ4 فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ".

1 الآية 66 من النمل.

2 في ش: عنهم من خبر.

3 انظر تسهيل الفوائد ص177.

4 وولد ابن مالك هذا: هو محمد بن محمد بن عبد الله، بدر الدين بن مالك. قال الصفدي:"كان إماماً فهماً ذكياً حادّ الخاطر إماماً في النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والأصول". أشهر مصنفاته "شرح ألفية والده" و "شرح كافيته" وشرح الحاجبية. توفي سنة 686هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 225، شذرات الذهب 5/ 398، طبقات الشافعية للسبكي 8/ 98". وكلمة "ولده" ساقطة من ش.

ص: 262

"أَوْ"

"أَوْ"1 حَرْفُ عَطْفٍ، وَتَأْتِي "لِشَكٍّ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} 2 وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "إمَّا" الَّتِي لِلشَّكِّ: أَنَّ الْكَلامَ مَعَ "إمَّا" لا يَكُونُ إلَاّ مَبْنِيًّا عَلَى الشَّكِّ، بِخِلافِ "أَوْ" فَقَدْ يَبْنِي الْمُتَكَلِّمُ كَلامَهُ عَلَى الْيَقِينِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الشَّكُّ.

"وَ" تَأْتِي لِـ "إبْهَامٍ" وَيُعَبَّرُ عَنْهُ3 أَيْضًا بِالتَّشْكِيكِ، نَحْوُ "قَامَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو". إذَا عَلِمْت الْقَائِمَ مِنْهُمَا. وَلَكِنْ قَصَدْت الإِيهَامَ عَلَى الْمُخَاطَبِ. فَهَذَا تَشْكِيكٌ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِبْهَامٌ مِنْ جِهَةِ السَّامِعِ.

"وَ" تَأْتِي "أَوْ"4 أَيْضًا5 لِـ "إبَاحَةٍ" نَحْوُ "جَالِسْ الْحَسَنَ، أَوْ ابْنَ سِيرِينَ".

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَخْيِيرٍ" نَحْوُ6 "خُذْ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا". وَمِنْهُ "تَزَوَّجْ هِنْدًا أَوْ أُخْتَهَا". وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ

1 انظر معاني "أو" في "معترك الأقران 1/ 612-615، الجنى الداني ص227-232، رصف المباني ص131-134، كشف الأسرار 2/ 143 وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص543 وما بعدها، الأزهيّة ص115-130، مغني اللبيب 1/ 64-71، الإتقان 2/ 175-178، المحلي على جمع الجوامع 1/ 336 وما بعدها، البرهان 4/ 209-214، الصاحبي ص127 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص105، فواتح الرحموت 1/ 238 وما بعدها، المفصل ص204 وما بعدها".

2 الآية 113 من المؤمنون.

3 في ز: عنها.

4 ساقطة من ش ع.

5 ساقطة من ع.

6 ساقطة من ز.

ص: 263

مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 1 وَحَدِيثِ الْجُبْرَانِ: "فِي الْمَاشِيَةِ شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا"2.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: امْتِنَاعُ الْجَمْعِ فِي التَّخْيِيرِ، وَجَوَازُهُ فِي الإِبَاحَةِ.

"وَ" تَأْتِي "أَوْ"3 أَيْضًا لِـ "مُطْلَقِ جَمْعٍ"4 كَالْوَاوِ نَحْوُ5 قَوْله تَعَالَى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} 6 عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَقْسِيمٍ" نَحْوُ "الْكَلِمَةُ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ". وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالتَّفْرِيقِ7. وَقَالَ: "إنَّهُ أَوْلَى مِنْ لَفْظِ التَّقْسِيمِ".

"وَ" تَأْتِي "أَوْ" أَيْضًا "بِمَعْنَى إلَى" نَحْوُ "لأَلْزَمَنَّك أَوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي".

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى "إلَاّ" نَحْوُ "لأَقْتُلَنَّ الْكَافِرَ أَوْ يُسْلِمَ"، أَيْ إلَاّ

1 الآية 89 من المائدة.

2 هذا جزء من حديث طويل رواه أنس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعاً في بيان زكاة المواشي. وقد أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد والحاكم والبيهقي والشافعي، وصححه ابن حبان والدارقطني وغيرهما. قال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء، ولم يخالفه أحد. "انظر نيل الأوطار 4/ 140، سنن أبي داود 1/ 359، صحيح البخاري بحاشية السندي 1/ 251، مستدرك الحاكم 1/ 360، سنن البيهقي 4/ 100، سنن النسائي 5/ 13".

3 ساقطة من ش.

4 في ش ع: الجمع.

5 في ش: في.

6 الآية 147 من الصافات.

7 انظر تسهيل الفوائد ص176.

ص: 264

أَنْ1 يُسْلِمَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ2:

وَكُنْت إذَا غَمَزْت قَنَاةَ قَوْمٍ

كَسَرْت كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا

أَيْ إلَاّ أَنْ تَسْتَقِيمَ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "أَوْ" بِمَعْنَى "إضْرَابٍ كَـ بَلْ" وَمَثَّلُوهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَزِيدُونَ} 3 عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ4 يَجْعَلْهَا فِي الآيَةِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ.

1 ساقطة من ش.

2 البيت لأبي أمامة زياد الأعجم، نسبه إليه سيبويه "1/428" والأصبهاني في الأغاني "13/ 90" والهروي في الأزهية "ص128" والسيرافي في شرح أبيات سيبويه "2/162" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "4/385" والسيوطي في شرح شواهد المغني "1/205" وحكى نسبته إليه البغدادي في شرح أبيات المغني "2/70". ومعنى البيت: أنه إذا هجا قوماً أبادهم بالهجاء وأهلكهم، إلا أن يتركوا سبّه وهجاءه.

