الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستدل أصحاب هذا القول بأن هذه علامة على كونه رجل أو امرأة، وبأن هذا الأمر لا يعرف إلا من قبله.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو يعلى، وهو قول وجيه، وهو خير من حبس هذا الخنثى، مع حاجته للنكاح مدة طويلة، وربما يكون الخلاف في هذه المسألة في وقتنا هذا نادر وقليل باعتبار أن بالامكان التعرف على حقيقة الخنثى هل هو رجل أو امرأة بطرق كثيرة جداً تغني عن إبقائه معلقاً بين الأنوثة والرجولة.
قال المؤلف رحمه الله:
باب الشروط والعيوب في النكاح
الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شروط النكاح وقد تقدمت معنا، وشروط النكاح تسمى الشروط الشرعية وسبب تسميتها بأنها الشروط الشرعية أنها من وضع الشارع.
القسم الثاني: الشروط في النكاح
وتسمى الشروط الجعلية لأن العاقدان هما اللذان وضعاها وجعلاها في العقد.
والشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة.
والشروط الصحيحة تنقسم إلى قسمين:
شرط يقتضيه العقد: كأن يشترط أن تسلم إليه زوجته فهذا الشرط تحصيل حاصل لأن العقد يقتضي تسليم الزوجة.
الثاني: شرط ليس من مقتضى العقد وفيه مصلحة للشارط، كأن تشترط ألا يتزوج عليها.
القسم الثاني: الشروط الفاسدة
وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الفاسدة الغير مفسدة، فالشرط فاسد والعقد صحيح، كأن يشترط الرجل ألا مهر لها، ونحن الآن لا نريد إعطاء أحكام عن الشروط لكن نريد تصوير الأقسام فقط.
القسم الثاني: الشرط الفاسد المفسد، يعني أن الشرط يفسد والعقد يفسد، وهو عند الحنابلة أربع أقسام فقط نكاح الشغار، ونكاح المتعة، ونكاح التحليل، والنكاح المعلق على شرط.
إذاً الآن بصفة عامة تصورنا أقسام الشروط.
مسألة: اختلف الفقهاء عموماً في الشروط في النكاح يعني في تصحيحها والإلزام بها، فذهب الجماهير الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أن الشروط لا تلزم، بل يستحب الوفاء بها فقط.
واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وهذه الشروط ليست ف كتاب الله.
القول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام أحمد وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام وغيرهم من المحققين أن الشروط صحيحة ولازمة وسيأتينا ما معنى تصحيح هذه الشروط عند الحنابلة لكن الذي يعنينا الآن أن هذه الشروط صحيحة ولازمة.
واستدلوا بأدلة:
الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم:" إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" والحديث نص في مسألتنا.
الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم:" المسلمون على شروطهم ".
الدليل الثالث: الأدلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالعقود كقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} .
والراجح القول الثاني إن شاء الله بلا إشكال وهذه المسألة وإن كانت من المفردات إلا أن قول الحنابلة فها قوي جداً.
تنبيه: أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن مذهب المالكية في الواقع والمعنى يقرب من مذهب الحنابلة لأنهم في الأخير يلزمون بالشروط وهذا معنى تصحيحها.
بعد هذا التصور العام لأحكام الشروط نرجع إلى الشروط التفصيلية.
قال المؤلف رحمه الله:
(إذا شرطت طلاق ضرتها)
بدأ الشيخ بالقسم الأول من النوع الأول وهو الشروط الصحيحة التي لا يقتضيها العقد فيقول الشيخ وإذا شرطت طلاق ضرتها في آخر العبارة صح فإن خالفه فلها الفسخ.
يجوز عند الحنابلة أن تشترط طلاق ضرتها فتقول: قبلت بشرط أن تطلق زوجتك الأخرى.
واستدلوا على هذا بأن في هذا الشرط منفعة للزوجة منفعة ظاهرة لتكون منافع الزوج جميعها لها.
…
الثانية: القياس على ما إذا اشترطت ألا يتزوج عليها بعد ذلك.
القول الثاني: أن هذا الشرط باطل ولا يجوز فلا يجوز أن تشترطه المرأة وهو باطل إن اشترطته.
والدليل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم:" لا تسأل المرأة طلاق ضرتها لتكتفأ ما في صحفتها" وفي لفظ في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها، وهذا القول اختاره ابن قدامة، وهو نص في المسألة.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو ألا يتسرى ولا يتزوج عليها أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها أو شرطت نقداً معيناً أو زيادة في مهرها صح)
هذه الشروط أربعة وهذه الشروط صحيحة عند الحنابلة استدلالاً بما تقدم معنا في الخلاف العام وهو قوله: "المسلمون على شروطهم"، "وإن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" والأحاديث والآيات العامة الموجبة للوفاء بالشرط والعقد.
وهذا القول كما قلت وهو تصحيح هذه الشروط اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.
والقول الثاني: أن هذه الشروط لا تصح ولا تلزم فله مثلاً أن يتسرى عليها وله أن يتزوج عليها وله أن يخرجها من دارها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وهذه الشروط ليست في كتاب الله، والصحيح أنها شروط صحيحة ولازمة للأحاديث العامة وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله " أن هذه الشروط في كتاب الله بدلالة النصوص الأخرى.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن خالفه فلها الفسخ)
هذا هو حقيقة مذهب الحنابلة أو ثمرة مذهب الحنابلة فالمقصود عندهم بتصحيح الشرط والإلزام به هذه الثمرة وهي أن للزوجة عند المخالفة الفسخ.
فاستدل الحنابلة على هذا بأن رجلاً اشترطت عليه زوجته أن لا يخرجها من دارها فأراد أن يخرجها فتنازعوا وترافعوا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال أمير المؤمنين: لها شرطها فقال الرجل: إذاً اأمير المؤمنين يطلقننا فقال عمر بن الخطاب: مقاطع الحقوق عند الشروط، وهذا الأثر ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم وهو صحيح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقد فسخ عمر هذا النكاح بالشرط.
مسألة أخيرة: حكم الإيفاء بالشرط عند الحنابلة مستحب وليس بواجب لكن إذا لم يوفي فللمرأة الفسخ، وهذه مسألة دقيقة يجب أن تفرق بين قول الحنابلة الوفاء بشرط مستحب وبين قول الجمهور الوفاء بشرط مستحب فالحنابلة يجعلونه مستحباً لكن إن لم يفي فللمرأة الفسخ.
والقول الثاني: أنه يجب وجوباً فإن لم يفعل فهو آثم ولها الفسخ.
واستدلوا على هذا بالنصوص الآمرة بالوفاء بالشروط.
واستدل الحنابلة بأن الوفاء بشرط المستحب بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلزمه في الأثر المذكور، فلما لم يلزمه تبين أن الوفاء بالشرط مستحب، ولكن الأقرب أن الوفاء بالشرط واجب وهذا الأثر يحمل على أن عمر بن الخطاب أراد الإصلاح بينهم على كل حال لا يمكن أن نترك النصوص الواضحة ونأخذ بهذا الأثر في جانبه المتشابه.
هذا والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
الدرس: (7) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس تحدثنا عن الشروط الصحيحة عند الحنابلة، وتوقفنا على قول المؤلف وإذا زوجه وليته إلى آخره.
بدأ المؤلف الكلام عن الشروط الفاسدة وتقدم معنا أن الشروط الفاسدة تنقسم إلى قسمين: فاسدة ومفسدة، مفسدة للعقد وفاسدة بنفسها مع بقاء العقد صحيح، وبدأ الشيخ بالقسم الثاني: وهي الفاسدة المفسدة.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر
…
)
هذا العقد الذي ذكره المؤلف هو نكاح الشغار، ونكاح الشغار معناه في اللغة: الخلو وقيل معناه في اللغة: الرفع، والأقرب والله أعلم أن معناه في اللغة الخلو، وأما في الاصطلاح فسنذكر تعريفه عند الحنابلة: وهو الذي ذكره المؤلف، فتعريفه أن يزوج الرجل للآخر موليته على أن يزوجه موليته ولا مهر بينهما، وفهم من هذا التعريف أن الحنابلة يشترطون أن ليكون العقد من الشغار أن يجتمع فيه وصفان:
الأول: أن يشترط كل منهما على الآخر أن يزوجه موليته.
والثاني: أن يخو العقد من المهر.
حكم الشغار:
الشغار محرم، وهو محرم والعقد فاسد، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم" نهى عن الشغار" والنهي في الحديث للتحريم، وهو يدل على فساد العقد.
عرفنا الآن معنى الشغار في اللغة والاصطلاح، وحكمه في الشرع.
مسألة: تقدم معنا أن الحنابلة لا يعتبرون العقد من الشغار إلا إذا اجتمع فيه وصفان.
ودليلهم على هذا حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار" وقال هو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته وليس بينهما صداق.
فقالوا الحديث فسر الشغار واشترط خلوه من الصداق.
والجواب عن هذا الحديث ـ قبل أن ننتقل إلى القول الثاني ـ الجواب عن الحديث أن التفسير المذكور في الحديث إنما هو من كلام الإمام نافع، وقد صرح أبو داود أن هذا الكلام إنما هو تفسير من نافع، كما أن البخاري ومسلم أخرجا الحديث ونسبا في رواية التفسير إلى نافع، وهذا هو الصحيح أن التفسير من نافع.
القول الثاني: أن الشغار: هو أن يزوج الرجل موليته لآخر على أن يزوجه الآخر موليته، ولا يُشترط أن يخلو من الصداق، إذاً الممنوع على هذا القول هو مجرد الاشتراط، فإذا وجد الاشتراط بطل العقد، وإلى هذا ذهب ابن حزم، وهو قول لبعض الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله.
والدليل على هذا من وجهين:
الأول: حديث أبي هريرة وهو في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشغار وقال: الشغار أن يزوج الرجل موليته لآخر على أن يزوجه الآخر موليته" ولم يذكر الصداق.
الثاني: أن العباس بن عبد الله بن العباس تزوج أخت الحكم على أن يزوجه الحكم أخته، فقام معاوية خطيباً وأبطل النكاح وقال: هذا هو الشغار، وإبطاله لهذا النكاح كان على مرأى ومسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعترض عليه أحد، وليس في الأثر اشتراط الخلو من الصداق، بل فيه أن كل منهما أصدق الأخرى صداقاً.
