الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في مبدأ اللغة وطريق معرفتها
…
"فَصْلٌ""مَبْدَأُ اللُّغَاتِ تَوْقِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِلْهَامٍ، أَوْ وَحْيٍ أَوْ كَلامٍ"1 عِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ2 وَالْمُوَفَّقِ وَالطُّوفِيِّ، وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَالأَشْعَرِيَّةِ.
قَالَ فِي "الْمُقْنِعِ": وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى" {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} 3 أَيْ 4 أَنَّ اللَّهَ 4 سبحانه وتعالى وَضَعَهَا. فَعَبَّرُوا عَنْ وَضْعِهِ بِالتَّوْقِيفِ لإِدْرَاكِ الْوَضْعِ5.
وَقِيلَ: أَوْ عَلَّمَهُ بَعْضَهَا، أَوْ اصْطِلاحًا سَابِقًا أَوْ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وَصِفَتَهُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} 6.
وَرُدَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَلَّمَهُ بَعْضَهَا، أَوْ اصْطِلاحًا سَابِقًا، أَوْ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وَصِفَتَهُ بِأَنَّ الأَصْلَ اتِّحَادُ الْعِلْمِ وَعَدَمُ اصْطِلاحٍ سَابِقٍ. وَأَنَّهُ عَلَّمَهُ
1 انظر تحقيق مسألة مبدأ اللغات في "المزهر 1/ 16 وما بعدها، المستصفى 1/ 318 وما بعدها، إرشاد الفحول ص12 وما بعدها، المسودة ص562، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 269 وما بعدها، نهاية السول 1/ 211، العضد على ابن الحاجب 1/ 194 وما بعدها، الخصائص لابن جني 1/ 40 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 73 وما بعدها، الصاحبي ص31 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 183، التمهيد للآسنوي ص31".
2 هو عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي المقدسي الدمشقي الحنبلي، الفقيه الزاهد، شيخ الشام في وقته. قال العليمي:"كان أماماً عالماً بالفقه والأصول، شديداً في السنّة، زاهداً عارفاً عابداً". أشهر كتبه "المبهج" و "الإيضاح" و "التبصرة في أصول الدين" توفي سنة 486هـ. "انظر ترجمته في المنهج الأحمد 2/ 160 وما بعدها، طبقات الحنابلة 2/ 248، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 68 وما بعدها، شذرات الذهب 3/ 378".
3 الآية 31 من البقرة.
4 في د ض: أنه ألهمه.
5 في ش: الوضع بالتوقيف، أي أن الله تعالى الهمه.
6 الآية 31 من البقرة.
حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ بِـ "كُلِّهَا". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ "وَعَلَّمَك أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ"1، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ:{بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ} 2 فَالتَّعْلِيمُ لِلأَسْمَاءِ. وَضَمِيرُ عَرْضِهِمْ لِلْمُسَمَّيَاتِ، وَلِظَاهِرِ قَوْلِهِ:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 3 وَلِقَوْلِهِ4 تَعَالَى: {عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} 5 وقَوْله تَعَالَى: {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} 6، وَحَمْلُهُ عَلَى اللُّغَةِ أَبْلَغُ مِنْ الْجَارِحَةِ7 وَحَمْلُهُ عَلَى اخْتِلافِ اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الإِقْدَارِ عَلَيْهَا لِعِلَّةِ الإِضْمَارِ.
وَقَالَ جَمْعٌ: إنَّ اللُّغَةَ اصْطِلاحِيَّةٌ وَضَعَهَا وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ، وَعَرَفَ الْبَاقُونَ بِإِشَارَةٍ وَتَكْرَارٍ.
وَقِيلَ: مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ تَوْقِيفٌ، وَغَيْرُهُ مُحْتَمَلٌ أَوْ اصْطِلاحٌ.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْكُلُّ مُمْكِنٌ.
وَوَقَفَ جَمْعٌ8 عَنْ الْقَطْعِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الاحْتِمَالاتِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِهَذَا الْخِلافِ فَائِدَةٌ، أَوْ لا؟
1 أخرجه البخاري في كتاب التفسير عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً في حديث الشفاعة "انظر صحيح البخاري 6/ 21، فتح الباري 8/ 113". أما مسلم فقد أخرج حديث الشفاعة بروايات متعددة، ولكن ليس فيها هذا النص. "انظر صحيح مسلم 1/ 180 وما بعدها".