3 الآية 147 من الصافات.

4 ساقطة من ش.

ص: 265

"لَكِنْ"

"لَكِنْ"1 تَكُونُ "لِعَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ" وَمَعْنَى الاسْتِدْرَاكِ: أَنْ تَنْسُبَ لِمَا بَعْدَهَا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ مَا قَبْلَهَا، وَلِذَلِكَ2 لا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا كَلامٌ مُنَاقِضٌ لِمَا بَعْدَهَا.

إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تَكُونُ حَرْفَ عَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ بِشَرْطَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ.

وَالثَّانِي: أَنْ لا تَقْتَرِنَ بِالْوَاوِ - عِنْدَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ- وَالتَّالِي لَهَا3 مُفْرَدٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ:"إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ فِي نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ" نَحْوُ "مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو" وَ "لا يَقُمْ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو".

"وَ" تَكُونُ لَكِنْ "قَبْلَ جُمْلَةٍ لابْتِدَاءٍ" لا حَرْفِ عَطْفٍ، وَتَقَعُ هُنَا بَعْدَ إيجَابٍ وَنَفْيٍ وَنَهْيٍ وَأَمْرٍ لا4 اسْتِفْهَامٍ.

1 انظر معاني "لكن" في "مغني اللبيب 1/ 323 وما بعدها، الجنى الداني ص586-592، رصف المباني ص274-278، كشف الأسرار 2/ 139 وما بعدها، الإتقان 2/ 232، معترك الأقران 2/ 248، المفصل ص305، فواتح الرحموت 1/ 237 وما بعدها، الصاحبي ص170، البرهان 4/389 وما بعدها".

2 في ش: وكذلك.

3 ساقطة من ش.

4 في ش: و.

ص: 266

"الْبَاءُ"

"الْبَاءُ"1 تَكُونُ "لإِلْصَاقٍ حَقِيقَةً" نَحْوُ "أَمْسَكْت 2 الْحَبْلِ بِيَدِي 2""وَمَجَازًا" نَحْوُ "مَرَرْت بِزَيْدٍ" فَإِنَّ الْمُرُورَ لَمْ يُلْصَقْ بِهِ، وَإِنَّمَا أُلْصِقَ بِمَكَانٍ يَقْرُبُ مِنْ زَيْدٍ.

وَمَعْنَى الإِلْصَاقِ: أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إلَى الاسْمِ، فَيُلْصَقُ بِهِ بَعْدَ مَا كَانَ لا يُضَافُ إلَيْهِ لَوْلا دُخُولُهَا، نَحْوُ "خُضْت الْمَاءَ بِرِجْلِي"، وَ "مَسَحْت بِرَأْسِي".

وَالْبَاءُ لا تَنْفَكُّ عَنْ الإِلْصَاقِ، إلَاّ أَنَّهَا قَدْ تَتَجَرَّدُ3 لَهُ، وَقَدْ يَدْخُلُهَا مَعَ ذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا سِيبَوَيْهِ4 مَعْنًى غَيْرَهُ.

"وَلَهَا مَعَانٍ" أُخَرُ:

أَحَدُهَا: التَّعْدِيَةُ، وَتُسَمَّى بَاءَ النَّقْلِ وَهِيَ الْقَائِمَةُ مَقَامَ الْهَمْزَةِ فِي تَصْيِيرِ الْفَاعِلِ مَفْعُولاً نَحْوُ5 قَوْله تَعَالَى: {ذَهَبَ اللَّهُ

1 انظر معاني الباء في "الجنى الداني ص36- 56، الأزهيّة ص294-297، رصف المباني ص142-152، مغني اللبيب 1/ 106-118، تأويل مشكل القرآن ص568، 575، 578، البرهان 4/ 252-257، معترك الأقران 1/ 634-637، أوضح المسالك 3/ 35-38، الصاحبي ص105-107، الإشارة إلى الإيجاز ص36 وما بعدها، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص41 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص104 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 62، القواعد والفوائد الأصولية ص140، 143، فواتح الرحموت 1/ 242، الاتقان 2/ 182-185، المفصل ص285، المحلي على جمع الجوامع 1/ 342 وما بعدها، كشف الأسرار 2/ 167 وما بعدها، المسودة ص356".

2 في ش: بالحبل.

3 في ش: تجرد.

4 انظر الكتاب لسيبويه 2/ 304.

5 في ش: في.

ص: 267

بِنُورِهِمْ} 1 وَأَصْلُهُ: 2 ذهَبَ نُورَهُمْ 2.

الثَّانِي: الاسْتِعَانَةُ: وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى آلَةِ الْفِعْلِ وَنَحْوِهَا، نَحْوُ:"كَتَبْت بِالْقَلَمِ"، وَ "قَطَعْت بِالسِّكِّينِ"، وَمِنْهُ {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} 3.

الثَّالِثُ: السَّبَبِيَّةُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} 4 وَأَدْرَجَ فِي "التَّسْهِيلِ" بَاءَ الاسْتِعَانَةِ فِي بَاءِ السَّبَبِيَّةِ5.

الرَّابِعُ: التَّعْلِيلِيَّةُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا} 6.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ مُوجِبَةٌ لِمَعْلُولِهَا، بِخِلافِ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ، فَهُوَ كَالأَمَارَةِ7.

الْخَامِسُ: الْمُصَاحَبَةُ، "وَهِيَ الَّتِي"8 يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا9 "مَعَ" أَوْ يُغْنِي عَنْهَا وَعَنْ مَصْحُوبِهَا الْحَالُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ} 10 أَيْ مَعَ الْحَقِّ، أَوْ مُحِقًّا11.