وهذا القول كما قلت هو الصحيح إن شاء الله، فالنكاح يعتبر من الشغار بمجرد الاشتراط، فالاشتراط هو علة المنع، ويؤيد هذا أن الظلم على المرأة غالباً لا يكون بمنع المهر، وإنما يكون بأن يفرض عليه الزواج أو يكرهها على الزواج بطريقة أو بأخرى، لأنه يريد أن يتزوج بمولية الآخر، فهذا هو الظلم في الحقيقة، وليس فقط خلو العقد من المهر، فهذا الظلم متوقع، والواقع كثيراً، هو سبب التحريم، فإن إنضاف إليه خلوه من الصداق صار ظلمات بعضها فوق بعض، وظلم للمرأة من أكثر من وجه، وصار محرماً بلا إشكال، لكن في مسألة تعريف الشغار هو هذا أي هو ما يكون فيه اشتراط ولو مع المهر.
هذا هو النوع الأول من الشروط الفاسدة والمفسدة وهو الشغار، ثم انتقل الشيخ رحمه الله إلى النوع الثاني.
قال المؤلف رحمه الله
(وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها
…
)
وهذا النكاح يسمى نكاح تحليل ونكاح التحليل محرم ولا ينعقد، ولا يوجب تحليل المرأة المطلقة ثلاثاً.
والدليل على هذا "أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له" هذا الحديث له طرق كثيرة جداً لكن لا يخلو شيء من هذه الطرق من علة، وإنما الحديث يصح بمجموع طرقه، فيكون صالح للاستدلال باجتماع الطرق وإلا في الحقيقة لا يوجد إسناد صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه اللعن لكن توجد أسانيد كثيرة يعضد بعضها بعضاً.
الدليل الثاني: أنه نقل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة فيها النهي عن أن يتزوج الإنسان امرأة لمجرد التحليل.
الدليل الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى من يتزوج ليحلل المرأة ليس إلا بالتيس المستعار وحديث التيس المستعار ضعيف ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مجموع هذه الأدلة لاسيما الآثار مع حديث "لعن الله المحلل والمحلل له" الذي يصح بمجموع طرقه يصلح لبيان أن نكاح التحليل محرم، بل ربما نقول تحريمه وإبطاله إجماع من الصحابة.
قال المؤلف رحمه الله:
(أنه متى حللها للأول طلقها أو نواه بلا شرط)
يعني إن اشترط في العقد فهو نكاح تحليل بلا إشكال، وكذلك لو نواه ولم يشترطه في العقد، فالعقد يعتبر نكاح تحليل، والضمير في نواه يرجع إلى الزوج، فإذاً النكاح إذا قصد به التحليل يبطل بمجرد النية عند الحنابلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم" إنما الأعمال بالنيات" ولأن هذا لم يُرد النكاح الشرعي وإنما أراد نكاح التحليل.
القول الثاني: أنه إذا نوى التحليل ولم يشترط في العقد فالعقد صحيح.
واستدلوا على هذا بأن هذا العقد مستوفي بأركانه وشروطه، فهو صحيح وإن نوى التحليل، وزاد بعضهم بل إنه يؤجر على هذا العمل لأنه أراد الإحسان بإرجاع الزوجة المطلقة ثلاثاً إلى زوجها المطلق ثلاثاً.
والصواب إن شاء الله بلا إشكال أن التحليل محرم بالنية، ولو بدون التصريح باشتراطه أثناء العقد، وعلى هذا تدل آثار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك يدل عليه الاعتبار الصحيح إذ لا يوجد فرق بين أن يصرح بالنية وبين أن لا يصرح.
مسألة: أفاد المؤلف أن النية التي تؤثر وتفضي إلى إفساد العقد هي نية الزوج فقط دون نية المرأة.
والقول الثاني أن نية كل من الزوج والمرأة والولي إن نووها تبطل، والصواب إن شاء الله أن النية المؤثرة هي فقط نية الزوج، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لعن الله المحلل والمحلل له" فالحديث نص على أن المحلل والزوج، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة لما أرادت أن ترجع إليه بعد تطليقها ثلاثاً:"أتريدين أن ترجعي إليه، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فقوله صلى الله عليه وسلم "أتريدين أن ترجعي إليه" إشارة إلى أنها نوت هذا ومع ذلك لم يبطل النبي صلى الله عليه وسلم العقد الثاني، لأن الزوج الثاني وهو عبد الرحمن بن الزبير لم يقصد التحليل.
وبهذا الحديث استدل الإمام أحمد رحمه الله على أن نية المرأة ليست بشيء وهذا هو الصواب، فإذا رضيت بالزواج بنية أن تعود إلى زوجها الأول، لكن الزوج الثاني لم ينو مطلقاً هذه النية فالعقد صحيح، وهو مبيح للزوج الأول متى طلقها الزوج الثاني.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشبع هذه المسألة بحثاً بإبطال التحليل بكلام غاية في النفاسة والقوة والجودة والمتانة والعمق، وما شئت من الصفات الحسنة، في الحقيقة أجاد إجادة قوية جداً وتحدث عن مسائل كثيرة جداً في الكتاب عن سد الذرائع، وعن الحيل والأجوبة عن أدلة الذين أجازوا الحيل، ثم أخيراً حصر الكلام في مسألة التحليل، وذكر الأدلة على تحريم التحليل في كلامٍ في الحقيقة رائع جداً، ويطرب له الإنسان لقوته ومتانته في الحقيقة، رحمه الله وجزاه عن المسلمين كل خير.
ثم انتقل إلى النوع الثالث من الشروط المبطلة.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو قال زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها)
أو قال زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها فالعقد باطل لأن التعليق يتنافى مع عقود المعاوضات والنكاح من جملة عقود المعاوضات، إذاً التعليق هو الذي سبب إبطال العقد، لأنه يتعارض مع عقود المعاوضات كالبيع والنكاح من جملة عقود المعاوضات.
والقول الثاني: أنه إذا علقه أو اشترطه على هذه الصفة برضا أمها أو بغيره من التعليقات فإنه يصح، والعقد المبني على هذا الشرط صحيح، لأنه لا يوجد دليل على المنع من تعليق عقود المعاوضات على الشروط، والأصل في العاملات الحل، وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو أقرب إن شاء الله إلى الصواب وأشبه بأصول الشرع.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو إذا جاء غد فطلقها)
هذا هو القسم الرابع والأخير من الشروط الفاسدة المفسدة وهو نكاح المتعة.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو إذا جاء غد فطلقها
…
)
يعني إذا قال الولي للزوج زوجتك وإذا جاء غد فطلقها، أو وقّت بمدة يعني صرحوا بتأقيت مدة معينة مجهولة أو معلومة، فإن العقد حينئذ يعتبر نكاح متعة، ونكاح المتعة محرم، ولا يجوز إيقاعه، والعقد باطل.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في فتح مكة وقال: "أني كنت أبحت لكم المتعة فإني أحرمها إلى يوم القيامة" وفي لفظ أيضاً في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن المتعة في فتح مكة"، وعلى هذا القول استقر قول فقهاء المسلمين من أئمة المذاهب الأربعة، وغيرهم من الفقهاء المعتد بأقوالهم، وقد روي في المسألة خلاف عن ابن عباس وعن أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم لكن الصحيح إن شاء الله أن ابن عباس رجع عن هذه الفتوى، ولو فرضنا أن ابن عباس لم يرجع عن هذه الفتوى فقوله مرجوح بلا شك ولا إشكال، لكونه يخالف الحديث الصحيح ولكونه يخالف الآثار الأخرى عن عمر وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونكاح المتعة استقر الأمر على أنه نكاح محرم وباطل.
مسألة: نكاح المتعة الذي تحدثنا عنه هو النكاح الذي يصرح فيه العاقد اشتراط مدة، فهذا النكاح هو الذي تحدثنا عنه، وهو الذي حرمه جملة فقهاء المسلمين أو كل فقهاء المسلمين.
بقينا في مسألة: وهي ما إذا تزوج الإنسان ولم يصرح في العقد بتأقيته ولكنه نواه، وهو الذي يسمى النكاح بنية الطلاق، وهذه المسألة كانت قليلة الأهمية في السابق ولكنها أصبحت اليوم من المسائل المهمة، والتي يكثر فيها الكلام بسبب كثرة السفر، وانفتاح الناس على المفاتن والشبهات والأهواء، فكثر الكلام في هذه المسألة لهذا السبب، ونريد أن نتحدث عن هذه المسألة ولكن باختصار، ذهب الحنابلة وعلى رأسهم الإمام أحمد وقد صرح بهذا مراراً أن النكاح بنية الطلاق محرم، والعقد باطل، وإلى هذا ذهب الإمام الأوزاعي وأيضاً ابن حزم وهو الذي يفهم من تقرير العلامة ابن القيم فهؤلاء يرون أن النكاح بنية الطلاق لا يجوز واستدلوا بأدلة:
الدليل الأول: أن النكاح بنية الطلاق هو نكاح متعة تماماً، إلا أنه لم يصرح فيه بشرط التوقيت، وإلا فهو تماماً كنكاح المتعة، وقرروا هذا الدليل بأن النية في عقود النكاح كافية ولا يشترط التصريح بالشرط، بدليل أنهم يبطلون نكاح التحليل بمجرد النية ولو لم يشترط، وأي فرق بين إنسان عازم على التطليق بعد شهر إلا أنه لم يصرح ولم يشترط في العقد، وبين آخر صرح واشترط.
الثاني: أن النكاح بنية الطلاق لا يتوافق مطلقاً مع مقاصد الشرع من النكاح، والشارع الحكيم إنما أمر بما أمر به لتحقيق غرضه، وهذا النكاح لا يتحقق منه الغرض.
الثالث: أن هذا النكاح أصبح وسيلة من وسائل انتشار العقود الباطلة بالإجماع، لأنه إذا أجزنا النكاح بنية الطلاق صار الناس يتوسعون بوجود نكاح بنية الطلاق بلا ولي ولا شهود ولا استيفاء الشروط الباقية كما هو مشاهد، والعمل الذي أصله مباح إذا أدى إلى مفسدة محرمة صار محرماً، كيف والنكاح بنية الطلاق ليس من الأعمال المباحة، بل هو محرم عند هؤلاء.
القول الثاني: ذهب إليه الإمام مالك وبطبيعة الحال الشافعي، لأن الشافعي رجل يأخذ بالظواهر والإمام أبو حنيفة، فالأئمة الثلاثة ذهبوا إلى هذا واختاره من المحققين ابن قدامة.