2 الآية 31 من البقرة.
3 الآية 38 من الأنعام.
4 في ش: وبأنه يلزم إضافة ولقوله.
5 الآية 5 من العلق.
6 الآية 22 من الروم.
7 في ش: الحاجة.
8 في ز: جماعة.
فَذَهَبَ جَمْعٌ إلَى أَنَّهُ لا فَائِدَةَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ1 الْمَسْأَلَةُ لِتَكْمِيلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، أَوْ جَوَازِ قَلْبِ2 مَا لا يُطْلَقُ3 لَهُ بِالشَّرْعِ، كَتَسْمِيَةِ الْفَرَسِ ثَوْرًا وَعَكْسِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا جَرَتْ فِي الأُصُولِ مَجْرَى الرِّيَاضِيَّاتِ4، كَمَسَائِلِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَائِدَةُ الْخِلافِ أَنَّ5 مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيفِ جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَمَنْ جَعَلَهُ اصْطِلاحًا جَعَلَهُ مُتَأَخِّرًا مُدَّةَ الاصْطِلاحِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّوْقِيفِ، وَعَزَى الاصْطِلاحَ لِلشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيقُ6 بِاللُّغَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لإِثْبَاتِ حُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى الشَّرْعِ.
"وَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَبْقَى لَهُ اسْمَانِ" اسْمٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَاسْمٌ اصْطِلاحِيٌّ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَبَعًا لابْنِ الْبَاقِلَاّنِيِّ وَجَمْعٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الظَّاهِرِيَّةُ7.
"وَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى" سُبْحَانَهُ "تَوْقِيفِيَّةٌ لا تَثْبُتُ بِقِيَاسٍ" نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ8 عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى
1 ساقطة من ش.
2 في ش: طلب.
3 في ش: تعلق.
4 في ش: أي مضاف.
5 ساقطة من ع ض ز ب.
6 في ش: التعليق.
7 انظر المسودة ص563.
8 هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، أبو بكر المروذي، كانت أمه مروذية وأبوه خوارزمياً، وهو المقدم من أصحاب الإمام أحمد لورعه وفضله. قال ابن العماد:"كان أجل أصحاب الإمام أحمد، إماماً في الفقه والحديث، كثير التصانيف" توفي سنة 275هـ. "انظر ترجمته في طبقات الحنابلة 1/ 56 وما بعدها، المنهج الأحمد 1/ 172 وما بعدها، شذرات الذهب 2/ 166".
بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ سَمَّاهُ1 رَسُولَهُ. وَعَنْهُ وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ، بَلْ وَالْبَاقِلَاّنِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ فِي الصِّفَاتِ لا2 الأَسْمَاءِ.
قَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ حَجَرٍ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ": "اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الأَسْمَاءِ الْحُسْنَى: هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ3، بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ الأَفْعَالِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا4 إلَاّ إذَا وَرَدَ نَصٌّ "فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"5؟
فَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: إذَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ إطْلاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الْقَاضِي [أَبُو بَكْرٍ] 6 وَالْغَزَالِيُّ: الأَسْمَاءُ تَوْقِيفِيَّةٌ دُونَ الصِّفَاتِ. قَالَ: وَهَذَا [هُوَ] 7 الْمُخْتَارُ.
وَاحْتَجَّ الْغَزَالِيُّ بِالاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّهِ بِهِ أَبُوهُ، وَلا سَمَّى8 بِهِ نَفْسَهُ، وَكَذَا كُلُّ كَبِيرٍ مِنْ
1 في ش: سماه به.
2 في ش: لا في.
3 في ش: توقيفة.
4 في فتح الباري: أسماء.
5 في فتح الباري: إما في الكتاب أو السنة.
6 زيادة من فتح الباري.
7 زيادة من فتح الباري.
8 في ع ز: يسمي.
الْخَلْقِ قَالَ: فَإِذَا امْتَنَعَ [ذَلِكَ] 1 فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ فَامْتِنَاعُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى.
