الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس: (1) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكر شيخنا كلاما في الدرس السابق في شرح أول النكاح نقلناه هنا ليجتمع الكلام عن النكاح في مكان واحد وهو كما يلي:
(كتاب النكاح)
قال المؤلف رحمه الله:
كتاب النكاح
النكاح في لغة العرب الضم الجمع، وقال بعضهم بل النكاح الضم والتداخل، والصواب أن النكاح الضم والجمع والتداخل، قد يكون فيه ضم بلا جمع، وقد يكون فيه ضم وجمع، وقد يكون فيه ضم وجمع وتداخل، فالصواب أنه في لغة العرب يطلق على المعاني الثلاثة، لكن اختلف الفقهاء اختلافاً مبنياً على اختلاف أهل اللغة، وهو هل النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أو مجاز في الوطء وحقيقة في العقد؟ وهذا الاختلاف كما قلت مبني على اختلاف أهل اللغة.
القول الأول: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وإلى هذا ذهب الجماهير أكثر أهل العلم يرون أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، واستدلوا على هذا بأمور:
الأمر الأول: أنه يصح أن ننفي عن الوطء النكاح، فنقول هذا الوطء سفاح وليس بنكاح، واللفظ الذي هو حقيقة في شيء لا يصح أن ننفيه عنه وهنا وجدنا أنا ننفيه عنه. هذا والله أعلم.
ثم بدأ شيخنا في درس هذا اليوم فقال:
تقدم معنا بالأمس تعريف النكاح في اللغة وأن الفقهاء اختلفوا في النكاح هل هو حقيقة في العقد أو في الوطء وأن هذا الاختلاف مبني على اختلاف أئمة اللغة وكنت شرعت في ذكر الخلاف ثم حان وقت الإقامة.
فأقول:
= ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن النكاح حقيقي في العقد ومجاز في الوطء.
وذكرت بالأمس الدليل الأول: وهو أنه يصح نفي النكاح عن الوطء إذا كان سفاحاً فيقال هذا سفاح وليس بنكاح، ففي هذا المثال نفي النكاح عن الوطء وقلت: أن نفي الحقيقة لا يتأتى فلما تأتى النفي علمنا أنه ليس بحقيقة.
- الدليل الثاني: أن الله تعالى إنما استعمل النكاح في القرآن في جميع موارده بمعنى: العقد. لا بمعنى الوطء. إلا في آية واحدة حتى تنكح وهي قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره
…
} [البقرة/230] ففي هذه الآية ذهب جماهير المفسرين إلى أن المعنى بالنكاح في هذه الآية هو الوطء فلما وجدنا أن القرآن يستخدم النكاح في العقد في كل المواضع إلا في موضع واحد علمنا أنه حقيقة فيه مجاز في الوطء.
- الدليل الثالث: قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية
…
} [النور/2] يعني لا يعقد إلا على زانية ويبعد أن يكون المعنى لا يطأ إلا زانية.
= القول الثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد. وإلى هذا ذهب الأحناف.
وذهب إليه من أئمة اللغة ممن لقولهم أثر بالغ: الإمام الزمخشري. وأيضاً: الأزهري. وكأن الأكثر من أهل اللغة يميلون إلى هذا القول.
واستدل الأحناف على هذا:
- بأن العرب يستخدمون كلمة النكاح في الوطء.
- واستدلوا بقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره
…
} [البقرة/230] وقالوا: الآية صريحة في استخدام النكاح في الوطء.
= القول الثالث: أنه مجاز فيهما. وهو أضعف الأقوال. وقول غريب في الحقيقة.
= القول الرابع: أنه حقيقة فيهما.
واستدل أصحاب القول الرابع:
- بأنه لما جاء اللفظ مستخدماً في الوطء والعقد في الكتاب والسنة ولغة العرب علمنا أنه حقيقة مشتركة بين الأمرين: ـ العقد. ـ والوطء.
ونصر هذا القول من أئمة اللغة: الزجاج ومن أئمة الحنابلة: القاضي أبو يعلى ومن أئمة أهل العلم المحققين شيخ الإسلام بن تيمية، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله. لأن به تجتمع الأدلة.
وهذه المسألة أطال فيها أهل العلم وذكروا أدلة وأجوبة طويلة جداً وذلك والله أعلم لأن الأقرب للصواب أنه حقيقة فيهما ولذلك صار كل واحد يأتي بأدلة كثيرة صحيحة.
فمن أتى بأدلة على أنه حقيقة في الوطء فكلامه صحيح، ومن أتى بأدلة على أنه حقيقة في العقد فكلامه صحيح، ولهذا يظهر لمن يطالع كلام الفقهاء وتشعب الأدلة والأجوبة نوع اضطراب بسبب أنهم يريدون ترجيح أحد القولين: والصواب أن كلاً منهما صحيح.
الأثر الفقهي لهذا الخلاف: الأثر الفقهي يتبين في مسألة - في عدة مسائل لكن المسألة التي سأذكرها من أوضح المسائل وهي:
ـ ما إذا زنى الرجل بامرأة فإذا زنى بامرأة فالوطء عند أبي حنيفة نكاح. بناء عليه تحرم هذه المرأة على ابن ووالد الزاني.
وأما عند الجمهور فلا تحرم لأن الوطء الذي هو زنى مجرد عن العقد ليس بنكاح.
وهذه ثمرة واضحة جداً تفرق بين القولين.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله عن الكلام عن الأحكام التفصيلية للنكاح.
قال المؤلف رحمه الله:
وهو سنة، وفعله مع الشهوة: أفضل من نفل العبادة، ويجب: على من يخاف زنا بتركه.
= الحنابلة يقسمون الناس في النكاح إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول: من له شهوة ويتوق إلى النكاح ولا يخاف على نفسه من ترك النكاح الزنا فالحكم في حقه أنه: مستحب وهو أفضل من التخلي للعبادة.
ـ القسم الثاني: من لا يجد في نفسه أي رغبة للنكاح أو للشهوة كالعنين والمريض والرجل كبير السن: فهذا حكمه عند الحنابلة على الصواب من المذهب أنه: مباح.
وعللوا: أنه مباح وليس بسنة:
- بأن المقصود من النكاح قضاء الوطر وتحصيل الولد وإعفاف الزوجة وهذه المقاصد لا توجد في حق هذا الشخص فإذاً لا يسن.
وعللوا أنه مباح:
- بأنه إذا انتفت هذه الأغراض الشرعية فإنه أيضاً لا يوجد مانع شرعي من نكاحه فبقي بمرتبة المباح.
= والقول الثاني: أنه سنة. وهو قول عند الحنابلة.
- أخذاً بالعمومات.
= والقول الثالث: أنه مكروه. وهذا قول للشافعية. وعللوا الكراهة:
- بأن هذا الزواج لا يتحقق منه كثير من مصالح النكاح. كما أنه لا يعف المرأة وقد يعرضها للمحرمات.
وهذا القول هو الصحيح. والقول بأنه سنة هو أضعف الأقوال.
* * مسألة/ وهذا القسم الثاني عند الحنابلة/ الذي هو المباح: التفرغ للعبادة فيه أفضل من الزواج.
ـ القسم الثالث: من يتوق إلى النكاح وتغلب عليه الشهوة ويخشى أو يغلب على ظنه الوقوع في الزنا. فهذا النكاح في حقه واجب.
وعلل الحنابلة الوجوب:
- بأن النكاح هو الطريقة التي يتقي فيها هذا الشخص الوقوع في المحرم. وما يتقى به المحرم واجب.
هذا التقسيم في الجملة هو مذهب الجمهور - الأئمة الأربعة. يختلفون في بعض التقسيمات شيئاً يسيراً لكن التقسيم من حيث العموم موجود عند الأئمة الأربعة وعلمنا من هذا التقسيم عند الأئمة الأربعة أنهم لا يقولون بأن النكاح واجب وإنما يرون أنه مشروع ومسنون حسب التفصيل السابق.
= القول الثاني في أصل المسألة: أن النكاح واجب لمن يقدر على مئونته وعليه.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ومذهب ابن حزم: إلا أنه قال: النكاح أو التسري.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة:
- الدليل الأول: قوله رحمه الله: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج فإن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء).
- واستدلوا بقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء/3].
- واستدلوا بقوله تعالى: {وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم .. } [النور/32]. والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وهذه النصوص فيها أوامر صريحة: فليتزوج - وانكحوا - فانكحوا.
وأجاب الجمهور عن هذه الأدلة بأجوبة فقال:
ـ أن الله تعالى يقول: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} . فعلق النكاح بالاستطابة والاستطابة ليست بواجبة بالإجماع والقاعدة تقول: (أنه إذا خير الإنسان بين الواجب وغيره فهو دليل على أنه ليس بواجب). فجعلوا هذا من الصوارف عن الوجوب.
ـ واستدلوا أيضاً: بأن عدداً من السلف لم يتزوج - من التابعين.
والأقرب إن شاء الله أنه ليس بواجب وإنما مستحب ولكنه استحباب شديد جداً.
ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء. ولو كان بشر تزوج لكان أتم لأمره.
الإمام أحمد مع إعجابه الشديد ببشر ومحبة بالغة - إذا رجعت إلى ترجمة أو أحمد تلاحظ هذا الشيء. مع ذلك لاحظ أن الإمام أحمد رجل يتتبع الشرع ولا يتتبع هواه وإنما نص على بشر لأنه رجل يقتدي به فأراد أن يبين أن بشر وإن كان ممن يقتدي به إلا أخل بقانون الشرع في قضية ترك الزواج رحمه الله وغفر له وجمع وإياه في جنته.
إذاً: إن شاء الله الراجح أن النكاح سنة وليس بواجب إلا أنه متأكد جداً.
قال المؤلف رحمه الله:
وفعله مع الشهوة أفضل من نفل العبادة.
هذا صحيح. والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: النصوص الآمرة بالنكاح عامة لم تفرق بين حال وآخر.
- الدليل الثاني: وهو الأقوى: أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وإمام المتقين كان من الذين يعتنون بالزواج وتزوج عدداً من النسوة وكذلك أصحابه رضي الله عنهم تزوجوا وحرصوا على الزواج فدل هذا على أن الزواج خير من التفرغ للعبادة.
ومعلوم إن شاء الله على تقدير التعارض بينهما وإلا فإن العبادة لا تتعارض مطلقاًَ مع الزواج.
لكن هم يقصدون التفرغ التام للعبادة مثل حال بشر رجل تفرغ تماماً للعبادة فحال غيره أكمل منه.
قال المؤلف رحمه الله:
ويجب: على من يخاف زنا بتركه.
إذا خاف الزنا بترك النكاح فإنه يجب عليه أن يتزوج وجوباً.
- لما تقدم من أن هذا الزواج هو الطريقة الوحيدة للخروج من مغبة الوقوع في المحرم.
إلا أن ما قاله ابن حزم في الحقيقة وجيه وهو أن نقول هو أحد أمرين: ـ إما الزواج. ـ وإما التسري. لأنه أيضاً في التسري يحصل الخروج من مغبة الوقوع في المحرم.
قال المؤلف رحمه الله:
ويسن: نكاح واحدة.
الأفضل: = عند الحنابلة أن يتزوج واحدة وأن لا يعدد.
واستدلوا على هذا:
- بأن الاقتصار على واحدة أقرب إلى عدم الوقوع في المحرم المشار إليه بقوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم .. } [النساء/129].
فهذه الآية نص على أنه لن يعدل والعدل واجب بالإجماع والطريقة لعدم الوقوع في هذه المخالفة أن يقتصر على واحدة.
والجواب عن هذه الآية أن تفسيرها الصحيح: أنه لن تستطيعوا أن تعدلوا يعني: في المحبة والميل القلبي لا في الحقوق الواجبة إذ يمتنع أن يأمر الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم بأمر لا يستطاع.
إذاً: المنفي في الآية هو ما يتعلق بالمحبة.
= القول الثاني: أن الأفضل أن يتزوج باثنتين. وهو قول عند الحنابلة.
= والقول الثالث: أن الأفضل أن يعدد مطلقاً. كلما زاد فهو أفضل.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي صلى الله عليه وسلم عدد والخلفاء الراشدون وعامة الصحابة.
- وأن ابن عباس رضي الله عنه يقول في صحيح البخاري: خير هذه الأمة أكثرها نساء.
فقالوا: إن حال السلف دليل على أن الأفضل في حق الإنسان التعدد.
والأقرب للصواب إن شاء الله أن الأفضل من حيث الأصل التعدد وليس لنا أن نقول أن الأفضل غير التعدد مع أن التعدد حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف إلا أن هذه الأفضلية تختلف من شخص لآخر فإن كان هذا الشخص إن عدد صار التعدد من أسباب تقصيره في واجب آخر صار الأفضل في حق هذا الشخص المعين أن يفرد.
وإن كان الأمر بالنسبة له سيَّان ويستطيع القيام بواجباته الأخرى مع التعدد فالأصل في النكاح والأفضلية التعدد. والإمام أحمد رحمه الله لم يعدد وليس هو قدوة في هذه القضية بل القدوة النبي صلى الله عليه وسلم لكن أقول لكم من باب الإخبار أن الإمام أحمد رحمه الله لم يعدد فكان تزوج بأم صالح - ابنه الكبير - فلما بلغ الأربعين بقيت معه نحو ثلاثين سنة - فلما مضى على الزواج سبع سنوات قالت يا أبا عبد الله هل رأيت من شيء تكرهه؟ فقال الإمام أحمد: بارك الله فيك لم أر شيئاً إلا أن النعال تصر أحياناً - يعني: يخرج لها صوت - فذهبت إلى السوق وبدلت النعال واشترت حذاء من جلد ليس له صوت. (أنا أقول: كأن الإمام أحمد يريد في البيت هدوء فكان هذا الصوت يزعجه) لما توفت أم صالح أرسل بامرأة تخطب إحدى بنات عمه قال: اذهبي واخطبيها لي. فذهبت وخطبت المرأة فوافقت مباشرة لما رجعت قال الإمام أحمد ماذا قالت: قالت: وافقت. قال لما خطبتيها كانت أختها العوراء تسمع قال: نعم. كانت بجوارها. قال: اذهبي وانقضي الخطبة الأولى واخطبي تلك العوراء. فخطبت العوراء ووافقت مباشرة وكان هذا من الإمام أحمد نوع من المداراة ومراعاة النفس رحمه الله حتى لا تتأثر الأخت المخطوبة وكانت الاثنتين بنات عمه: الثانية هذه أم عبد الله. وهي التي أتت بعبد الله الذي روى مسند الإمام أحمد وتسرى الإمام رحمه الله مرتين واحدة منهما أتت بابنين سمى الأول حسن والثاني: حسين رحمه الله وغفر له -.
إذاً: الأفضل عند الحنابلة الواحدة وأما التعدد فهو مفضول لما تقدم.
والصواب إن شاء الله أن الأصل أن التعدد هو المستحب.
قال المؤلف رحمه الله:
دينة.
الأفضل أن يتحرى الإنسان المرأة الدينة. أي: التي تتصف بالدين ظاهراً.
وذلك:
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها. ولحسبها. ولجمالها. ثم قال: ولدينها. فظافر بذات الدين تربت يداك).
فنص الحديث على أن الصفات الأخرى مقصوده إلا أنه ينبغي على الإنسان أن يتحرى صفة الدين ومعلوم أن هذه الصفة من أكمل الصفات في الحال وفي المآل فإنها كلما زاد دينها قامت بواجبات الزوج كما ينبغي كما أنها تقوم بواجبات التربية كما ينبغي.
وهذا الحديث فيه الحث الصريح على تخير الزوجات الصالحات الدينات.
قال المؤلف رحمه الله:
أجنبية.
ومقصوده بأجنبية يعني: ليس بينه وبينها صلة قرابة نسب.
واستدلوا رحمهم الله على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: أن أبناء الأجنبيات أنجب وأحسن صفات من أبناء القريبات. كما أن أبناء القريبا يكثر فيهن المرض.
- الدليل الثاني: أنه لو حصل بين الزوج والزوجة خلاف وعدم توافق فقد يؤدي هذا إلى قطيعة الرحم بين العائلتين. والشارع الحكيم يتشوف إلى البعد عما فيه قطيعة رحم.
= والقول الثاني: أن الإنسان إذا أراد أن يخطب ينظر إلى الأصلح فإن رأى الأصلح في القريبة فذاك وإلا أخذ الأجنبية.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ابنة عمته وهي زينب رضي الله عنها.
- وأنه زوج ابنته لعلي بن أبي طالب وهو ابن عمه رضي الله عنه.
- وزوج ابنته للعاص بن ربيع وهو من أقربائه.
والراجح أن نقول: من حيث النظر في الحقيقة مذهب الحنابلة قوي جداً ونحن نرى أن الذين لا يتزوجون إلا من بعض تكثر فيهم الأمراض بشكل كبير جداً وهذا أمر ملاحظ.
كما أنه يلاحظ كما قال الحنابلة كلهم أنه كلما ابتعد الإنسان كلما كان أنجب للأبناء وأقوى للبنية الجسمية والبنية العقلية. وهذا أمر مشاهد.
نحن نقول من حيث المشاهدات لاشك أن كلام الحنابلة قوي.
وممكن نقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج الأقرباء لهدف أراده صلى الله عليه وسلم أو لفضله مثل علي رضي الله عنه أو لبيان الجواز أو لحكم أرادها، أو نقول: الأصل أن يتزوج من أجنبية إلا أنه لا بأس من الخروج عن هذا الأصل لمصلحة، وإلا في الحقيقة كلام الحنابلة من حيث النظر قوي جداً.