السَّادِسُ: الظَّرْفِيَّةُ 12 بِمَعْنَى "فِي" لِلزَّمَانِ 12، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:

1 الآية 17 من البقرة.

2 في ش: أذهب الله نورهم.

3 الآية 45 من البقرة.

4 الآية 40 من العنكبوت.

5 انظر تسهيل الفوائد لابن مالك ص145.

6 الآية 160 من النساء.

7 في ش: كالإشارة.

8 في ع ض ز ب: وهو الذي.

9 في ض: موضوعها.

10 الآية 170 من النساء.

11 في ش: حقاً.

12 في ش: معنى في الزمان.

ص: 268

{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ} 1 وَلِلْمَكَانِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ} 2، وَرُبَّمَا كَانَتْ الظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةً، نَحْوُ "بِكَلامِك بَهْجَةٌ".

السَّابِعُ: الْبَدَلِيَّةُ بِأَنْ يَجِيءَ مَوْضِعُهَا "بَدَلَ"، نَحْوُ قَوْلِهِ [صلى الله عليه وسلم] فِي الْحَدِيث:"مَا يَسُرُّنِي بِهَا حُمْرُ النَّعَمِ" 3 أَيْ بَدَلَهَا.

الثَّامِنُ: الْمُقَابَلَةُ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الأَثْمَانِ وَالأَعْوَاضِ4. نَحْوُ "اشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِأَلْفٍ"، وَدُخُولُهَا غَالِبًا عَلَى الثَّمَنِ. وَرُبَّمَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُثَمَّنِ. قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} 5 وَلَمْ يَقُلْ: وَلا تَشْتَرُوا آيَاتِي بِثَمَنٍ قَلِيلٍ.

التَّاسِعُ: الْمُجَاوَزَةُ بِمَعْنَى "عَنْ" وَتَكْثُرُ بَعْدَ السُّؤَالِ نَحْوُ: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} 6 وَتَقِلُّ بَعْدَ غَيْرِهِ نَحْوُ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} 7 وَهُوَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وَتَأَوَّلَهُ الشَّلَوْبِينَ عَلَى أَنَّهَا بَاءُ السَّبَبِيَّةِ.

1 الآيتان 137، 138 من الصافات.

2 الآية 123 من آل عمران.

3 الحديث رواة محمد بن إسحاق عن محمد بن زيد بن المهاجر عن طلحة بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن حلف الفضول: "لقد شهد في دار عبد الله بن جُدعان حِلْفَاً ما أحبُّ أنْ لي به حُمُرَ النُعَم، ولو أدعى به في الإسلام الأجبت". كما روي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين.

والمراد بقوله "ما أحبُّ أن لي به حمر النعم" أنني لا أحب نقضه وإن دُفع لي حمر النعم في مقابلة ذلك، وهذ الحلف كان في الجاهلية وتعاقدت فيه قبائل من قريش وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه على مَنْ ظلمه حتى ترد إليه مظلمته. "انظر سيرة ابن هشام 1/ 145، البداية والنهاية 2/ 293، شفاء الغرام 2/ 99 وما بعدها، الاكتفاء للكلاعي 1/ 89".

4 في ع: الأعراض.

5 الآية 41 من البقرة.

6 الآية 59 من الفرقان.

7 الآية 25 من الفرقان.

ص: 269

الْعَاشِرُ: الاسْتِعْلاءُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} 1 أَيْ عَلَى دِينَارٍ. وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي2 فِي "الْبُرْهَانِ" عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.

الْحَادِيَ عَشَرَ: الْقَسَمُ، وَهُوَ أَصْلُ حُرُوفِهِ، نَحْوُ "بِاَللَّهِ لأَفْعَلَنَّ".

الثَّانِي3 عَشَرَ: الْغَايَةُ. نَحْوُ {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} 4 أَيْ إلَيَّ.

الثَّالِثَ 3 عَشَرَ: التَّوْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ إمَّا مَعَ الْفَاعِلِ5، نَحْوُ "أَحْسِنْ بِزَيْدٍ"6، عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فَاعِلٌ، أَوْ مَعَ7 الْمَفْعُولِ، نَحْوُ8:{وَهُزِّي إلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} 9، أَوْ مَعَ الْمُبْتَدَأِ. نَحْوُ "بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ"، أَوْ الْخَبَرُ نَحْوُ:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} 10.

1 الآية 75 من آل عمران.

2 هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، أبو المعالي، الملقب بضياء الدين، المعروف بإمام الحرمين. قال ابن خلكان:"إعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم، أشهر مصنفاته "نهاية المطلب" في الفقه و "البرهان" في أصول الفقه و "الإرشاد" و "الشامل" في أصول الدين و "غياث الأمم" في الأحكام السلطانية. توفي سنة 478هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 2/ 341 وما بعدها، طبقات الشافعية للسبكي 5/ 165 وما بعدها، المنتظم 9/ 18، شذرات الذهب 3/ 358".

3 ساقطة من ش.

4 الآية 100 من يوسف.

5 في الأصول الخطية كلها: الفعل. ليس بصواب.

6 قال ابن هاشم: إن الأصل "أحسن زيدّ" بمعنى صار ذا حُسْنٍ، ثم غْيّرت صيعة الخبر إلى الطلب، وزيدت الباء إصلاحاً للفظ، "مغني اللبيب 1/ 112".

7 في الأصول الخطية كلها: معنى. وليس بصواب.

8 في ش: ونحو.

9 الآية 25 من مريم.