واستدل هؤلاء بأن النكاح بنية الطلاق نكاح، وليس على الإنسان إذا أراد أن يتزوج ليس عليه أن ينوي حبس امرأته إلى الأبد، هذه النية ليست واجبة، فإذا تزوج زواج شرعي فالزواج صحيح نوى التطليق بعد مدة أو لم ينوي، هذا هو دليل الجمهور.
تأملت أنا هذه المسألة مراراً وتكراراً وأعدت فيها النظر وظهر لي بوضوح أن النكاح بنية الطلاق متعة ليس بينه وبين نكاح المتعة أي فرق، إلا فرق ليس له قيمه وهو عدم التصريح بالشرط، وأي قيمة لهذا الشرط، ومن العجيب أن نكاح المتعة في القديم كان يتخذ كثيراً في السفر، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أباح نكاح المتعة كانوا في سفر في مكة، والآن النكاح بنية الطلاق إنما يستخدم في السفر، فبينهما تطابق من وجهة نظري كبير، ويظهر لي الآن بجلاء أنه متعة إنما خلي عن الشرط، وأتعجب في الحقيقة من ذهاب الجماهير إلى الجواز كما تعجب شيخ الإسلام من ابن قدامة حيث أشار إلى الجواز مع أن المذهب كله على المنع، وفتاوى الإمام أحمد على المنع، وسئل عن الرجل يذهب إلى خرسان ليتزوج ثم يطلق إذا أراد أن يخرج من خرسان، وقال: هذا متعة، فإذا تأمل الإنسان وهي مسألة خلاف على كل حال والخلاف فيها قوي جداً، لكن يظهر لي بوضوح أن النكاح لمن عزم على الطلاق بعد مدة عينها أنه متعة، ولا يفترق عن المتعة بأي شيء في حقيقته، وإنما يفترق عنه في ظاهره، وهو قضية التصريح بالشرط أو عدم التصريح بالشرط، وهي قضية ليس لها أي قيمة من وجهة نظري، ومما يؤيد المنع أن دائماً نقرر في المسائل كثيراً أن العبرة بالمعاني والمقاصد، وليست العبرة بالألفاظ والمباني، وإذا أردنا أن نعتبر هذا العقد اعتبار، وننظر إلى المقاصد منه، وجدنا أن المقصد منه يتوافق مع المتعة، فإذا كنا نرى أن هذه القاعدة صحيحة وطبقناها على هذه المسألة نتج عن ذلك المنع، أعود وأقول هي مسألة خلاف والخلاف فيها قوي بل الجمهور يرون الجواز ولكن هكذا ظهر لي بعد التأمل.
فصل
يعني في الشروط الفاسدة في نفسها التي لا تفسد العقد، وذكر الشيخ رحمه الله تعالى أمثلة، ويلاحظ أن الشيخ رحمه الله لم يذكر ضابطاً لهذه الشروط، كما أنه لم يذكر ضابطاً للشروط الفاسدة المفسدة، أما الشروط الفاسدة المفسدة فله عذر أنه لم يذكر ضابط، لأن الحنابلة يرون أن الشروط الفاسدة المفسدة تنحصر في أربعة عقود وهي السابقة (الشغار والمتعة والتحليل والمعلق بشرط) فقط، ولذلك لم يذكر لها ضابطاً لكن من وجهة نظري وهذا عوداً للمسألة السابقة لو أن الشيخ الماتن رحمه الله صرح بأسمائها المشهورة فقال نكاح الشغار، نكاح التحليل لكان أوضح لطالب العلم وأظهر في بيان الحكم.
نرجع المهم الآن إلى الشروط الفاسدة التي لا تفسد العقد، لم يذكر لها الشيخ ضابط، والسبب في ذلك والله أعلم ما أشار إليه ابن القيم وهو أن الفقهاء عندهم اضطراب شديد في شروط الصحة والشروط الفاسدة، وأنهم لم ينضبطوا في تقرير ما هو الشرط الصحيح والشرط الفاسد، وأشار إلى ضابط جميل جداً وفي الحقيقة سنلاحظ أننا إذا طبقنا هذا الشرط يصدق في الأمثلة التي ستذكر وغيرها.
يقول الشيخ في الضابط: أن كل ما جاز عمله بلا شرط صار لازماً بالشرط.
وستأتي الأمثلة الموضحة لهذا الضابط الجميل من الشيخ ابن القيم.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن شرط ألا مهر لها)
إذا شرط ألا مهر لها فإن الشرط باطل والعقد صحيح.
أما الدليل على بطلان الشرط فلأن هذا الشرط يتنافى مع مقتضى العقد، ويبطل ما كان واجباً في أصل العقد، وإذا كان بهذه المثابة فهو فاسد.
وأما الدليل على صحة العقد مع بطلان الشرط فهو أن الشرط أمر إضافي خارج عن حقيقة العقد فإذا بطل بقي العقد صحيحاً، وهذا الدليل للحنابلة هو دليل لكل الشروط اللاحقة.
يقول الشيخ: وإن شرط ألا مهر لها، عرفنا الآن أن الحنابلة إذا شرط ألا مهر لها أن الحكم بطلان الشرط وصحة العقد.
نحن الآن نريد أن نذكر التفصيل في بعض الشروط.
القول الثاني: أن الشرط والعقد كلاهما باطل.
واستدل هؤلاء بأن المهر من حقيقة العقد، لأن الله تعالى إنما أباح المحصنات بالمهر وقال:{وآتوهن أجورهن} فلما شرط الله للنكاح المهر عرفنا أنه من مقتضيات أصل العقد، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ومذهب المالكية والأحناف ووسع الدائرة شيخ الإسلام وقال المذهب أكثر السلف.
وهذا القول هو الصحيح ويدل على صحته أنا لو صححنا العقد بلا مهر، لصار هذا النكاح يشبه الهبة، والهبة أي جواز أن تهب المرأة نفسها للرجل خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول تنتفي الخصوصية، وكل قول يؤدي إلى انتفاء الخصوصية فهو دليل على ضعفه وخطئه.
إذاً الخلاصة نقول الصواب إن شاء الله أنه إذا اشترط ألا مهر فإن العقد أو الشرط فاسدان.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو لا نفقة)
يعني أو شرط الزوج ألا نفقة لها، إذا شرط الزوج ألا نفقة لها فالشرط باطل والعقد صحيح، والتعليل هو ما تقدم.
والقول الثاني: أن العقد والشرط صحيحان، فإذا اشترط أنه لن ينفق فالشرط صحيح.
واستدل هؤلاء بالنصوص العامة الآمرة بإيفاء الشروط واستدلوا أيضاً بأن هذا الشرط لا يتناقض مع مقتضى العقد، واستدلوا أيضاً بأن قاعدة أن الشرط إذا تنافى مع مقتضى العقد يبطل ليست بصحيحة، بدليل "أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لمن اشترى نخلاً بعد أن تؤبر، أن يشترط ثمر هذه النخل"، مع أن هذا الشرط يتنافى مع مقتضى العقد، لأن مقتضى العقد أنه يبقى ملك للبائع، ومع ذلك صحح الشارع هذا الشرط، وإلى هذا أشار ابن القيم، وبهذا قدح في هذا الأصل الكبير عند الحنابلة، وهو أن الشرط الذي يتنافى مع مقتضى العقد يصبح فاسداً، وهذا القول صحيح، وهو أنه لو شرط عليها أنه لن ينفق فإنه لا يجب عليه أن ينفق، لأنه لا يوجد دليل على اشتراط النفقة لصحة العقد.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر)
نأخذ الصورة الأولى، إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها فقال: أني قبلت النكاح بشرط أن يكون لك ليلة وللأخرى ليلتين، فهذا الشرط باطل عند الحنابلة والعقد صحيح، وعليه أن يقسم بالعدل ولو شرط هذا الشرط في العقد.
والقول الثاني: أن العقد والشرط صحيحان، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، وهي اشتراط عدم النفقة، ولو أردنا أن نطبق الضابط الذي ذكره ابن القيم يقول: أن ما كل ما جاز بذله بلا شرط يعني في الأصل صار لازماً بالشرط، وهل يجوز للمرأة أن تتنازل عن ليلتها للأخرى ابتداءً؟ يجوز، فإذا جاز أن تتنازل يجوز أن نلزمها بهذا التنازل من خلال الشرط، وهو في الحقيقة ضابط جيد بخلاف المهر، المهر لا يجوز لها هي أن تتنازل عنه ولا ابتداءً، ولذلك لم يصح الشرط الملزم بالتنازل عنه فهو في الحقيقة ضابط إن شاء الله مطرد.
يقول (أو أكثر) يعني أو أن يشترط الزوج أو أن تشترط الزوجة أن يقسم لها أكثر من ضرتها، فالشرط باطل والعقد صحيح، وهذا الحكم صحيح لأن الشرط في هذه المسألة باطل، لأن هذا الشرط يتضمن ظلم المرأة والاعتداء على حقها، ولذلك نقول هذا الشرط فاسد لأنه يتعارض مع نصوص الشرع، ولأن فيه اعتداء على حق الغير بخلاف الشرط الأول، فهو تنازل من المرأة، وإذا تنازلت عن حقها فلا حرج عليها، أما هذا الشرط فهو اعتداء على طرف ثالث، فلا يجوز إذا اشترطوا، وعليه أن يقسم بالسوية، وأيضاً إذا أردت أن تطبق ضابط ابن القيم تجده صحيح، هل يجوز للإنسان ابتداءً أن يفاضل بين نسائه؟ لا يجوز، إذاً لا يجوز أن يلزمه من خلال الشرط.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو شرط فيه خياراً)
أي شرط الزوج في النكاح خيار، فقال: تزوجت فلانة ولي الخيار لمدة شهر، فهذا الشرط باطل والعقد لازم وصحيح.
التعليل: ذكروا تعليلاً جميلاً في الحقيقة قالوا: أن هذا الشرط يؤدي إلى امتهان الحرائر، ووجه ذلك أنه يكشف عن المرأة ويستمتع بها ثم إذا بدا له قال اخترت الفسخ، وبهذا تمتهن الحرائر ويدخل عليهن الضرر.
واستدلوا بدليل آخر وهو ما تقدم معنا أن عقود المعاوضات لا يصلح فيها التعليق.
