المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

"‌ ‌فَصْلٌ" "الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ"، وَإِنَّمَا كَانَ ضِدُّهُ بِاعْتِبَارِ تَقْسِيمِ أَحْكَامِ - شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير - جـ ١

[ابن النجار الفتوحي]

الفصل: "‌ ‌فَصْلٌ" "الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ"، وَإِنَّمَا كَانَ ضِدُّهُ بِاعْتِبَارِ تَقْسِيمِ أَحْكَامِ

"‌

‌فَصْلٌ" "الْحَرَامُ

ضِدُّ الْوَاجِبِ"، وَإِنَّمَا كَانَ ضِدُّهُ بِاعْتِبَارِ تَقْسِيمِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَإِلَاّ فَالْحَرَامُ1 فِي الْحَقِيقَةِ: ضِدُّ الْحَلالِ، إذْ يُقَالُ: هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، 2 كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ 2:{وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} 3.

"وَهُوَ" أَيْ وَحَدُّهُ "مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ، وَلَوْ قَوْلاً، وَ" لَوْ4 "عَمَلَ قَلْبٍ شَرْعًا".

فَخَرَجَ "بِالذَّمِّ": الْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، وَبِقَوْلِهِ:"فَاعِلُهُ": الْوَاجِبُ. فَإِنَّهُ يُذَمُّ تَارِكُهُ. وَالْمُرَادُ: مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَذُمَّ عَلَى فِعْلِهِ.

وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ: "وَلَوْ قَوْلاً": الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَحْرُمُ التَّلَفُّظُ5 بِهِ.

وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ: "وَلَوْ عَمَلَ قَلْبٍ": النِّفَاقُ وَالْحِقْدُ وَنَحْوُهُمَا.

وَلَفْظَةُ "شَرْعًا" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "ذُمَّ". وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّمَّ لا يَكُونُ إلَاّ مِنْ الشَّرْعِ6.

"وَيُسَمَّى" الْحَرَامُ "مَحْظُورًا وَمَمْنُوعًا وَمَزْجُورًا وَمَعْصِيَةً وَذَنْبًا وَقَبِيحًا

1 في ز: الحرم.

2 في ش: لقوله تعالى.

3 الآية 116 من النحل.

4 ساقطة من ز ع ب ض.

5 في ش: اللفظ.

6 انظر في تعريف الحرام "التعريفات للجرجاني ص217، مختصر الطوفي ص26، المدخل إلى مذهب أحمد ص62، الإحكام، الآمدي 1/ 113، المستصفى 1/ 76، نهاية السول 1/ 61، التوضيح على التنقيح 3/ 80".

ص: 386

وَسَيِّئَةً وَفَاحِشَةً وَإِثْمًا وَحَرَجًا وَتَحْرِيجًا1 وَعُقُوبَةً".

فَتَسْمِيَتُهُ2 مَحْظُورًا مِنْ الْحَظْرِ. وَهُوَ الْمَنْعُ. فَيُسَمَّى3 الْفِعْلُ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ مَعْصِيَةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَذَنْبًا لِتَوَقُّعِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ، وَبَاقِي ذَلِكَ لِتَرَتُّبِهَا4 عَلَى فِعْلِهِ5.

"وَيَجُوزُ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، كَمِلْكِهِ أُخْتَيْنِ وَوَطْئِهِمَا" فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ إحْدَاهُمَا لا بِعَيْنِهَا6. وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الأَرْبَعَةِ، لا بِعَيْنِهِ7.

إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَقَدْ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: يَجُوزُ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، وَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ عَلَى التَّخْيِيرِ "وَلَهُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا" عَلَى التَّخْيِيرِ8.

قَالَ9 ابْنُ بُرْهَانٍ10: وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ

1 في ش: وتحريجاً وحراجاً.

2 في ز: وتسميته.

3 في ز: فسمي.

4 في ع: لترتبه.

5 انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص62، الإحكام، الآمدي 1/ 113، إرشاد الفحول ص6، نهاية السول 1/ 61.

6 انظر: التمهيد ص15، القواعد والفوائد الأصولية ص69، الإحكام 1/ 114، جمع الجوامع 1/ 181.

7 انظر: التمهيد ص15، المدخل إلى مذهب أحمد ص63، القواعد والفوائد الأصولية ص70.

8 انظر: المسودة ص81، شرح العضد 2/ 2، تيسير التحرير 2/ 218، المحلي على جمع الجوامع 1/ 181، الإحكام، الآمدي 1/ 114، التمهيد ص15، المدخل إلى مذهب أحمد ص62، القواعد والفوائد الأصولية ص69.

9 في ز: وقال.