10 الآية 36 من الزمر.

ص: 270

الرَّابِعَ1 عَشَرَ: التَّبْعِيضُ. قَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ وَالأَصْمَعِيُّ وَالْفَارِسِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ2 نَحْوُ: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} 3 أَيْ مِنْهَا.

وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} 4 وَأَنْكَرَهُ ابْنُ جِنِّي5 وَغَيْرُهُ6.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ7: "إنَّهَا هُنَا تُفِيدُ فَائِدَةً غَيْرَ التَّبْعِيضِ، وَهُوَ الدَّلالَةُ عَلَى مَمْسُوحٍ8 بِهِ. قَالَ: وَالأَصْلُ فِيهِ: "امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ". فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ. وَالأَصْلُ: رُءُوسَكُمْ بِالْمَاءِ"9.

1 في ش: الثالث.

2 انظر تسهيل الفوائد ص145.

3 الآية 6 من الإنسان.

4 الآية 6 من المائدة.

5 فقال: "فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي رحمه الله عنه من أن الباء للتبعيض، فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثَبَتٌ". "سر صناعة الإعراب 1/ 139".

6 كابن دريد وابن عرفة وابن برهان وغيرهم. "انظر القواعد والفوئد الأصولية ص140 وما بعدها".

7 هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الا شبيلي، المعروف بأبي بكر بن العربي القاضي، كان إماماُ من أئمة المالكية، أقرب إلى الاجتهاد منه إلى التقليد، محدثاً فقيهاً أصولياً مفسراً. أديباً متكلماً، أشهر كتبه "أحكام القرآن" و "الإنصاف في مسائل الخلاف" و "المحصول في علم الأصول" و "عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي" وغيرها، توفي سنة 543هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 3/ 423، الديباج المذهب 2/ 252، شذرات الذهب 4/ 141، طبقات المفسرين للداودي 2/ 162، الفتح المبين 2/28".

8 في ش: الممسوح.

9 ونص كلام ابن العربي كما جاء في كتابه "أحكام القرآن": "ظن ً بعض الشافعية وحشوية النحوية أن الباء للتبعيض، ولم يبق ذو لسان رطب إلاً وقد أفاض في ذلك، حتى صار الكلام فيها إخلالاً با لمتكلم ولايجوز لمن شدا طرفاً من العربية أن يعتقد في الباء ذلك

إلى أن يقول: وذلك أن قوله "وامسحوا" يقتضي ممسوحا به، والممسوح الأول هو المكان، والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح كاليد، والمحصّل للمقصود من المسح وهو المنديل، وهذه ظاهرة لا خفاء به. فإذا ثبت هذا، فلو قال "امسحوا رءوسكم" لأجراً المسح باليد إمرار من غير شيء على الرأس، لا ماء ولا سواه، فجاء بالباء ليفيد ممسوحاً به وهو الماء، فكأنه قال "فاسمحوا برءوسكم الماء" من باب المقلوب، والعرب تستعمله

الح". "أحكام القرآن 2/ 569".

ص: 271

"إذَا"

"إذَا"1 تَأْتِي "لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا" وَهِيَ الَّتِي يَقَعُ بَعْدَهَا الْمُبْتَدَأُ، فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ. فَإِنَّ الْوَاقِعَ بَعْدَهَا الْفِعْلُ. وَقَدْ اجْتَمَعَا فِي قَوْله تَعَالَى:{ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} 2.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُفَاجَأَةِ: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} 3، وَلا تَحْتَاجُ "إذًا" الْمُفَاجَأَةُ إلَى جَوَابٍ. وَمَعْنَاهَا الْحَالُ.

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: "وَمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ: حُضُورُ الشَّيْءِ مَعَك فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِك الْفِعْلِيَّةِ، وَتَصْوِيرُهُ فِي قَوْلِك4: "خَرَجْت فَإِذَا الأَسَدُ" [فَمَعْنَاهُ] 5، حُضُورُ الأَسَدِ مَعَك فِي زَمَنِ وَصْفِك بِالْخُرُوجِ، أَوْ فِي مَكَان خُرُوجَك6، وَحُضُورُهُ7 مَعَك8 فِي مَكَانِ خُرُوجِك أَلْصَقُ بِك مِنْ

1 انظر معاني "إذا" في "مغني اللبيب 1/ 92-105، رصف المباني ص61 وما بعدها، الأزهيّة ص211 وما بعدها، الجنى الداني ص367-380، البرهان 4/ 190-206، كشف الأسرار 2/ 193 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 341، الإتقان 2/ 147-152، فواتح الرحموت 1/ 248 وما بعدها، معترك الأقران 1/ 580-585".

2 الآية 25 من الروم.

3 الآية 20 من طه.

4 في ش: قوله.

5 زيادة من نص كلام ابن الحاجب الذي نقله عنه السيوطي في الاتقان 2/ 148 ومعترك الأقران 1/ 580، بيد أنَّها في المعترك "معناه".

6 في ش: يخرج خروجك.

7 كذا في نص ابن الحاجب كما نقله عنه السيوطي في الاتقان 2/ 148 ومعترك الأقران 1/ 580، وفي ش ز: أو. وفي د ع ب ض: إذ.

8 في ش: معه.

ص: 272

حُضُورِهِ فِي زَمَنِ خُرُوجِك1؛ لأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ يَحْصُك2 دُونَ مَنْ أَشْبَهَك. وَذَلِكَ الزَّمَانُ لا يَخُصُّكَ3 دُونَ مَنْ أَشْبَهَك. وَكُلَّمَا كَانَ أَلْصَقَ كَانَتْ الْمُفَاجَأَةُ فِيهِ أَقْوَى".