والقول الثاني: أن هذا الشرط صحيح وأن له هذا الخيار، وهو بمعنى الشروط، وتقدم معنا أن الشروط صحيحة، وأنه لا يوجد دليل على بطلان جنس الشروط ما لم تتعارض مع دليل شرعي، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم"، في الحقيقة هذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو من حيث التنظير الفقهي يشبه المسائل السابقة التي نقول أن الراجح فيها أن الشروط صحيحة، لكن تعليل الحنابلة أوجب لنوع من التوقف في الحقيقية، لأن كون النكاح يعلق بخيار، وتكون المرأة عرضة للابتذال والامتهان، وأنه بعد مضي الفترة المحددة في الخيار يختار الفسخ كل هذا يجعل الإنسان في الحقيقة يقوي مذهب الحنابلة، وهو أن اشتراط خيار لمدة معينة لا يجوز في العقد، كما أني أخشى أن يتخذ هذا الحكم ذريعة للمتعة، فبدل أن يقول متعة أو بنية الطلاق يقول لي الخيار، ثم نقول هذا الخيار لا يرد على الحنابلة مطلقاً لأن الزوج إذا قال تزوجت فلانة ولي الخيار مدة شهر، إن كان ناوياً الطلاق فهو عند الحنابلة باطلاً، إذاً هذه المسألة عند الحنابلة تتنزل على زوج ناوي الطلاق، إذاً هي لا ترد على مذهب الحنابلة، لكنها ترد وبقوه على مذهب الذين يرون جواز النكاح بنية الطلاق، فيقول لي الخيار، وإذا أراد أن يرجع إلى بلده فسخ العقد وانتهى الموضوع، بل إنه هذا الحكم قد يستغل استغلال شنيع جداً لأنه سيأتينا أن من فائدة الشرط أن يكون الفراق على سبيل الفسخ لا الطلاق، وسيأتينا أن من فوائده أنه ما تحسب عليه طلقه، فهو أحياناً يتحرج لأنه كلما أراد أن يسافر لابد أن يطلق، ربما يسافر لبلد ثلاث مرات، وهو يريد هذه المرأة فتكون مطلقة ثلاثاً، فبدل ما يتزوج بنية الطلاق يتخذ الخيار، ويقول أنا لست على مذهب الحنابلة في النكاح بنية الطلاق، ولست على مذهبهم في مسألة الخيار، ويتركب من هذا أنه ممكن يتزوج الواحدة ويفارقها ولا نقول يطلقها عشرات المرات، فأقول ربما يستغل استغلال سيء، على كل حال نحن الآن يعنينا الحكم الفقهي، فهذا هو الحكم الفقهي أنه يبدو لي أن مذهب الحنابلة صحيح وقوي.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو إن جاء بالمهر في وقت كذا
…
)
إذا قال: إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا بطل النكاح، فإن الشرط يلتغي، والعقد صحيح، فتبقى زوجته، أتى بالمهر أو لم يأتي في الوقت المحدد، والسبب في إبطاله عند الحنابلة هو أن هذا نوع من التعليق، وتقدم معنا أن الحنابلة لا يرون صحة تعليق عقد النكاح على أي شرط.
والقول الثاني: أن هذا صحيح وأنه لا ينبني على القول بهذا الشرط أي محذور، ولذلك نقول لذا قال إن أتيت بالمهر إلى مدة كذا وإلا فالنكاح باطل، صحيح، فإن لم يأت به فسخ النكاح، وفي هذا مصلحة للمرأة وللولي وللزوج وليس فيه أي مفسدة.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن شرطها مسلمة .. )
وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية فله الفسخ.
والتعليل أنها إذا بانت كتابية دخل عليه الضرر وعلى ولده، كما أن الكتابية أنقص في المعنى من المسلمة، وهو اشترط مسلمة فصارت كتابية، وأما العكس، إذا اشترط كتابية فبانت مسلمة فليس له الخيار ولا الفسخ، لأنه شرط شرطاً فجاءه خير من شرطه.
والقول الثاني: أنه إذا شرطها كتابية فجاءت مسلمة له الخيار، وعللوا هذا بأنه ربما أراد ألا تنشغل بأداء العبادات.
والراجح أن له الخيار، إلا أن هذا التعليل في الحقيقة سيء وغير مقبول، تصحيح هذا التعليل كيف يكون من مقاصد المسلم أن يحضر من لا يتعبد الله، لكن لماذا نصحح مع إبطال هذا التعليل، لأنه ربما يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يريد هذه المرأة لعمل فيه إهانة وامتهان، ولا يريد أن تكون مسلمة، رفعة للمسلمة حينئذ شرطه صحيح وله الخيار.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو شرطها بكراً أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح)
يعني فبانت خلاف ذلك فله الفسخ، هذه الشروط الأربعة إذا اشترطها فبانت المرأة بخلاف هذه الشروط فله الفسخ.
واستدل الحنابلة على هذا بأن هذه الشروط شروط مقصودة مرغوبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"المسلمون على شروطهم"، وإذا كانت هذه الشروط مقصودة ومرغوبة فإن تخلفها يعطي الزوج الحق في الفسخ.
والقول الثاني: أنه إذا شرطها جميلة أو بكراً أو نسيبة وتبين أنها ليست كذلك فلا خيار له، واستدلوا على هذا بأن فسخ النكاح إنما يكون بالعيوب التي توجب الفسخ وهي ثمانية فقط، وليست هذه منها، كما أن هذه الصفات صفات كمال وليست نقص في العيب، فإذا تخلفت لم يؤدي هذا إلى إبطال العقد.
والراجح بلا شك ولا إشكال أنه إذا تخلفت هذه الشروط فإنه له حق الفسخ، لأن هذه الشروط شروط مقصودة فيها نفع ظاهر للزوج، إلا أنه ينبغي التأكيد على أن اشتراط أن تكون جميلة أنه اشتراط غير دقيق ويؤدي إلى النزاع، لأن ما معنى جميلة؟ أولاً لا يوجد جميلة إلا ويوجد من هي أجمل منها، وهذا الأمر سهل، الأمر الآخر وهو أصعب أنه قد تكون المرأة جميلة جداً في نظر شخص وفي نظر الآخر ليست بجميلة، والحل من وجهة نظري أن يجعل الضابط فلان، يقول جميلة بنظر فلانة ممن يثق هو برؤيتها، ويثق أيضاً بتقديرها للجمال، المهم أن تضبط، أما أن يشترط أن تكون جميلة هذا أمر لا يمكن ضبطه، ويستطيع أن يفسخ مهما كانت المرأة توصف بالجمال، كما أن هذا الشرط يدل على قوة القول باستحباب النظر إلى المرأة، لأنه مع النظر إلى المرأة لا نحتاج إلى أن نشترط أنها جميلة، ولا يستطيع هو أن يفسخ لأنه سبق أن رآها وعرف هل هي جميلة أو ليست بجميلة.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها)
المرأة إذا عتقت تحت الحر فلا خيار لها، بل هي ملزمة بالبقاء معه.
واستدلوا الجمهور على هذا الحكم بدليلين:
الأول: أنها بكونها حرة أصبحت مساوية له في المنزلة، يعني للزوج، ونحن الآن نتكلم عن الأمة تحت الحر، فإذا عتقت تساوت هي وإياه في المنزلة فلا تملك الفسخ.
الثاني: حديث عائشة أن بريرة رضي الله عنها وأرضاها لما عتقت اختارت الفسخ، قالت عائشة: وكان زوجها عبداً ولو كان حراً لم تمكن من الفسخ.
القول الثاني: أن الأمة إذا عتقت خيرت سواء كان زوجها حراً أو عبداً، واستدلوا برواية لحديث بريرة أن زوجها كان حراً، والصواب إن شاء الله أن الزوج كان عبداً وإلى هذا مال الإمام البخاري، وأن هذه الرواية أصح الروايات، وبهذا عرفنا أن دليلهم الأول ضعيف.
الدليل الثاني: أن علة تخيير المرأة أنها زوجت وهي أمة، لا تملك من أمرها شيئاً تصرف فيها سيدها، فلما ملكت رقبتها خيرت، وهذا نصره جداً ابن القيم ورأى أنه مأخذ قوي جداً ورجح هو وشيخ الإسلام هذا القول وهي أنها لها الحرية في الاختيار، سواء كان الزوج حراً أو عبداً.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة ومن وجهة نظري أن اختيار الشيخ وتلميذه رحمهم الله ضعيف، السبب في ضعفه من وجهين:
الأول: أن عائشة وهي أعرف الناس بقصة بريرة لأنها هي التي دفعت قيمة المكاتبة وعلى علم بأوضاعها وأحوالها، أخبرت أن زوجها لو كان حراً لم تمكن من الاختيار، هذا أولاً.
ثانياً: أن التعليل الذي ذكره ابن القيم ضعيف، وجه ضعفه أن هذه الأمة زوجت قسراً في حال يبيح الشارع تزويجها عليه، كما أن الصغيرة التي يجوز لوليها أن يجبرها على النكاح إذا كبرت وذهب وصف الصغر ليس لها خيار، كذلك هذه الأمة إنما زوجت قهراً بموجب الشرع وبإذن الشارع، فإذاً لا معنى لتخييرها بعد ذلك، لهذين الدليلين أقول إن اختيار أن القول الثاني ضعيف وأن مذهب الحنابلة في هذه المسألة قوي وأنها إن عتقت وزوجها حر فليس لها الخيار بل تبقى زوجة له.
قال المؤلف رحمه الله:
(بل تحت عبد)
يعني بل تخير تحت عبد، إذا عتقت تحت عبد فإنها تخير بلا إشكال بالإجماع والنص، فإن حديث بريرة فيه أنه كان عبداً، كما أن أهل العلم أجمعوا على أنها إذا عتقت صارت أعلى منه منزلة وفقد شرط المكافأة، ولابد أن تختار لنفسها البقاء مع هذا العبد أو الانفصال.
قال المؤلف رحمه الله:
(فصل ومن وجدت زوجها مجبوباً
…
)
هذا الفصل أراد المؤلف أن يبين فيه العيوب التي ينبني عليها جواز الفسخ من الزوجين، وهذه العيوب عند الحنابلة وعند الأئمة الأربعة معدودة وليست مضبوطة، يعني لا تؤخذ بضبطها بقاعدة معينة وإنما هي معدودة، منهم من يقول أنها ثمانية ومنهم من يقول ستة ومنهم من يزيد أو ينقص وهذه العيوب تنقسم إلى ثلاث أقسام:
عيب يختص بالرجل، وعيب يختص بالمرأة، وعيب مشترك بين الرجل والمرأة، ومفهوم عبارة الحنابلة أن ما عدا هذه العيوب الثمانية لا يجوز ولا يمكّن لأحد من الزوجين الفسخ إذا وجدت في الآخر.