وَاتَّفَقُوا عَلَى2 أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ تَعَالَى اسْمٌ وَلا صِفَةٌ تُوهِمُ نَقْصًا. وَلَوْ وَرَدَ ذَلِكَ نَصًّا، فَلا يُقَالُ:"مَاهِدٌ" وَلا "زَارِعٌ" وَلا "فَالِقٌ"، وَلا نَحْوُ ذَلِكَ. وَإِنْ ثَبَتَ فِي قَوْله تَعَالَى:{فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} 3 {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} 4 {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} 5 وَنَحْوِهَا. وَلا يُقَالُ لَهُ: "مَاكِرٌ"، وَلا "بَنَّاءٌ". وَإِنْ وَرَدَ {وَمَكَرَ اللَّهُ} 6 {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} 7.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ8: الأَسْمَاءُ9 تُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ فَكُلُّ اسْمٍ وَرَدَ فِيهَا وَجَبَ إطْلاقُهُ فِي وَصْفِهِ، وَمَا لَمْ يَرِدْ لا يَجُوزُ. وَلَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ.
1 زيادة من فتح الباري.
2 ساقطة من ش.
3 الآية 48 من الذاريات.
4 الآية 64 من الواقعة.
5 الآية 95 من الأنعام.
6 الآية 54 من آل عمران.
7 الآية 47 من الذاريات.
8 هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري الشافعي، الملقب بـ "زين الإسلام" قال ابن السبكي:"كان فقيهاً بارعاً، أصولياً محققاً، متكلماً سنياً، محدثاً حافظاً، مفسراً متقناً، نحوياً لغوياً أديباً". أشهر كتبه "التفسير الكبير" و "الرسالة" و "التحبير في التذكير" و "لطائف الإشارات" وغيرها. توفي سنة 465هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي 5/ 153 وما بعدها، المنتظم 8/ 280، إنباه الرواة 2/ 193، وفيات الأعيان 2/ 375 وما بعدها، شذرات الذهب 3/ 319، طبقات المفسرين للداودي 1/ 338 وما بعدها".
9 ساقطة من ش.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ1: لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ.
وَالضَّابِطُ: أَنَّ كُلَّ مَا أَذِنَ الشَّارِعُ2 أَنْ يُدْعَى بِهِ، - سَوَاءٌ كَانَ مُشْتَقًّا أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ-، فَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ. وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، - سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَدْخُلُهُ التَّأْوِيلُ أَوْ لا-، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِهِ. وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمٌ أَيْضًا"3. انْتَهَى.
"وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ" قِسْمَانِ4:
أَحَدُهُمَا: "النَّقْلُ" فَقَطْ "تَوَاتُرًا5 فِيمَا لا يَقْبَلُ تَشْكِيكًا" كَالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ. وَنَحْوُهَا6 وَلُغَاتُ الْقُرْآنِ "وَآحَادًا فِي غَيْرِهِ" أَيْ غَيْرِ مَا لا يَقْبَلُ تَشْكِيكًا. وَهُوَ أَكْثَرُ اللُّغَةِ. فَيَتَمَسَّكُ7 بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الظَّنِّيَّةِ دُونَ الْقَطْعِيَّةِ8.
"وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: "الْمُرَكَّبُ مِنْهُ" أَيْ: مِنْ النَّقْلِ "وَمِنْ الْعَقْلِ" وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْعَقْلِ مِنْ النَّقْلِ.
مِثَالُهُ: كَوْنُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ لِلْعُمُومِ، فَإِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ
1 في ش: الزجاجي.
2 في فتح الباري: الشرع.
3 فتح الباري 11/ 175.
4 انظر "العضد على ابن الحاجب 1/ 197 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 78، المسودة ص564، المزهر 1/ 57، 113-120".
5 ساقطة من ش.
6 مما يُعْلَمْ وضعه لما يستعمل فيه قطعاً. "العضد على ابن الحاجب 1/ 198".
7 في ش: فيتمسكوا.
8 في ش: العقلية.
نَقْلِيَّتَيْنِ حَكَمَ الْعَقْلُ بِوَاسِطَتِهِمَا. إحْدَاهُمَا: أَنْ يَدْخُلَهُ الاسْتِثْنَاءُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ. فَحَكَمَ الْعَقْلُ عِنْدَ وُجُودِ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِأَنَّهُ لِلْعُمُومِ.