10 هو أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن بَرْهان، بفتح الباء، أبو الفتح، الفقيه الشافعي الأصولي المحدث، كان حنبلي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، كان حاد الذهن، لا يسمع شيئاً إلا حفظه، وكان يُضرب به المثل في تبحره في الأصول والفروع، صنف في أصول الفقه، "البسيط" و "الوسيط" و "الأوسط" و "الوجيز"، توفي سنة 518هـ، وقيل غير ذلك. "انظر: طبقات الشافعية للسبكي 6/ 30، وفيات الأعيان 1/ 82، شذرات الذهب 4/ 62، الفتح المبين 2/ 16".

ص: 387

كَمَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، إلَاّ أَنَّ التَّخْيِيرَ هُنَا فِي التَّرْكِ، وَهُنَاكَ فِي الْفِعْلِ. فَكَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْجَمِيعِ، وَأَنْ1 يَأْتِيَ بِالْبَعْضِ، وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ2 الْبَاقِيَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ، وَأَنْ يَتْرُكَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ هُنَا، عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ3.

فَأَهْلُ السُّنَّةِ جَوَّزُوا النَّهْيَ عَنْ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ4، وَجَوَّزُوا فِعْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّخْيِيرِ. وَمَا دَامَ لا يُعَيِّنُ: لا يَجُوزُ لَهُ الإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا5.

وَيَأْتِي الْخِلافُ فِي كَوْنِ الْمُحَرَّمِ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ، أَوْ الْكُلَّ أَوْ مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ6.

وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي النَّهْي، بَلْ يَجِبُ اجْتِنَابُ كُلِّ وَاحِدٍ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ7 قَبِيحٍ. فَإِذَا نَهَى عَنْ أَحَدِهِمَا لا

1 في ع ب: وبين أن.

2 ساقطة من ش.

3 انظر: فواح الرحموت 1/ 110، المحلي على جمع الجوامع 1/ 181.

4 وخالف في ذلك القرافي، وذهب إلى صحة التخيير في المأمور به، وعدم صحته في المنهي عنه، لأن القاعدة تقتضي أن النهي متعلق بمشترك حرمت أفراده كلها، وقال: إن متعلق النهي في الآختين هو الجمع بينهما، وكل واحد منهما ليس منهياً عنها، بل المحرم هو الجمع فقط "شرح تنقيح الفصول ص172، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص69".

5 أي إذا فعل أنواع المحرم المخير فلا يجوز له الإقدام بقية الأنواع. "انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/ 181".

6 انظر: الإحكام، الآمدي 1/ 114، المسودة ص81، فواتح الرحموت 1/ 110، تيسير التحرير 2/ 218، المحلي على جمع الجوامع 1/ 181.

7 ساقطة من ز.

ص: 388

بِعَيْنِهِ، ثَبَتَ الْقُبْحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَيَمْتَنِعَانِ جَمِيعًا. 1 وَلَوْ وَرَدَ 1 ذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّخْيِيرِ2. كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى:{وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} 3.

"وَلَوْ اشْتَبَهَ مُحَرَّمٌ بِمُبَاحٍ" كَمَيْتَةٍ بِمُذَكَّاةٍ "وَجَبَ الْكَفُّ4. وَلا يَحْرُمُ الْمُبَاحُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ؛ لأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَحْرُمْ. وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ: أَنَّهُ اشْتَبَهَ. فَمَنَعْنَا لأَجْلِ الاشْتِبَاهِ، لا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ. فَإِذَا تَبَيَّنَ الْمُحَرَّمَ زَالَ ذَلِكَ. فَوُجُوبُ الْكَفِّ ظَاهِرًا لا يَدُلُّ عَلَى شُمُولِ التَّحْرِيمِ. وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَهُمَا لَمْ يُعَاقَبْ إلَاّ عَلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ وَاحِدَةٍ5.

"وَفِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ"6 كَنَوْعِ الآدَمِيِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، لأَنَّهُ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ. وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ: فَإِنْ تَابَ مِنْهَا غُفِرَتْ. وَكَذَا إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَاّ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.

وَخَالَفَ7 الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا بِخُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، وَلَوْ عَمِلُوا حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً.

وَهَذَا 8 يُصَادِمُ الْقُرْآنَ 8 وَالأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الْوَارِدَةَ عَنْ

1 في ع: ولورود.

2 انظر: الإحكام، الآمدي 1/ 114، المعتمد 1/ 183، المحلي على جمع الجوامع 1/ 182.

3 الآية 24 من سورة الإنسان.

4 أي حرمتا، إحداهما بالأصالة، والأخرى بعارض الاشتباه. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص61، مختصر الطوفي ص24، الروضة ص20، نهاية السول 1/ 106، 129، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 197، 221".

5 انظر أمثلة أخرى في "القواعد والفوائد الأصولية ص94-104، المستصفى 1/ 72".

