المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[ترجمة يزيد بن معاوية] - البداية والنهاية - ت التركي - جـ ١١

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌[ذِكْرُ مَقْتَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَفِي فَضْلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ]

- ‌[صِفَةُ مَقْتَلِهِ رضي الله عنه]

- ‌[صُورَةُ الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَرَكَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه]

- ‌[أَقْرَبُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ نَسَبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[حَدِيثُ الْمُؤَاخَاةِ]

- ‌[تَزْوِيجُ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ رضي الله عنهما]

- ‌[حَدِيثُ الطَّيْرِ]

- ‌[حَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ لَهُ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ]

- ‌[حَدِيثُ الصَّدَقَةِ بِالْخَاتَمِ وَهُوَ رَاكِعٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ الْعَادِلَةِ وَطَرِيقَتِهِ الْفَاضِلَةِ وَمَوَاعِظِهِ وَقَضَايَاهُ الْفَاصِلَةِ]

- ‌[غَرِيبَةٌ مِنَ الْغَرَائِبِ وَآبِدَةٌ مِنَ الْأَوَابِدِ]

- ‌[خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

- ‌[تَسْلِيمُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبَى سُفْيَانَ]

- ‌[ذِكْرُ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبَى سُفْيَانَ رضي الله عنه وَمُلْكِهِ]

- ‌[فَضْلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه]

- ‌[خُرُوجُ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ]

- ‌[وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[سَنَةُ خَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرِ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ مَعَ لَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ مَلِكِ عَرَبِ الشَّامِ]

- ‌[عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ]

- ‌[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[قِصَّةُ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيِّ مَعَ ابْنَيْ زِيَادٍ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبَّادٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ]

- ‌[سَنَةُ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌‌‌[تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه- وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِهِ وَدَوْلَتِهِ]

- ‌[تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ]

- ‌[فَصَلُ مَنِ اتَّخَذَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالشُّرْطَةِ]

- ‌[فَصْلُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

- ‌[إِمَارَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَمَا جَرَى فِي أَيَّامِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْفِتَنِ]

- ‌[قِصَّةُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ رضي الله عنهما وَسَبَبُ خُرُوجِهِ بِأَهْلِهِ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ وَكَيْفِيَّةُ مَقْتَلِهِ]

- ‌[صِفَةُ مَخْرَجِ الْحُسَيْنِ وَمَا جَرَى لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ]

- ‌[مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ]

- ‌[صِفَةُ مَقْتَلِهِ رضي الله عنه مَأْخُوذَةً مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ لَا كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ التَّشَيُّعِ]

- ‌[فَصْلُ الْإِخْبَارِ بِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما]

- ‌[قَبْرُ الْحُسَيْنِ]

- ‌[رَأْسُهُ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَشْعَارِهِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ]

- ‌[حِصَارُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِمَكَّةَ]

- ‌[تَرْجَمَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ]

- ‌[ذِكْرُ أَوْلَادِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَعَدَدِهِمْ]

- ‌[إِمَارَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ]

- ‌[إِمَارَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ بَيْعَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ]

- ‌[وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ وَمَقْتَلُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ رضي الله عنه]

- ‌[قَتْلُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ]

- ‌[مِنْ أَحْدَاثِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ هِجْرِيَّةٍ]

- ‌[ذِكْرُ هَدْمِ الْكَعْبةِ وَبِنَائِهَا فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ]

- ‌[الْمُطَالَبَةُ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ مِمَّنْ قَتَلَهُ]

- ‌[وَقْعَةُ عَيْنِ وَرْدَةَ]

- ‌[تَرْجَمَةُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ جَدِّ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ]

- ‌[خِلَافَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ]

الفصل: ‌[ترجمة يزيد بن معاوية]

فَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْمَقَالِ، فَنَفَرَ مِنْهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ: أَنَا أَدْعُوهُ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَهُوَ يُغْلِظُ لِي فِي الْمَقَالِ؟ ! ثُمَّ كَرَّ بِالْجَيْشِ رَاجِعًا إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ: أَعِدُهُ بِالْمُلْكِ وَيَتَوَاعَدُنِي بِالْقَتْلِ؟ ! ثُمَّ نَدِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ مِنَ الْغِلْظَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: أَمَّا الشَّامُ فَلَسْتُ آتِيهِ، وَلَكِنْ خُذْ لِيَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَنْ هُنَاكَ، فَإِنِّي أُؤَمِّنُكُمْ وَأَعْدِلُ فِيكُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ مَنْ يَبْتَغِيهَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بِالشَّامِ لَكَثِيرٌ. فَرَجَعَ فَاجْتَازَ بِالْمَدِينَةِ، فَطَمِعَ فِيهِ أَهْلُهَا وَأَهَانُوهُمْ إِهَانَةً بَالِغَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَأَهْدَى لِحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ قَتًّا وَعَلَفًا، وَارْتَحَلَتْ بَنُو أُمَيَّةَ مَعَ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدِ اسْتُخْلِفَ بِدِمَشْقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ وَصِيَّةٍ مِنْ أَبِيهِ لَهُ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[تَرْجَمَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ]

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ

هُوَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو خَالِدٍ الْأُمَوِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِالْمَاطِرُونِ، وَقِيلَ: بِبَيْتِ رَأْسٍ. وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ

ص: 637

الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، فَاسْتَمَرَّ مُتَوَلِّيًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ دُلْجَةَ بْنِ قُنَافَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ حَارِثَةَ الْكَلْبِيِّ.