قال المؤلف رحمه الله:
بكر.
يعني: أنه يستحب أن يتخير الإنسان إذا أراد أن يتزوج بكراً.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه: (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) لما تزوج رضي الله عنه ثيباً.
فهذا الحديث نص أنه يستحب للإنسان أن يتخير البكر.
إلا أنه يقال في حديث جابر نفسه الذي استدل به الحنابلة إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لجابر على زواجه من الثيب حيث ذكر سبباً وجيهاً لهذا الزواج وهو أنه رجل صاحب عيال ويريد امرأة عاقلة كبيرة ترعى البيت والأولاد.
وننطلق من هذا الحديث فنقول: أنه إذا كانت المصلحة في تزوج الثيب بأي غرض من الأغراض فحينئذ يكون الأفضل الثيب.
وإذا لم توجد مصلحة زائدة فلاشك أن الحديث صريح في استحباب التزوج بالبكر.
قال المؤلف رحمه الله:
ولود.
يعني: يستحب أن يتخير الولود.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وفي لفظ: (مكاثر بكم الرسل يوم القيامة).
وهذا الحديث صحيح إن شاء الله على الأقل بمجموع طرقه. وهو دليل صريح على استحباب الاستكثار من الذرية، كما أن التخير للولود يدل عليه النصوص العامة الدالة على الحكمة من النكاح وهو تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر الحنابلة أن هذا الأمر يعرف بمقارنة المرأة بقريباتها فإذا كن معروفات بكثرة الولادة فستكون غالباً كذلك.
قال المؤلف رحمه الله:
بلا أُم.
يعني: ويستحب أن يتخير المرأة التي ليس لها أم.
وعلل الحنابلة هذا: بأن الأم يكثر أن تتسبب في الخلاف بين الزوجة والزوج. فإذا أخذ امرأة ليس لها أم تجنب هذا الخلاف، وهذا غريب جداً من الشيخ موسى. والغريب في الأمر أنه هو الذي ذكر هذه القضية فقط. بحثت في كتب الحنابلة لم أجد أحداً نص على أنه يسن أن يأخذ امرأة ليس لها أم إلا الشيخ موسى رحمه الله وأحب أن أعرف من أين بهذه المسألة إذا لم يكن لها أصل في كتب الحنابلة ولم أجد أحداً سبقه. فهل الشيخ رحمه الله هو أول من قال هذه القضية؟ ربما. هل قلد أحداً لم نجد كتابه فيما بين أيدينا من المطبوع من كتب الحنابلة؟ ربما.
على كل حال هذا القول مرجوح للغاية وهو من أضعف الأقوال أثراً ونظراً.
ـ أثراً: - لأن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشر إلى استحباب هذه القضية.
- كما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج من لها أم وكانت أحب أزواجه إليه وهي عائشة رضي الله عنها.
- كما أن الصحابة رضي الله عنهم تزوجوا كثيراً ولم يشيروا من قريب أو بعيد إلى استحباب هذا الأمر.
- كما أن تخير المرأة التي ليس لها أم قد يكون ليس من محاسن الأخلاق لأن الشخص يحب أن تكون هذه المرأة لا أم لها إذا كانت صفاتها حميدة وهو يريدها فقد يتمنى لكي يطبق السنة أن تموت الأم. وهذا المعنى أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله فالإمام كره أن يشتغل الإنسان في حفر القبور لماذا؟ قال: لأنه يفرح بموت المسلمين. فكره أن يعمل الإنسان - كأنها كراهة شخصية - نحن نقول: هذا الأمر أيضاً ينطبق هنا: كيف تقول: أنه يستحب أن يبحث الإنسان عن امرأة توفيت أمها حتى يتزوجها.
الخلاصة: أن هذا قول مرجوح جداً. الصواب أنه ليس من المستحبات ولا من المسنونات.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى الكلام عن أحكام الخطبة:
قال المؤلف رحمه الله:
وله: نظر ما يظهر غالباً مراراً بلا خلوة.
قوله: (وله النظر) أفادنا مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أنه يجوز للإنسان أن ينظر إلى من يريد أن يخطبها قبل الخطبة. = وهذا مذهب الحنابلة. بل إن شيخ الإسلام قال: ينبغي إذا عزم أن ينظر قبل أن يخطب. وهذا صحيح لأنه إذا نظر قبل أن يخطب فإنه سيتفادى بذلك كسر خاطر المرأة إذا لم يستحسنها.
فنقول على كل حال: يجوز النظر قبل وبعد الخطبة إلا أنه عند الحنابلة النظر قبل مشروع وعند شيخ الإسلام هو الأولى.
قوله رحمه الله: (وله النظر) أفادنا رحمه الله: أن النظر مباح فقط. وهذا مذهب الحنابلة.
= والقول الثاني: أن النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها مستحب.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها.
- ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري إذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما.
فهذه النصوص فيها الأمر وأقل أحواله الاستحباب.
* * مسألة/ قوله: (وله النظر) يقيد عند الحنابلة بما إذا غلب على ظنه أن يوافقوا على خطبته وقد نص على هذا الإمام ابن رجب. أنه إنما يجوز إذا غلب على ظنه أنهم سيجيبون ويوافقون على خطبته وإلا فإنه لا يجوز له أن ينظر، إذاً: عرفنا الآن متى ينظر وحكم النظر.
باقي مسألة: حدود النظر. وهي التي أشار إليها بقوله: (ما يظهر غالباً).
هذه المسألة: وهي حدوج ما يجوز أن ينظر الرجل من المرأة المخطوبة محل خلاف كثير بين أهل العلم. اختلفوا اختلافاً كثيراً. وهذا الاختلاف هو روايات عن الإمام أحمد رحمه الله.
= فالمذهب: أنه يجوز أن ينظر إلى المرأة ما يظهر غالباً منها. وهو الوجه والكفين والرقبة وما يظهر غالباً.
واستدلوا: - بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذا الحديث لجابر: إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها. قال جابر: فصرت أتخبأ لها وأنظر إليها حتى رأيت منها ما يدعوني إلى نكاحها.
وجه الاستدلال: أنه لما جاز للإنسان أن ينظر إلى المرأة وهي لا تعلم تبينا أنه يجوز أن ينظر إليها ما يخرج منها غالباً لأن المرأة إذا نظر إليها وهي لا تعلم فسينظر منها ما يخرج غالباً.
وهذا استدلال متين وجيد جداً.
= القول الثاني: أنه لا يجوز النظر إلا إلى الوجه فقط. ما عداه يجب أن يستر. حتى الكفين.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من النظر معرفة صفات الوجه لأنه المقصود.
- وأن الناس إذا أطلقوا النظر فقالوا: نظر إليها فإنه ينصرف إلى الوجه.
= القول الثالث: أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط.
- لفوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور/31]. والسلف شبه مجمعين على أنما ظهر منها الوجه والكفين.
وتمموا الاستدلال بأن هذه المرأة أجنبية فتدخل في الآية.
= القول الثالث: أنه يجوز أن ينظر إليها جميعاً متجردة. وهذا مذهب داود الظاهري وقيل: - وأنا أستبعده تماماً أنه رواية عن الإمام أحمد -.
واستدلوا داود: - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلينظر إليها) ولم يخصص النبي صلى الله عليه وسلم شيء دون شيء. فيجوز أن ينظر إليها.
واستدلوا: - بأن عمر رضي الله عنه لما خطب من علي رضي الله عنه قال علي لعمر إنها يا أمير المؤمنين صغيرة فسكت عمر فقالوا له إنما ردك - يعني: أنه رد الخطبة - فأعاد عليه. فأعاد عليه فقال علي: نبعثها إليك يا أمير المؤمنين وتنظر إليها فأرسل بها إليه فلما دخلت ونظر إليها كشف عن ساقها فقالت لولا أنك أمير المؤمنين للطمت وجهك - أو قالت: عينك.
فاستدلوا بأنه نظر إلى ساقها وفي بعض الروايات إلى فخذها.
والجواب عليه من وجهين:
- الوجه الأول: أنه نظر إلى ساقها والساق مما يظهر غالباً. فلا دليل فيه لداود.
- الثاني: أنه على رواية أنه نظر إلى الفخذ حمل على أنها أصبحت زوجته أن علي قال: فإن رضيتها فهي لك فعلق النكاح بالرضا فلما نظر إليها رضيها فاعتبرها زوجته.
وبكل حال مهما يكن من أمر فإنه قول ضعيف غاية في الضعف ولا يجوز العمل به.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة: أنه ينظر إليها كعادتها عند المحارم بلا زيادة ولا نقص.
ويجوز لها أن تضع مما تتجمل به ما يوضع عادة بلا زيادة أيضاً ولا نقص.
فيكون الراجح إن شاء الله قوله: وله النظر إلى ما يظهر غالباً.
قال المؤلف رحمه الله:
(مرارا).
يعني: أنه يجوز أن يكرر النظر إلى المرأة المخطوبة في المجلس الواحد مراراً.
واستدلوا على هذا:
- أن المقصود من الرؤية أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها وتكرار النظر مما يحقق هذه الحكمة.
إلا أنهم اشترطوا: أن يكون النظر وتكراره بغير شهوة. فإن كان لشهوة فهو محرم.
يقول رحمه الله: (بلا خلوة). يعني: أنه يحرم أن ينظر إليها مع الخلوة.
واستدلوا على هذا:
- بأن المخطوبة ما زالت أجنبية. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم). ويقول: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). وهذه النصوص عامة تتناول المخطوبة وغيرها من الأجنبيات.
فلا يجوز للرجل أن يمكن الخاطب من الجلوس مع المخطوبة منفردين وعملهما محرم.
قال المؤلف رحمه الله:
ويحرم: التصريح بخطبة المعتدة من وفاة، والمبانة: دون التعريض.
انتقل المؤلف رحمه الله إلى حكم خطبة المعتدة ونحن نريد أن نلخ هذا الموضوع ثم نرجع للتعليق على كلام المؤلف رحمه الله.
أولاً: - لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة أبداً إلا لزوجها في صورة واحدة. أما غير الزوج فإنه لا يجوز التصريح مطلقاً.
فيما عدا هذه القضية نقول: المعتدة تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الرجعية. فالرجعية لا يجوز أن تخطب تصريحاً ولا تعريضاً.
- لأن الرجعية زوجه ولا يجوز للإنسان أن يخطب تصريحاً ولا تعريضاً زوجة غيره.
ـ القسم الثاني: غير الرجعية: وهي تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: المبانة بينونة كبرى. وهي: المعدة من وفاة أو المطلقة ثلاثة أو المفسوخة بنحو رضاع.
ويجمع هذا المرأة التي لا يجوز أن تعود لزوجها.
فهذا القسم يجوز الخطبة تعريضاً لا تصريحاً.
والدليل:
- قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [البقرة/235] وهذه الآية في المعتدة من الوفاة.
- وكذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض في خطبة أم سلمة لما توفي أبو سلمة.
- وكذلك: أن فاطمة [بنت قيس] لما طلقت ثلاثاً عرَّض النبي صلى الله عليه وسلم بخطبتها فقال: لا تسبقيني بنفسك. وفي رواية: إذا انتهت العدة فآذنيني. وخطبها بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاوية ثم [أبو جهم]((في الشرح أبو جميل والصواب ما أثبت)) ثم أسامة كلهم خطبوها تعريضاً لا تصريحاً.
- القسم الثاني: المبانة بينونة صغرى. وهي: المختلعة والمفسوخ نكاحها لعيب أو ترك نفقة.
فهذه أيضاً يجوز أن تخطب تعريضاً لا تصريحاً.
واستدلوا:
- بدخولها في عموم الآية.
- وبالقياس على المبانة بينونة كبرى.
= والقول الثاني: أن المبانة بينونة صغرى لا يجوز أن تخطب لا تصريحاً ولا تعريضاً.
- لأن الآية في عدة الوفاة.
- والأحاديث في المطلقة ثلاثاً.
وهذا رأي الأحناف. والأول رأي الجمهور.
والصحيح: رأي الجمهور إن شاء الله: لأن الآية عامة.
إذاً: عرفنا الآن أنه في الحقيقة: الأقسام ثلاثة: ـ الرجعية.
ـ والمبانة بينونة كبرى.
ـ والمبانة بينونة صغرى.
نرجع إلى كلام المؤلف:
قال المؤلف رحمه الله:
(ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة والمبانة).
يحرم التصريح: إجماعاً. بخطبة المعتدة من وفاة. فهو أمر مجمع عليه.
قال المؤلف رحمه الله:
(دون التعريض).
فيجوز في خطبة المعتدة من وفاة وفي خطبة المبانة.
أما التعريض في خطبة المعتدة من وفاة فهو أيضاً محل إجماع. لأن الآية نص فيه.
وأما التعريض في المبانة فهو محل خلاف:
= فالجمهور رأوا أنه يجوز.
واستدلوا: بالأدلة السابقة. - حديث فاطمة. - وأم سلمة.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز التعريض في المبانة. وهو قول ضعيف.
الصواب: أن حكم المبانة حكم المعتدة من وفاة.
قال المؤلف رحمه الله:
ويباحان: لمن أبانها بدون الثلاث. كرجعيته.، ويحرمان: منها على غير زوجها
(يباحان) يعني: التصريح والتعريض.
(لمن أبانها) يعني: لزوجها الذي أبانها.
(بدون الثلاث) كالمختلعة. والمفسوخة بنحو عيب، هذه يجوز لزوجها أن يخطبها تصريحاً وتعريضاً.
والدليل:
- قالوا الدليل على هذا: أنه يجوز له أن يعقد عليها في زمن العدة. وإذا كان يجوز أن يخطب عليها في زمن العدة فيجوز أن يصرح أو يعرض بالخطبة.
قوله رحمه الله (كرجعية). أي كما يجوز له أن يعقد على الرجعية. فيجوز أيضاً له أن يخطب المبانة بينونة صغرى.
قال المؤلف رحمه الله:
(ويحرمان منها)
يعني: ويحرم التصريح والتعريض.
(منها) أي: من الزوجة الرجعية على زوجها.
(على غير زوجها) يعني: يحرم على الرجعية أن تجيب لا تصريحاً ولا تعريضاً إذا خطبها غير زوجها.
ولو أن المؤلف رحمه الله بدل أن يقول هذه العبارة أتى بعبارة الحنابلة الأخرى وهي: (أن حكم المرأة في الجواب كحكم الخاطب في الخطبة.
ـ فإذا جاز له التعريض جاز لها التعريض.
ـ وإذا جاز له التصريح جاز لها التصريح.
ـ وإذا حرم التصريح والتعريض حرم عليها التصريح والتعريض.
حكمها حكم الخاطب.
واستخدام هذا أشمل من تخصيص الحكم بالرجعية.
وبهذا عرفنا متى يجوز أن يخطب الإنسان المرأة المعتدة تصريحاً أو تعريضاً.
قال المؤلف رحمه الله:
والتعريض: ((إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ))، وتجيبه:((مَا يُرْغَبُ عَنْكَ)) ونحوهما.
التعريض هو: ما يفهم منه النكاح ويحتمل غيره.
والتصريح: ما لا يحتمل إلا النكاح.
فلما كان التصريح لا يحتمل إلا النكاح لم يذكر أمثلته لأنه واضح وإما ذكر أمثلة التعريض:
فيقول: (نحو قوله: إني في مثلك لراغب). وأيضاً نحو قوله: (ما أحوجني إلى مثلك) ونحو هذه العبارات.
وينبغي أن تتنبه إلى مسألة. وهي أن التعريض كما يكون بالقول يكون بالفعل.
مثل: أن يهدي إليها هدية. فإنه من المعلوم أنه إذا أهدى إلى امرأة معتدة فإنه يشير إلى رغبته فيها.
وبهذا أفتى ابن عباس أن الهدية تقوم مقام التعريض.
نستطيع أن نأخذ من هذا قاعدة وهو أن التعريض هو أن يبدي الإنسان رغبته في الزواج من هذه المرأة بغير لفظ صريح.
وهذه قاعدة تشمل أي تصرف كان يفهم منه رغبة الرجل بالزواج من هذه المعتدة.
قال المؤلف رحمه الله:
فإن أجاب ولي مجبرة، أو أجابت غير المجبرة لمسلم: حرم على غيره خطبتها.
أفادنا المؤلف رحمه الله أن خطبة الإنسان على خطبة غيره لا تجوز.
وأما قول المؤلف هنا: (فإن أجاب ولي مجبرة، أو أجابت غير المجبرة) ففيه تقسيم النساء إلى مجبرة وغير مجبرة.
وهذا سيأتينا في الكلام عن أحكام الولي، الذي يعنينا الآن أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه.
ولكن قيد الحنابلة هذا: بأن يجيبوه، ولهذا هو يقول هنا:(فإن أجاب. أو: أجابت).
فإذا أجاب أو أجابت فإن خطبة الإنسان على خطبة أخيه محرمة وحكي الإجماع بعد الإجابة.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع).
(الأذان).
لما ذكر المؤلف الحكم العام شرف في المستثنيات:
قال المؤلف رحمه الله:
وإن رد
…
جاز.
يعني: إذا خطب فردوه: جاز للثاني أن يخطب.
- لأنه بالرد سقط حقه من تحريم خطبة غيره عليه. وإذا سقط حقه جاز لغيره أن يخطب.
وهذا لا إشكال فيه.
قال المؤلف رحمه الله:
أو أذن.
إذا أذن جاز.
- لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن خطبة الرجل على خطبة أخيه حتى يدع أو يأذن.