وَلا اعْتِبَارَ بِمَا1 يُخَالِفُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ الْمُقَدِّمَتَانِ نَقْلِيَّتَيْنِ كَانَتْ النَّتِيجَةُ أَيْضًا نَقْلِيَّةً. وَإِنَّمَا الْعَقْلُ تَفَطَّنَ لِنَتِيجَتِهَا؛ لأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذَا الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِنْ نَقْلِيَّتَيْنِ، لِعَدَمِ تَكَرُّرِ2 الْحَدِّ الأَوْسَطِ فِيهِمَا. وَإِنَّمَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ مُقَدِّمَةٍ نَقْلِيَّةٍ. وَهِيَ3 الاسْتِثْنَاءُ، - وَهُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ-، وَمُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ لازِمَةٍ لِمُقَدِّمَةٍ أُخْرَى نَقْلِيَّةٍ. وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَهُ الاسْتِثْنَاءُ عَامٌّ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمْ يَدْخُلْ الاسْتِثْنَاءُ فِيهِ، ثُمَّ جُعِلَتْ 4 هَذِهِ الْقَضِيَّةُ 4 كُبْرَى لِلْمُقَدِّمَةِ الأُخْرَى النَّقْلِيَّةِ فَصَارَ صُورَةُ الدَّلِيلِ هَكَذَا: الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يَدْخُلُهُ الاسْتِثْنَاءُ، وَكُلُّ مَا يَدْخُلُهُ الاسْتِثْنَاءُ عَامٌّ يَنْتِجُ: أَنَّ الْمُحَلَّى بِأَلْ عَامٌ5.
"وَزِيدَ" طَرِيقٌ ثَالِثٌ لِمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ: "وَ" هُوَ "الْقَرَائِنُ".
قَالَ ابْنُ جِنِّي فِي "الْخَصَائِصِ": "مَنْ قَالَ: إنَّ اللُّغَةَ لا تُعْرَفُ إلَاّ نَقْلاً. فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّهَا تُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ أَيْضًا. فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا سَمِعَ6 قَوْلَ الشَّاعِرِ:
قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ
…
طَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا7
1 في ش: بمن.
2 في ش: تكرر.
3 في ش: وهو.
4 في ض: العقلية.
5 في ش: علم.
6 في ش: دخل وسمع.
7 البيت لقريط بن أنيف، نسبه له التبريزي في شرح ديوان الحماسة "1/ 5". ومعنى البيت: أنهم لحرصهم على القتال لا ينتظر بعضهم بعضاً، لأنَّ كلاً منهم يعتقد أنَّ الإجابة تعينت عليه، فاذا سمعوا بذكر الحرب أسرعوا إليها مجتمعين ومتفرقين. "شرح الحماسة 1/ 9".
عُلِمَ أَنَّ "زَرَافَاتٍ" بِمَعْنَى جَمَاعَاتٍ"1. انْتَهَى.
"وَالأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ" فَتُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْمُرَادِ قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدْ حَكَى الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تُفِيدُهُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: لا تُفِيدُهُ مُطْلَقًا. قَالُوا: لِتَوَقُّفِ الْيَقِينِ عَلَى أُمُورٍ لا طَرِيقَ إلَى الْقَطْعِ بِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا قَدْ2 تُفِيدُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا تَوَاتُرٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ، وَلا عِبْرَةَ بِالاحْتِمَالِ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَإِلَاّ لَمْ يُوثَقْ بِمَحْسُوسٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ3.
"وَ" عِنْدَ السَّلَفِ "لا يُعَارِضُ الْقُرْآنَ غَيْرُهُ بِحَالٍ. وَحَدَثَ مَا قِيلَ أُمُورٌ قَطْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ".
فَائِدَةٌ4: قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: يُقَالُ: مَا الْمَعْنَى بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ! 5 هَلْ هُوَ 5 الظَّوَاهِرُ مَعَ النُّصُوصِ، أَوْ الظَّوَاهِرُ بِمُفْرَدِهَا؟
1 قول ابن جنيّ هذا لم نعثر عليه في كتابه "الخصائص". وقد ذكره السيوطي في المزهر "1/ 59" وعزاه لابن جني في "الخصائص". ولعل المصنف نقله عن السيوطي دون أن يرجع إلى الأصل! أو أن طبعه الخصائص فيها نقص!
2 ساقطة من ش ز.
3 انظر المسودة ص240.
4 في ش: انتهى.
5 ساقطة من ش.