"وَ" تَأْتِي "إذَا""ظَرْفًا لِـ" زَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ لا مَاضٍ وَحَالٍ، مُتَضَمِّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ غَالِبًا" وَلِذَلِكَ تُجَابُ هِيَ بِمَا تُجَابُ بِهِ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ نَحْوُ "إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقُمْ إلَيْهِ"، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا، إلَاّ أَنَّهَا ضُمِّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرْطِ: فَلَمْ يُجْزَمْ بِهَا الْمُضَارِعُ، وَلا تَكُونُ إلَاّ فِي الْمُحَقَّقِ. وَمِنْهُ:{وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ} 4 لأَنَّ مَسَّ الضُّرِّ فِي الْبَحْرِ مُحَقَّقٌ.

وَلَمَّا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْبَحْرِ أَتَى5 بِـ "إِنْ" الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ نَحْوُ: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} 6.

وَتَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ7 الْمَعْنَى.

وَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمَتْنِ مِنْ كَوْنِ "إذَا" لا تَجِيءُ لِمَاضٍ وَلا لِحَالٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَتَأَوَّلُوا مَا أَوْهَمَ خِلافَ ذَلِكَ.

1 في ش: خروجه.

2 في ش: يحصل.

3 في ش: لا يحصل.

4 الآية 67 من الإسراء.

5 في ش: أي.

6 الآية 51 من فصلت. وقد جاء في الأصول الخطية كلها "وإن مسه الشر فذو دعاء عريض" وهو خطأ في الآية. فذكرنا الصواب، الآية لا تصلح شاهداً لكلامه، وإنما الذي يشهد له قوله تعالى:{وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} الآية 49 من فصلت.

7 في ش: الاسمية الفعليه.

ص: 273

وَمِمَّا 1 أَوْهَمَ مَجِيئَهَا لِلْمَاضِي: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} 2 {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} 3 وَمِمَّا 1 أَوْهَمَ مَجِيئَهَا لِلْحَالِ4 نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى} {وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى} 6.

وَقَالُوا: إنَّهَا لَمَّا جُرِّدَتْ هُنَا عَنْ الشَّرْطِ جُرِّدَتْ عَنْ الظَّرْفِ. فَتَكُونُ هُنَا لِمُجَرَّدِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا مُخْتَصَّةً بِأَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ.

1 ساقطة من ش.

2 الآية 92 من التوبة.

3 الآية 11 من الجمعة.

4 في ز: لحال.

5 الآية الأولى من الليل.

6 الآية الأولى من النجم.

ص: 274

"إذْ"

"إذْ"1 بِإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ "اسْمٌ" لإِضَافَتِهَا فِي نَحْوِ: {بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا} 2 وَلِتَنْوِينِهَا3 فِي نَحْوِ "يَوْمَئِذٍ"4 "لِـ" زَمَنٍ "مَاضٍ" فَقَطْ.

"وَفِي قَوْلٍ" لِزَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ" مِثْلُ "إذَا" وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ5 وَطَائِفَةٌ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} 6.

وَأَجَابَ الأَكْثَرُ عَنْ الآيَةِ وَنَحْوِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. مِثْلُ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} 7.

إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ: فَتَأْتِي "ظَرْفًا" لِزَمَنٍ مَاضٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} 8.

"وَ" تَأْتِي "مَفْعُولاً بِهِ" نَحْوُ: {وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} 9.

1 انظر معاني "إذ" في "معترك الأقران 1/ 576-580، الإتقان 2/ 144-147، الجنى الداني ص185-192، البرهان 4/ 207 وما بعدها، رصف المباني ص59 وما بعدها، مغني اللبيب 1/ 84-92، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 339 وما بعدها، الصاحبي ص140".

2 الآية 8 من آل عمران.

3 في ش ض: وتنوينها.

4 في ش: حينئذ.

5 انظر تسهيل الفوائد ص93.

6 الآيتان 70، 71 من غافر.

7 الآية الأولى من النحل.

8 الآية 40 من التوبة.

9 الآية 86 من الأعراف.

ص: 275

"وَ" تَأْتِي "بَدَلاً مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْمَفْعُولِ. نَحْوُ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إذْ انْتَبَذَتْ} 1 فَإِذْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَرْيَمَ.

"وَ" تَأْتِي "لِتَعْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ} 2. وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ} 3.

"وَ" تَأْتِي لِ "مُفَاجَأَةٍ" وَهِيَ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ "بَيْنَا"4 وَ "بَيْنَمَا"، نَحْوُ قَوْلِك:"بَيْنَا أَنَا5 كَذَا إذْ جَاءَ زَيْدٌ" وَ:

فَبَيْنَمَا6 الْعُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ7

نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ8.

وَتَكُونُ "حَرْفًا" فِي مَجِيئِهَا لِلتَّعْلِيلِ وَالْمُفَاجَأَةِ.

1 الآية 16 من مريم.

2 الآية 39 من الزخرف.

3 الآية 11 من الأحقاف.

4 كذا في الجنى الداني ومغني اللبيب والمحلي على جمع الجوامع. وفي الأصول الخطية كلها: بين.

5 ساقطة من ش.

6 كذا في الكتاب لسيبويه ومغني اللبيب والشذور وغيرها، وفي الأصول الخطية كلها: بنما.