فإذا أذن جاز بالإجماع لأن النص صريح فيه.
قال المؤلف رحمه الله:
أو جهلت الحال: جاز.
إذا لم يعلم الخاطب الثاني هل ردوا الخاطب الأول أو لم يردوه جاز للخاطب الثاني أن يخطب.
للماذا؟
- قالوا: لأنه إذا لم يعلم هل أجيب أو لم يجب فإن الأصل عدم الإجابة.
وهذه المسألة عند الحنابلة مبنية على مسألة أخرى هي أهم من هذه المألة وهي:
* * هل قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه خاص بما إذا أجيب أو عام يشمل ما إذا أجيب وإذا لم يجب؟
الجواب: أن هذه المسألة فيها خلاف:
= ذهب الجماهير من أئمة المسلمين والفقهاء إلى أن هذا الحديث مخصوص بما إذا أجيب فإذا لم يجب جاز لغيره أن يخطب.
بل حكي الإجماع. حكى الإجماع غير واحد على أنه يجوز أن يخطب إذا لم يجب.
= والقول الثاني: وهو فقط قول للشافعية. أنه يحرم مطلقاً.
واستدلوا: بعموم الحديث. لأن الحديث: يقول: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه. وليس فيه قبل أو بعد.
أما دليل أصحاب القول الثاني وهو قول للشافعية فواضح وهو عموم الحديث ولم يفرق بين أن يجيبوه وأن لا يجيبوه.
نبقى في دليل القول [الأول] الذي حكي إجماعاً وذهب إليه علمة السلف.
دليلهم: استدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: ما تقدم معنا: أن فاطمة رضي الله عنها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم ثم خطبها معاوية ثم [أبو جميل] ثم أسامة فهؤلاء خطبوها جميعاً.
وهذا دليل على أنه ما لم تجي المخطوبة يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه.
وأجاب القائلون بالوجوب أنه ربما أنهم لم يعلموا بخطبة بعضهم من بعض وربما أنهم علموا بأن فاطمة ردت ومن وجهة نظري أن هذه الأجوبة فيها تكلف.
- الدليل الثاني: أن هذا الأمر معروف عند السلف وهو أنه ما لم يوجب يجوز للآخر أن يخطب. وقد ذكر ابن عبد البر قصة طريفة وهي دليل لهذه المسألة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي: أن امرأة من الأنصار خطبها جرير رضي الله عنه ثم خطبها مروان بن الحكم ثم خطبها عبد الله بن عمر فجاء عمر بن الخطاب ودخل عليها في بيتها وقال: اسمعي خطبك جرير وهو سيد أهل المشرق. وخطبك مروان وهو سيد شباب مكة وخطبك عبد الله بن عمر وهو من عرفت رضي الله عنه لم يثن عليه لأنه ابنه - ثم قال: وهذا عمر بن الخطاب يخطب. فالمرأة فرحت فهتكت الستر وقالت: أجاد أنت يا أمير المؤمنين. قال: نعم. قالت: رضيت بأمير المؤمنين. وإذا قرأت القصة تلاحظ أن المرأة فرجت بأمير المؤمنين وحق لها.
هذه القصة صريحة أن أربعة خطبوا امرأة واحدة وأن عمر كان يعلم أن هذه المرأة خطبت من ثلاثة فهذا يقطع الإجابات التي ذكرها بعض الذين يرون العموم وهي قوله لعلهم لم يعرفوا.
والراجح إن شاء الله مذهب الجماهير وهو أن التحريم والمنع يتعلق بما إذا أجيب فقط.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
…
((انتهى الدرس)).
الدرس: (2) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كان الحديث في آخر درس حول خطبة المسلم على خطبة أخيه. وتحدثت عما يتعلق بهذه المسألة من أحكام وأدلة وباقي علينا مسألتان:
* * المسألة الأولى/ مما يتعلق بخطبة المسلم على خطبة أخيه - هل النهي يختص بالمسلم؟ أي: لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه المسلم أو يشمل غير المسلمين؟
= ذهب الحنابلة وهو منصوص الإمام أحمد إلى أنه يختص بالمسلم.
- لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك فقال: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه). والأخوة في الدين تقتضي المساواة يعني في الدين فلا يخطب على أخيه يعني: المسلم.
واستدلوا على ذلك أيضاً:
- بأن للأخوة في الدين من الحقوق التي تراعى ما ليس لغيرها من الصلات الأخرى. فصلة الأخوة في الدين قوية ولها واجبات من كل مسلم تجاه الآخر.
= والقول الآخر: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة الغير سواء كان من المسلمين أو من غير المسلمين.
وأجابوا عن الحديث: بأن قوله صلى الله عليه وسلم: (على خطبة أخيه) خرج مخرج الغالب وليست صفة مقيدة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النهي في هذه المسائل لحق العقد لا لحق العاقد فلا ننظر للعاقد ودينه.
- ثم إن عقد الذمة كفل للذميين حقوقاً كثيرة مالية وغير ماليه ومنها هذا الحق.
- وأيضاً الاعتداء على الغير ممنوع سواء كان هذا الغير من المسلمين أو من غيرهم.
وهذه المسألة محل إشكال وتردد والذي يظهر لي ويغلب على نظري أن الراجح مذهب الحنابلة وممن اختار هذا القول من المحققين الشيخ الفقيه الخطابي وأيضاً الشيخ ابن المنذر وغيرهم كلهم رأى رجحان هذا القول.
واستدلوا على هذا:
- بأن هذا القيد ليس قيداً أغلبياً وإنما قيداً مقصوداً لأن الأخوة في الدين معنىً خاص مقصود فإلغاؤه من الحديث واعتباره قيداً غالباً ليس بمتوجه ولا ظاهر بل الأقرب أنه مقصود.
- والأصل في الصفات المذكورة في الأحاديث أنها مقصودة.
- ثم اعتبار هذا اعتداءً هو باعتبار المعتدى عليه فإذا كان مسلم فخطبة الإنسان على خطبة أخيه نوع من الاعتداء لكن إذا لم يكن من المسلمين فإن الشارع لم يثبت له هذا الحق فلك أن تخطب على خطبته وولي المرأة له أن يختار بين الخاطبين حسب مصلحة موليته.
على كل حال يظهر لي إن شاء الله أن الراجح مذهب الحنابلة وإن كانت المسألة فيها نوع إشكال والخلاف فيها قوي.
* * المسألة الثانية/
ذكرت أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه وبقينا في مسألة أخرى وهي:
إذا خطب على خطبة أخيه فهو مخالف وآثم ولكن بقي النظر في العقد الذي تم على هذه الخطبة الممنوعة ليكون صحيحاً أو باطلاً.
في هذه المسألة أيضاً بين أهل العلم:
= فالجماهير من أهل العلم ذهبوا إلى أن العقد صحيح والخاطب على خطبة أخيه ظالم وآثم إلا أن العقد صحيح.
- لأن النهي لا ينصرف إلى ذات العقد وإنما إلى أمر خارج عن العقد وهي الخطبة السابقة للعقد.
- ثم إن هذا العقد - وهذا هو الدليل الثاني لهم - هذا العقد عقد مستوف لشروطه وأركانه ولا يوجد مبرر لإبطاله.
= القول الثاني: وهو مذهب المالكية. أن العقد المبني على الخطبة الثانية الممنوعة عقد فاسد.
واستدلوا على هذا:
- بأن النهي في الشرع يقتضي الفساد. وهذه الخطبة منهي عنها ومزجور عنها وما يترتب عليها فهو فاسد لأنه مترتب على منهي عنه.
= القول الثالث: أن العقد صحيح ولكن يتوقف على رضا الخاطب الأول.
- لأن الخطبة على خطبة أخيه اعتداء على حق الخاطب الأول.
فإذا تزوج نقول للخاطب الأول إن أمضيت النكاح أمضيناه وإن رددت النكاح رددناه ثم إذا رد الخاطب الثاني النكاح فإنه لا يلزم من هذا أن تتزوج به بل إذا رد الخاطب الأول نكاح الخاطب الثاني المعتدي صارت المرأة بعد ذلك حرة إن شاءت قبلت بالخاطب الأول وإن شاءت قبلت بالخاطب الثاني وإن شاءت قبلت بغيرهما.
وليس كما يتبادر إلى الذهن أنه إذا رد الخاطب الأول النكاح فهو أحق بها هذا غير مراد.
وهذا القول الثالث هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وعند الشيخ قاعدة وهي: (أن أي نهي كان سببه حق الآدمي في النكاح والبيوع وفي أي معاملة فيها عقد فإنه يصحح العقد ويثبت الخيار للطرف المعتدى عليه). دائماً وأبداً. وأما في النواهي التي يكون فيها النهي لحق الله فهو - أي: العقد - يكون فاسداً)
هذه قاعدة الشيخ رحمه الله قاعدة مضطردة في كل المسائل التي فيها نهي لم تنخرم قاعدة الشيخ في هذه المسألة.
في بعض كلام شيخ الإسلام ما يدل على أنه يرجح قول المالكية مطلقاً وهذا ليس بمراد فإما أن يكون الشيخ له في المسألة قولان أو يكون جوابه في بعض المرات الذي يقول فيه: والراجح القول الثاني. ويطلق. يعني: لم يفصل.
والصحيح أن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ولا أدل على هذا من أنه صدر هذا القول بكلمة: والتحقيق: أنه يقال: يثبت لحق
…
إلى آخره فجعل هذا هو القول الذي فيه تحقيق فلا ينظر للأقوال الأخرى التي فيها إطلاق ترجيح قول المالكية.
نرجع الآن إلى المتن بعد أن أنهينا المسائل المتعلقة بخطبة المسلم على خطبة أخيه.
قال المؤلف رحمه الله:
ويسن: العقد يوم الجمعة مساء.
يسن أن يعقد الإنسان في هذا اليوم وهو يوم الجمعة.
ويسن أيضاً أن يكون العقد في مساء يوم الجمعة.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن استحباب ذلك مروي عن التابعين ولا أذكر أنه مر عليَّ أنه عن أحد من الصحابة لكن عن التابعين مروي عن عدد منهم.
- الثاني: قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت في الجمعة ساعة إجابة وهي عند كثير من الفقهاء آخر ساعة في الجمعة ولذا يستحبون أن يكون العقد في آخر ساعة من الجمعة لكي يوافق هذه الساعة فإذا دعي للمتزوج وافق ساعة إجابة فأجيب ووفق في هذا الزواج. إذاً استدلوا بدليلين.
وأضاف الشيخ منصور في الروض: أنه أيضاً يستحب أن يكون في المسجد فيكون يوم الجمعة وفي المسجد.
وفي الحقيقة ليس في النصوص الشرعية ما يدل على استحباب عقد النكاح لا في يوم الجمعة ولا في المسجد مع الاعتراف والإقرار بأن يوم الجمعة يوم فاضل وأن المسجد من البقع الفاضلة إلا أن النكاح فيه شائبة العبادة كما سيأتينا والعبادات توقيفية وما زال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعقدون الأنكحة لأنفسهم ولغيرهم ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يعقدون ذلك لا في يوم الجمعة ولا في المساجد.
ولا في المساجد. فالأقرب أن الإنسان يعقد النكاح في الزمان والمكان الذي يناسب وضعه الاجتماعي أو ظروفه ولا ينظر إلى قضية إيقاع العقد في يوم الجمعة أو في المسجد.
قال المؤلف رحمه الله:
بخطبة ابن مسعود.
يستحب الحنابلة أن يخطب الإنسان بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه.
وفي هذه الخطبة مسائل:
* * المسألة الأولى/ أن عقد النكاح بخطبة ابن مسعود: سنة.
ـ فإن شاء عقد العقد بها.
ـ وإن شاء بدونها.
ـ وإن شاء استبدلها. فإن قال: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله: صح وأجزأ.
إذاً: استعمال هذه الخطبة سنة وبإمكانه أن يبدل هذه الخطبة باستفتاح آخر.
* * المسألة الثانية/
= ذهب الحنابلة إلى أن العاقد يستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إلى آخره
…
ولا يذكر الثلاث آيات وإنما يقتصر على الحديث.
= والقول الثاني: أنه يذكر خطبة ابن مسعود مع الآيات الثلاث.
وهذا القول هو الصحيح لان الحديث فيه الثلاث آيات ولا معنى للاقتصار على أول الحديث دون آخره.
فمذهب الحنابلة ضعيف وعلى الإنسان أن يأتي بالخطبة كاملة.
بهذا انتهى الفصل الأول من كتاب النكاح وننتقل للفصل الثاني.
فصل
قال المؤلف رحمه الله:
فصل وأركانه.
بدأ المؤلف الكلام عن أركان النكاح، وبدأ به لأهميته.
والأركان التي ذكرها المؤلف رحمه الله ثلاثة.
وركن الشيء هو جزء ماهيته. يعني: ما يتركب منه الشيء.
فهذا هو الجزء اصطلاحاً.
سواء في المسائل الشرعية أو في غيرها. ركن الشيء لابد أن يكون من جزء ماهيته.
بدأ رحمه الله بالركن الأول:
قال المؤلف رحمه الله:
الزوجان الخاليان من الموانع.
الركن الأول: الزوجان الخاليان من الموانع.
والمقصود بالموانع ما سيذكره من المحرمات في باب المحرمات من النساء. فهذه هي الموانع.
وقد يكون من الموانع: اختلال بعض شروط صحة النكاح في أحد الزوجين. سيأتينا.
وهذا الركن ذكره الشيخ موسى هنا وذكره في كتابه الإقناع وغيره لم يذكر هذا الشرط.
فالشيخ الموفق في المقنع وأيضاً صاحب المنتهى كلهم لم يذكروا هذا الشرط.
وفسَّر الشيخ منصور عدم ذكرهم لهذا الشرط لأنه أمر ظاهر لا حاجة لذكره.
ومعنى هذا: أنهم لم يذكروه لوضوحه لا لأنهم لا يرونه ركناً.
فإذاً على هذا التقرير يكون ركناًَ عند الحنابلة كلهم.
وهو ركن: بالإجماع.
- لأنه لا يمكن أن يكون عقد الزواج صحيحاً ولا تاماً إلا بوجود الزوجين.
وهذا كما قال الشيخ منصور: بدهي.
الركن الثاني:
قال المؤلف رحمه الله:
الإيجاب.
والركن الثالث:
القبول.
الإيجاب والقبول هما الركن الثاني والثالث وقد يعبر عنهما بالصيغة.
والإيجاب والقبول: ركن. بالإجماع بلا مخالف.
والإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي أو من نائبه الدال على إلزام نفسه في حال رضا القابل.
وأما القبول: فهو اللفظ الصادر من الزوج الدال على رضاه بالمعقود عليه.
وهذان الإيجاب والقبول من أهم أركان النكاح لأنه في الحقيقة هما العقد كما سيأتينا إنما يتم العقد بالإيجاب والقبول ولهذا كما قلت صار محل إجماع.
قال المؤلف رحمه الله:
ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زوجت أو أنكحت وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت.
أفادنا المؤلف رحمه الله بهذه العبارة مسألتين:
* * الأولى/ أن عقد النكاح لا يصح إلا باللغة العربية ممن يحسنها.
* * الثانية/ أنه باللغة العربية وأيضاً لا يتم إلا باستخدام لفظين فقط: (أنكحت) و (زوجت).
إذاً: لابد أن يكون بالعربية ولابد أن لا يستخدم فيه إلا أحد هذين اللفظين.
فإن استخدم لفظاً ثالثاً فالعقد باطل.
- لأنه اختل ركن الصيغة فاختل تبعاً له العقد برمته.
وهذه المسألة وهي تحديد لفظ أنكحت وزوجت محل خلاف بين الفقهاء:
= فذهب الحنابلة والشافعية إلى أن النكاح لا يصح إلا بأحد هذين اللفظين.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: أنه ليس في القرآن إلا استخدام أحد هذين اللفظين في عقد النكاح ولم يستخدم القرآن أي لفظ آخر.
وتتمت الاستدلال: أنه إذا مان القرآن لم يذكر إلا أحد هذين اللفظين والنكاح من الأمور التعبدية والدال على أنه من الأمور التعبدية أنه يدور بين الاستحباب والوجوب فإذا ثبتت أنه تعبدي والقرآن لم يستخدم إلا اللفظين صار لا يجوز أن يعقد إلا بهما.
هذا هو عمدة الشافعية والحنابلة.
- الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استحللتم فروجهن بكلمة الله). وكلمة الله هي فقط ما جاء في القرآن من استخدام لفظ النكاح والتزويج.
= القول الثاني: أنه لا يجوز استخدام أي لفظ في النكاح إلا ثلاثة: (زوجت) و (أنكحت) و (ملكت).
وهذا مذهب ابن حزم.
وفي المحلى يقول: لا يجوز إلا بزوجت وأنكحت وملكت. ثم قال كلمة: وبالإمكان.
ولك يظهر لي مطلقاً ما معنى هذه الكلمة.
ولما أراد ابن حزم يستدل لكل لفظة استدل لكل لفظة بدليل ولم يتطرق لكلمة بالإمكان فلعلها خطأ من المحقق أو قرأت خطأ عند قراءة المخطوط. المهم لم يظهر لي في الحقيقة لها معنى بعد قراءة كلام ابن حزم.
واستدل ابن حزم بتخصيص الألفاظ الثلاثة بما استدل به الحنابلة والشافعية في لفظيه: (أنكحت). و (زوجت). وأما التمليك: فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي رغب في الزواج من المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم أنه زوجه بقوله: (ملكتكها بما معك من القرآن). فاستخدم النبي صلى الله عليه وسلم لفظ: التمليك.