وَيُقَالُ أَيْضًا: الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ مُرَادَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَلَنَا أَلْفَاظٌ نَقْطَعُ بِمَدْلُولِهَا بِمُفْرَدِهَا. وَتَارَةً بِانْضِمَامِ قَرَائِنَ أَوْ شَهَادَةِ1 الْعَادَاتِ، ثُمَّ نَمْنَعُ مُعَارَضَةَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَطْعِيِّ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
وَقَوْلُهُمْ: "الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَظْنُونِ مَظْنُونٌ" بَاطِلٌ، لأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الظَّنِّيَّةِ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا، بَلْ الْمَوْقُوفُ عَلَى الشَّكِّ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا، فَضْلاً عَنْ الظَّنِّ. وَيُعْرَفُ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ قَطْعِيَّةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الشَّكَّ فِي الرَّكَعَاتِ يُوجِبُ الإِتْيَانَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى. فَيُقْطَعُ بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَكَذَا لَوْ شَكَكْنَا فِي عَيْنِ الْحَلالِ، كَاشْتِبَاهِ مَيْتَةٍ بِمُذَكَّاةٍ، وَأَجْنَبِيَّةٍ بِأُخْتِهِ.
الثَّالِثُ: إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَانْتِفَاءُ الرَّيْبِ يَقْطَعُ بِوُجُوبِ2 الْحُكْمِ، حَتَّى لَوْ جَحَدَ وُجُوبَهُ3 كَفَرَ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ: الْقَطْعُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى غَيْرِ قَطْعِيٍّ. انْتَهَى.
"وَلا مُنَاسَبَةَ" أَيْ لا يُلْتَفَتُ إلى4 اعْتِبَارُ وُجُودِ مُنَاسَبَةٍ "ذَاتِيَّةٍ" أَيْ طَبِيعِيَّةٍ "بَيْنَ لَفْظٍ وَمَدْلُولِهِ" أَيْ مَدْلُولِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، لِمَا5 تَقَدَّمَ مِنْ6 الْمُشْتَرَكِ
1 في ش: شهادات.
2 ساقطة من ش.
3 في ش: بوجوبه.
4 ساقطة من ش.
5 في ش: كما.
6 في ش: في.
الْمَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ، كَالْقُرْءِ1 وَالْجَوْنِ2 وَنَحْوِهِمَا وَلاخْتِلافِ الاسْمِ 3 لاختلاف الأمم 3 مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنًى بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ4.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ5 الْمُعْتَزِلِيُّ الصَّيْمَرِيُّ6 - بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْمِيمِ-.
"وَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ" إذَا دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، مَعَ7 الاحْتِمَالِ 8 "عَلَى حَقِيقَتِهِ" كَالأَسَدِ مَثَلاً فَإِنَّهُ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ حَقِيقَةً وَلِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَجَازًا فَإِذَا أُطْلِقَ وَلا قَرِينَةَ كَانَ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ 8 خِلافُ الأَصْلِ9.
1 فهو موضوع للحيض والطهر، وهما نقيضان. فلو كانت الدلالة لمناسبة ذاتية لما كان ذلك. "انظر شرح العضد 1/ 192".
2 فهو موضوع الأسود والأبيض، وهما ضدان. فلو كانت الدلالة لمناسبة ذاتية لما كان ذلك. "انظر شرح العضد 1/ 193".
3 ساقطة من ش. وفي ع: لاختلاف الاسم.
4 انظر المسودة ص563، الإحكام للآمدي 1/ 73، العضد على ابن الحاجب 1/ 192 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 265، المزهر 1/ 47 وما بعدها.
5 في ش ب: سلمان.
6 هو عبّاد بن سليمان بن علي، أبو سهل، معتزلي من أهل البصرة، من أصحاب هشام بن عمرو، قال ابن النديم:"كان يخالف المعتزلة بأشياء اخترعها لنفسه". عاش في القرن الثالث الهجري، ولم نعثر على تاريخ وفاته. "انظر ترجمته في الفهرست لابن النديم ص215، فرق وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص83، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع 1/ 265".
7 في ش: نعم.
8 ساقطة من ش.
9 انظر شرح تنقيح الفصول ص112، روضة الناظر وشرحها لبدران 2/ 21.