والقول الثاني: أن العيوب التي تمكن أحد الزوجين من الفسخ مضبوطة وليست معدودة، يعني مضبوطة بقاعدة معينة.
((الآذان))
قلت والقول الثاني أنه مضبوطة وضبطها ابن القيم بقوله أن كل عيب يؤدي إلى نفرة أحد الزوجين من الآخر ومنع الاستمتاع على الوجه المطلوب فهو من العيوب التي يفسخ بها النكاح، وهو أيضاً ضابط جيد، ويتوافق مع مقاصد الشرع، لكن يبقى أن ننظر هل أحد وافق الشيخ على هذا التعميم، أو أن هناك إجماع على حصر العيوب بعيوب معينة، هذه القضية تحتاج تحرير فقط لا يكون هناك إجماع.
بدأ المؤلف رحمه الله بالعيوب الخاصة بالرجل يعني بالزوج وهي كما قلت عيوب تؤدي إلى الفسخ.
قال المؤلف رحمه الله:
(ومن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ)
الجب عند الفقهاء هو: قطع الذكر أو قطع ما لا يتمكن معه من الجماع، وهو عيب في الزوج يخول المرأة الفسخ.
واستدلوا على هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم روي عنهم آثار في العنة، والجب أعظم من العنة، لأن العنة كما سيأتينا هي عيب مع بقاء الذكر، بينما الجب هو عيب مع فقد الذكر.
الدليل الثاني: أنه مع كون الزوج مجبوب لا تتحقق مقاصد النكاح من الاستمتاع والاستعفاف وحصول الولد، ولهذا اعتبره الفقهاء من العيوب التي تبيح للزوجة الفسخ.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن ثبتت عنته
…
العيب الثاني: العنة أن يكون عنيناً والعنة هي: أن لا يتمكن الزوج من الإيلاج بسبب عدم الانتشار.
ومقصود الحنابلة وغيرهم من الفقهاء إذا كان هذا عيباً ومرضاً ثابتاً، أما إذا لم يتمكن من الجماع لمرض أو لعلة عارضة فإن هذا لا يبيح الفسخ للمرأة.
البحث الثاني: أن العنة تثبت الخيار للمرأة لأمرين:
الأول: أنه روي عن أصحاب النبي منهم علي وعمر وابن عباس.
الثاني أنه لا يحصل مع العنة مقاصد النكاح كما تقدم في المجبوب، وتأتي المباحث لاحقاً إن شاء الله.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
الدرس: (8) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تحدثت بالأمس عن العيب الثاني من العيوب الموجبة أو المخولة لفسخ النكاح وهي من عيوب الرجل. العيب الثاني هو: العنة، وأخذنا بالأمس تعريفه، وأنه يعتبر عيب عند جميع الأئمة إلا من شيخ، استدلالا بالآثار الثابتة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلالا بكونه يفقد العقد الحدث الذي من أجله أنشئ وهو الاستمتاع وتحصيل الذرية والسكن وغير ذلك مما يقصد بعقد النكاح.
المسألة الثانية: بماذا يثبت؟ وهي التي أشار إليها المؤلف، تثبت العنة بأحد ثلاثة أمور: الأول الإقرار، والثاني البينة، والثالث النكول، إذا فقدت هذه الثلاثة فإنه لا قيمة لدعوى المرأة بأن الزوج عنين، لابد أن تثبت ذلك إما ببينة أو هو يقر أو يقر وتشهد على إقراره أو تتوجه إليه اليمين وينكل عنها، فبالنكول يقضى عليه، فهم من هذا كما قلت أنه لا يوجد طريقة أخرى لإثبات العنه سوى هذه الطرق التي ذكرها المؤلف.
والقول الثاني: أنه إذا لم نتمكن من إثباتها بهذه الطرق، فإن القاضي يختبر الزوج اختبار مباشر عن طريق وضعهما في غرفة واحدة، وطلب من الزوج أن يريق الماء على الفراش، فإذا أراق الماء وحكم أهل الخبرة أنه ماء الرجل بطلت دعوى المرأة، والأقرب والله أعلم المذهب، وذلك لأن استخدام مثل هذه الطريقة يفضي إلى منازعة شديدة بين الزوجين، ويفضي إلى مفاسد أخرى.
المسألة الثالثة: بماذا يزول أو تزول العنة؟ ذهب الحنابلة إلى أن العنة تزول بإيلاج الحشفة، رأس الذكر، ولا يشترط إيلاج سائر الذكر، وعلى هذا جمهور الحنابلة، واستدلوا على هذا بأن هذا القدر من الجماع يبيح الزوجة لزوج آخر، ويتقرر بها المهر، فكذلك تزول بها العنة.
والقول الثاني: أنه لا تزول إلا بإيلاج جميع الذكر في فرج المرأة، وقالوا أنه بهذا نتحقق من الانتشار التام والوطء التام، والقول الثاني فيه ضعف، والصحيح إن شاء الله مذهب الحنابلة، لما ذكروه من تنظير بقضية استقرار المهر وحل الزوجة لزوج آخر إذا كانت مطلقة ثلاثاً.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن ثبتت عنته بإقراره أو بينة على إقراره)
هذه هي المسألة الرابعة: أن العنين إذا ثبتت عليه العنة يؤجل لسنة، والدليل على هذا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم بتأجيل العنين لمدة سنة بمحضر من الصحابة، ولم يعترض عليه أحد، فهو أشبه ما يكون بإجماع الصحابة، والمقصود بالسنة يعني الهلالية، ولا يحكم عليه قبل مضي السنة يعني بالفسخ.
قال المؤلف رحمه الله:
(أجل سنة منذ تحاكمه)
يعني أن بداية حساب السنة يكون من التحاكم للقاضي لا من الدعوى ولا من العقد، وإنما من حين التحاكم، فإذا صدر الحكم بدأنا بحساب السنة، والدليل على هذا أيضاً أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن ظاهره أن السنة حسبت من حين حكم عليهم، كما أن في بعض الآثار التصريح في بعض الروايات عن عمر بن الخطاب بأن السنة حسبت بعد المحاكمة.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن وطء فيه وإلا فلها الفسخ)
يعني إذا مضت السنة ولم يطأ طيلة السنة ولا مرة واحدة فإن لها الحق في الفسخ، وهذا هو ثمرة إثبات العيوب المخولة للزوجة بالفسخ، وذهب الجمهور إلى أن هذا الحق يثبت على التراخي وليس على الفور، فإذا سكتت بعد السنة فلها أن تطالب بعد مضي شهر أو شهرين أو ثلاثة بحقها بالفسخ إذا لم يطأ، فهو أمر يثبت على التراخي لا على الفور، ربما رأت المرأة الانتظار أكثر من ذلك، وربما رأت أن تختبر نفسها هل تستطيع الصبر مع مثل هذا الزوج، أو لأي حكمة أخرى، على كل حال هو عند الجمهور على التراخي وهذا هو الصواب، والتعليل أنه على التراخي لأن التراخي في هذه المسألة لا يسقط حقها ولها أن تطالب متى شاءت بحقها في الفسخ إذا لم يطأ في أثناء هذه السنة.
قال المؤلف رحمه الله:
(وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين)
إذا اعترفت أنه وطئها يعني ولو مرة واحدة والسبب في ذلك يعود إلى تعليلين:
التعليل الأول: أنه بوطئه ولو مرة واحدة تحققنا أنه ليس بعنين، وقد أشر بالأمس إلى أن مقصود الفقهاء بكون الزوج عنين يعني أن يكون هذا صفة له دائمة وليست عارضة، فإذا وطء ولو مرة واحدة بانتشار دل هذا على أنه ليس بعنين.
التعليل الثاني: أنه بهذا الوطء حصل مقصود المرأة وهو استقرار المهر، فإذا وطء مرة لا تملك المرأة المطالبة بعد ذلك بدعوى أنه عنين، المطالبة بالفسخ بدعوى أنه عنين.
القول الثاني: وهو الذي تبناه فقيه أبو ثور أنه إذا وطء مرة ثم لم يتمكن من الوطء مرة أخرى وأصيب بالعنة بعد ذلك أن لها أن تطالب، واستدل على ذلك بأن الضرر موجود، وبأن الحكم يدور مع علته والعلة هي عدم التمكن من الوطء بسبب عدم الانتشار، وهي موجودة بهذه الصورة، والراجح إن شاء الله القول الثاني، لأن الضرر الحاصل بترك الوطء، ولو كان وطء مرة واحدة كالضرر الحاصل بترك الوطء من الأصل، فالأقرب إن شاء الله القول الثاني.
قال المؤلف رحمه الله:
(ولو قالت في وقت
…
)
إذا قالت المرأة في وقت من الأوقات رضيت به عنيناً سقط حقها، وظاهر كلام المؤلف سواء رضيت به قبل هذه السنة أو بعد السنة أو في أثناء السنة، والتعليل أنها أسقطت حقها باختيارها، فلا تستطيع بعد ذلك أن تستدرك هذا الحق، وإلى هذا ذهب الجماهير.
والقول الثاني: أنها إذا أسقطت حقها فلها أن ترجع فيه، وهو مذهب المالكية، وأضافوا إلى هذا أنها إذا رجعت عن إسقاط حقها فإنا لا نحتاج إلى أن نضرب له أجلاً مرة ثانية إذا كان ضرب له أجل في المرة الأولى، فالمالكية حفظوا حق المرأة بهذا القول، فهم يرون أنه لها أن تطالب ولا يشترط أن نعيد الكرة مرة أخرى ونؤجله لمدة سنة، وهذا القول الذي ذكره صحيح وقوي لما تقدم من أن هذا الحق يدوم ويطول، يعني قضية أن يكون عنيناً عيب يستمر، والعيوب التي تستمر للمرأة الرجوع عن التنازل بحقها، لما يدخل عليها من ضرر عظيم، ونحن نتحدث فيما إذا علمت بالعيب بعد العقد، أما إذا علمت بالعيب قبل العقد وعقد العقد وهي عالمة فإنها لا تملك الرجوع كما سيأتينا، إنما البحث الآن فيما إذا دخلت وعقد عليها ثم تبين لها أن فيه هذا العيب، حينئذ إذا رضيت فلها أن ترجع، أما إذا كان العقد عقد على هذا الأساس فليس لها أن ترجع، وبهذا انتهت العيوب المتعلقة بالرجل.