وابن حزم كما هو معلوم رجل ظاهري يجمد على النصوص فلما لم يجد إلا هذه الثلاثة ألفاظ وقف عندها.
= القول الثالث: أن النكاح يتم بأي لفظ يدل على المقصود وهو مذهب الأحناف والمالكية ونصره شيخ الإسلام بن تيمية بأدلة كثيرة وأطال في تقريره.
واستدل هؤلاء:
- بأن القاعدة المتفق عليها في الشرع أن العبرة بالقصود والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
وإذا علمنا أن قصده أن ينكح هذه المرأة أخذنا بهذا القصد.
- الدليل الثاني: أن المقصود من الإيجاب والقبول معرفة رضا كل من الزوجين بالآخر: الزوج بنفسه والزوجة عن طريق الولي. ومعرفة الرضا يحصل بهذين اللفظين وبغيرهما.
- الدليل الثالث: أنه ليس في النصوص ما يدل على اشتراط استخدام اللفظين وإنما غاية ما في النصوص استخدام اللفظين. والنصوص ليس فيها نفي المشروعية عن غير هذين اللفظين.
والراجح إن شاء الله المذهب الثالث وأدلتهم قوية وإن كنت لا أرى أي مبرر عند عقد النكاح للعدول عن لفظت: (أنكحت) أو (زوجت). لأنه ما دام استخدام غيرهما محل خلاف والقائلون بأن العقد لا يتم إلا بهما من الأئمة الكبار: الشافعي والإمام أحمد فلا مبرر للعدول عنهما لا من الولي ولا منى مأذون الأنكحة ولا من غيره لكن لو استخدم غيرهما فالعقد إن شاء الله صحيح.
قال المؤلف رحمه الله:
ومن جهلهما: لم يلزمه تعلمهما.
إذا جهل اللغة العربية أو جهل استخدام أو لا يحسن استخدام هذين اللفظين من اللغة العربية فإنه لم يلزمه أن يتعلمهما.
لأمرين:
- الأمر الأول: أن النكاح على الصحيح سنة وكل ما هو سنة من الشرع فإنه لا يجب على الإنسان أن يتعلم أركانه.
- الدليل الثاني: أن القاعدة الشرعية تقول: (أنه لا وجوب مع العجز) وهذا يعجز عن أن ينطق هذين اللفظين باللغة العربية فينطقهما بلغته ولا حرج عليه.
وهذا صحيح: أنه لا يلزمه أن يتعلمهما، ولما بين أنه لا يلزمه أن يتعلمهما أراد أن يبين ماذا يصنع؟
قال المؤلف رحمه الله:
وكفاه معناهما الخاص بكل لسان.
يريد المؤلف رحمه الله تقرير معنى معين وهو أن اللفظ الذي يريد أن يستخدمه الأعجمي الذي لا يعرف العربية يجب أن يشتمل على معنى اللفظين في العربية يعني: الإنكاح والتزويج.
فليس له أن يستخدم أي لفظ بل عليه أن يستخدم لفظاً يحمل معنى التزويج والإنكاح ولهذا المؤلف رحمه الله نص على قوله: (وكفاه معناهما الخاص بكل لسان) وإلا فإنه من المعلوم أنه إذا أعفيناه عن النطق بأنكحت وزوجت له أن ينكح بما شاء لكنه أراد أن يبين أنه لا ينكح إلا باللفظ الذي يشتمل على معنى هذين اللفظين.
* * مسألة/ مهمة: إن عقد النكاح بغير العربية مع قدرته على العربية: هذه المسألة محل خلاف. مع اتفاق الجميع أنه أساء وأنه ينبغي أن لا يصنع لكن إلى أي درجة ينبغي أن لا يصنع.
هذا محل خلاف.
= فالقول الأول: أن العقد صحيح ولو تجنب اللغة العربية قاصداًَ مع معرفته بها واستخدم لغة أخرى.
وهذا مذهب الأحناف.
= القول الثاني: أنه إن عقد النكاح بغير العربية مع قدرته على العربية فإن العقد باطل.
وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم يكاد يكون الجمهور.
- لأن الخلاف السابق بين المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة إنما هو في استخدام لفظ أنكحت وزوجت أما استخدام اللغة العربية فهو مذهب الجماهير.
= القول الثالث: أنه عمله مكروه والعقد صحيح. يعني: يصح مع الكراهة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام بن تيمية وإنما رأى أن صحيح:
- لأن العقد عنده رحمه الله ينعقد بكل ما يدل عليه بأي لهجة وبأي لسان وإنما كان مكروهاً لأنه استخدم غير العربية بلا حاجة.
من هنا نعلم أن شيخ الإسلام يرى أن استخدام غير اللغة العربية لغير حاجة مكروه - أقل أحواله أنه مكروه.
ثم تزداد الكراهة إذا استخدمه في عقد اهتم به الشارع وهو عقد النكاح.
قال المؤلف رحمه الله:
فإن تقدم القبول: لم يصح.
يعني: إذا قبل قبل أن يوجب ولي المرأة فهذا القبول لا عبرة به.
واستدلوا على هذا:
- بأن القبول إنما هو إجابة للإيجاب فإذا كان قبل الإيجاب لم يصبح قبولاً شرعاً. ولهذا التغى وصار لا قيمة له.
= القول الثاني: أنه يصح تقدم القبول إذا كان بلفظ الطلب. فإن كان باللفظ الماضي فإنه لا يصح.
واستدلوا على هذا: بأن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم زوجنيها. فأتى بلفظ القبول قبل الإيجاب لكن بلفظ الطلب. فزوجه النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الحديث أنه قبل بعد أن أوجب النبي صلى الله عليه وسلم له العقد.
= والقول الثالث: أنه صحيح مطلقاً. عكس المذهب. وقالوا: أن الإيجاب هو اللفظ الصادر أولاً من الزوج أو من الولي.
واستدلوا ثانياً: بأن القبول سواء تقدم أو تأخر فهو دال على رضا الزوج بالمعقود عليه وهذا هو المقصود من الصيغة.
عني: معرفة رضا الزوج ولين المرأة بالعقد.
وهذا القول الثالث هو الصحيح إن شاء الله فإذا كان الزوج مثلاً - كما يحصل - فرح بالعقد وأثناء الملكة قبل أن يتكلم المأذون قال: قبلت. عند الحنابلة أنه غير صحيح لكن على القول الصحيح أنه صحيح ولو كان المأذون ذو فطنة فإنه ينبغي عليه أن يأمره بالإعادة. لماذا؟
- هنا تأتي مسألة مهمة جداً: بعض الناس يُسَخِّر الخلاف في حفظ العقود وتحقيق مقصود الشارع.
وبعض الناس يسخر العقود والخلافات فيها بالتحايل على مقصود الشارع.
طالب العلم ما دام يعلم أن في مسألة تقدم القبول وتأخره خلاف وكان مثلاً هو مأذون الأنكحة ينبغي أن يسخر هذا العلم في التوصل لتصحيح عقود المسلمين فيقول له: أعد القبول.
هذا من فطنة المأذون في الحقيقة واو كان يرجح الجواز لأنه لا معنى في المجال العملي ما دام بالإمكان الاحتياط فهو الواجب.
قال المؤلف رحمه الله:
وإن تأخر عن الإيجاب: صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
أفادنا المؤلف رحمه الله بأن الإيجاب يجب أن يصدر بعد القبول فالموالاة شرط في الإيجاب بعد القبول.
لكن إذا كان القبول جاء متأخراً عن الإيجاب فإنه يصح عند الحنابلة بشرطين:
- أن يكون هذا الإيجاب المتأخر في المجلس.
- وأن لا يتشاغلا عن العقد.
فإذا تم الشرطان فالقبول صحيح ولو تأخر وهذه هي الفائدة عند الحنابلة. فإذا قال زوجتك ابنتي وجلسوا يتحدثون في شأن العقد لمدة ساعة ثم قال الزوج: قبلت. الآن تشاغلا بغير العقد؟ لا. وإنما تشاغلا بالعقد.
خرج عن المجلس؟ لا. وإنما بقيا في المجلس.
فالقبول: صحيح.
دليل الحنابلة:
- قالوا: أن حالة المجلس كحالة العقد. يعني: أنهم ما داموا في المجلس فكأنهم في العقد - في حالة انعقاد العقد. بدليل: أن العقود التي يجب فيها القبض يصح فيها القبض في المجلس ولو طال.
فهذا يدل على أن حكم المجلس حكم العقد.
= القول الثاني: للشافعية وهو أنه يجب أن يكون القبول بعد الإيجاب فوراً. ضيق مذهب الشافعية في هذه المسألة.
يجب أن يكون فوراً. سواء بقوا في المجلس أو لم يبقوا تشاغلوا أو لم يتشاغلوا. يجب أن يكون فوراً.
وفى عن التأخير اليسير فقط.
وهذا المذهب غاية في الضيق لأنه كثيراً ما يتشاغل ولي المرأة مع الزوج بعد الإيجاب - للكلام حول الشروط أو حول أمور تتعلق بالنكاح فإبطال الإيجاب الصادر أولاً من الولي بسبب هذا الانقطاع لا يتوافق مع قواعد الشرع.
كما أن المقصود من الإيجاب والقبول متحقق ولو تأخر بعض الشيء.
إذاً: الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة.
قال المؤلف رحمه الله:
وإن تفرقا قبله: بطل.
هذا الكلام من المؤلف رحمه الله يؤكد أن الموالاة شرط لصحة القبول.
فإن تفرقا قبل أن يقبل بطل الإيجاب.
الدليل: أنه بخروجهم عن المجلس أعرضا عن العقد وهذا الإعراض معنى الرد. وهذا الكلام جميل جداً من الحنابلة: أنه بخروجهم أعرضا عن العقد. وهذا صحح.
وهذا الإعراض هو بمعنى الرد. فإذا كان بمعنى الرد إذاً يعتبر الزوج رد ولم يقبل.
والمؤلف رحمه الله صرح بالتفرق قبله ولم يصرح بمسألة فيما لو لم يتفرقا ولكن تشاغلا فإذا تشاغلا بغيره فكذلك لأن التشاغل بغيره يدل على الإعراض الدال على الرد.
وهذا صحيح تماماً. فإذا جلسوا لعقد نكاح ثم أوجب ولي المرأة ثم صار الزوج يتكلم مع ولي المرأة حول أسعار الأراضي والسيارات والسلع والمزارع وصاروا يتكلمون عن البلدان. فهل هذا لائق أو هو دليل على إعراضهم عن العقد؟ دليل بلا شك على أنهم أعرضوا إما من قبل الزوج أو من قبل ولي المرأة.
فإذاً: المؤلف لم ينص على هذه المسألة لأنها مفهومه من القيد السابق.
انتهى الفصل المتعلق بالأركان وننتقل إلى الشروط.
فصل
قال المؤلف رحمه الله:
فصل. وله شروط.
المؤلف رحمه الله ذكر أربعة شروط فقط ولم يوافق الأصل وهو المقنع فإن المقنع ذكر خمسة شروط.
والشرط الذي اختلفوا فيه هو الكفاءة.
على أن الشيخ الموفق رحمه الله في المقنع ذكر أن الكفاءة على روايتين عن الإمام أحمد لكن ذكره كشرط وحكى الخلاف.
هنا لم يذكره كشرط إلا أنه في آخر الفصل أشار إلى هذا الشرط إشارة وذكره ليبين موقف الحنابلة من اشتراط الكفاءة كما سيأتينا إلا أنه لم يعتبره من الشروط.
والشرط هو في الاصطلاح العام الذي لا يختص بالفقه الشرط هو ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم.
ولاشك أنكم أخذتم هذا في أصول الفقه عند قراءة نظم الورقات وعرفتم ما هو الشلاط ومحترزات هذا التعريف.
قال المؤلف رحمه الله:
أحدها: تعيين الزوجين.
تعيين الزوجين: شرط.
أما وجود الزوجين فهو: ركن.
إذاً: تعيين الزوجين: يعني: تحديد الزوجين شرط من شروط صحة عقد النكاح.
الدليل على هذا:
- أنه لا يمكن أن يصح في عقد فيه معقود عليه وعاقد إلا بتحديد العاقد والمعقود عليه.
هذا أولاً.
- ثانياً: أن الأغراض المقصودة للشارع من النكاح لا تتحقق إلا مع تعيين الزوجين.
إذاً: الحكم والأغراض التي أرادها الشارع من النكاح لا تتحقق إلا بتحديد الزوجين.
بناء على هذا الشرط: إذا خطب الإنسان امرأة معينة وأجابوه ووافقوا عليه ثم لما جاء العقد عقدوا له على أختها فإن العقد هنا باطل والشرط الذي اختل فيه هو تعيين الزوجة. وهذا صحيح والعقد باطل تماماً ولا يترتب عليه أي أثر من آثار عقود النكاح. لأن اشتراط تعيين الزوجة اختل في هذه المسألة.
قال المؤلف رحمه الله:
فإن أشار الولي إلى الزوجة.
مقصوده: وهي حاضرة فإن هذه الإشارة تجزئ: لأن فيها تعييناً.
فإذا قال هذه وأشار إليها فهذا تعيين.
ـ فإن كانت غائبة في البيت وأشار البيت إلى جهة البيت فهذه الإشارة لا قيمة لها فلابد أن تكون الإشارة والمرأة حاضرة.
قال المؤلف رحمه الله:
أو سماها.
إذا سماها أيضاً هذا تعيين لها باسمها.
ولكن الحنابلة يقولون يجب أن يقول: فلانة ابنة فلان. فيقول مثلاً: عائشة ابنة عبد الله ابن كذا.
وعللوا هذا:
- بأن من تسمى عائشة كثر. وإطلاق اسم عائشة فقط لا يكفي.
والصحيح: أنه إذا كان الذي يقوم بالعقد هو الأب وليس له إلا ابنة واحدة اسمها عائشة وقال: زوجتك عائشة فإنه لا حاجة لذكر اسمها كاملاً لأنه من المعلوم أن المقصود عائشة يعني: ابنة هذا الذي أوجب.
قال المؤلف رحمه الله:
أو وصفها بما تتميز به.
يعني: أو وصفها بوصف يختص بها ولا يشترك معها أحد فيه.
كأن يقول: زوجتك ابنتي الكبيرة. هل يمكن ان يشترك مع الكبيرة غيرها؟ لا لا يمكن. لأنه لن يكون له كبيرة إلا ابنة واحدة.
وأن يقول: زوجتك ابنتي الطويلة. لأنه إذا لم يكن في بناته طويله إلا هي فإنها تتعين.
فإن قال: زوجتك ابنتي الطويلة وكل بناته هكذا؟
…
وأي شيء اختل؟ المشاركة. أنه يشاركها في الوصف غيرها.
إذاً: الذي اختل هو المشاركة.
إذاً: لابد أن يذكر وصف تختص به المرأة ولا يشاركها غيرها.
فإذا ذكره فهو تعيين.
قال المؤلف رحمه الله:
أو قال: ((زَوَّجْتُكَ بِنْتِي)) وله واحدة لا أكثر: صح.
إذا قال زوجتك بنتي وليس له إلا واحدة صح.
حتى قال الحنابلة ولو سماها بغير اسمها.
لو كانت ابنته الوحدة اسمها فاطمة وقال: زوجتك ابنتي عائشة: صح.
لماذا؟ لأن الالتباس مأمون هنا. إذ لا يوجد له إلا ابنة واحدة.
وهذا مبالغة من الحنابلة: لأنه إذا قال زوجتك ابنتي عائشة وابنته اسمها فاطمة دخل اللبس وشك الزوج وشك الشهود ودخل الارتباك على أطراف العقد جميعاً فهذا من الخطأ.
ولو قيل أنه لا يصح لكان متوجهاً لأنه ربما يكون له ابنة لا تعرف. يشتهر أنه ليس إلا ابنة واحدة وربما كان له ابنة أخرى من زوجة أخرى.
على كل حال هذه مبالغة في الحقيقة نقول: إذا لم يكن له إلا ابنة واحدة فإما أن يقول زوجتك ابنتي ويسكت أو يقول زوجتك ابنتي ويسميها باسمها الصحيح.
وبهذا انتهى الفصل الذي يتعلق [بالشروط].
فصل
قال المؤلف رحمه الله:
(فصل) الثاني: رضاهما.
هذا الفصل أيضاً لاستكمال الشروط وأيضاً الفصل الذي يليه والفصل الذي يليه.
إذاً الفصول المتتابعة القادمة كلها في الشروط.
يشترط في صحة عقد النكاح: رضا الزوجين.
وتعليل ذلك:
- أن الزوجين طرفا العقد ولا يصح العقد إلا برضا أصحابه.
وهذا الشرط من حيث هو لا خلاف فيه إنما الخلاف في الاستثناءات التي سيذكرها المؤلف رحمه الله فيما بعد أما من حيث فلابد من رضا كل من الزوجين.
قال المؤلف رحمه الله:
إلاّ البالغ المعتوه.
قوله: (إلا). أراد المؤلف رحمه الله إلا الأب في تزويج البالغ المعتوه.
في الحقيقة في المقنع قدم الأب وهو أوضح.
عبارة الشيخ الموفق أحياناً موفقة.
فهنا لاحظ أن المؤلف رحمه الله يقول: إلا البالغ والمجنون .. ثم قال: فإن الأب ووصيه .. إلى أخره.
لو قال: إلا الأب فله تزويج البالغ المعتوه) لكان أوضح.
وهذا مقصوده: أن الأب له تزويج البالغ المعتوه.