7 هذا عجز البيت، وصدره:

استقدر الله خيراً وارضين به

وقد اختلف5 في قائله، فنسبه أبو حاتم السجستاني في كتابه "المعمرين" على حريث بن جبلة العذري وحكى ابن الأنباري أنه لعثير بن لبيد العذري، ونسبه البعض إلى عثمان بن لبيد، ونسبه غيرهم إلى جبلة بن الحويرث العذري. وقيل غير ذلك في

وقد استشهد به سيبويه في الكتاب وابن هشام في شذور الذهب ومغني اللبيب ولم ينسباه. "انظر شرح شواهد المغني للبغدادي 2/ 168 وما بعدها، تحقيق العلامة عبد العزيز الميمني في هذا البيت في هامش سمط اللآلي 2/ 800".

8 الكتاب لسيبويه 2/ 158".

ص: 276

"لَوْ"

"لَوْ"1 حَرْفُ امْتِنَاعٍ لامْتِنَاعٍ" فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الثَّانِي لامْتِنَاعِ الأَوَّلِ، فَقَوْلُك: "لَوْ جِئْتَنِي لأَكْرَمْتُك". دَالٌّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِكْرَامِ، لانْتِفَاءِ الْمَجِيءِ.

وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَوَابَهَا قَدْ لا يَكُونُ مُمْتَنِعًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ2 فِي "الْحِلْيَةِ": أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ3: "إنَّهُ شَدِيدُ 4 الْحُبِّ لِلَّهِ 4 لَوْ كَانَ لا يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ"5.

1 انظر معاني "لو" في "رضف المباني ص289-292، معترك الأقران 2/ 253-257، الإتقان 2/ 236-239، مغني اللبيب 1/ 283-301، الجنى الداني ص272-290، البرهان 4/ 363-375، الطراز 2/ 211-215، الصاحبي ص163، المفصل ص320 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص107 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 249، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 352-360".

2 هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الشافعي الحافظ، أحد الأفذاذ الذين جمعوا بن الرواية والدراية. قال ابن النجار:"هو تاج المحدثين وأحد أعلام الدين". أشهر مصنفاته "حلية الأولياء" و "تاريخ أصبهان" و "دلائل النبوة" و "معرفة الصحابة" و "المستخرج على صحيح البخاري" توفي سنة 430هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي 4/ 18 وما بعدها، وفيات الأعيان 1/ 75، المنتظم 8/ 100، شذرات الذهب 3/ 245".

3 هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله، أصله من فارس، وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين. قال النووي:"والأحاديث الصحيحة في فضله كثيرة". وقد أعتقته مولاته بثينة امرأة أبي حذيفة الأنصاري، فتولاه أبو حذيفة وتبناه، شهد بدراً وأحداً والخندق وسائر المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل شهيداً يوم اليمامة وهو يحمل لواء المسلمين وذلك في سنة 12هـ. "انظر ترجمته في الإصابة 2/ 6، الاستيعات 2/ 70، تهذيب الأسماء واللغات 1/ 206، حلية الأولياء 1/ 176".

4 في ش: المحبة.

5 حلية الأولياء 1/ 177، وقد قال العجلوني أن سنده في رواية أبى نعيم ضعيف، وأنه رواه الديلمي أيضاً. "كشف الخفا 2/ 323".

ص: 277

وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ لانْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبَيْنِ: الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ. فَلَوْ انْتَفَى الْخَوْفُ لَمْ تُوجَدْ الْمَعْصِيَةُ لِوُجُودِ الآخَرِ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ.

وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: "إنَّهَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ"1، يَعْنِي أَنَّهَا تَقْتَضِي فِعْلاً مَاضِيًا كَانَ يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ. وَالْمُتَوَقَّعُ غَيْرُ وَاقِعٍ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلاً امْتَنَعَ لامْتِنَاعِ مَا كَانَ ثَبَتَ لِثُبُوتِهِ.

وَقِيلَ: إنَّهَا لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، أَيْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي كَمَا تَدُلُّ "إنْ" عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ شَرْطٍ وَلا جَوَابٍ.

وَقِيلَ: إنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ، وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ، أَيْ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:

- أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ، وَهُوَ شَرْطُهُ.

- وَالأَمْرُ الثَّانِي: كَوْنُ مَا يَلِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِتَالِيهِ، وَهُوَ جَوَابُهُ، وَلا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَوَابِ فِي نَفْسِ الأَمْرِ وَلا ثُبُوتِهِ. فَإِذَا قُلْت:"لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ2 عَمْرٌو". فَقِيَامُ زَيْدٍ مَحْكُومٌ3 بِانْتِفَائِهِ فِي مَا مَضَى4، وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ قِيَامِ عَمْرٍو، وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ أَوْ لا5؟ لَيْسَ فِي الْكَلامِ تَعَرُّضٌ لَهُ.

وَصَحَّحَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ السُّبْكِيُّ وَوَلَدُهُ التَّاجُ6. وَهِيَ فِي بَعْضِ نُسَخِ "التَّسْهِيلِ".

1 انظر الكتاب لسيبويه 2/ 307.

2 في ش: لكان.

3 في ش: المحكوم.

4 في ش: ماض.

5 ساقطة من ع.

6 انظر جمع الجوامع للتاج السبكي وشرحه للمحلي 1/ 354 وما بعدها.

ص: 278

قَالَ الْمُرَادِيُّ1 فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ": "قَالَ فِي "شَرْحِ الْكَافِيَةِ"2: الْعِبَارَةُ الْجَيِّدَةُ3 فِي "لَوْ" أَنْ يُقَالَ: "حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ تَالٍ4: يَلْزَمُ لِثُبُوتِهِ ثُبُوتُ تَالِيهِ".