6 أي يجمتع في الشخص الواحد، ويصدر منه ما يوجب الثواب والعقاب، كما يجتمع ذلك من شخصين من بني آدم. "انظر: الإرشاد للجويني ص392، الأربعين ص293 وما بعدها".

7 في ش: وخالفت.

8 في ز ب: مصادم للقرآن.

ص: 389

الْمَعْصُومِ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى فِي الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ وَدُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ1.

"وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ" كَالسُّجُودِ مَثَلاً "مِنْهُ وَاجِبٌ وَ" مِنْهُ "حَرَامٌ2، كَسُجُودٍ لِلَّهِ" سبحانه وتعالى "وَ" سُجُودٍ "لِغَيْرِهِ" كَالصَّنَمِ3، لِتَغَايُرِهِمَا4 بِالشَّخْصِيَّةِ، فَلا اسْتِلْزَامَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ السُّجُودَ نَوْعٌ مِنْ الأَفْعَالِ ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ. فَيَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إلَى وَاجِبٍ وَحَرَامٍ. فَيَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامٌ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ5. وَلا امْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "السُّجُودُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ

1 روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم وابن ماجة عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". والإضافة بمعنى أل العهدية أي الشفاعة التي وعدني الله بها لأهل الكبائر الذين استوجبوا النار بذنوبهم الكبيرة. "انظر: فيض القدير 4/ 162، سنن أبي داود 4/ 325، تحفة الأحوذي 7/ 127، سنن ابن ماجة 2/ 1441، مسند أحمد 3/ 213، المستدرك 1/ 69".

2 هذا الكلام متفرع عن قوله: "الحرام ضد الواجب"، قال ابن قدامة: الحرام ضد الواجب، فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجباً وحراماً، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين أي بالعدد، والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون أنقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات يوجب المغايرة، والمغايرة تكون تارة بالنوع كالسجود، وتارة بالوصف. "الروضة ص23، المستصفى 1/ 76، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص63، فواتح الرحموت 1/ 104".

3 في ز ب: كللصنم.

4 في ز: المتغاير هنا.

5 استدل أهل السنة بقوله تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} الآية 37 من فصلت، "وانظر: الإحكام، الآمدي 1/ 115، المستصفى 1/ 76، شرح العضد 2/ 2، المسودة ص84".

ص: 390

إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمٌ عَلَى مَذَاهِبِ1 عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّ السُّجُودَ لا تَخْتَلِفُ2 صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ الْقَصْدُ"3.

"وَ" الْفِعْلُ الْوَاحِدُ "بِالشَّخْصِ" فِيهِ تَفْصِيلٌ، "فَمِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَحَرَامًا4" لِتَنَافِيهِمَا إلَاّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ عَقْلاً وَشَرْعًا5.

وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِهِ 6 شَرْعًا لا 6 عَقْلاً فَلا يُجَوِّزُونَهُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَاّ وُسْعَهَا} 7.

"وَ" الْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ "مِنْ جِهَتَيْنِ، كَصَلاةٍ فِي مَغْصُوبٍ، لا" يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَحَرَامًا8، وَلا9 "تَصِحُّ، وَلا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا" أَيْ بِالصَّلاةِ فِي الْمَغْصُوبَةِ مِنْ بُقْعَةٍ أَوْ سُتْرَةٍ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْجُبَّائِيَّةُ. وَقَالَهُ أَبُو شِمْرٍ

1 كذا في المسودة، وفي ش ز ض ع ب: مذهب، قال ابن قدامة: فالإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص بنفس السجود والقصد جميعاً، والساجد لله مطيع بهما جميعاً "الروضة ص24، المستصفى 1/ 76".

2 في ع: يختلف.

3 المسودة ص84، وانظر: فواتح الرحموت 1/ 104.

4 في ز ب ع ض: حراماً.

5 انظر: مختصر الطوفي ص26، المدخل إلى مذهب أحمد ص63، الإحكام، الآمدي 1/ 115، فواتح الرحموت 1/ 105، شرح العضد 2/ 2، تيسير التحرير 2/ 219.

6 ساقطة من ش.

7 الآية 268 من البقرة.

8 في ش: ولا حراماً، وفي ع ب ض: حراماً.

9 ساقطة من ب، وفي ش: "ولا.

ص: 391

الْحَنَفِيُّ1. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصَبْغَ الْمَالِكِيِّ2. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ3. وَوَجْهٌ لأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، "وَ" كَذَا "لا" يَسْقُطُ الطَّلَبُ "عِنْدَهَا" أَيْ عِنْدَ فِعْلِهَا4.