(المعتوه) هو ناقص العقل ولم يصل إلى الجنون.
والجنون: هو فاقد العقل تماماً.
وقيل: المعتوه المجنون. واحد.
لكن الأشهر التفريق بينهما وهو الأقرب.
والشيخ رحمه الله اقتصر على المعتوه لينبه على المجنون.
فالحنابلة يرون أن المعتوه والمجنون لوليهما أن يزوجهما جبراً بغير رضا.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: أنه لا نظر لهما ولا يعرفان المصلحة.
- الثاني: أنه إذا جاز تزوج الصغير مع أن له رأياً ونظراً فالمحنون والمعتوه من باب أولى.
= القول الثاني: أنه ليس للأب أن يزوجهما.
واستدلوا على هذا:
- بأن تزويجهما يلزم منه مهر ونفقة على هذا المجنون والمعتوه وليس له أن يتصرف بما فيه خسارة عليهما.
- بالإضافة إلى أنه لا مصلحة لهما بهذا النكاح.
= القول الثالث: أنه له ولاية إجبار على المجنون والمعتوه إذا كان فيهما حاجة للنكاح. والحاجة للنكاح قد تكون حاجة شهوة وقد تكون حاجة رعاية.
والأقرب والله أعلم أن للأب أن يجبر المجنون والمعتوه على النكاح الذي فيه مصلحة لهما.
والسبب في هذا:
- أنه غالباً ما يكون عند تزويج هذا المجنون والمعتوه غالباً إذا رضيت الزوجة بهذا الزوج غالباً ما تكون زوجة تريد بر هذا المجنون.
فإذا أرادت بره وصيانته ورعايته وربما أتت منه بأولاد وقام الأولاد بحقوق أبيهم فهذه مصالح. أو ليست مصالح؟ مصالح كبيرة جداً.
أما إذا لم يكن فيه مصالح: مثل أن يكون هذا المجنون المعتوه غني وتريد المرأة أن تتزوج منه ليجب عليه النفقة عليها ولا تريد رعاية هذا الزوج وربما امتنعت عن الإنجاب منه.
فهذا: فيه مصلحة أو ليس فيه مصلحة؟
ليس فيه مصلحة بل فيه مضرة على الزوج.
على كل حال القول بأنه إذا كان هناك مصلحة للمجنون والمعتوه فإن لوليهما الإجبار هو الصحيح وفيه نفع عظيم للمجنون والمعتوه.
قال المؤلف رحمه الله:
والمجنونة.
يعني: وللأب أن يزوج المجنونة.
مقصودة: بالمجنونة يعني: البالغة. لأن الصغيرة سيأتي الكلام عنها.
فالمجنونة للأب أن يزوجها. سواء وجدت منها شهوة وميل إلى الرجال أو لم يوجد.
فالأب له أن يزوجها.
أما إذا وجدت منها شهوة فإن الأب وغيره من الأولياء لهم أن يزوجوها.
لكن إذا لم يوجد منها هوة فالشخص الذي له أن يجبرها على الزواج هو فقط: الأب.
= القول الثاني: أن الأب لا يملك أن يجبر المجنونة على النكاح إلا إذا كانت مما يجبر لو كانت عاقلة.
يعني: إذا كانت مما يملك إجبارها لو كانت عاقلة.
والأقرب والله أعلم أن الراجح في المجنون هو الراجح في المجنونة.
فإذا كان في تزويجها مصلحة والزوج سيقوم عليها بالرعاية والعطف والقيام بمصالحها م قد تنجب منه أولاداً يقوم الأولاد برعايتها والمحافظة عليها فهذه مصالح مقصودة وللأب أن يزوجها.
وإذا لم تكن هناك مصالح فإنه لا يزوجها.
((الأذان)).
على أن الزوجة فيها مصالح غالبة لأنه في الزواج يترتب على عقد الزواج نفقة والسكن على الزوج ونفقات العلاج عند بعض الفقهاء فالمصلحة في تزويج المرأة قد يكون أظهر منه في تزويج الرجل يعني: إذا كان مجنوناً أو مجنونة.
قال المؤلف رحمه الله:
والصغير.
الصغير أي الذي لم يبلغ لوليه أن يجبره على الزواج بغير رضاه.
وحكي على ذلك الإجماع: على أن له أن يجبره.
واستدل الفقهاء رحمهم الله:
- بأن عبد الله بن عمر رضي الله عنه زوج ابناً له صغير ثم تشاكوا واختصموا إلى زيد فأمضياه يعني: زيد وابن عمر.
فدل هذا على صحة إنكاح الرجل ابنه بغير رضاه.
= وقال بعض الفقهاء: أنه إذا كان صبياً قارب الاحتلام والبلوغ فإنه لا يجبر.
واختار هذا القول: القاضي من الحنابلة.
والأثر الذي ذكرته عن ابن عمر يفيد الجواز مطلقاً.
قال المؤلف رحمه الله:
والبكر ولو مكلفة.
البكر ولو مكلفة للأب أن يجبرها على الزواج بغير رضاها.
والبكر: تنقسم إلى أقسام ربما لن نتمكن من ذكر جميع الأقسام الثلاثة الآن.
لكن نبدأ بالقسم الأول:
ـ وهو: أن تكون البكر دون تسع سنوات.
فالبكر دون تسع سنوات: لأبيها أن يجبرها على النكاح عند جميع الفقهاء وحكي إجماعاً حتى شيخ الإسلام رحمه الله الذي من الذين يرون بقوة أخذ رأي البكر فيما عدا هذه الصورة في هذه المسألة لم يخالف.
فلم يخالف أحد من الفقهاء: إلا فقيه واحد وهو ابن شبرمة واعتبر قوله شاذاً.
استدل هؤلاء بأدلة كثيرة:
- الدليل الأول: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه زوج عائشة وهي ابنة ست سنوات.
- الدليل الثاني: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه زوج أم كلثوم لعمر رضي الله عنه وهي صغيرة ولم يعترض أحد من الصحابة.
واستدلوا بـ:
- الدليل الثالث: وهو أن الله تعالى أثبت أن عدة اللائي لم يحضن ثلاثة أشهر والعدة لا تكون إلا بعد النكاح الذي يعقبه طلاق. فإذاً معناه أنه ربما تزوج وهي صغيرة ثم تطلق وتكون العدة ثلاثة اشهر.
فهذه ثلاثة أدلة يضاف إليها: الإجماع. لأن خلاف ابن شبرمة لا يقدح إن شاء الله في هذا الإجماع.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
…
انتهى الدرس
الدرس: (3) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنت بالأمس تحدثت عن البكر وذكرت أن لها أقساماً ثلاثة وتحدثن عن القسم الأول وذكرت حكمه مع الأدلة.
ـ القسم الثاني: البكر التي تم لها تسع سنوات فأكثر ولكنها لم تبلغ.
فهذا النوع اختلف فيه الفقهاء على قولين:
= القول الأول: لجمهور الفقهاء: ذهبوا إلى أن حكم البكر قبل وبعد التسع واحد. أي: أنه لأبيها أن يجبرها على النكاح.
واستدلوا:
- بأن البنت بعد التسع وقبل البلوغ ما زالت غير مكلفة فنقيس ما بعد التسع على ما قبل التسع بجامع عدم التكليف والبلوغ.
- الدليل الثاني: أن البنت بعد التسع ليس لإذنها عبرة في التصرفات. فيقاس عليها النكاح.
وهذا القول كما قلت لكم مذهب الجماهير.
= القول الثاني: أن البنت بعد التسع لا تجبر. وهو مذهب قلة من الفقهاء واختاره من المحققين الزركشي وشيخ الإسلام بن تيمية.
واستدلوا:
- بأثر عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
ـ القسم الثالث: البكر البالغة. وهي التي ذكرها المؤلف رضي الله عنه وهي محل الخلاف القوي.
فالبكر البالغة:
= ذهب الأئمة الثلاثة أحمد ومالك والشافعي إلى أنها تجبر وتزوج بغير إذنها.
واستدل الجمهور:
- بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (الأيم أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأمر وإذنها صماتها).
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم النساء إلى قسمين: ـ البكر. ـ والثيب. وأثبت أن الثيب أحق بنفسها من وليها. وهذا يدل بمفهومه على أن البكر ليست أحق بنفسها من وليها.
= والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف واختاره ابن المنذر وغيره من المحققين كشيخ الإسلام بن تيمية:: أن البكر البالغة لا تجبر على النكاح.
واستدلوا:
- بأن جارية بكراً أجبرت على النكاح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخيرها.
وهذا الحديث اختلف فيه المتقدمون والمتأخرون. فأبو داود والبيهقي يرون أنه لا يصح ويعلونه بالإرسال وجملة المتأخرين يصححونه.
- الدليل الثاني لهم: ما أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن. قيل ما إذنها يا رسول الله؟ قال: أن تسكت.)
فالحديث نص على أن البكر لا تنكح حتى تستأذن.
فهذان حديثان لأصحاب القول الثاني.
والأقرب إن شاء الله من حيث الأدلة القول الثاني. والسبب في ذلك أن أصحاب القول الأول استدلوا بمفهوم الحديث بينما استدل أصحاب القول الثاني بمنطوق الحديث وتقدم معنا في كتاب الطهارة وفي غيره أن الاستدلال بالمنطوق مقدم على الاستدلال بالمفهوم.
ولهذا نقول: الراجح إن شاء الله أن البكر البالغة لا تجبر على النكاح.
قال المؤلف رحمه الله:
لا الثيب.
يعني: أن المرأة الثيب البالغة لا تجبر على النكاح.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم بأدلة:
- الأول: الإجماع. فإنه حكي الإجماع على أن الثيب البالغة لا تجبر على النكاح ولم يخالف في هذا الإجماع إلا رجل من أعلام وسادات الأمة وأكبرهم بعد الصحابة والتابعين شأناً وهو الحسن البصري.
لكن مع ذلك في الحقيقة يستغرب على الشيخ الإمام الفقيه الزاهد الورع الحسن البصري أنه يخالف في مثل هذه المسألة.
ووجه الاستغراب: أن في هذه المسألة نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم هذا النص أخذ به كل العلماء.
ولهذا نسب كثير من أهل العلم هذا القول من الشيخ الحسن البصري إلى الشذوذ لمخالفة النص الصريح الواضح وكما قلت لكم أنه مثل هذا القول يستغرب على الحسن البصري إن ثبت عنه.
- الدليل الثاني: أن امرأة يقال لها الخنساء زوجها أبوها وهي ثيب بغير إرادتها فرفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرد النكاح.
هذا الحديث في صحيح البخاري. لكن هذا الحديث وإن كان في صحيح البخاري إلا أنه من الأحاديث التي انتقدها الإمام الدارقطني في كتابه التتبع. وناقش العلماء قول كل من البخاري والدراقطني وممن ناقش المسألة بطبيعة الحال ابن حجر فإنه ذكر الخلاف بين البخاري والدارقطني والأقرب والله أعلم أن الصواب مع البخاري فيكون الحديث صحيح إن شاء الله.
وهو نص في المسألة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الاختيار للمرأة الثيب.
* * مسألة/ ذكرت أن هذا الحكم إنما هو في المرأة الثيب البالغة. أما الثيب الصغيرة ففيها خلاف وليست محل إجماع. فالثيب الصغيرة اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال - وأنت إن شاء الله - لو تأملت فستعرف الثلاثة أقوال وسبب الخلاف من خلال ما سبق.
فالمرأة الثيب الصغيرة يتنازعها أصلان:
ـ الأول: أنها ثيب.
ـ والثاني: أنها صغيرة.
فإذا الخلاف سيكون بسبب هذا التنازع.
= فالقول الأول: أن الثيب الصغيرة تجبر. لماذا؟
- لأنها صغيرة. فأشكلت عليهم الأحاديث التي إثبات الخيار للثيب. فأجابوا عنها بأنها تحمل على الكبيرة.
- الثاني: أن الثيب الصغيرة لا تجبر.
- لأنها ثيب والأحاديث اثبتت الاختيار للمرأة الثيب.
= القول الثالث: أن المرأة الثيب إن كانت جون تسع أجبرت وإن كانت فوق تسع لم تجبر.
أي الأقوال أرجح؟
(مناقشة مع الطلاب
…
)
المسألة فيها إشكال.
لكني أنا أرى أن الأحاديث لما ذكرت الثيب وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأيم) ثم قال في آخر الحديث البكر وقال الشراح أن الأيم هنا ليست المرأة التي لم تتزوج كما في اللغة وإنما الأيم هنا هي الثيب لأنها مقابلة بالبكر. فإذا ثبت هذا التقرير. أن الأيم في الأحاديث هي الثيب فعلاً كأن الشارع - وإلى هذا يميل الحنابلة - علق قضية الإجبار وعدم الإجبار لا على الكبر والصغر وإنما على الثيوبة والبكارة.
والسبب معقول في الحقيقة: لأن الثيب صار عندها خبرة بالرجال ومعرفة وتستطيع أن تتخذ قرارها بشأن الزواج .. وكما قلت لكم المسألة فيها إشكال ولكن هذا قد يكون أقرب.
قال المؤلف رحمه الله:
فإن الأب ووصيه في النكاح: يزوجوهم بغير إذنهم، كالسيد: مع إمائه وعبده الصغير.
تقدم معنا أن هذا الاستثناء ينصب على: الأب وأنه هو الذي يملك الإجبار فقط.
لكن أضاف المؤلف هنا أن الإنسان يملك إجبار إمائه على الزواج كما يملك إجبار ابنته الصغيرة وقد حكي الإجماع على السيد يملك إجبار الأمة.
وعللوا هذا:
- بأن السيد يملك منافع الأمة ومن جملة المنافع البضع. فله أن يجبرها على النكاح.
= والقول الثاني: المقابل لهذا القول الذي حكي فيه الإجماع. أن الأمة إذا كبيرة فإنها لا تجبر وإن كانت أمة.
والصحيح القول الأول: أن السيد يملك إجبار الأمة وإن كانت كبيرة لأنها ملك يمينه ومنافعها في يده.
ـ الثاني:
قال المؤلف رحمه الله:
وعبده الصغير.
يعني: ويملك أن يلزم عبده الصغير بالنكاح.
وإلى هذا ذهب أيضاً الجماهير.
واستدلوا على هذا:
- بأن الأب إذا كان يملك أن يجبر ابنه الصغير فعبده من باب أولى. لأن سلطة وولاية السيد على العبد أكبر منها على الابن. فما يجوز ف الابن يجوز في العبد من باب أولى.
وفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن السيد لا يملك إجبار العبد الكبير.
وذلك: لأنه مكلف وكبير ويملك الطلاق فلا يملك سيده إجباره على النكاح.
= والقول الثاني: أن السيد يملك أن يجبر العبد ولو كان كبيراً لأن السيد إذا ملك رقبة العبد فمن باب أولى أن يملك تزويجه إجباراً.
والصحيح: الأول. وهو المذهب. أنه لا يملك إجبار العبد الكبير.
قال المؤلف رحمه الله:
ولا يزوج باقي الأولياء: صغيرة دون تسع.
(باقي الأولياء) كالعم والأخ وابن العم ونحوهم. هؤلاء لا يملكون لتزويج إجباراً.
- لأنهم دون الأب في المنزلة وفي الشفقة وفي رعاية مصالح المولية.
وهذا لا إشكال فيه.
(صغيرة دون تسع) يعني: سواء كانت بكراً أو ثيباً. فإنهم لا يملكون التزويج مطلقاً.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن عبد الله بن مظعون زوج ابنة أخيه لعبد الله بن عمر فلما سمع المغيرة بن شعبة بذلك دخل على أمها ورغبها بالمال يعني بالمهر ورغبها فما زال بها حتى مالت إلى قول المغيرة فلما مالت إلى قوله تبعتها البنت فمالت إلى قول أمها فصارت الأم والبنت يميلون إلى المغيرة والأب يميل إلى عبد الله بن عمر فوقع خلاف بينهم وذلك بعد أن تم العقد لكن قبل الدخول.
فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله يا رسول الله إني لم آل لها نصحاً زوجتها عبد الله بن عمر وهو من الأكفاء ومن خير الصحابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها). قال عبد الله بن عمر فانتزعت من يدي بعد العقد رضي الله عنهم.
ففي هذا الحديث: النص الصريح على أن العم لا يملك سلطة الإجبار فلما رفضت البنت أبطل العقد.
= القول الثاني: أنه يملك إجبارها إن كانت أقل من تسع ولا يملك إن كانت فوق تسع.
- لأن البنت تحت التسع ليس لقولها عبرة ولا لإذنها عبرة شرعاً فيملك إجبارها.
والأقرب والله اعلم أنه لا يملك: لأن الحديث الذي في الباب حديث عام.
قوله رحمه الله: (ولا يزوج باقي الأولياء: صغيرة دون تسع) ظاهر كلام المؤلف ولو بإذنها. لأنه لا يعتبر لها إذن كما قلت المرأة دون التسع إذنها غير معتبر ولا ينظر إليه.
إذاً: يترتب على هذا أن البنت إذا توفي أبوها وصار لها أولياء أخ أو عم أنه لا يمكن أن تزوج إلا إما إذا بلغت أو نقول على القول الثاني بعد التسع. قبل هذا لا يمكن ان تزوج ولو أذنت لا يمكن أن يتولى أحد تزويجها لأنه لا يملك أحد سلطة الإجبار وفي المقابل هي إذنها غير معتبر فيجب أن ننتظر إلى أن يكون لها إذن معتبر إما بأن تتجاوز التسع على قول أو بأن تصل إلى البلوغ على الآخر.