فصل
هذا الفصل اشتمل على القسم الثاني، والقسم الثالث، ومجموعة خلطها المؤلف أحياناً تكون من القسم الثاني، وأحياناً تكون من القسم الثالث، لكنه بدأ بالقسم الثاني وهو العيوب المتعلقة بالنساء، أو العيوب الخاصة بالنساء، فهذه العيوب تثبت الفسخ كما سيأتينا.
قال المؤلف رحمه الله:
(والرتق)
الرتق هو: أن يكون الفرج مسدوداً لا مسلك فيه للذكر، بمعنى أن يكون ملتصق، وإنما قالوا مسدوداً أي ملتصقاً حتى يخرجوا العيوب اللاحقة، لأن الامتداد فيها ليس بالالتصاق وإنما بأمر آخر، إذاً الرتق هو أن يكون الفرج ملتصق، ومسدود بهذا السبب، لا يوجد به مسلك للذكر.
قال المؤلف رحمه الله:
(والقرن)
القرن هو لحم يحدث في الفرج يمنع من الإيلاج، وقيل أن القرن هو عظم يكون في الفرج يمنع من الإيلاج، لكن كثير من أهل العلم يقولون أنه لحم، لأنه لا يكون عظم في فرج المرأة وإنما يكون لحم، فقطعة اللحم الموجودة في الفرج حالت بين الزوج وبين الجماع وهذا العيب الثاني.
قال المؤلف رحمه الله:
(والعفل)
العفل قيل أنه أيضاً لحمة تسد الفرج، وقيل أنه ورم يكون في الفرج يمنع من الإيلاج، ومن المعلوم أن هناك فرق بين الورم وبين اللحم، وقيل أنه رغوة تمنع من تمام اللذة، ففسر بأحد ثلاثة تفسيرات، وعلى كل حال على كل من التفسيرات يعني سواء فسرناه بالتفسير الأول أو الثاني أو الثالث فهو عيب، كما صرح الحنابلة بأن اختلاف تفسيره لا يرفع الحكم بإحدى التفسيرات، فإذاً هو عيب على أي تفسير فسرته إياه، لكن يقرب والله أعلم أنه ورم، حتى لا يكون نفس القرن، ومعلوم أنه تقدم معنا لغة العرب الأصل فيها كل مفردة منها تحمل معناً مغايراً، وكوننا نفسر العفل بأنه مثل القرن كما يذهب إليه بعض الحنابلة فيه بعد، ولكن نفسره بأنه ورم.
قال المؤلف رحمه الله:
(والفتق)
الفتق هو: انخراق ما بين السبيلين، يعني ما بين القبل والدبر، وقيل أنه انخراق ما بين مسلك الذكر ومخرج البول، يعني أنه انخراق في القبل فقط، والأقرب أنه يشمل هذا وهذا، فإن كان هناك انخراق سمي انخراقاً في القبل فقط، أو فيما بين القبل والدبر.
معنا الآن أربعة عيوب، الرتق والقرن والعفل والفتق، هذه العيوب الأربعة جاءت فيها آثار عن اثنين من الصحابة ابن عباس وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم، وأثبتا أن هذه من العيوب الموجبة للفسخ، فالدليل فيها الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الدليل الثاني: فهو الدليل المتبادر إلى الذهن والذي نعلل به سائر العيوب، وهو أن هذا العيب يمنع من الاستمتاع ويحول بين الزوج وزوجته، ولهذا أصبح عيباً يوجب الفسخ، فالاعتماد في الحقيقة على التعليل والأثر، واعتبار هذه الأربعة من العيوب أشبه ما يكون من مذهب جميع الأئمة.
يتبقى معنا مسألة وهي أنها بعض هذه العيوب اليوم قد تعالج علاج تام بحيث لا يكون لها أي أثر، ولا يشعر بها الزوج، ولا يعلم بها أصلاً، فهل نقول أنه باعتبار التقدم الطبي اليوم تعتبر هذه العيوب ليست بعيوب؟ أو نقول أنه ينظر إلى رأي الطبيب، هل تكون المرأة بعد العلاج كالمرأة السوية تماماً أو لا؟ فإذا أخبر أنها كالمرأة السوية تماماً، وأن الزوج لا يلمس أي فرق، فإنه ينبغي ألا تعتبر من العيوب، والأحسن والأوفق أن يكون العلاج قبل الزواج، على يد امرأة جراحة ثقة، لكي تخرج المرأة من الفسخ بهذا العيب من قبل الزوج، فالأولى أن يكون العلاج قبل الدخول.
قال المؤلف رحمه الله:
(واستطلاق بول ونجو وقروح سيالة في فرج
…
)
هذه ثلاثة استطلاق بول ونجو، وقروح سيالة في الفرج، وباسور وناسور.
استطلاق البول هو أن لا تتمكن من حبسه متى أرادت، وكذلك استطلاق النجو، فإذا لم تتمكن من حبسه متى أرادت فإنه عيب.
يقول وقروح سيالة في فرج، يعني أن يوجد في فرج المرأة قروح سيالة، يخرج منها إما دم أو صديد.
والباسور والناسور هما داءان يصيبان المقعدة معروفان، بالنسبة لاستطلاق البول والنجو هذا مشترك بين الزوج والزوجة، وبالنسبة للقروح السيالة في الفرج صرحوا أنها خاصة بالمرأة، وبالنسبة للباسور والناسور مشترك بين المرأة والرجل، هذه الثلاثة أمراض اختلف فيها الفقهاء، فذهب الحنابلة كما ترون إلى اعتبارها من العيوب الموجبة للفسخ، واستدلوا على هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن مثل هذه العيوب تسبب تقزز الرجل وكراهيته.
الدليل الثاني لهم: أن هذه العيوب تمنع من الاستمتاع الذي يقصد بالنكاح.
القول الثاني: أن هذه العيوب لا توجب الفسخ واستدلوا بأمرين:
الأمر الأول: أن هذه العيوب لم تذكر في الآثار وليست محل إجماع بين أهل العلم.
الثاني: أن بعض هذه العيوب لا يمنع من الاستمتاع.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، وهو اختيار ابن القيم، وقد تكون بعض هذه الأمراض أبلغ من الأمراض المتفق عليها، فمثلاً وجود الجروح البليغة في الفرج أصعب وأشق من الرتق، لأن الرتق بالإمكان فتحه وتصبح المرأة بعد فتحه كأي امرأة أخرى، بينما هذه الجروح لا يمكن الجماع معها لما تسببه كما قال الحنابلة من النفرة، كما أنها تمنع من الاستمتاع بالكامل، أضف إلى هذا أن غالباً إذا جامع الزوج زوجته، وهي كذلك أنه لا يسلم من الأمراض والعدوى، فما اختاره ابن القيم وجيه جداً في هذه الأمراض، على أن في الحقيقة هذه المباحث ضعيفة اليوم بسبب التقدم الكبير في الطب، مما يعني لا يكاد يصمد أمامه مرض ثابت، إلا الأمراض التي ليس لها علاج.
قال المؤلف رحمه الله:
(وخصى وسل ووجاء)
الخصاء والسل والوجاء هذه خاصة بالرجل، فالخصاء قطع الخصيتين، والسل هو استلالهما يعني الخصيتين مع بقاء الجلد، والوجاء هو رض الخصيتين، والخلاف في هذه الثلاث أيضاً واحد، فالقول الأول: وهو مذهب الحنابلة كما ترى أنها من العيوب الموجبة للفسخ، واستدل الحنابلة على هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن الرجل إذا خصي صار ضعيفاً في الجماع، مما يمنع الاستمتاع التام من قبل المرأة.
ثانياً: أن المخصي لا يمكن أن ينجب، وكذلك السل والوجاء.
القول الثاني: أن هذه العيوب لا توجب الفسخ واستدلوا على هذا أيضاً بأمرين:
الأمر الأول: أن الخصاء ليس في معنى الجب ولا العنة، بل هو يجامع كما يجامع أي رجل.
الدليل الثاني: وهذا أيضاً ذكره بعض الحنابلة، أن المخصي قد يكون أقوى في الجماع من غيره، ووجه ذلك عندهم أن المخصي يجامع ولا يريق الماء الذي يحصل بسببه الضعف، لأنه لا ماء عنده، فهذا الفريق وهو أيضاً بعض الحنابلة يعكس الدليل فيقول أن الخصاء من أسباب زيادة الاستمتاع، بخلاف الفريق الأول الذين يرون أن الخصاء من الأشياء التي تضعف الاستمتاع، في الحقيقة الفصل بينهما يحتاج إلى طبيب، لكن بالنسبة للترجيح الراجح مذهب الحنابلة، والسبب في هذا عدم وجود الذرية، فلو سلمنا لبعض الحنابلة وغيرهم أنه لا يقدح في الاستمتاع أو لا يضعف الاستمتاع، إلا أن عدم وجود الذرية هو بحد ذاته موجب للفسخ.
الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أيضاً اختيار الشيخ ابن القيم.
قال المؤلف رحمه الله:
(وكون أحدهما خنثى واضحاً)
إذا كانت خنثى غير مشكل وإنما واضح فهو مما يجيز للآخر الفسخ، وأما الخنثى المشكل فلا نحتاج للكلام عنه لأنه لا يصح نكاحه عند الحنابلة.
الفسخ بالخنثى الواضح محل خلاف أيضاً، فالحنابلة يرون أنه يفسخ به لأنه لا يتم الاستمتاع به بسبب كونه خنثى وتردد الطرف الآخر في حقيقة المقابل.
والقول الثاني: أنه إذا كان خنثى واضح وليس بمشكل ويقوم بما عليه من واجب سواء كان الرجل أو المرأة فإن الآخر لا يحق له الفسخ، لأن الاستمتاع المقصود بالعقد موجود، وفي الحقيقة الأقرب أيضاً مذهب الحنابلة، لأنه يبقى الإنسان لم يتمكن مع ما يوصف به الآخر من أنه خنثى من الاستمتاع على الوجه الكامل.