1 أبو شمر أحد أئمة القدرية المرجئة، جمع بين الإرجاء في الإيمان ونفي القول بالقدر، وهو من تلاميذ النظام، كان يناظر دون أن يتحرك في شيء، ويرى كثرة الحركات عيباً، قال الجاحظ: وكان إذا نازع لم يحرك يديه ولا منكبيه، ولم يقلب عينيه، ولم يحرك رأسه، حتى كأن كلامه يخرج من صَدْغ صخرة، وهو من رجال منتصف القرن الثالث، انظر ترجمته في "طبقات المعتزلة ص57، الملل والنحل، للشهرستاني 1/ 32، البيان والتبيين 1/ 91".

2 هو أصْبَغُ بنُ الفرج بن سعيد، أبو عبد الله المصري، الثقة، مفتي أهل مصر، دخل المدينة يوم وفاة الإمام مالك، فسمع من أشهب وابن القاسم وابن وهب، كان فقيهاً محدثاً قوياً في الجدل والمناظرة، له كتب كثيرة منها كتاب في الأصول، و "تفسير غريب الموطأ" و "أداب القضاء" توفي بمصر سنة 225هـ وقيل 221هـ، انظر ترجمته في "الديباج المذهب 1/ 299، وفيات الإعيان 1/ 217، شذرات الذهب 2/ 56، الفتح المبين 1/ 144، حسن المحاضرة 1/ 123، تذكرة الحفاظ 2/ 457، طبقات الحفاظ ص200".

3 هو الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، جمع بين الفقه والحديث والرأي، ولا يفتي أحد ومالك في المدينة، وكان يعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يركب دابة في المدينة، مناقبه كثيرة جداً، جمع الحديث في "الموطأ"، روى له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة 179هـ، انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/ 284، طبقات الفقهاء ص68، الديباج المذهب 1/ 62، شذرات الذهب 1/ 289، صفة الصفوة 2/ 177، طبقات الحفاظ صن89، طبقات القراء 1/ 35، تهذيب الأسماء 2/ 75، طبقات المفسرين 2/ 293، الفتح المبين 1/ 122، تذكرة الخفاظ 1/ 207، الخلاصة ص366".

4 قال ابن قدامة: "فروي أنها لا تصح إذ يؤدي أن تكون العين الواحدة من الأفعال حراماً واجباً، وهو متناقض، فإن فعله في الدار، وهو الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده أفعال اختيارية، وهو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقرباً بما هو معاقب عليه، مطيعاً بما هو عاص به، ثم قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة فخالف وصلى، ونية التقرب للصلاة شرط، والقرب بالمعصية محالٌ، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقرباً بما هو عاص به، وهذا محالٌ""الروضة ص24، المستصفى 1/ 77"، وانظر: مختصر الطوفي ص26، المدخل إلى مذهب أحمد ص64، الإحكام، الآمدي 1/ 115، المسودة ص83، 85، شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 3، تيسير التحرير 2/ 219، المحلي على جمع الجوامع 1/ 203، مقالات الإسلاميين 2/ 124، الفروق 2/ 183".

ص: 392

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَاّنِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ: يَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا، لا بِهَا1.

قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": لأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الظَّلَمَةَ لا يُؤْمَرُونَ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ الْمُؤَدَّاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلا طَرِيقَ إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إلَاّ بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ2.

قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ3: "الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَقُولُ بِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلا يَقُولُ4 بِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِهَا، وَلا عِنْدَهَا". انْتَهَى.

وَقَدْ مَنَعَ الإِجْمَاعَ أَبُو الْمَعَالِي وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا5.

1 أي إن الصلاة ليست صحيحة، ولكن تسقط عن المكلف وتبرأ بها ذمته، ولا يطالب بها يوم القيامة، "انظر: تيسير التحرير 2/ 219، المحلي على جمع الجوامع 1/ 202، المدخل إلى مذهب أحمد ص64، الإحكام، الآمدي 1/ 115، المستصفى 1/ 77، شرح العضد 2/ 3".

2 انظر: الإحكام، الآمدي 1/ 118، الفروق 2/ 183.

3 هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله، الملقب بصفي الدين الهندي، الأرْمَوي، الفقيه الشافعي الأصولي، ولد بالهند سنة 644هـ، وقدم اليمن والحجاز ومصر وسورية، واستقر فيها للتدريس والفتوى، وكان قوي الحجة، ناظر الإمام ابن تيمية في دمشق، ومن مصنفاته "الزبدة" في علم الكلام، و "الفائق" في التوحيد، و "نهاية الوصول إلى علم الإصلول" توفي سنة 715هـ بدمشق، مصنفاته جيدة، لا سيما "النهاية". "انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 9/ 162، البدر الطالع 2/ 187، شذرات الذهب 6/ 37، الدرر الكامنة 4/ 132، الفتح المبين 2/ 116".

4 في ش ض: نقول.

5 انظر: الروضة ص24، شرح العضد وحاشية الجرجاني 2/ 3، تيسير التحرير 2/ 221، المحلي على جمع الجوامع 1/ 203.