قال المؤلف رحمه الله:
ولا صغيراً.
يعني ولا يملك باقي الأولياء تزويج الصغير.
والسبب في ذلك:
- أن باقي الأولياء ليسوا كالأب في الشفقة والحرص ورعاية مصالح الإبن فلا يزوج.
فإن احتاج - يعني: هذا الصغير - فإن الذي يزوجه الحاكم ولا سلطة لباقي الأولياء على صغير مطلقاً عند الحنابلة.
= والقول الثاني: أن الصغير لا يزوج ولو أذن إلا إن احتاج فإن باقي الأولياء أولى من الحاكم وأكثر شفقة وأقرب لهذا الصبي.
فعلى القول الثاني: باقي الأولياء مقدمون على الحاكم.
وهذا هو الصحيح. فإن أخوه وعمه أعرف بمصالحه مع العدل والأمانة والشروط التي تقدمت في الولي منهم بالحاكم.
إذاً: مع عدم الحاجة لا يمكن أحد أن يزوج الصغير حتى يبلغ.
قال المؤلف رحمه الله:
ولا كبيرة عاقلة.
الكبيرة العاقلة سواء كانت ثيباً أو بكراً فإنه لا يجوز لأحد من الأولياء أن يزوجها إلا بإذنها كما سيأتينا في كلام المؤلف - في نص المؤلف.
فإن أذنت جاز وإلا فلا.
وذلك: - لأن الأحاديث الصريحة تقول: لا تنكح الأيم إلا بإذنها أو إلا أن تستأمر يعني: أن يؤخذ أمرها.
وهذا الحديث صحيح بأنه لا يجوز أن يزوجوا الكبيرة إلا بإذنها إذا لم يكن لها أب فإن كان لها أب دخلنا في الخلافات السابقة.
نحن الآن نتحدث عن باقي الأولياء.
فباقي الأولياء ليس لهم أن يزوجوا الكبيرة العاقلة.
وهذا مذهب الجماهير ولا إشكال فيه.
قال المؤلف رحمه الله:
ولا بنت تسع، إلاّ بإذنهما.
يعني: ولا يزوج باقي الأولياء بنت تسع إلا بإذنها.
قوله: (إلا بإذنهما) يعود على الكبيرة وعلى بنت التسع.
فبنت التسع والكبيرة يجوز أن يزوجا بإذنهما.
- لأن لهما إذناً معتبر.
فإذا أذنت جاز لباقي الأولياء أن يزوجوها وإلا انتظروا إلى أن تأذن.
قال المؤلف رحمه الله:
وهو صمات البكر ونطق الثيب.
الإذن شرعاً: بالنسبة للزواج يختلف من البكر إلى الثيب:
ـ فالبكر إذنها أن تسكت. وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير.
واستدلوا: بالاحاديث الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما إذنها فقال في الحديث الأول: (أن تسكت) وفي الحديث الثاني: (صماتها) وهذه النصوص صريحة.
فإذا سكتت حياء فإنه لا بأس بتزويجها.
= والقول الثاني: أنه لابد أن تأذن نطقاً وهو ضعيف مخالف للنصوص.
ومن المعلوم أن المقصود بأن تأذن بالسكوت يعني: إذا لم يعلم الولي أنها رافضة فإذا سكتت ولكن الولي يعلم أنها رافضة وسكتت سكوت رفض فإن السكوت هنا لا يعتبر إذناً.
ـ القسم الثاني: الثيب. والثيب لا يكون إذنها إلا بالنطق والكلام.
وهذا محل إجماع. ولا يكتفي بالصمت بل يجب أن تتكلم.
والدليل على هذا:
- أن الأصل في اللغة والشرع والعرف أن الإنسان يعبر عن رضاه بلسانه. وهنا نقول كذلك يجب ان تتكلم برضاها وتنطق به.
هذا فضلاً عن أن الأحاديث السابقة جعلت إذن البكر أن تسكت ومفهوم هذا أن إذن الثيب أن تتكلم.
ولقوة أدلة هذا القول صار محل إجماع.
فصل
قال المؤلف رحمه الله:
(فصل) الثالث الولي.
الشرط الثالث: الولي.
وهو - أي: هذا الشرط - من أهم الشروط وأولاها بالعناية والانتباه.
وذلك: في القديم والآن تأكد تماماً الاعتناء بهذا الشرط وفهمه.
= ذهب الجماهير من الأئمة والفقهاء أحمد والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة المسلمين. إلى أن الولي شرط لصحة فإن لم يوجد ولي فإن العقد باطل ولا يصح ولو أذن الولي بعد ذلك.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي).
وهذا الحديث صححه أئمة كبار كالإمام أحمد والإمام ابن معين وغيرهم من أئمة السلف. وهو نص كما ترى.
- الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. باطل. باطل. وها المهر بما استحلمن فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
وهذا الحديث أيضاً صححه أئمة منهم: الإمام ابن معين ومنهم الإمام ابن حبان وغيرهم.
وهذان الحديثان نصوص صريحة لا معدل عنها.
- الدليل الثالث: أن اشتراط الولي مروي عن الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم
- الدليل الرابع: أن في تجويز المرأة في إنكاح المرأة لنفسها من المفاسد الظاهرة والمعروفة ما يكفي بعضه لتحريم وإفساد العقد.
- الدليل الخامس: أن نظر الرجل في مصلحة المرأة ومعرفته بالرجال أكمل وأبلغ من نظر المرأة لنفسها مع عاطفتها وتسرعها.
= القول الثاني: أن النكاح صحيح بلا ولي. أي: أن المرأة تتولى النكاح بنفسها.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله.
واستدل: أن الله تعالى أباح للمرأة أن تبيع جاريتها وبيع الجارية يتضمن بيع منفعة البضع. فإذا كانت تملك أن تبيع كل الجارية فلأن تملك أن تزوج الجارية من باب أولى.
واستدل أيضاً: بأن الله تعالى أضاف النكاح إلى النساء فدل على أنه يختص بهم ولهن القيام به.
= القول الثالث: أن النكاح يقع صحيحاً لكن يشترط إجازة الولي فإن أجاز وإلا بطل.
والحق إن انشاء الله الذي لا مرية فيه قول الجماهير.
وما ذكره الإمام الكبير أبو حنيفة ليس إلا أدلة عقلية لا قيمة لها مطلقاً في مقابل النصوص. نعم لو لم يكن في الباب نصوص لكان لأدلته نوع وجاهة لكن الأدلة العقلية مهما كانت قوية من حيث النظر إلا أنها لا قيمة لها متى كانت في مقابل النصوص لاسيما وأن هذه النصوص مؤيده بفتاوى من الصحابة وفتاوى من التابعين لاسيما وأن الواقع د على صحة ما دلت عليه هذه النصوص وأنه متى فتح الباب للمرأة أن تتزوج من تشاء وقعت من المفاسد ما الله به عليم. ولو لم يكن من المفاسد إلا مفسدة واحدة وهي: أنه متى مسكت امرأة مع رجل قالت: كنت زوجته نفسي. فحينئذ لا يمكن الاعتراض على هذا لأن المرأة عند الاحناف تلي تزويج نفسها وغيرها لو لم يكن من مفاسد هذا القول إلا هذه المفسدة لكان حرياً به أن يضعف ويرد.
لما ذكر المؤلف رحمه الله اشتراط الولي ذكر الشروط:
قال المؤلف رحمه الله:
وشروطه: التكليف.
ـ الشرط الأول من شروط الولي أن يكون مكلفاً والمكلف هو العاقل البالغ.
أما العقل فهو شرط في الولي: بالإجماع. لأن المجنون لا نظر له وهو تحت ولاية غيره فكف يلي على غيره.
وأما البلوغ:
= فذهب إلى اعتباره واشتراطه الجماهير.
= وقيل أن ابن عشر سنوات يزوج أنه أدرك وصار يفهم.
= وقيل ابن اثني عشر سنة يزوج. لأنه شارف على البلوغ.
والصواب أنه لا يزوج إلا البالغ. لأن الولاية في أمر النكاح تحتاج إلى تمام كمال الحال والطفل ما لم يبلغ لم يستتم كمال النظر والبحث عن المصالح. أضف إلى هذا أن هذا الصبي قبل البلوغ تحت ولاية غيره لم يستحق ولا أن يكون منفرداً على نفسه فكيف يلي غيره.
فإذاً: إن شاء الله لا يزوج أحد من الأولياء إلا إذا بلغ.
قال المؤلف رحمه الله:
والذكورية.
يعني: ويشترط في الولي أن يكون ذكراً فإن زوجت المرأة أحداً نفسها أو آخر فإنه لا يصح.
وهذا الشرط مستفاد من الخلاف السابق. لأن الخلاف السابق نص على اشتراط الولي ونص على أن المرأة إذا أنكحت نفسها فنكاحها باطل - ثلاثاً قاله صلى الله عليه وسلم - مما يدل على أن الذكورية شرط في الولاية.
قال المؤلف رحمه الله:
والحرية.
يعني: ويشترط في الولي أن يكون حراً.
وإلى هذا: ذهب الجماهير وقالوا: إن العبد لا يكون ولياً على غيره.
- لأنه تحت ولاية سيده.
- ولأنه ناقص التصرف.
= القول الثاني: أن العبد إذا استوفى الشروط الأخرى يكون ولياً على أقربائه.
- لأنه لا مانع من ذلك وليس في النصوص ما يدل على اشتراط الحرية.
- أضف إلى هذا كله أن من العبيد ما يكون أعقل وأعلم وأعرف بمصالح قريباته من غيره.
وهذا القول الأخير هو الراجح.
لكن تقدم معنا الآن أن السيد يزوج الأمة فكيف نقول الآن أن العبد يكون ولياً - مثلاً - على ابنته؟
(على المذهب العبد لا يكون ولياً على ابنته - مثلاً - على القول الثاني يكون ولياً على ابنته ويقوم بتزويجها ونحن قلنا أن الأمة الذي يزوجها إجباراً هو السيد فكيف نجمع بين هذين الأمرين؟
هذا يحمل على قريبة العبد الحرة لأن الأمة انتهينا منها أن الذي يتولى تزوجها هو السيد. فإذا قلنا العبد يلي يعني: يلي قريبته الحرة).
إذاً نخرج من هذا الإشكال بهذا التفصيل أنه يلي قريبته الحرة لأنه تقدم معنا أن الأمة دائماً السيد هو المتصرف فيها.
قال المؤلف رحمه الله:
والرشد في العقد.
قوله: (في العقد) إشارة إلى أن الرشد اختلف باختلاف الموضوع:
ـ فإن كان في المال فالرشد شيء.
ـ وإن كان في النكاح فالرشد شيء آخر.
فقد يكون الإنسان راشداً تماماً في الأموال وسفيهاً في التزويج. وقد يكون العكس: راشداً في التزويج. يعرف المصالح ومبذراً في المال.
هنا يجب أن يكون رشيداً في العقد ولو لم يكن رشيداً في المال.
والرشد في العقد هو أن يكون الولي عارفاً بمصالح المرأة وما يصلح لها وما لا يصلح وينتقي الأكفاء لها ويسعى في كل ما يجلب لها المصلحة فيما يتعلق بالنكاح.
وهذا شرط في الحقيقة كان ينبغي أن يبدأ به المؤلف لأنه من أهم شروط الولاية لأن الولي لم يوضع أصلاً إلا لهذا الأمر وهو أن يقوم برعاية ابنته أو أخته أياً كانت موليته.
فإذاً هذا الشرط من أهم الشروط ولا إشكال في اشتراطه بل هو المقصود من الولاية.
قال المؤلف رحمه الله:
واتفاق الدين.
اتفاق الدين: شرط بالإجماع، فلا يزوج المسلم كافرة، ولا يزوج الكافر مسلمة.
- لأن اختلاف الدين يمنع من كمال الشفقة. هذا شيء، والشيء الآخر: لأنه لم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فليس للكافر ولاية على المؤمن، وولاية النكاح نوع من الولايات.
قال المؤلف رحمه الله:
سوى ما يذكر.
يعني: إلا ما يستثنى.
وذكر الشيخ منصور: أن الذي يستثنى ثلاث مسائل:
ـ أم الولد تحت الكافر إذا أسلمت.
ـ والأمة الصغيرة تحت المسلم.
ـ والذمية إذا لم يكن لها ولي زوجها السلطان. والسلطان خالفها في الدين.
قال المؤلف رحمه الله:
والعدالة.
يعني: ويشترط في الولي أن يكون عدلاً.
ومقصود المؤلف بالعدالة هنا يعني الظاهرة دون الباطنة.
فيشترط في الولي أن يكون عدلاً عدالة ظاهرة فإن كان فاسقاً فإنه ليس له أن يتولى تزويج ابنته أو أخته.
- لأن الولاية في النكاح أمانة وهو ليس من أهل الأمانات.
- ولأنه قد يخون رغبة في المال.
= والقول الثاني: أن من لم يكن عدلاً - وهو الفاسق - يلي التزويج بشرط أن يتحقق فيه الرشد في العقد.
يعني: أن يكون رشيداً في أحوال العقود.
وهذا القول الثاني عليه العمل وهو الصواب حتى من حيث النظر فضلاً عن العمل: لأن من أولياء الأمور من يكون فاسقاً في أبواب الطاعات لكنه فيما يتعلق بالمرأة رشيد جداً وقد يسعى في مصلحتها أكثر من غيره وينظر فيما يناسبها من الرجال ويبحث عن الأكفاء أكثر من غيره.
والمقصود الشرعي من الولاية هو هذا.
فإذا كان الفاسق يؤدي هذا المقصود على وجع تام فإنه يصلح ولياً.
وهذا القول في الحقيقة قوي جداً وكما قلت عليه العمل.
= القول الثالث: وهو أصعب الأقوال - أن الولي لابد أن يكون عدلاً ظاهراً وباطناً.
والراجح القول الثاني إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله:
فلا تزوج امرأة: نفسها ولا غيرها.
بناء على ما تقدم من أن الذكورية شرط في الولاية إذاً لن تزوج امرأة نفسها ولن تزوج غيرها.
فهو تفريع على ما تقدم من أدلة.
قال المؤلف رحمه الله:
ويقدم: أبو المرأة في إنكاحها.
بدأ المؤلف في ترتيب الأولياء.
وبدأ بالأب.
- لأنه أقوى الأولياء.
ومفهوم كلام المؤلف أن الأب يقدم على الابن. فإذا كان للمرأة أب وابن فالأب مقدم.
واستدلوا على هذا: بأن الابن موهوب للأب وولاية الموهوب على الهبة أولى من ولاية الهبة على الموهوب.
وهذا صحيح.
- الدليل الثاني: أن الأب أكثر شفقة على ابنته من ابنها وأكثر سعياً في طلب مصالحها.
- الدليل الثالث: أن الابن قد يستنف عن تزويج أمه فيدخل عليها بذلك الضرر.
= القول الثاني: أن الابن مقدم على الأب.
- لأن الابن أقرب إلى الأم من الأب: بدليل: أنه أقوى منه في الميراث.
والراجح: أن الأب مقدم إن شاء الله بلا إشكال لأن الميراث بابه يختلف عن باب الولاية.
فالميراث سببه القرب والبعد والولاية سببها الشفقة والبحث عن مصالح المولية. فبينهما فرق يمنع من إلحاق أحدهما بالآخر.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم وصيه فيه.
الضمير في: (فيه) يعود على النكاح.
يعني: وصي الأب في النكاح لا في الأموال مقدم على الابن والجد والأخ.
فإذا مات الأب وأوصى إلى رجل ولهذه البنت ابن فوصي الأب مقدم على الابن.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن الولاية حق من حقوق الأب فإذا أوصى به انتقل لمن بعده وهو الوصي.
= القول الثاني: أن الولاية لا تستفاد بالوصاية.
يعني: لا يمكن أن يكون الإنسان ولي بالوصية.
واستدلوا على هذا أن الولاية من الأمور التي تستفاد بالشرع. فالشارع هو الذي تولى بيان الولي.
فمن جعله الشارع ولياً فهو مقدم على الوصي.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله.
فإذا مات الأب انتهى حقه بالولاية ولا يملك أن يوصي بل تنتقل إلى من بعده شرعاً حسب الترتيب الذي سيذكره المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم جدها لأب وإن علا.
أي أن الجد أيضاً مقدم على الابن.
وسبب التقديم:
- أن الجد يوصف بأمرين:
ـ الولادة ـ والتعصيب.
فالبنت مولودة له: باعتبار أنها مولودة ابنه وهو يعصب.
بينما الابن لا يملك إلا التعصيب فقط.
ومن يتصف بمعنيين يقدم على من يتصف بمعنى واحد.
= والقول الثاني: أن الابن مقدم على الجد.
= والقول الثالث: أن الأخ مقدم على الجد.
= والقول الرابع: أن الجد والأخ بدرجة واحدة.
والأقرب والله أعلم أن الجد مقدم على الابن: لأن الأسباب التي ذكرتها في الأب موجودة في الجد. ومن هنا يقدم على الابن وإن كان تقديم الجد على الابن ليس في القوة كتقديم الأب على الابن. في الحقيقة فها إشكال وتوقف لكن الأرجح والأظهر أن الجد يقدم على الابن.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم ابنها.
جاء الابن في المرتبة الرابعة.
لابد أن لا يكون فيه: لا أب ولا وصيه ولا جد ثم يأتي الابن.
مع إن النظر يقول أنه من أقرب الناس.