انتهى الشيخ رحمه الله من القسم الثاني، ومن القسم المشترك هذا الذي المؤلف لم يرتبه بحيث يكون تبع النساء ولا المشترك، وانتقل إلى القسم الثالث وهو المشترك عند جميع أهل العلم، ولو أن الشيخ أخذ الأشياء المشتركة من القسم الثاني ووضعها مع الأشياء المشتركة من القسم الثالث لكان أولى، لكن الشيخ لعله أراد أمر آخر وهو حسن الترتيب، لأن استطلاق البول والقروح والباسور أمراض متشابهة، وإن كان بعضها مشتركاً وبعضها خاصاً، لكنه متشابه وبذلك جعلها مع بعض لكن الآن هو بدأ بالقسم الثالث:
قال المؤلف رحمه الله:
(وجنون ولو ساعة)
الجنون من العيوب المشتركة، فقد تكون الزوجة مجنونة، وقد يكون الزوج مجنوناً، وقول الشيخ الجنون ولو ساعة يعني أنه لا يشترط في الجنون يكون مطبقاً، فإذا كان ينتابه ويرتفع عنه فإنه عيب يفسخ به النكاح، واستدل الحنابلة على هذا بأن المجنون ولو أحياناً يخشى من ضرره هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن النفس لا تركن إلى من هذه حالة، وهذا تعليل لطيف من الحنابلة، صحيح إذا علم أنه قد يجن فإن النفس لا تركن إلى اتخاذه زوجاً أو زوجه، وهذا لا إشكال فيه إن شاء الله، وهو ثبوت حق الفسخ بالجنون ولو كان عارضاً.
قال المؤلف رحمه الله:
(وبرص وجذام)
البرص والجذام من الأمراض التي تعد عيوب مشتركة للزوج والزوجة، والدليل على هذا من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن في كل منهما ما يؤدي إلى النفرة وعدم السكون.
الثاني: وهو خاص بالبرص، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ولما وضعت ثيابها رأى في كشفها بياضاً، فقال: خذي عليك ثيابك والحقي بأهلك صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع ذلك، هذا بالنسبة للبرص، بالنسبة للجذام استدلوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الفرار فالفسخ من باب أولى، أضف إلى هذا أن الجذام معدي بخلاف البرص، فهو علة خاصة بالجذام، أضف إلى هذا كله وهو من أهم الأدلة أن اعتبارها عيوب مروي عن عمر بن الخطاب وعن ابن عباس، فكما ترى الأدلة الدالة على ذلك كثيرة جداً، فهذه العيوب تثبت الخيار في الفسخ سواء كانت بالمرأة أو كانت بالرجل.
قال المؤلف رحمه الله:
(يثبت لكل واحد منهما الفسخ)
هو عندك هنا يقول بكل واحد منهما فتعدلونها لتكون منها.
يرى الحنابلة أن الفسخ يثبت بكل واحد من هذه العيوب، ويرون أن هذا الحق محصور في هذه المعدودات لا يتعداها إلى غيرها، بناءً على هذا العمى ليس بعيب، والعرج ليس بعيب، والقرع وكل عيب لم يذكر ليس بعيب، يعني ليس بعيب يستطيع أحد الزوجين الفسخ به، وتقدم معنا الخلاف بهذه المسألة وأن اختيار ابن القيم أن العيوب محدودة وليست معدودة، وأن الضابط أن كل مرض يؤدي إلى عدم الاستمتاع والنفرة فهو موجب للفسخ، تحدثنا عن هذا إذاً كل مرض أولى من هذه الأمراض فهو أحق بالحكم، فمثلاً الأمراض الجنسية المعاصرة، الإيدز والهربس وما شاكل هذه الأمراض، بلا شك أنها أعظم من الأمراض التي ذكرها الفقهاء، فهي أمراض خطيرة جداً ومعدية مباشرة وقبيحة، كما أنها بالذات هذه الأمراض غالباً ما تكون دليل على رقة دين صاحبها، لأنها تكون بسبب الممارسات الممنوعة، فأي فقيه يرى أن مثل الإيدز ليس بعيب تستحق المرأة معه الفسخ أو الرجل إذا كان في أحد منهما، هذا لا يقوله فقيه لكنهم رحمهم الله لم يعرفوا إلا هذه الأمراض فحصروها ووجدوا أن الصحابة نصوا عليها، فهم أيضاً تمسكوا بهذه الآثار واعتبروها معدودة، وإلا لا شك أن ما ذكره ابن القيم وجيه جداً، والأمراض المعاصرة تؤكد وتجعل الأمر أشبه ما يكون بالقطعي.
قال المؤلف رحمه الله:
(ولو حدث بعد العقد)
إذا حدث المرض بعد العقد، يعني رجل تزوج امرأة وهو سليم تماماً ثم أصيب بأحد الأمراض الموجبة للفسخ، فالحكم أنها تملك الفسخ عند الحنابلة، واستدلوا على هذا بأن هذا العيب عيب يوجب الفسخ وجد في أحد الزوجين فاقتضى حكمه، هذا كلام صحيح أنه عيب يوجب الفسخ وجد في أحد الزوجين فاقتضى حكمه وهو الفسخ.
القول الثاني: أن العيب إذا حدث بعد العقد فإنه لا يوجب الفسخ، واستدلوا على هذا بالقياس على البيع فإن الإنسان إذا اشترى السلعة ثم حدث فيها عيب فبالإجماع لا يردها إلى صاحبها، قالوا فكذلك أحد الزوجين، لأن النكاح عندهم من عقود المعاوضات.
والقول الثالث: أن العيب إذا حدث في المرأة فإن الزوج لا يملك الفسخ، لأنه يملك الطلاق، وإن حدث في الزوج فإن المرأة تملك الفسخ، لأنه لا سبيل لها إلى المفارقة إلا بالفسخ، والراجح والله أعلم المذهب وهو أن الحق يثبت بكل منهما لأن الشارع جعل هذا العيب موجب للفسخ سواء وجد قبل أو بعد.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو كان بالآخر عيب مثله)
إذا كان في كل منهما عيب مساوي للآخر، كل منهما أبرص، أو كل منهما مجذوم، فالحكم عند الحنابلة أنه يثبت لكل منهما الحق في الفسخ، واستدلوا على هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن الإنسان قد يكره العيب في غيره ولا يكرهه في نفسه.
الثاني: أن العيب الموجود في الآخر موجب للفسخ، والعيب الموجود عند أحدهما لا يمنع هذا الفسخ، أو بعبارة أوضح أن العيب الموجود في الزوجة مثلاً يوجب الفسخ، ووجود هذا العيب في الزوج لا يرفع هذا الحق.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه إذا كان كل من الزوج والزوجة مصابان بنفس العيب أنه لا يملك أحد منهما الفسخ، واستدلوا على هذا بأنهما متساويان ليس لأحدهما الحق على الآخر.
والراجح المذهب لأن كون أحدهما يرضى بهذا العيب لا يرفع حق الآخر.
مسألة: إذا كان في كل منهما مرض مختلف فالحكم نفسه، أن لكل منهما الفسخ فإذا كان أحدهما أبرص والآخر أجذم فلكل منهما الحق في الفسخ، ويستثنى من هذا مسألة واحدة ونستطيع أن نضع لها قاعدة، نستثني من هذا إذا كان العيب ليس هو المانع من الوطء، مثل أن تكون هي رتقاء وهو مجبوب، فلا الذي منعه من الجماع أنها رتقاء ولا الذي منعها من الجماع أنه مجبوب، فحينئذ لا يملك أحد منهما الفسخ، لأن العيب ليس هو المانع، وهذا صحيح، أنه إذا لم يكن العيب هو المانع فلا يملك الفسخ.
قال المؤلف رحمه الله:
(أو وجدت منه دلالته
…
)
إذا وجدت الدلالة على الرضا بالعيب أو رضي به رضاً صريحاً فلا خيار له، لأنه أسقط حقه بنفسه، إلا أن الشيخ المجد استثنى من هذا الحكم مسألة، وهي إذا كان الزوج عنين لا بد أن تصرح المرأة بالرضا قولاً، ولا نكتفي بالدلائل والقرائن الدالة على الرضا بل لابد أن تصرح، وعلل الشيخ المجد هذا الحكم بأن العنة أمر يطول ويستمر ونحتاج إلى التأكد من رضا المرأة، قال حفيده شيخ الإسلام ابن تيمية ولم أرى أحداً نص على هذا إلا الجذب، الحنابلة كلهم لا يفرقون بين العيوب إلا الجذب لكنك إذا تأملت تجد أن ما ذكره الشيخ المجد صحيح وأن مثل هذا العيب يحتاج إلى التصريح بالرضا، لأنه أمر يدوم أما العيوب الأخرى فبالإمكان أن تعالج.
قال المؤلف رحمه الله:
(ولا يتم الفسخ أحدهما إلا بحاكم)
الفسخ بالعيب لا بد أن يكون عن طريق الحاكم، والسبب في ذلك أنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر وحكم، فلا يقوم به الزوج أو الزوجة من تلقاء نفسه.
والقول الثاني: أنه لكل منهما الفسخ إلى حكم الحاكم، لأن سبب الفسخ موجود فلا نحتاج إلى حكم الحاكم.
والقول الثالث: أنه إذا تم الفسخ برضا الطرفين فلا نحتاج إلى حاكم، وإذا تم الفسخ مع الاختلاف فلا بد من حكم حاكم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قوي جداً وهو الأقرب إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن كان قبل الدخول فلا مهر)
فإن كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة، سواء كان الفسخ من قبل الزوج لعيب في المرأة، أو من قبل المرأة لعيب في الزوج، وعللوا ذلك أنه إذا كان من المرأة لعيب في الزوج فهي التي فسخت، وإذا كان لعيب منها والذي فسخ الزوج فلأنه يعود في الحقيقة الفسخ لسبب منها، وهو العيب الذي في المرأة.
والقول الثاني: أنه إذا كان بسبب العيب في الزوج فإنه لا بد من دفع نصف المهر للزوجة، لأن الفسخ كان بسبب الزوج، إذ العيب منه، ولو كانت المرأة هي التي طلبت، واستدلال الجمهور غريب، لما كان الرجل قالوا ولو كان الفسخ من الزوج إلا أنه لما كان بسبب عيب الزوجة عاد الأمر للزوجة، ولم يصنعوا هذا إذا كان العيب في الرجل، وهذا غريب منهم وفيه شيء من عدم الإنصاف، فالراجح إن شاء الله القول الثاني الراجح أنه إذا كان بعيب من الزوج ولو كان بطلب من المرأة فلها نصف المهر.