ص: 393

وَقَدْ رَدَّ الطُّوفِيُّ مَا قَالَهُ الْبَاقِلَاّنِيُّ1، فَقَالَ: "لأَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ الْبَاقِلَاّنِيِّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْخَصْمُ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا الظَّلَمَةَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ2، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ فِي أَمَاكِنِ الْغَصْبِ، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، فَحَاوَلَ الْخَلاصَ بِهَذَا التَّوَسُّطِ، فَقَالَ3: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَ هَذِهِ الصَّلاةِ لِلإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ لا بِهَا. لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا4.

ثُمَّ قَالَ: وَأَحْسِبُ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا الإِجْمَاعَ بَنَوْهُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:

- إحْدَاهُمَا: أَنَّ مَعَ كَثْرَةِ الظَّلَمَةِ فِي تِلْكَ5 الأَعْصَارِ عَادَةً لا تَخْلُو6 منْ7 إيقَاعِ الصَّلاةِ فِي مَكَان غُصِبَ مِنْ بَعْضِهِمْ.

- الثَّانِيَةُ: أَنَّ السَّلَفَ يَمْتَنِعُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَرْكِ الإِنْكَارِ، وَالأَمْرُ بِالإِعَادَةِ مِنْ بِنَاءِ هَؤُلاءِ عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ دَلِيلِ الْبُطْلانِ، وَإِلَاّ فَلا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ مَنْقُولٌ، تَوَاتُرًا وَلا آحَادًا.

وَالْمُقَدَّمَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ". انْتَهَى.

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: "قَالَ الْبَاقِلَاّنِيُّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ. وَقَدْ سَقَطَ بِالإِجْمَاعِ8، لأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، قِيلَ: لا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ وَنَقْلِهِ9. كَيْفَ؟ وَقَدْ خَالَفَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ

1 انظر: مختصر الطوفي ص27، ولم يذكر الطوفي الرد على الباقلاني صراحة ومفصلاً في هذا المختصر، ولعله ذكره في "شرحه على المختصر".

2 في ز: الصلاة.

3 في ب ض: وقال.

4 انظر: الإحكام، الآمدي 1/ 118.

5 في ش: هذه.

6 في ع: يخلو.

7 في ش: عن.

8 في ش: الاجماع.

9 يقول ابن قدامة: "وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعاً، لأن السلف لم يكونوا =

ص: 394

مَعَهُ، وَهُوَ إمَامُ النَّقْلِ، وَأَعْلَمُ بِأَحْوَالِ السَّلَفِ؟ 1 وَلأَنَّهُ يُنْقَضُ الإِجْمَاعُ بِدُونِهِ"1.

وَقَالَ أَيْضًا: قَوْلُ الْبَاقِلَاّنِيِّ: "يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لا بِهَا" بَاطِلٌ؛ لأَنَّ مُسْقِطَاتِ الْفَرْضِ مَحْصُورَةٌ، مِنْ نَسْخٍ أَوْ عَجْزٍ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ. كَالْكِفَايَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا"2. انْتَهَى.

وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ يَحْرُمُ، وَتَصِحُّ3، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا4 وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخَلَاّلُ5 وَابْنُ

= يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلاة في أماكن الغصب، إذ هذا جهل بحقيقة الإجمعاع، فإن حقيقتة الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس باتفاق، ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم القولُ ينفي وجوب القضاء فلم ينكروه، فيكون حينئذ اختلاف هل هو إجماع أم لا؟ " "الروضة ص24"، وانظر مناقشة ذلك في "المستصفى 1/ 79، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 3، المحلي على جمع الجوامع 1/ 203، الفروق 2/ 183".

1 ساقطة من ش، وفي ز: ولأنه تعليل ينقض الإجماع بدونه، والمعنى أن الإجماع لا يتحقق بدون موافقة الإمام أحمد في هذه المسألة، وقد ثبت عنه أنه خالف، فلا إجماع.

2 انظر: فواتح الرحموت 1/ 106.

3 في ش: ويصح.

4 وهو قول الحنفية، "انظر: فواتح الرحموت 1/ 105، الفروق 2/ 85، تيسير التحرير 2/ 219، أصول السرخسي 1/ 81" وقال الحنفية: تصح مع الكراهة، "التوضيح على التنقيح 2/ 228، كشف الأسرار 2/ 278"، قال نجم الدين الطوفي: مذهب الحنفية في هذا الأصل أدخلُ في التدقيق، وأشبهُ بالتحقيق "المدخل إلى مذهب أحمد ص63".