إذاً الابن في المرتبة الرابعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن أم سلمة لما خطبها النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله ليس من أوليائي أحد حاضر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس أحد منهم حاضر أو غائب يكره ذلك. - اللهم صل على محمد.
فقالت أم سلمة: يا عمر قم فزوج رسول الله فقام فزوجه. فهنا زوج الابن أمه لأنه ليس من الأولياء أحد حاضر.
وهذا الحديث يقوي أي مسألة؟ تقديم الأب والجد لأن المرأة تطلبت الأولياء ولك تكتف بالابن مما يدل على قوة ماذهب إليه الحنابلة.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم بنوه وإن نزلوا.
يعني: الابن - ثم ابن الابن - وإن نزل.
فجنس البنوة مقدم على الأخوة.
والدليل الدال على: ولاية الابن. يدل على ولاية ابن الابن. لأن ابن الابن:: ابن.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم أخوها لأبوين ثم لأب.
الأخ يأتي بعد عدم وجود عمودي النسب.
فإذا لم يوجد أحد من الآباء ولا أحد من الأبناء انتقلنا إلى الأخ.
وهذا الانتقال بعد عدم وجود عمودي النسب محل إجماع لا إشكال فيه. وذلك:
- لأنه الأقرب عد عمودي النسب. والولاية كما سيأتينا مدارها على القرب والشفقة. والأخ هو الأقرب.
قال: (لأبوين). = ذهب الحنابلة إلى تقديم الأخ لأبوين على الأخ لأب.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: أنه أقوى منه في الميراث مما يدل على قربه.
- والثاني: أنه يتصل بجهتين والأخ لأب يتصل بجهة واحدة.
= القول الثاني: أن الأخ لأب كالأخ الشقيق فهما في درجة واحدة لا يقدم الشقيق عليه.
واستدلوا على هذا: بأن هذه الولاية إنما هي مستفادة من الأب وأبوهما واحد ولا تأثير ولا عبرة تفرد الشقيق بالأم - يعني: أنه أخ من أم، لكن الصحيح إن شاء الله بوضوح أن الأخ الشقيق مقدم. وذلك لأن الأخ الشقيق أقرب وأكثر شفقة من الأخ لأب. فلا يستوون.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم بنوهما كذلك.
يعني: ثم أبناء الإخوة كذلك:
ـ فإبن الأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ لأب. كما أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب فابنه مقدم على ابن الأخ لأب.
والسبب: هو ما تقدم: من قوة الأخ الشقيق.
…
((الأذان)).
قال المؤلف رحمه الله:
ثم عمها لأبوين ثم لأب.
بعد مرحلة الأخ تترتب الولاية حسب الميراث من جهة العصبات.
فمن يرث: يلي.
والخلاف في قوله: (ثم عمها لأبوين ثم لأب). كالخلاف في الأخ الشقيق والأخ لأب.
إذاً: الخلاف المتقدم أي معنا هنا وقد رجحنا أن الأخ الشقيق مقدم فهنا العم لأبوين مقدم على العم لأب.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم بنوهما كذلك.
يعني: ابن العم لأبوين مقدم على ابن العم لأب. وهكذا.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم أقرب عصبة نسباً كالإرث.
يعني: بعد ذلك ننظر في ترتيبهم كأقرب عصبة للمرأة كما نرتبهم في الإرث.
والسبب في أنه نرتبهم على هذا الترتيب:
- أن مبنى الولاية على الشفقة. والرعاية والسعي في تحصيل مصالح المرأة والشفقة أمر معنوي لا يمكن أن يدرك أيهما أشفق عليها من الآخر. فربطه الشارع بأمر ظاهر وهو القرابة فكلما كان الإنسان أقرب علمنا شرعاً أنه أشفق لأنه لا يمكن أن نعلق هذا المعنى بشيء غير محسوس والقرابة أمر محسوس.
فإذاً نقول كلما كان الإنسان أقرب فهو في الغالب أشفق فهو الولي.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم المولى المنعم.
يعني: ثم إذا لم يوجد أولياء من النسب انتقلنا إلى الأولياء بالإنعام - بالعتق.
فإذا لم يكن لها عصبات من النسب فوليها بالإجماع: من أعتقها. هو مولاها يقوم بتزويجها.
وهذا محل إجماع. لأنه الأولى بعد عدم وجود أحد من النسب.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم أقرب عصبته نسباً.
يعني: إذا لم يوجد المعتق بنفسه فإنه أقرب الناس بهذا المعتق نسباً والذي هو يعصب يكون هو ولي لهذه المرأة الذي أعتقها الميت.
إذاً: ننتقل بعد المعتق إلى الأولياء بحسب قربهم وبعدهم من الميت.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم ولاء.
يعني: ثم مولى المولى.
فإذا لم يوجد لهذه المرأة أحد من الأقرباء نسباً ولم نجد أيضاً لها ولي ووجدنا ولي مولى يعني: من أعتق الذي أعتقها فهذا له حق التزويج وهو مقدم وله الولاية لأنه لا يوجد أحد أقرب منه لهذه المرأة.
وقَلَّ أن يقع مثل هذه الأشياء وهي نادرة جداً أو لا تكاد تقع.
قال المؤلف رحمه الله:
ثم السلطان.
السلطان: ولي من لا ولي له بالإجماع.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والسلطان ولي من لا ولي له).
فإذا لم نجد أحداً من الأقارب ولا من الأولياء فإنا ننتقل إلى السلطان ويقوم هو بتزويج هذه المرأة.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
…
انتهى الدرس
الدرس: (4) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا بالأمس من الكلام عن ترتيب الأولياء عند الفقهاء وتبين أن الأحق الأب ثم الجد ثم الابن ثم الأخ ثم الأعمام، وباقي من مسائل الأولياء مسائل لم أتطرق إليها بالأمس وهي ما إذا وجد أكثر من ولي في درجة واحدة كأن يوجد عدد من الأخوة أو يوجد عدد من الأعمام فهم متساوون في القرب من الزوجة فأيهم يلي التزويج؟ ينقسم الحكم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تأذن المرأة لأحدهم، فإذا أذنت لأحدهم، فإنه هو الولي، ولا شأن للباقين في التزويج. يعني أنه يتعين هذا للمأذون له فإن لم تأذن لأحد منهم على وجه التعيين فينقسم إلى قسمين:
إما أن يتراضوا على أحدهم فلا حرج أو لا يتراضوا، فإن لم يتراضوا فالأولى وليس الواجب في الترتيب كالتالي: يقدم خيرهم وأدينهم ثم بعده الأكبر سناً ثم إذا تشاحوا ولم يرضوا بهذه الأفضليه فالقرعة، يقرع بينهم ومن خرجت له القرعة صار هو ولي المرأة.
من هنا علمنا قول أن ما يراه كثير من الناس أنه يقدم الأكبر مطلقاً على سبيل الوجوب ليس بصحيح إلا أن الناس تعارفوا على هذا أن الأكبر هو الولي وهو خلاف ما قرره الفقهاء من أنه يقدم خيرهم وأدينهم ثم بعد ذلك أسنهم.
انتهى ما يتعلق بالأولياء، ثم انتقل المؤلف إلى موضوع آخر وهذا الموضوع يتعلق بمسألة أن الشارع الحكيم لم خول الولي تزويج المرأة، لم يجعل هذا الحق له مطلقاً يتصرف فيه كما يشاء بل وضع لهذا الحق ضوابط وحدود حتى لا يعتدي الولي في استخدام هذا الحق الذي منحه إياه الشارع، ولهذا تحدث المؤلف عن مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: مسألة العضل.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن عضل الأقرب)
إذا عضل الأقرب انتقلت الولاية عنه إلى غيره وسيأتينا إلى من ستنتقل، إذا عضل الولي المستحق للولاية فإنها تنتقل عنه.
والدليل على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه بعضله تعذر تزويج الزوجة أو تعذر تزويج المرأة وإذا تعذر انتقلنا إلى من بعده.
الثاني: أنه بعضله خرج من العدالة إلى الفسق، والسبب أنه ظالم والظالم فاسق فإذا خرج إلى الفسق انتفت الشروط المتقدمة بحق الولي وانتقلت الولاية إلى من بعده. إذاً إذا عضل الولي فان الولاية تنتقل إلى من بعده وسيأتينا إلى من تنتقل. والعضل هو أن يمنع الولي تزويج الكفء الذي رغبت فيه ورغب فيها هذا هو العضل.
فإذا منعها على هذا الوجه فهو فاسق إذا كان بغير حق وتنتقل الولاية عنه وهذا هو النوع الأول من الأنواع التي تنتقل عنهم الولاية.
النوع الثاني ذكره المؤلف بقوله:
(أو لم يكن أهلاً)
إذا لم يكن أهلاً فإن الولاية تنتقل عنه والولي يصبح ليس أهلاً إذا اختل شرطاً من الشروط المتقدمة كأن يكون صغيراً أو مجنوناً أو فاسقاً أو كافراً، إذا اختل أي شرط من هذه الشروط المتقدمة التي اشترطها الفقهاء الذي وضعها في الولي صار ليس أهلاً للولاية ثم تنتقل بسبب ذلك الولاية عنه إلى من بعده.
النوع الثالث: أشار إليه رحمة الله تعالى بقوله:
(أو غاب غيبة منقطعة)
إذا غاب غيبة منقطعة فإن الولاية تنتقل عنه لكن الفقهاء اختلفوا في ضابط الغيبة المنقطعة على أقوال: القول الأول: هو الذي ذكره الشيخ موسى هنا فيقول الشيخ لا تقطع إلى بكلفة ومشقة هذا هو التعريف الأول للغيبة المنقطعة، هي أن يسافر الولي سفراً لا يبلغ معه إلى بكلفة ومشقة، وهذا هو مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن يكون بحيث لا يمكن أن يكاتب أو يمكن أن يكاتب لكن لا يجيب.
القول الثالث: أن يسافر مسافة قصر إذاً كل ولي يسافر مسافة قصر سقطت ولايته على هذا القول.
القول الرابع: أن يتغيب غيبة تُستَغب معها المرأة يعني يدخل عليها الضرر بسبب هذا الغياب.
القول الأخير: أن يغيب غيبة ينصرف معها الكفء المرغوب يعني يوجد كفء راغب في الزواج لكن بسبب غيبة الولي قد ينصرف لأنه لن ينتظر حينئذ نعتبر هذه الغيبة غيبة منقطعة.
ولا يشترط في الغيبة المنقطعة أن تكون مع السفر فلو استتر في البلد وترتب على استتاره إغرار بالمرأة أو ذهاب الكفء الخاطب فإنه يعتبر غاب غيبة منقطعة.
أرجح الأقوال القول الرابع لأنه أشمل الأقوال إذا غاب الولي غيبة يدخل الضرر معها على المرأة انتقلت الولاية عنه إلى من بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وهذا الضابط كما قلت أرجح مما ذكره المؤلف رحمه الله.
قال المؤلف رحمه الله:
(زَوجّ الأبعد)
هذا الحكم في الصور الثلاث إن عضل، أو فقد الأهلية، أو غاب غيبة منقطعة، انتقل إلى الأبعد ومقصود المؤلف بالأبعد هنا يعني الذي يليه مباشرة فإذا سافر الأب انتقلت الولاية إلى الأبعد وهو أبناء العم أو إلى من يليه مباشره وهو من؟ الجد عند الحنابلة والابن على القول الثاني على ما سبق تفصيله.
والقول الثاني: أنه إذا وجدت أحد الأسباب الثلاثة فان الولاية تنتقل مباشرة إلى السلطان لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " السلطان ولي من لا ولي له" وهذه لا ولي لها باعتبار وجود المانع.
واستدلوا أيضاً بوجود المانع يجعل الموجود كالمعدوم كأنه مات.
والراجح البين الرجحان أنه ينتقل إلى من بعده والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "السلطان ولي من لا ولي له" وهذه لها ولي وهو الثاني في الدرجة بعد الأب إن كان الأب هو الذي عضل إذاً نقول تنتقل لمن بعده ولا تنتقل إلى السلطان لأن هذا هو معنى الحديث فالسلطان لا يكون ولي أي امرأة لها ولي.
قال المؤلف رحمه الله:
(إذا زوج الأبعد أو زوج أجنبي بغير عذر لم يصح)
إذا زوج الأبعد أو زوج أجنبي بغير عذر لم يصح إلى هذا ذهب كثير من أهل العلم أنه إذا اعتدى الأبعد وزوج فان النكاح لا يصح.
واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" وهو حيث صحيح فدل الحديث على أنه إذا لم يلي التزويج الولي المعين من قبل الشارع فإن العقد يكون باطلاً.
والقول الثاني: أن العقد صحيح لكنه موقوف على رضا من له الحق وهو الولي الأول أو صاحب المرتبة الأولى.
واستدلوا على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءته البكر التي زوجها أبوها بغير رضا جعل لها الخيار.
والراجح مذهب الحنابلة، والسبب في الترجيح أن الاستدلال بالحديث الثاني الذي استدل به أصحاب القول الثاني لا يستقيم لسببين:
السبب الأول: أنه تقدم معنا أن هذا الحديث ضعيف وأن الأئمة أعلوه بالإفساد.
والسبب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم اثبت لها الخيار لا لاختلال الولي وإنما لاختلال الرضا لأنها تقول زوجني أبي بغير رضا إذاً الشرط الذي اختل ليس عدم وجود الولي وإنما عدم وجود الرضا ولهذا الاستدلال به لا يستقيم، فالراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، فإذا اعتدى أحد الأولياء ظلماً وزوج المرأة بغير رضا الولي الأول فإن الحكم إعادة النكاح فيعقد من جديد سواء رضي بالزوج أم لم يرضى يجب أن يعاد النكاح لاختلال شرطه الأهم وهو وجود الولي غير الشرعي.
قال المؤلف رحمه الله:
(الرابع الشهادة)
الشرط الرابع: الشهادة ذهب الحنابلة والشافعية والأحناف إلى أن الإشهاد في النكاح شرطاً من شروط الصحة فإن لم يُشهد بطل العقد إلا أن بين الأحناف والحنابلة والشافعية خلاف بسيط وهو أن الشافعية يقولون أن الإشهاد ركن وليس بشرط، والحنابلة والأحناف يقولون أنه شرط لكن لا قيمة لهذا الخلاف لأن الجميع يرى أن العقد إذا فُقد الإشهاد باطل إذاً ليس هناك محصلة في تسميته ركن أو تسميته شرط.
استدل الجمهور بأدلة: الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد وضعفه أيضاً الإمام ابن المنذر بل ذهب عدد من المحققين إلى أنه لا يصح في الإشهاد حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح أنه ليس في السنة يعني من الأحاديث الصحيحة ما يدل أبداً على اشتراط وجود الشهود في صحة النكاح على كل حال هذا هو الدليل الأول.
الدليل الثاني: أنه روي عن عمر وابن مسعود وغيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام اشتراط الشهادة في النكاح.
الدليل الثالث: أن في الإشهاد حفظاً لحق الولد لئلا يجحد الوالد نسب ابنه بأي سبب من الأسباب، فالإشهاد يثبت العقد.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وينسب إلى المالكية أن الإشهاد ليس بواجب، وإنما الواجب الإعلان فإذا أعلن صح العقد أشهد أو لم يُشهد.
ويستدل على هذا بأدلة: الدليل الأول: أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتق صفية رضي الله عنها وأرضاها وجعل العتق صداقها وتزوجها ولم ينقل أنه أشهد.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي طلب الزواج ملكتكها بما معك من القرآن ولم ينقل أنه أشهد.
الثالث: أنه لا يوجد دليل على الإشهاد فالدليل عدم الدليل وتقدم معنا أن عدد من الأئمة يرى أنه لا يصح في الباب حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث: أن الواجب إما الإعلان أو الإشهاد، إذا وجد الإعلان أو الإشهاد كفى، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ الفقيه ابن حزم رحمه الله.
واستدل على هذا بأن الشارع الحكيم إنما أراد خروج العقد من السفاح إلى النكاح وهو يحصل بالإعلان الذي هو نقيض نكاح السر الذي يسمونه نكاح السر فإذا حصل الإعلان حصل مقصود الشارع والإشهاد نوع من الإعلان.
والراجح إن شاء الله مذهب ابن حنبل أن الواجب إما الإعلان أو الإشهاد، إلا أنه فقط يتنبه إلى مسألة يتوقف فيها شيخ الإسلام وهي: ما إذا حصل عقد النكاح مع الإشهاد سراً فهنا الإعلان فقد والإشهاد وجد لكن الإشهاد سراً فهذا توقف فيه شيخ الإسلام وهو فعلاً محل توقف فيجب وجوباً تجنب عقد النكاح السري ولو مع الإشهاد، فإذا أراد الإنسان أن يكتم نكاحه لسبب أو لآخر فإنه لا يجعله سراً بالنظر لجميع الأطراف يمكن أن يكون سر لمن لا يريد أن يطلع عليه كزوجته أو غيرها لكن يُطلع عليه عدداً بأن يصنع وليمة ويدعوا إليها بعض الناس الذين يريد أن يدعوهم ليحصل الإعلان لأنه في الحقيقة وجود النكاح السري المتكتم عليه ولو مع وجود الإشهاد محل نظر كبير لأن الشارع لا يريد الإشهاد بقدر ما يريد الإعلان، فالإعلان أهم من الإشهاد فيتنبه الإنسان إلى هذه المسألة، لما قرر الشيخ الإشهاد انتقل إلى شروطه.