قال المؤلف رحمه الله:
(وبعده لها المسمى)
إذا كان الفسخ بعد الدخول والمسيس فلها المسمى، والدليل على أن لها المسمى أن هذا العقد عقد صحيح بمسمى صحيح فوجب، وهذا كلام صحيح، أنه عقد صحيح بمسمى صحيح فوجب بالدخول.
والقول الثاني: أن لها مهر المثل وليس المهر المسمى، ودليلهم القياس على العقد الفاسد، قاسوا العقد المفسوخ على العقد الفاسد، وهو قياس مع الفارق، لأن العقد المفسوخ عقد صحيح إلا أنه فسخ، بينما العقد الفاسد فاسد.
والقول الثالث: أنها تعطى المهر المسمى مع تنقيص ما يقابل العيب، ونعرف قدر النقص بنسبته إلى مهر المثل، فنقول الآن أنت كم سميت لها المهر؟ فيقول مائة ألف، نقول كم مهر المثل؟ فيقول مثلاً خمسين ألف، نقول مهر المثل إذا كانت برصاء كم يكون؟ فيقول خمسة وعشرين ألف فالنسبة كم خمسين بالمئة، يعني كم ستعطى من المهر المسمى؟ خمسين ألف، إذاً نعرف نسبة التنقيص من خلال المقارنة بمهر المثل، لأن المهر المسمى لا يمكن أن نقيس عليه، لأن الناس يتفاوتون وقد يعطي الإنسان المرأة أضعاف مهر مثلها، فإذاً لا نرجع للمهر المسمى وإنما نرجع إلى مهر المثل، ثم ننقص منه بهذا المقدار، وهذا القول ذكره شيخ الإسلام وقواه المرداوي وهو قول فيه إنصاف، أما إلزام الزوج بجميع المهر مع أن الفسخ كان بسبب عيب في المرأة فيه نظر، إلا أن في الحقيقة بعيداً عن الأحكام الفقهية ليس من المروءة أبداً بعد الدخول إذا أراد الفسخ أن ينقص من المهر شيء أو أن يسترجع شيء منه، يعني أقول أنا ليس من المروءة باعتبار أن الدخول والمسيس حصل، وهذا كما قلت لكم بعيد عن الفقه والحلال والحرام، وهو فقط من باب المروءات أما إذا أرادوا الحلال والحرام فالراجح إن شاء الله هو ما ذكره شيخ الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله:
(ويرجع به على الغار إن وجد)
الغار غالباً هو الولي، لأنه كتم عيب المرأة عن الزوج، وسبب ذلك أن المعروف والمعهود أن الذي يخبر بعيوب المرأة قبل العقد هو الولي وليست المرأة، فليس من المعهود أن تأتي المرأة وتقول للرجل أن في عيب كذا وكذا، فإذا كان الزوج هو الذي كتم فعليه المهر، فيرجع الزوج على الولي بالمهر يعطيه المرأة ثم يرجع على وليها أياً كان الولي ويأخذ المهر كاملاً، الدليل على هذا أن عمر بن الخطاب قال أيما رجل تزوج مجذومة أو برصاء ثم مسها فعليه المهر بالمسيس وله ضمانه على الولي، وهذا الأثر صحيح عن عمر أنه أوجب الرجوع رضي الله عنه على الولي.
((الآذان))
القول الثاني: أنه لا يرجع بشيء من المهر واستدلوا بدليلين:
الأول: أنه دفع هذا المهر مقابل عوض أخذه وهو الدخول والوطء.
الثاني: أنه لا يوجد دليل من النصوص على الرجوع، والأصل أن المهر يتقرر بالدخول كما سيأتينا في باب الصداق، وأنصف هذا القول مجموعة من الفقهاء منهم الشيخ الشوكاني.
والراجح إن شاء الله هو مذهب الحنابلة بلا إشكال وهذه الفتوى من عمر هي الحجة بالباب لاسيما وأنه لم يخالفه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الخلفاء الراشدين، هذا الأثر كافي في الباب كما أن المعنى يؤيده، لأن الفرق أو سبب الفسخ من قبل المرأة لأن العيب فيها وهذا المعنى يقتضي ألا يضيع المهر على الزوج.
قال المؤلف رحمه الله:
(والصغيرة والمجنونة والأمة
…
)
يعني لا يجوز أن تزوج إحدى هذه النساء بمعيب، قال الشيخ المرداوي بلا نزاع، والسبب في ذلك أن ولي أمر هذه المرأة المجنونة أو الصغيرة عليه النظر لمصلحتها، وليس من النظر لمصلحتها أن تزوج بمعيب بأحد هذه العيوب الثلاثة، لكن إن خالف فزوجها فينقسم إلى قسمين: إن خالف فزوجها وهو يعلم فالعقد باطل، لأنه زوج وهو غير مأذون له بالتزويج شرعاً، والذي جعله ولي هو الذي نزع منه الولاية بهذه الصورة.
الثانية: أن يزوجها وهو جاهل، فإذا زوجها وهو جاهل فالعقد صحيح وتملك المرأة الفسخ.
والقول الثاني: أنه إذا زوجها ولو كان جاهلاً فالعقد باطل، واستدلوا على هذا بأنه زوجها بمن لا يحل أن يزوجها إياه كما لو زوجها جاهلاً بمحرم من محارمها، فهو إذا زوجها بمحرم من محارمها فالعقد باطل، ولو كان جاهلاً كذلك هنا نقول العقد باطل لهذا السبب، والأقرب والله أعلم القول الثاني وعلى هذا يكون إذا خالف فزوجها فالعقد باطل مطلقاً، لأنه اعتدى على حق هذه الصغيرة والمجنونة إلى آخره.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع)
أفاد المؤلف أن المرأة الكبيرة لها أن تختار الزواج بالمجبوب والعنين، وعللوا هذا بأنه حق لها رضيت بإسقاطه، وإذا كان حقاً لها فلها أن تسقطه.
والقول الثاني: أن لوليها أن يمنعها ولو رضيت، وعللوا هذا بأنه أمر يدوم ويطول، وقد تندم ولا ينفعها الندم لأنها رضيت به قبل العقد، فمن النظر لها ولمصلحتها أن يمنعها وليها، والأقرب والله أعلم أن الكبيرة العاقلة إذا اختارت الزواج بمثل هذا الشخص أنه ليس لأحد أن يمنعها، لأنه حق لها خاص تنازلت عنه.
هذا والله أعلم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ((انتهى الدرس)).
الدرس: (9) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله:
(فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع)
أخذنا بالأمس الخلاف في هذه المسألة على قولين، وهل للولي حق في منعها أو ليس له حق في منعها، ولم أذكر أن ابن قدامة يميل إلى خلاف المذهب وهو أنه له أن يمنعها.
بقينا في المسألة التالية لهذه المسألة:
قال المؤلف رحمه الله:
(بل من مجنون ومجذوم وأبرص)
أي بل له أن يمنعها ولو كانت كبيرة إذا أرادت أن تتزوج من مجنون أو مجذوم أو أبرص، وعلل الحنابلة هذا بأن هذه العيوب الضرر فيها لا يقتصر على المرأة، بل يتعدى إلى الذرية، كما أنه يتعدى إلى الولي، لأنه يعير بمثل هذا الزواج، فلما صار الضرر لا يقتصر على الزوجة، منع الحنابلة من التزويج ولو برضا المرأة، ومن هنا عرفت الفرق بين أن يكون عنيناً أو مجبوباً وبين أن يكون أبرص أو مجذوم أو مجنون الفرق بينهما هو هذا، أن الضرر لا يقتصر على المرأة في العيوب الثلاثة التي ذكرها المؤلف الآن، ولهذا إذا سئلت لماذا يفرق الحنابلة بين هذه العيوب لا بد أن تعرف أنه هذا السبب.
القول الثاني: أن لها أن تتزوج وليس للولي أن يمنعها ولو كانت العيوب هي هذه الثلاثة المذكورة، لأن هذه العيوب تتعلق أولاً بالمرأة، ثم بالأولياء، فإذا رضيت هي بإسقاط حقها سقط، لأن الحق الأول لها، ولو قيل أن مثل هذه المسائل يرجع فيها للملابسات التي تحتف بها مثل طبيعة المرأة وطبيعة الأهل وحاجة المرأة وإلى آخره بالنسبة للمجنون والأبرص لكان للقول بالتفصيل هذا أنه يختلف باختلاف الأحوال قد يناسب أحياناً أن تزوج المرأة من مثل هؤلاء وقد لا يناسب بحسب وضع المرأة، هذا بالنسبة للجنون والبرص، لكن الجذام المشكلة فيه أنه مرض معدي، فإذا تمكنت من تجنب العدوى فذاك، وإلا فإنه ليس للإنسان أن يقحم نفسه في مثل هذا الأمر، وليس للولي أن يرضى أيضاً بتزويج موليته ممن سيباشرها الزوج، وتنتقل إليها هذه الأمراض لا شك أن هذا المنع فيه وجيه، أقول لو قيل بهذا التفصيل كان جيد وإلا إذا لم يقل بهذا التفصيل فالذي ذكره الحنابلة صحيح، وهذه المسائل كثير منها فتاوى صريحة عن الإمام أحمد، فمثلاً الزواج بالعنين والمجبوب نص الإمام أحمد أنه لا يعجبني، يقول ربما رضيت ثم ندمت إذا أرادت منه ما تريد المرأة من زوجها ندمت، وقد يحصل بناءً على هذا مفاسد.
الخلاصة أن مذهب الحنابلة في هذه المسائل وجيه إلا أن يقال بالتفصيل الذي أشرت إليه.
قال المؤلف رحمه الله:
(ومتى علمت بالعيب أو حدث به لم يجبرها وليها على فسخه)
قبل أن نتكلم على هذه المسألة، فهم من الكلام السابق في المسائل السابقة، أنه إذا رضيت المرأة والولي فالزواج صحيح، سواء كان العيوب الثلاثة أو العيبان المتقدمان، لأنه أحياناً يعلق على رضا الزوجة وأحياناً يعلق على رضا الولي، فإذا رضيت الزوجة والولي جاز التزويج بلا إشكال، ولا أظن هذه محل خلاف، إذا رضيت الزوجة ورضي الولي جاز لها أن تتزوج بمن يتصف بهذه العيوب بلا إشكال إن شاء الله لأن الحق لا يخرج عنهما.
قال المؤلف رحمه الله:
(ومتى علمت بالعيب
…
)