5 هو أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلال، البغدادي، الفقيه، جمع مذهب أحمد وصنفه، وكان واسع العلم، شديد الاعتناء بالآثار، من كتبه "السنة" و "العلل" و "الجامع لعلوم الإمام أحمد" و "الطبقات" و "تفسير الغريب" و "أخلاق أحمد" توفي سنة 311هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة 2/ 12، المنهج الأحمد 2/ 5، شذرات الذهب 2/ 261، طبقات الحفاظ ص329، تذكرة الحفاظ 3/ 785".

ص: 395

عَقِيلٍ وَالطُّوفِيُّ1، "نَظَرًا2 إلَى جِنْسِهَا، لا إلَى عَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ"3 فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلاةُ وَاجِبَةً حَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً، لأَنَّ مُتَعَلِّقَ الطَّلَبِ وَمُتَعَلِّقَ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ مُتَغَايِرَانِ، فَكَانَا كَاخْتِلافِ الْمَحَلَّيْنِ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ الأُخْرَى، وَاجْتِمَاعُهُمَا إنَّمَا هُوَ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ. فَلَيْسَا مُتَلازِمَيْنِ فَلا تَنَاقُضَ4.

وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ لا ثَوَابَ فِيهَا5. نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ6 عَنْ أَحْمَدَ: لا أَجْرَ لِمَنْ غَزَا عَلَى فَرَسِ غَصْبٍ. وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الثَّوَابِ فِي الصَّلاةِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ" وَجَمْعٌ. ذَكَرَهُ فِي "الْفُرُوعِ" فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ7، وَقَالَهُ8 الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: فِي حَجّ، وَقَدَّمَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ.

1 مختصر الطوفي ص27.

2 في د: نظر.

3 ساقطة من ش.

4 انظر: الروضة ص24، مختصر الطوفي ص27، الإحكام، للآمدي 1/ 116، المستصفى 1/ 77، الفروق 2/ 85، 183، فواتح الرحموت 1/ 106، شرح العضد 2/ 2، التلويح على التوضيح 2/ 228.

5 لا يثاب فاعلها عقوبة له عليها من جهة الغصب، وقيل من جهة الخلاة وإن عوقب من جهة الغصب، فقد يعاقب بغير حرمان الثواب، أو بحرمان بعضه، "انظر: المحلي علي جمع الجوامع وحاشية البناني 1/ 202، المدخل إلى مذهب أحمد ص63".

6 هو أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد القاسم بن سلاّم، قال ابن أبي يعلى: حدث عن أبي عبيد، وعن إمامنا بمسائل كثيرة، وذكره العليمي فيمن لم تؤرخ وفاته من أصحاب الإمام أحمد، وعده المرداوي في الإنصاف ضمن من نقل الفقه عن الإمام أحمد من أصحابه ونقله عنه إلى من بعده "انظر: طبقات الحنابلة 1/ 55، المنهج الأحمد 1/ 290، الإنصاف 12/ 277، 280".

7 الفروع 1/ 332.

8 في ش: وقال.

ص: 396

وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رِوَايَةٌ1 ثَالِثَةٌ2: أَنَّ الْمُصَلِّيَ إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَاّ صَحَّتْ3.

وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ - وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا4- أَنَّهُ مَتَى أَخَلَّ مُرْتَكِبُ النَّهْيِ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالصَّلاةِ شَرْطٌ، وَالتَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ5.

وَأَيْضًا مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: الطَّاعَةُ وَنِيَّتُهُ بِهَا أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَحَرَكَتُهُ مَعْصِيَةٌ، وَنِيَّةُ6 أَدَاءِ الْوَاجِبِ7، بِمَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ وَاجِبٍ مُحَالٌ.

وَأَيْضًا مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: إبَاحَةُ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ8 مُحَرَّمٌ. فَهُوَ كَالنَّجَسِ. وَلأَنَّ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ هَذِهِ9 الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، فَلا يَجُوزُ كَوْنُهَا وَاجِبَةً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى10.

"وَتَصِحُّ تَوْبَةُ خَارِجٍ مِنْهُ" أَيْ تَوْبَةُ غَاصِبٍ لِمَكَانِ مَنْ غَصَبَهُ حَالَ

1 في ش: في رواية.

2 في ب: الثالثة.

3 انظر: الفروع 1/ 332.

4 جاء في هامش ز: قوله: "ووجه المذهب وهو عدم الصحة مطلقاً" أي علم التحريم أو لا، أقول: هذا غير مسلم، إذ المنصوص عليه في كتب الفروع كالمنتهى وغيره أن من صلى في غصب، ثوباً أو بقعة، أو حج بغصب، عالماً ذاكراً لم تصح، وإلا صحت، انتهى لمحرره عبد الله السفرايني "المخطوط ز صفحة 51"، وانظر: شرح منتهى الإرادات 2/ 422، وقال الشيخ ابن تيمية: فمن فرق بين من يعلم ومن لا يعلم فقد أصاب، ومن لا أخطأ "مجموعة الفتاوي 29/ 293".