نريد أن ننبه إلى تنبيه وهو أنهم يقولون أن المالكية يرون أن الإشهاد كما ذكرت لكم حكمه أنه سنة وبالنظر في كتب المالكية نجد أن لهم تفصيل آخر هم يقولون: أن الإشهاد عند العقد سنة يعني لا يجب أن يُشهد عند العقد لكن يجب ألا يدخل بالمرأة إلا وهو أشهد إذاً عندهم سعه في تأخير الإشهاد إلى مرحلة الدخول لكن لا يجوز أن يدخل إلا بعد أن يشهد فإن دخل قبل أن يشهد فالنكاح عندهم فاسد، وعليه أن يفسخ هذا النكاح، الفرق بينهم وبين الجمهور أن العقد عند الجمهور إذا عُقد بدون إشهاد لا ينعقد أصلاً أما عند المالكية فينعقد ويصح فإن لم يشهد قبل الدخول فسخ العقد فبينهما فرق لكن في النتيجة المحصلة واحدة وهو لاشك بينهما فرق أساسي لأن المالكية يصححون العقد لكن في النتيجة يكون الأمر واحد لأنه إن لم يشهد صار النكاح باطلاً، لذلك يجب أن نتنبه إلى هذا وأنه لا يصلح أن نقول المالكية يرون أن الإشهاد سنة ونطلق، هذا غير صحيح يجب أن نعطي المذهب حقه لأنهم يرون أنه واجب قبل الدخول.
يقول المؤلف رحمه الله في بيان الشرط:
(فلا يصح إلا بشاهدين)
اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يكتفى بواحد بل لابد من شاهدين لما في الحديث (وشاهدي عدل) فإن شهد واحد فإنه لا يجزئ ونحن نتحدث الآن عن العدد لا عن الذكورية والأنوثه وهذه مسألة أخرى نحن نتحدث عن العدد فالعدد لا يجوز أن يقل عن اثنين باتفاق الأئمة الأربعة.
قال المؤلف رحمه الله:
(عدلين)
اتفق الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي على أن العدالة شرط لصحة الشهادة.
واستدلوا على هذا بأن الشهادة نوع من الولاية والولايات الشرعية يشترط فيها العدالة وأن لا يكون فاسقاً والمقصود بالعدالة هنا يعني الظاهرة.
القول الثاني للأحناف: أن العدالة ليست بشرط بل تصح شهادة الفاسق.
واستدلوا على هذا أن الأدلة الآمرة بالإشهاد ليس فيها اشتراط العدالة.
قال المؤلف رحمه الله:
(ذكرين)
يعني أنه يشترط أن يكون الشهود من الذكور فيها احتمال نقول ذكرين، ذهب الأئمة الثلاثة لاشتراط الذكورية وهم مالك وأحمد وأبو حنيفة.
واستدلوا بأمرين:
الأول: أحاديث ضعيفة جداً.
الثاني: أن الزهري قال: (مضت السنة أن لا تقبل للنساء شهادة في النكاح والطلاق والحدود).
القول الثاني: للأحناف نَفَسُهم في باب النكاح مع النساء جيد يعني من وجهت نظرهم جيد ولذلك هم يقولون ممكن يشهد رجل وامرأتان لأن هذه الشهادة لا تتعلق بالمال ولا يوجد مانع من شهادة النساء.
ثم جاء ابن حزم صاحب القول الثالث يوسع المسألة أكثر فقال: يجوز أن تشهد أربع نسوة فتخلوا الشهادة من الذكور تماماً وأيضا لعدم وجود دليل مانع وابن حزم رجل ظاهري إذا لم يوجد دليل نص فالأصل أن الكل تُقبل شهادتهم.
في الحقيقة الأقرب من حيث الأدلة مذهب ابن حزم إذ لا يوجد ما يمنع من شهادة أربع نسوة لولا الأثر المروي عن الزهري فإن صح هذا إلى الزهري فلا كلام أنه يجب أن يكون الشهود من الذكور ولا دخل للنساء لأنه يقول مضت السنة وهو إمام إذا قال هذه الكلمة فهو يعنيها مضت السنة ألا تقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق والحدود فإن صح هذا إلى الزهري الإمام الكبير فإن الراجح مذهب الجمهور من الأئمة وإن لم يصح فالراجح مذهب ابن حزم وليس مذهب الأحناف، لا نشترط وجود ذكر لكن في الغالب راح يكون هذا الأثر صحيح باعتبار أن الأئمة الثلاثة اعتمدوا عليه فالحقيقة لم أراجع الإسناد إلى الزهري لكن يغلب على ظني أنه إن شاء الله ثابت باعتبار أن الأئمة استدلوا به.
قال المؤلف رحمه الله:
(مكلفين)
ذهب الأئمة الأربعة إلى اشتراط التكليف والتكليف هو أن يكون الشاهد بالغ وعاقل أما اشتراط العقل فكما هو مذهب الأئمة الأربعة فهو مذهب بالإجماع بجميع أهل العلم لأن المجنون ليس أهلاً للشهادة ولا يتحمل تحملاً يؤدي معه الأداء الصحيح وأما البلوغ فكما قلت لكم هو مذهب الأئمة الأربعة.
والقول الثاني: أن من قارب البلوغ وهو عاقل تقبل شهادته.
الجمهور استدلوا على اشتراط البلوغ بأن الإنسان قبل أن يبلغ تحت ولاية غيره ونحن قلنا أن الشهادة نوع من الولاية وإذا كان تحت ولاية غيره فكيف يتولى على غيره هذا تعليل الجمهور، في الحقيقة كلام الأئمة الأربعة وجيه لاسيما في مثل هذا العقد المهم الحساس، ينبغي أن لا يشهد عليه من لم يبلغ وإنما يكتفى بالشهادة على النكاح من قبل البالغين، لكن لما علمت هذه المسألة ليس فيها أدلة نص يعني من الكتاب أو السنة فإنه يتوجه أنه إذا تم العقد بشهادة اثنين لم يبلغا أنه لا نحكم بفساد العقد وإن رجحنا وجوب البلوغ وأن مذهب الأئمة الأربعة صحيح لكن إذا وقع الأمر حينئذ نقول العقد صحيح لأمرين:
الأول: لا يوجد دليل على اشتراط البلوغ صريح.
الثاني: أن أصل وجوب الشهادة ليس بقوي فإذا جمعت بين الأمرين لا تكاد تشك أنه إذا عقد الأمر النكاح وشهد عليه اثنان لم يبلغا وقاربا البلوغ فإنه يصحح العقد ومن خلال الخلاف السابق تعلم أنه لم يقل أحد من الفقهاء بتصحيح شهادة الصبي الصغير الذي لم يميز أو الذي ميز قريبا كأن يكون له سبع سنوات أو ثمان سنوات هذا لا أعلم أحد من أهل العلم صحح شهادة هذا الطفل إنما الخلاف في الرجل الذي قارب البلوغ وهو عاقل ويفهم هذا الخلاف فيه كما سمعت.
قال المؤلف رحمه الله:
(سميعين)
يشترط في الشهود أن يكون لديهم حاسة السمع وهذا الشرط باتفاق الأئمة الأربعة ودليلهم ظاهر جداً لأن المشهود عليه هنا قول والقول إنما يسمع سماعاً إذا لم يكن يسمع فعلى ماذا يشهد ولهذا اتفق الأئمة الأربعة على هذا الحكم.
قال المؤلف رحمه الله:
(ناطقين)
ذهب الجمهور إلى أن الأخرس لا تصح شهادته ودليلهم أيضاً ظاهر وهو عدم تمكنه من أداء الشهادة عند الحاجة إليها. وإلى هذا ذهب الشافعية والأحناف والحنابلة وهم الجمهور.
القول الثاني للمالكية: وهو قول للحنابلة أنه يصح إذا تمكن من أدائها كتابة وفي الحقيقة الحنابلة هم الذين قالوا مسألة الكتابة، والمالكية عندهم إطلاق فيما رأيت قالوا تصح شهادة الأخرس مطلقاً لكن يبدو لي أن مقصودهم يعني إذا أداها كتابةً وهذا القول الثاني صحيح إذا كان لا يتكلم ولكنه يسمع فإنه إذا كان سميع لكنه أخرس فان شهادته صحيحة لأنه إذا طُلب منه أن يؤديها سيؤديها كتابةً.
ومن هنا علمنا أن الأخرس الذي لا يحسن الكتابة لا تصح شهادته عند الأئمة الأربعة وعلمنا أيضاً من خلال تعليل الحنابلة والمالكية أن الأخرس الذي يتكلم بالإشارة تصح شهادته لأنه سيؤدي الشهادة بالإشارة ومن يحسن الإشارة من الناطقين ينقل شهادته إذاً الضابط أن الأخرس إذا استطاع أن يؤدي الشهادة بالكتابة أو بلغة الإشارة فان شهادته صحيحة.
انتقل المؤلف إلى موضوع آخر.
قال المؤلف رحمه الله:
(وليست الكفاءة
…
)
انتهى المؤلف من شروط صحة النكاح ثم أراد أن ينبه إلى شرط الكفاءة وهو شرط عند بعض أهل العلم أراد أن ينبه إلى الأحكام المتعلقة بهذا الشرط.
فالكفاءة لغة: المساواة.
وشرعاً: مساواة الزوج للزوجة في الدين والنسب.
وقولنا في التعريف في الدين والنسب يعني على ما مشى عليه المؤلف أما الصفات التي يطلب فيها التساوي لتحقيق المكافأة أو لتحقيق التكافؤ فهي مختلف فيها بين الفقهاء كما سيأتينا لكن نحن نريد أن نعطي تعريف عام للكفاءة.
قال المؤلف رحمه الله:
(ليست الكفاءة شرطاً)
ذهب الجمهور من أهل العلم، عامة أهل العلم إلى أن الكفاءة ليست من شروط الصحة وإن كانت من شروط اللزوم فهي ليس من شروط الصحة لكنها من شروط اللزوم ويترتب على هذا أن العقد على رجل ليس مكافئ للمرأة صحيح إلا أن للأولياء الحق في الفسخ إذاً يجب أن نتصور مذهب الجمهور تماماً قبل أن ننتقل إلى الأقوال والأدلة إذاً ليس شرط صحة ولكنه شرط لزوم نحتاج أدلة لطرفي القول.
الدليل الأول: على أنه ليس من شروط الصحة أن النبي صلى الله عليه وسلم (زوج قرشية وهي فاطمة بنت قيس من أسامة بن زيد وهو مولى) والحديث في الصحيح.
الدليل الثاني: أن أبا حذيفة رضي الله عنه زوج سالماً من ابنة عمه هند وهي قرشية، هند هذه ابنة الوليد بن عتبة من صميم قريش وسالم مولى لامرأة من الأنصار.
الدليل الثالث: ليس في النصوص الشرعية ما يدل على اشتراط المكافأة أو أن يكون كفأً التكافؤ.
الدليل الرابع: مجموعة من الأحاديث لا يصح منها شيء تدل على عدم اشتراط الكفء صراحة.
القول الثاني: أن كون الزوج كفء للزوجة شرط صحة يعني أنه من حقوق الله ليس من حقوق الآدميين فلو رضي الزوج والزوجة وجميع الأولياء الأقرباء من الطرفين لا يعني شيء والعقد باطل.
واستدلوا بدليلين: الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "العرب بعضهم أكفاء لبعض والموالي بعضهم أكفاء لبعض" فالحديث قسم إلى قسمين ودل بمفهومه أن غير العربي ليس كفء للعربي وهذا الحديث قال عنه أبو حاتم: (هذا كذب وباطل).
الدليل الثاني: قالوا أن عمر بن الخطاب قال على ملأ من الناس لأمنعن تزويج الحسيبات إلا من الأكفاء وهذا الأثر ضعيف.
وأنا أقول من عندي حاشا لله أن يقول أمير المؤمنين عمر هذا الكلام أبداً وهو يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يزوج الموالي من القرشيات حاشاه أن يقول مثل هذا.
القول الثالث: كون الزوج كفؤ ليس بشرط صحة ولا لزوم ليس بشرط مطلقاً وهو مذهب ابن حزم ومذهب لبعض الفقهاء استدلوا بأن الأحاديث المذكورة في القول الأول ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ رضا باقي الأولياء فدل على أن رضاهم غير معتبر.
والراجح إن شاء الله القول الثالث لأنه لا يوجد في السنة ما يدل على الاشتراط أضف إلى هذا وجود أحاديث تدل على عدم الاشتراط لكن من الحكمة بلا شك أنه إذا كان التزويج بغير الأكفاء يدخل الشقاق على كامل العائلة والحمولة ويؤدي إلى أضرار ومفاسد كبيرة أنا أقول من الحكمة وليس من الأحكام الشرعية ألا يقدم الولي على مثل هذا التصرف صيانة لاجتماع العائلة ولعدم دخول فساد على الأب والزوجة وربما على الأبناء وربما تطور الأمر إلى أكثر من هذا نعم صحيح على طالب العلم أن يبين أن هذه عصبية جاهلية ليست من الإسلام في شيء وأن ينور الناس ويفقههم في هذا الباب لكن هذا شيء واستخدام الأولياء الحكمة في التصرف أحياناً شيء آخر.
قال المؤلف رحمه الله:
(وليست الكفاءة وهي دين ومنصب وهو النسب والحرية)
الكفاءة عند الحنابلة في أمرين فقط الدين والمنصب.
المنصب عرفه الشيخ بقوله النسب والحرية نبدأ بالأول وهو الدين والمقصود بالدين يعني أن يساويها ديناً فالمقصود بالدين هنا الصلاح والاستقامة وقيل المقصود بالدين فعل الأوامر واجتناب النواهي وبين القولين تشابه شديد إلا أن القول الأول كأنه يتطلب مرحلة أو درجة من الصلاح أكثر من مجرد فعل الأوامر وترك النواهي بناءً على هذا لا يجوز أن يزوج التقية للفاجر لأن ليس بينهما تساوي في الدين ولا يجوز أن يزوجها للفاسق ولو لم يصل إلى مرحلة الفجور لأنه ليس بينهما تساوي في الدين.
والقول الثاني: أن الدين ليس شرطاً في التزويج وعلى القول الثاني العمل، فالآن الناس يزوجون المرأة وإن كانت صالحة لرجل وإن كان فاسقاً والعقد صحيح وهو في الحقيقة لا يوجد ما يدل بطلان العقد إذا زوج الرجل ابنته الصالحة من رجل فاسق أو فاجر بغير الزنى لا يوجد ما يدل على البطلان لكن لاشك أن تزويج الإنسان ابنته الصالحة إلى رجل فاسق ليس من أداء الأمانة وقد يكون آثم في هذا الصنع أولاً لأنه لم يراعي مصلحة المرأة وثانياً وهو الأهم أنه يعرَّض المرأة إلى خلل في دينها بسبب طول الصحبة مع هذا الفاسق ويستثنى من هذا ظروف معينه وملابسات خاصة تكون المصلحة في التزويج لكن في الأصل أنه ليس من أداء الأمانة أن يزوجها للفاسق.
قال المؤلف رحمه الله:
(ومنصب وهو النسب)
النسب تقدم معنا أنه من شروط الكفاءة والخلاف المتقدم ينصب في الحقيقة على النسب والأدلة التي ذكرت تدل على عدم اشتراط النسب ومما يدل على قوة القول بأن اشتراط النسب لا تدل عليه الأدلة مع الأحاديث التي تقدمت قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله اتقاكم} فجعل الكرامة والمنزلة إنما هي بالتقوى وليست بالنسب وكما أن قوله تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} يدل على هذا.
وجه الاستدلال أن الله تعالى ذكر في الآية أن الحكمة من جعلهم شعوب وقبائل أن يتعارفوا لا أن يتفاخروا ومنع تزويج غير النسيب هو من باب التفاخر إذاً هاتان الآيتان تدلان على قوة ما تقدم من أنه لا يشترط الكفاءة في النسب.
قال المؤلف رحمه الله:
(والحرية)
الحرية شرط عند الجمهور واستدلوا بدليلين:
الأول: أن النبي عليه الصلاة والسلام خير بريره لما أعتقت وبقي زوجها عبداً.
الثاني: أن العبد ينقص درجة كثيرة عن الحرة ويدخل عليها الأذى بسبب أن العبد سيكون مشغولاً بمصالح سيده عن حقوق زوجته.
والقول الثاني: أن الحرية لا تشترط فيجوز أن نزوج الحرة للعبد والأقرب أنه شرط لزوم لا صحة فإن حديث بريره فيه التخيير وليس فيه الفسخ ونحن نقول نبقى مع هذا الحديث النبوي ونقول هو شرط لزوم والقول بأنه شرط لزوم قوي في الحقيقة لأنه صحيح أن العبد مشغول بمنافع سيده وخدمته عن حقوق الزوجة ويدخل عليه الضرر.
((الأذان))
قال المؤلف رحمه الله:
(شرطاً في صحته)
يعني وليست الكفاءة شرطاً في صحته لكنه أراد أن يبين أنها شرط لزوم فقال يتقدم شرط أنه هل هي شرط في الصحة أو لا؟ يقول: فلو زوج الأب عفيفة بفاجر أو عربية بأعجمي فلمن لم يرضا من المرأة أو الأولياء الفسخ.
إذا زوج الرجل موليته من غير الكفء صح العقد وثبت الخيار للمرأة وباقي الأولياء وأفادنا المؤلف أن جميع الأولياء وليس صاحب المرتبة الأولى في الولاية فقط بل لجميع الأولياء حق الفسخ ولو كان الولي الأول راض، فإذا زوج الأب ابنته من رجل فلأخيه وابنه ولكل الأولياء حق الفسخ إذا لم يرضوا بهذا الرجل من حيث الكفاءة.