فَقِيَامُ5 زَيْدٍ مِنْ قَوْلِك: "لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ عَمْرٌو"، مَحْكُومٌ بِانْتِفَائِهِ6 فِيمَا مَضَى. وَكَوْنُهُ مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتَهُ لِثُبُوتِ7 قِيَامَ عَمْرٍو. وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ آخَرُ غَيْرُ اللَاّزِمِ عَنْ قِيَامِ8 زَيْدٍ، أَوْ لَيْسَ لَهُ؟ لا تَعَرُّضَ9 لِذَلِكَ، بَلْ الأَكْثَرُ كَوْنُ10 الأَوَّلِ. وَالثَّانِي غَيْرُ وَاقِعَيْنِ"11.

"وَ" تَأْتِي "لَوْ""شَرْطًا لِـ" فِعْلٍ "مَاضٍ، فَيُصْرَفُ12 الْمُضَارِعُ إلَيْهِ" أَيْ إلَى الْمُضِيِّ13، عَكْسُ "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ. فَإِنَّهَا تَصْرِفُ الْمَاضِيَ إلَى الاسْتِقْبَالِ.

1 هو الحسن بن قاسم بن عبد الله المرادي المالكي، بدر الدين، المعروف بابن أم قاسم، النحوي اللغوي، المفسر المقرىء، الفقيه الأصولي. أشهر مصنفاته "تفسير القرآن" و "إعراب القرآن" و "شرح التسهيل" و "شرح المفصل" و "شرح الألفية" و "الجنى الداني في حروف المعاني" توفي سنة 749هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 517، طبقات المفسرين للداودي 1/ 139، الدرر الكامنة 2/ 116، شذرات الذهب 6/ 160".

2 في ع: الكافي.

3 في ش: المجيدة.

4 في ش ز: قال.

5 في ش: فقام.

6 في ش: بامتناعه.

7 ساقطة من ش.

8 في ش: قياس.

9 في شرح المرادي: لا يتعرض.

10 ساقطة من ش.

11 شرح المرادي على الألفية 4/ 272.

12 في ش ز: فينصرف.

13 في ش: المعنى.

ص: 279

وَأَنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَهَا حَرْفَ شَرْطٍ؛ 1 لأَنَّ الشَّرْطَ فِي الاسْتِقْبَالِ. وَ "لَوْ" لِلتَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالشَّرْطِ الرَّبْطُ الْمَعْنَوِيُّ الْحُكْمِيُّ فَهُوَ شَرْطٌ 1، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَعْمَلُ فِي الْجُزْأَيْنِ فَلا.

"وَ" تَأْتِي شَرْطًا "لِمُسْتَقْبَلٍ قَلِيلاً، فَيُصْرَفُ الْمَاضِي إلَيْهِ" أَيْ إلَى الاسْتِقْبَالِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} 2 قَالَ جَمَاعَةٌ.

وَخَطَّأَهُمْ ابْنُ الْحَاجِّ3 بِأَنَّك لا تَقُولُ: "لَوْ يَقُومُ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ" كَمَا تَقُولُ: "إنْ لا4 يَقُمْ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ".

وَكَذَا5 قَالَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ: عِنْدِي أَنَّهَا لا تَكُونُ لِغَيْرِ الشَّرْطِ فِي الْمَاضِي وَلا حُجَّةَ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى الْمُضِيِّ6.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ"7 "لِتَمَنٍّ" نَحْوُ: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} 8 أَيْ "فَلَيْتَ لَنَا كَرَّةً". وَلِهَذَا نُصِبَ "فَنَكُونَ".

1 ساقطة من ش.

2 الآية 17 من يوسف.

3 هو أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي، أبو العباس الإشبيلي، المعروف بابن الحاج، فرأ على الشلوبين وأمثاله. وكان بارعاً في النحو والأدب مشاركاً في الفقه والأصول. قال في البدر السافر:"برع في لسان العرب حتى لم يبق فيه من يفوقه أو يدانيه". أشهر كتبه "شرح كتاب سيبويه" و "مختصر خصائص ابن جني" و "مختصر المستصفى" توفي سنة 647هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 359، درّة الحجال 1/ 43، الدرر الكامنة 1/ 262".

4 كذا في ش ب ض. وفي ز: "إن" ساقطة. وفي ع: أن لا يقوم.

5 في ب ض: ولذا.

6 في ش: المعنى.

7 ساقطة من ع.

8 الآية 102 من الشعراء.

ص: 280

وَهَلْ هِيَ امْتِنَاعِيَّةٌ أُشْرِبَتْ مَعْنَى التَّمَنِّي، أَوْ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، أَوْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ أَغْنَتْ عَنْ التَّمَنِّي؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ.

"وَ" تَأْتِي "لَوْ"1 أَيْضًا لِـ "عَرْضٍ" نَحْوُ: "لَوْ تَنْزِلُ عِنْدَنَا2، فَتُصِيبُ خَيْرًا".

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَحْضِيضٍ" نَحْوُ "لَوْ فَعَلْت كَذَا"، أَيْ: افْعَلْ كَذَا.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَرْضَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَرِفْقٍ، وَالتَّحْضِيضُ: طَلَبٌ بِحَثٍّ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَقْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "رُدُّوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" 3 وَ "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" 4 وَ "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"5.

1 ساقطة من ش.

2 في ش: علينا.

3 أخرجه النسائي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري في تاريخه عن ابن بُجيد الأنصاري عن جدته مرفوعاً. والظِلْفُ: هو للبقر والغنم كالحافر للفرس. ومعنى مُحرَق: أي مشوي. "انظر الموطأ 2/ 923، سنن النسائي 5/ 18، مسند أحمد 4/ 70، الفتح الكبير 2/ 134".