5 انظر: مختصر الطوفي ص27، الروضة ص11، المستصفى 1/ 78.

6 في ع: ونيته.

7 في ع ض: الوجوب.

8 أي الموضع المغصوب.

9 أي هذه الصلاة المنهي عنها.

10 انظر: مختصر الطوفي ص27، الروضة ص24، المستصفى 1/ 78.

ص: 397

خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَهُوَ "فِيهِ" قَبْلَ إتْمَامِ خُرُوجِهِ.

"وَلَمْ يَعْصِ بِخُرُوجِهِ" عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْظَمِ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ1.

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لا يُعَدُّ وَاطِئًا بِنَزْعِهِ، فِي الإِثْمِ. بَلْ فِي التَّكْفِيرِ. وَكَإِزَالَةِ2 مُحْرِمٍ طِيبًا بِيَدِهِ، أَوْ غَصَبَ عَيْنًا ثُمَّ نَدِمَ وَشَرَعَ فِي حَمْلِهَا عَلَى رَأْسِهِ إلَى صَاحِبِهَا3، أَوْ4 أَرْسَلَ صَيْدًا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ فِي حَرَمٍ مِنْ شِرْكٍ، وَالرَّامِي بِالسَّهْمِ إذَا خَرَجَ السَّهْمُ عَنْ مَحَلِّ قُدْرَتِهِ5 فَنَدِمَ. وَإِذَا جُرِحَ ثُمَّ تَابَ وَالْجُرْحُ مَا زَالَ إلَى السِّرَايَةِ6.

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ7 فِي "الْفُرُوقِ" فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: "أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه نَصَّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا. قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ، لأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ".

1 وهو قول الحنفية. "انظر: فواتح الرحموت 1/ 110، المستصفى 1/ 89، شرح العضد، 2/ 4، تيسير التحرير 2/ 221، المحلي على جمع الجوامع 1/ 203".

وقال قوم من المعتزلة والمتكلمين، لا تصح توبته حتى يفارقها، وهو عاص بمشية في خروجه، كما سيأتي، "انظر: المسودة ص85، المحلي على جمع الجوامع 1/ 203".

2 في ز: كإزالة.

3 في ض: صاحبه.

4 في ع ب: و.

5 في ش: فرزته، وفي المسودة مقدرته، ولعل الصواب: فَرْضَته، لأن فَرْض القوس لغة: هو الحَزُّ الذي يقع فيه الوتر. "الصحاح، للجوهري 3/ 1097".

6 وتمام الكلام في "المسودة" حكاية عن ابن عقيل: فعنده في جميع هذه المواضع، الإثمُ ارتفع بالتوبة، والضمانُ باقٍ، وعند المخالف "وهم المعتزلة والمتكلمون" هو عاضٍ إلى أن ينقضي أثرُ المعصية "المسودة ص86-87".

7 هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر، الزريراني، ثم البغدادي، الحنبلي، فقيه العراق، ومفتي الآفاق، كان عارفاً بأصلول الدين ومعرفة المذهب والخلاف والفرائض وأسماء الرجال والتاريخ واللغة العربية، وبرع في الفقه وأصوله، له كتاب "الوجيز" و "الفروق"، توفي سنة 729هـ. "انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 410، الدرر الكامنة 2/ 494، المدخل إلى مذهب أحمد ص207، شذرات الذهب 6/ 89".

ص: 398

وَمَا نَقَلَهُ مَوْجُودٌ فِي "الأُمِّ" فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ، فَقَالَ:"وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُ. وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا1، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِمَا2 لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ3، لأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الذَّنْبِ، لا "لِزِيَادَةٍ مِنْهُ"4، فَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ"5.

وَخَالَفَ ذَلِكَ6 أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُو شِمْرٍ الْمُرْجِئُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا7.

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَحَقُّ الآدَمِيِّ يَزُولُ بِزَوَالِ أَثَرِ الظُّلْمِ"8.

وَاسْتَصْحَبَ أَبُو الْمَعَالِي حُكْمَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ9، مَعَ10 أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ

1 ساقطة من ش ب ز، وفي ض سقط: بالخروج منها.

2 في ش ز ض ب: ما، وفي الأم: فيما.

3 كذا في الأم، وساقطة من جميع النسخ.

4 في الأم: للزيادة فيه.

5 الأم 2/ 154.

6 في ب ض: في ذلك.

7 المسودة ص85، 87، لكن أبا الخطاب قيدها أنها أقل المعصيتين، قال: وإنما هي معصية، إلا أنه يفعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلها، لأن دوامه في الدار معصية تطول، وخروجه معصية قليلة. "انظر: المسودة ص85، 87، المستصفى 1/ 89".