"وَ" كَذَلِكَ إذَا دَارَ الأَمْرُ فِي 1 اللَّفْظِ بَيْنَ 1 جَرَيَانِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "عُمُومِهِ"؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الْعُمُومِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} 2 يُدْخِلُ فِي عُمُومِهِ الْحُرَّتَيْنِ وَالأَمَتَيْنِ. وَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَمَةً وَالأُخْرَى حُرَّةً، وَلا يُخَصَّصُ3 بِالْحُرَّتَيْنِ4.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا أَوْ مُفْرَدًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "إفْرَادِهِ" كَالنِّكَاحِ. فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ، أَوْ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْوَطْءِ، لا عَلَى الاشْتِرَاكِ5.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا أَوْ مُسْتَقِلاًّ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "اسْتِقْلالِهِ" وَهُوَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الأَرْضِ} 6 فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّرُ لِيُقَتَّلُوا: "إنْ قَتَلُوا"؛ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ "إنْ سَرَقُوا"، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الأَصْلُ الاسْتِقْلالُ. وَهُوَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ7.
1 في ش: اللفظين.
2 الآية 23 من النساء.
3 في ز: ولا يختص.
4 انظر شرح تنقيح الفصول ص112.
5 انظر شرح تنقيح الفصول ص112.
6 الآية 33 من المائدة.
7 انظر تفصيل الموضوع في أحكام القرآن لابن العربي 2/ 596، وانظر شرح تنقيح الفصول ص112.
"وَ" كَذَا إذَا1 دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا أَوْ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "إطْلاقِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك} 2 فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُقَيِّدُهُ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْمِلُهُ عَلَى إطْلاقِهِ؛ لأَنَّهُ الأَصْلُ. فَيَكُونُ مُجَرَّدُ الشِّرْكِ مُحْبِطًا لِمَا سَبَقَهُ مِنْ الأَعْمَالِ3.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا أَوْ مُتَأَصِّلاً فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَأْصِيلِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} 4. قِيلَ5: "لا" زَائِدَةٌ، وَأَصْلُ الْكَلامِ: "أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ". وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِي الْكَلامِ التَّأْصِيلُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ لَسْت فِيهِ، بَلْ لا يُعَظَّمُ وَلا يَصْلُحُ لِلْقَسَمِ إلَاّ إذَا كُنْت فِيهِ6.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُؤَخَّرًا أَوْ مُقَدَّمًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَقْدِيمِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} 7. فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إنَّ فِي الآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: "وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا كَانُوا8 قَبْلَ الظِّهَارِ سَالِمِينَ مِنْ الإِثْمِ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ". وَعَلَى هَذَا: فَلا يَكُونُ الْعَوْدُ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ. وَبَعْضُهُمْ
1 ساقطة من ش.
2 الآية 65 من الزمر.
3 انظر شرح تنقيح الفصول ص112.
4 الآية الأولي من البلد.
5 ساقطة من ش.
6 انظر شرح تنقيح الفصول ص112، 113.
7 الآية 3 من المجادلة.
8 في ع ب: قالوا.
يَحْمِلُهَا عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ التَّرْتِيبُ. وَعَلَى هَذَا: فَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَاّ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ1.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُؤَكَّدًا أَوْ مُؤَسَّسًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَأْسِيسِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ إلَى آخِرِهَا فَإِنْ جُعِلَ تَأْكِيدًا لَزِمَ تَكْرَارُ التَّأْكِيدِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ مَرَّاتٍ. وَالْعَرَبُ لا تَزِيدُ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى ثَلاثٍ، فَيُحْمَلُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ2.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} فِي سُورَةِ الْمُرْسَلاتِ. فَيَكُونُ الْجَمْعُ3 تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا4.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَرَادِفًا أَوْ مُتَبَايِنًا. نَحْوُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى"5. فَالنُّهَى: جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِالضَّمِّ- وَهِيَ الْعَقْلُ، فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْعُقَلاءِ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفَيْنِ. وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْبَالِغِينَ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَبَايِنَيْنِ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَبَايُنِهِ".
1 انظر شرح تنقيح الفصول ص112، 113.
2 أي على ما تقدم قبل لفظ ذلك التكذيب، ويكون التكذيب ذُكِرَ باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة، فلا يتكرر منها لفظّ، ولا يكون تأكيدّ البتة في السورة كلها. فقوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} المراد آلاء خروج اللؤلؤ والمرجان خاصة وكذلك الأمر في جميع السورة. "شرح تنقيح الفصول ص111".
3 في ش: اللفظ.