4 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن سهل ابن سعد الساعدي مرفوعاً. "انظر صحيح البخاري 7/ 8، صحيح مسلم 2/ 1041، سنن أبي داود 2/ 318، تحفة الأحوذي 4/ 254، سنن النسائي 6/ 123، سنن ابن ماجة 1/ 608، مسند أحمد 5/ 336، أقضية النبي صلى الله عليه وسلم ص58".

5 أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن عدي بن حاتم مرفوعاً. وأخرجه الحاكم عن ابن عباس والبزار عن أبي بكر الصديق ورفعاه. "انظر صحيح البخاري 8/ 14، صحيح مسلم 2/ 703، سنن ابن ماجة 1/ 66، تحفة الأحوذي 7/ 98، مسند أحمد 4/ 258، كشف الحفا 1/ 42".

ص: 281

أَثْبَتَهُ ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ1 وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ2 فِي "الْقَوَاطِعِ" قَالَ الزَّرْكَشِيُّ3، - شَارِحُ "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" -: وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِمَّا بَعْدَهَا. لا مِنْ الصِّيغَةِ.

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ" لِمَعْنًى "مَصْدَرِيٍّ" أَثْبَتَهُ الْفَرَّاءُ وَالْفَارِسِيُّ وَالتَّبْرِيزِيُّ4 وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ. وَعَلامَتُهَا5: أَنْ يَصْلُحَ فِي مَوْضِعِهَا

1 هو محمد بن يحيى بن هاشم الخضراوي، أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي الأندلسي، ويعرف بابن البرذعي، كان أماماً في العربية والقراءات، عاكفاً على التعليم والتعلم، أشهر كتبه "فصل المقال في أبنية الأفعال" و "الإفصاح بفوائد الإيضاح" و "نقض الممتع لابن عصفورة" توفي سنة 646هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة 1/ 267".

2 هو منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي الشافعي، الشهير بابن السَّمعاني، أبو المظفر، ابن الإمام أبي منصور، الفقيه الأصولي الثبت. قال ابن السبكي عنه:"الإمام الجليل، العَلَم الزاهد الورع، أحد أئمة الدنيا"، ثم قال:"وصنف في أصول الفقه "القواطع" وهو يغني عن كل ما صنف في ذلك الفن

ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا اجمع". وله مصنفات أخرى أشهرها "البرهان" في الخلاف و "الأوساط" و "المختصر". توفي سنة 489هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي 5/ 335-346، النجوم الزاهرة 5/ 160، شذرات الذهب 3/ 393".

3 هو محمد بن بهادر بن عبد الله، بدر الدين، أبو عبد الله الزركشي الشافعي، الفقيه الأصولي المحدث، أشهر كتبه "شرح جمع الجوامع" و "البحر" في أصول الفقه و "تخريج أحاديث الرافعي". توفي سنة 794هـ. "انظر ترجمته في الدرر الكامنة 4/ 17، الفتح المبين 2/ 209، شذرات الذهب 6/ 335".

4 هو يحيى بن علي بن محمد الشيباني، أبو زكريا التبريزي، أحد أئمة اللغة والنحو والأدب، وصاحب التصانيف القيمة النافعة كـ "شرح الحماسة" و "شرح المفضليات" و "شرح ديوان المتنبي" و "شرح سقط الزند" و "شرح اللمع لابن جني" و "إعراب القرآن" و "تفسير القرآن" وغيرها. توفي سنة 502هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 5/ 238 وما بعدها، شذرات الذهب 4/ 5، المنتظم 9/ 161، معجم الأدباء 20/ 25 وما بعدها، طبقات المفسرين للداودي 2/ 372، بغية الوعاة 2/ 338، إنباه الرواة 4/ 22 وما بعدها".

5 في ع: وعلاقتها.

ص: 282

"أَنْ"، وَأَكْثَرُ وُقُوعِهَا بَعْدَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَمَنٍّ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} 1.

وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الأَكْثَرُ. وَقَالُوا: الآيَةُ وَنَحْوُهَا عَلَى2 حَذْفِ مَفْعُولِ "يَوَدُّ". وَجَوَابُ "لَوْ" أَيْ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ طُولَ الْعُمُرِ3، لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ.

1 الآية 96 من البقرة.

2 أي تُحمل.

3 في ع: التعمير.

ص: 283

"لَوْلا"

"لَوْلا"1 حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ امْتِنَاعَ جَوَابِهِ لِوُجُودِ شَرْطٍ" نَحْوُ: "لَوْلا زَيْدٌ لأَكْرَمْتُك"، أَيْ لَوْلا زَيْدٌ مَوْجُودٌ. فَامْتِنَاعُ الإِكْرَامِ لِوُجُودِ زَيْدٍ.

"وَ" تَقْتَضِي "فِي" جُمْلَةٍ "مُضَارِعَةٍ" أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مُضَارِعٍ "تَحْضِيضًا" نَحْوُ: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} 2. فَهُوَ لِلتَّحْضِيضِ، وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ.

"وَ" وَتَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ "مَاضِيَةٍ" أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مَاضٍ "تَوْبِيخًا" نَحْوُ: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} 3.

"وَ" تَقْتَضِي أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَةِ "عَرْضًا" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} 4.

1 انظر معاني "لولا" في "معترك الأقران 2/ 257 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع 1/ 351 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص109، الصاحبي ص163 وما بعدها، البرهان 4/ 376-379، مغني اللبيب 1/ 302-306، الإتقان 2/ 239 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 249، المفضل ص315 وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص540، الجنى الداني ص597-608، الأزهيّة ص175-181، رصف المباني ص292-297".

2 الآية 46 من النمل.

3 الآية 13 من النور.

4 الآية 10 من المنافقون.

ص: 284