8 المسودة ص88، وانظر: فتاوي ابن تيمية 29/ 286.

9 استصحاب المعصية في هذا الخروج حتى بفرغ، زجراً له عن هذا الفعل الشنيع "انظر: فواتح الرحموت 1/ 110، جمع الجوامع 1/ 203، 204.

10 في ش: فقال.

ص: 399

عَنْهُ1.

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "كَذَا قِيلَ عَنْهُ. وَقِيلَ عَنْهُ: إنَّهُ طَاعَةٌ، لأَخْذِهِ فِي تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، لأَنَّهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَمُسْتَنِدٌ2 إلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى فِيهِ كَالصَّلاةِ"3.

"وَالسَّاقِطُ عَلَى جَرِيحٍ" وَالْحَالُ أَنَّهُ "إنْ بَقِيَ" عَلَى الْجَرِيحِ "قَتَلَهُ" بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِقَالِهِ "وَ" يَقْتُلُ "مِثْلُهُ" أَيْ كُفْءُ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ 4 إنْ انْتَقَلَ" عَمَّنْ سَقَطَ عَلَيْهِ""يَضْمَنُ" مَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِقَالِهِ.

"وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ إذًا" أَيْ فِي حَالَةِ5 بَقَائِهِ عَلَى الْجَرِيحِ، لأَنَّهُ إذَا بَقِيَ مُتَنَدِّمًا مُتَمَنِّيًا أَنْ يَكُونَ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا عَنْهُ6، أَوْ يُدْلِي إلَيْهِ بِحَبْلٍ7 يَتَعَلَّقُ بِهِ. فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ جَهْدِهِ. وَصَارَ كَحَجَرٍ أَلْقَاهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى عَلَى ذَلِكَ الْجَرِيحِ8.

"وَيَحْرُمُ انْتِقَالُهُ" عَنْهُ9، مَا دَامَ أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ قَتَلَ كُفْءَ مَنْ كَانَ

1 انظر: شرح العضد 2/ 4.

2 في ز: ومستنداً.

3 انظر: المسودة ص85.

4 ساقطة من ش.

5 في ز: حال.

6 في ز ع ب ض: من عليه.

7 في ع: حبلاً، وفي ض: حبل.

8 انظر: المسودة ص87.

9 وهذا ما أكده شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي، وقال: يجب أن يستمر، وينبغي ترجيحه إن كان السقوط بغير اختياره، لأن الانتقال استئنافُ فعل بالاختيار بخلاف المكث، فإنه بقاء، ويغتفر فيه مالا يغتفر في الابتداء، وقال الشيخ البناني: ولا بيتعد ترجحه إذا كان السقوط باختياره أيضاً، لأن الانتقال استئناف قتل بغير حق، وتكميل القتل أهون من استئنافه، وقال إمام الحرمين: لا حكم فيه، لأن التخيير بالاستمرار أو الانتقال، أو بوجوب الاستمرار أو الانتقال يؤدي إلى القتل المحرم، والمنع منهما لا قدرة على امتثاله، وقال باستمرار عصيانه ببقاء ما تسبب فيه من الضرر بسقوطه، إن كان باختياره، وإلا فلا عصيان. "انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه وحاشية البناني 1/ 205".

ص: 400

عَلَيْهِ1.

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى آخَرَ، قَوْلاً وَاحِدًا2. وَوَجْهُهُ: حُصُولُ الضَّرَرِ عَلَى الثَّانِي بِانْتِقَالِ السَّاقِطِ إلَيْهِ. وَالضَّرَرُ لا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.

وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ، وَالانْتِقَالِ إلَى كُفْئِهِ3، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الضَّرَرِ4.

"وَ" أَمَّا لَوْ كَانَ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ، أَدْنَى مِنْ الَّذِي لَوْ5 انْتَقَلَ إلَيْهِ قَتَلَهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ عَلَى كَافِرٍ مَعْصُومٍ. وَمَتَى انْتَقَلَ عَنْهُ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعْصُومًا فَإِنَّهُ "يَلْزَمُ الأَدْنَى قَطْعًا" أَيْ بِلا خِلافٍ.

وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: "وَيَلْزَمُ الأَدْنَى": أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَمَنْ يَقْتُلُهُ لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ كَافِرًا، لَزِمَهُ الانْتِقَالُ إلَيْهِ، لِكَوْنِ6 ذَلِكَ أَخَفَّ مَفْسَدَةً7 فِي الصُّورَتَيْنِ8. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ9.

1 انظر: المسودة ص86.

2 انظر: المسودة ص87.

3 في ع: كفؤ.

4 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/ 205. المستصفى 1/ 89.

5 ساقطة من ش.

6 في ز: لكونه.

7 في ب: مضرة.

8 انظر: المحلي على جمع الجموع 1/ 206.

9 في ش: علم.

ص: 401