4 انظر شرح تنقيح الفصول ص112، 113.
5 قال الزيلعي: روى من حديث ابن مسعود ومن حديث أبي مسعود ومن حديث البراء بن عازب. فأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عنه مرفوعاً، وأما حديث أبي مسعود فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عنه مرفوعاً، وأما حديث البراء فأخرجه الحاكم في المستدرك عنه مرفوعاً. "انظر نصب الراية 2/ 37، صحيح مسلم 1/323، سنن أبي داود 1/ 254، سنن النسائي 2/ 87، سنن ابن ماجة 1/ 313، تحفة الأحوذي 2/ 19".
فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ مَعَ احْتِمَالِ1 حَقِيقَتِهِ عَلَيْهَا "دُونَ مَجَازِهِ، وَ" عَلَى عُمُومِهِ دُونَ "تَخْصِيصِهِ، وَ" عَلَى إفْرَادِهِ دُونَ "اشْتِرَاكِهِ، وَ" عَلَى اسْتِقْلالِهِ دُونَ "إضْمَارِهِ، وَ" عَلَى إطْلاقِهِ دُونَ "تَقْيِيدِهِ، وَ" عَلَى تَأْصِيلِهِ دُونَ "زِيَادَتِهِ، وَ" عَلَى تَقْدِيمِهِ دُونَ "تَأْخِيرِهِ، وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ كَوْنِ اللَّفْظِ مُؤَكِّدًا أَوْ مُؤَسِّسًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَأْسِيسِهِ دُونَ "تَوْكِيدِهِ. وَ" عَلَى تَبَايُنِهِ دُونَ "تَرَادُفِهِ".
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ نَسْخِ2 الْحُكْمِ وَبَقَائِهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 3. فَحَصْرُ الْمُحَرَّمِ فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ مَا عَدَاهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ4 السِّبَاعُ. وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم "عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي5 نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ"6. فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ نَاسِخٌ لِلإِبَاحَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ بِنَاسِخٍ، وَالأَكْلُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ الأَصْلُ فِي
1 في ش: احتمال محل.
2 في ش: فسخ.
3 الآية 145 من الأنعام.
4 في ع: جملة.
5 ساقطة من ش.
6 اخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة في مسنده عن ابن عباس. "انظر صحيح مسلم 3/ 1534، سنن أبي داود 3/ 485، سنن ابن ماجة 2/ 1077، مسند أحمد 1/ 244، 147، فيض القدير 6/ 304".
إضَافَةِ الْمَصْدَرِ بِنَصِّ النُّحَاةِ. فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ} 1 فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا2.
وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ "عَلَى بَقَائِهِ دُونَ نَسْخِهِ، إلَاّ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ" يَدُلُّ عَلَى خِلافِ مَا قُلْنَا، أَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَيُعْمَلُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
"وَيُحْمَلُ" اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ لَهُ عُرْفٌ "عَلَى عُرْفِ مُتَكَلِّمٍ" كَالْفَقِيهِ مَثَلاً. فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى 3عُرْفِهِ فِي 3 كَلامِهِ وَمُصْطَلَحَاتِهِ وَكَذَا الأُصُولِيُّ وَالْمُحَدِّثُ وَالْمُفَسِّرُ وَاللُّغَوِيُّ، وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْعُلُومِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سُمِعَ مِنْ الشَّارِعِ شَيْءٌ لَهُ مَدْلُولٌ شَرْعِيٌّ4 وَمَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ. كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ"5. فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، - وَهُوَ الدُّعَاءُ-، لَزِمَ أَنْ لا يَقْبَلَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلاةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الشَّرْعِ. وَهِيَ الْعِبَادَةُ الْمَخْصُوصَةُ6، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
1 الآية 3 من المائدة.
2 انظر شرح تنقيح الفصول ص112-114.
3 في ش: عرف.
4 في ش: لفظي.
5 أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر مرفوعاً. والمراد بالطهور المصدر وهو التطهير الأعم من الوضوء والغسل. "انظر صحيح مسلم 1/ 204، سنن أبي داود 1/ 14، سنن النسائي 1/ 75، تحفة الأحوذي 1/ 23، سنن ابن ماجة 1/ 100، فيض القدير 6/ 415".
6 انظر التمهيد للأسنوي ص61، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص139 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص112، 114، اللمع للشيرازي ص6.