رَوَى عَنْ أَبِيهِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ". وَحَدِيثًا آخَرَ فِي الْوُضُوءِ. وَعَنْهُ ابْنُهُ خَالِدٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي الطَّبَقَةِ الَّتِي تَلِي الصَّحَابَةَ، وَهِيَ الْعُلْيَا، وَقَالَ: لَهُ أَحَادِيثُ. وَكَانَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، عَظِيمَ الْجِسْمِ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، جَمِيلًا طَوِيلًا، ضَخْمَ الْهَامَةِ، مُخَدَّدَ الْأَصَابِعِ غَلِيظَهَا، مُجَدَّرًا.

وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ طَلَّقَ أُمَّهُ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَرَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قُبُلِهَا قَمَرٌ، فَقَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى أُمِّهَا فَقَالَتْ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَتَلِدِنَّ مَنْ يُبَايَعُ لَهُ بِالْخِلَافَةِ. وَجَلَسَتْ أُمُّهُ مَيْسُونُ يَوْمًا تُمَشِّطُهُ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، وَأَبُوهُ مُعَاوِيَةُ مَعَ زَوْجَتِهِ الْحَظِيَّةِ عِنْدَهُ فِي الْمَنْظَرَةِ، وَهِيَ فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ مَشْطِهِ نَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهَا فَقَبَّلَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ ذَلِكَ:

ص: 638

إِذَا مَاتَ لَمْ تُفْلِحْ مُزَيْنَةُ بَعْدَهُ

فَنُوطِي عَلَيْهِ يَا مُزَيْنُ التَّمَائِمَا

وَانْطَلَقَ يَزِيدُ يَمْشِي وَفَاخِتَةُ تُتْبِعُهُ بَصَرَهَا، ثُمَّ قَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ سَوَادَ سَاقَيْ أُمِّكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنِ ابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ وَلَدُهُ مِنْهَا، وَكَانَ أَحْمَقَ - فَقَالَتْ فَاخِتَةُ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكَ تُؤْثِرُ هَذَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: سَوْفَ أُبَيِّنُ لَكِ ذَلِكَ حَتَّى تَعْرِفِيهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومِي مِنْ مَجْلِسِكِ هَذَا. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَ كُلَّ مَا تَسْأَلُنِي فِي هَذَا الْمَجْلِسِ. فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْتَرِيَ لِي كَلْبًا فَارِهًا وَحِمَارًا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ حِمَارٌ وَيُشْتَرَى لَكَ حِمَارٌ؟ ! قُمْ فَاخْرُجْ. ثُمَّ قَالَ لِأُمِّهِ: كَيْفَ رَأَيْتِ؟ ثُمَّ اسْتَدْعَى بِيَزِيدَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَ كُلَّ مَا تَسْأَلُنِي فِي مَجْلِسِكَ هَذَا، فَسَلْنِي مَا بَدَا لَكَ. فَخَرَّ يَزِيدُ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَأَرَاهُ فِي هَذَا الرَّأْيِ، حَاجَتِي أَنْ تَعْقِدَ لِيَ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِكَ، وَتُوَلِّيَنِي الْعَامَ صَائِفَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَأْذَنَ لِي فِي الْحَجِّ إِذَا رَجَعْتَ، وَتُوَلِّيَنِي الْمَوْسِمَ، وَتَزِيدَ أَهْلَ الشَّامِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِكُلِّ رَجُلٍ، وَتَجْعَلَ ذَلِكَ بِشَفَاعَتِي، وَتَفْرِضَ لِأَيْتَامِ بَنِي جُمَحٍ، وَأَيْتَامِ بَنِي سَهْمٍ، وَأَيْتَامِ بَنِي عَدِيٍّ. فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِأَيْتَامِ بَنِي عَدِيٍّ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ حَالَفُونِي وَانْتَقَلُوا إِلَى دَارِي. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَقَبَّلَ وَجْهَهُ. ثُمَّ قَالَ لِابْنَةِ قَرَظَةَ: كَيْفَ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْصِهِ بِي فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَفَعَلَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ: سَلْنِي

ص: 639

حَاجَتَكَ. قَالَ لَهُ يَزِيدُ: أَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَكَ مِنْهَا. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: لِأَنِّي وَجَدْتُ فِي الْأَثَرِ أَنَّهُ مَنْ تَقَلَّدَ أَمْرَ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، فَاعْهَدْ إِلَيَّ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ. فَفَعَلَ.

وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: رَأَى مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَوْأَةً لَكَ، أَتُضْرِبُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْكَ؟ ! وَاللَّهِ لَقَدْ مَنَعَتْنِي الْقَدْرَةُ مِنْ ذَوِي الْإِحَنِ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ عَفَا لَمَنْ قَدَرَ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى أَبَا مَسْعُودٍ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ:«اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقَدْرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ ".»

قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَقَدِمَ زِيَادٌ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ وَبِسَفْطٍ مَمْلُوءٍ جَوْهَرًا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ زِيَادٌ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ افْتَخَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ مِنْ تَمْهِيدِ الْمَمَالِكِ لِمُعَاوِيَةَ، فَقَامَ يَزِيدُ فَقَالَ: إِنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ يَا زِيَادُ فَنَحْنُ نَقَلْنَاكَ مِنْ وَلَاءِ ثَقِيفٍ إِلَى قُرَيْشٍ، وَمِنَ الْقَلَمِ إِلَى الْمَنَابِرِ، وَمِنْ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: اجْلِسْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَغَيْرِهِ قَالَ: غَضِبَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ فَهَجَرَهُ،

ص: 640

فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَنَحْنُ لَهُمْ سَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ وَأَرْضٌ ذَلِيلَةٌ، إِنْ غَضِبُوا فَأَرْضِهِمْ، وَإِنْ طَلَبُوا فَأَعْطِهِمْ، وَلَا تَكُنْ عَلَيْهِمْ ثِقْلًا فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ وَيَتَمَنَّوْا مَوْتَكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا بَحْرٍ، يَا غُلَامُ، ائْتِ يَزِيدَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ ثَوْبٍ. فَقَالَ يَزِيدُ: مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: الْأَحْنَفُ. فَقَالَ يَزِيدُ: لَا جَرَمَ، لَأُقَاسِمَنَّهُ. فَبَعَثَ إِلَى الْأَحْنَفِ بِخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا.

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ، ثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَزِيدُ فِي حَدَاثَتِهِ صَاحِبَ شَرَابٍ يَأْخُذُ مَأْخَذَ الْأَحْدَاثِ، فَأَحَسَّ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ، فَأَحَبَّ أَنْ يَعِظَهُ فِي رِفْقٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا أَقْدَرَكَ عَلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَاجَتِكَ مِنْ غَيْرِ تَهَتُّكٍ يَذْهَبُ بِمُرُوءَتِكَ وَقَدْرِكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي مُنْشِدُكَ أَبْيَاتًا، فَتَأَدَّبْ بِهَا وَاحْفَظْهَا. فَأَنْشَدَهُ:

انْصَبْ نَهَارًا فِي طِلَابِ الْعُلَا

وَاصْبِرْ عَلَى هَجْرِ الْحَبِيبِ الْقَرِيبِ

حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ أَتَى بِالدُّجَى

وَاكْتَحَلَتْ بِالْغُمْضِ عَيْنُ الرَّقِيبِ

فَبَاشِرِ اللَّيْلَ بِمَا تَشْتَهِي

فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نَهَارُ الْأَرِيبِ

كَمْ فَاسِقٍ تَحْسَبُهُ نَاسِكًا

قَدْ بَاشَرَ اللَّيْلَ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ

غَطَّى عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَسْتَارَهُ

فَبَاتَ فِي أَمْنٍ وَعَيْشٍ خَصِيبٍ

ص: 641

وَلَذَّةُ الْأَحْمَقِ مَكْشُوفَةٌ

يَشْفَى بِهَا كُلُّ عَدُوٍّ غَرِيبِ

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ عز وجل ".

وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَفَدَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَيُعَزِّيَهُ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَحَّبَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْفَعَ مَجْلِسَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: إِنَّمَا أَجْلِسُ مَجْلِسَ الْمُعَزِّي لَا الْمُهَنِّي. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَسَنَ، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا مُحَمَّدٍ أَوْسَعَ الرَّحْمَةِ وَأَفْسَحَهَا، وَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَعَوَّضَكَ مِنْ مُصَابِكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبَى. فَلَمَّا نَهَضَ يَزِيدُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا ذَهَبَ بَنُو حَرْبٍ ذَهَبَ حُلَمَاءُ النَّاسِ. ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا:

مَغَاضٍ عَنِ الْعَوْرَاءِ لَا يَنْطِقُونَهَا

وَأَهْلُ وِرَاثَاتِ الْحُلُومِ الْأَوَائِلِ

وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: سَنَةَ خَمْسِينَ. ثُمَّ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو مَدِينَةَ

ص: 642

قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ. وَهُوَ الْجَيْشُ الثَّانِي الَّذِينَ رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَنَامِهِ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: " أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ» يَعْنِي مِنَ الْجَيْشِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ الْبَحْرِ، فَكَانَ أَمِيرَ الْأُولَى أَبُوهُ مُعَاوِيَةُ. حِينَ غَزَا قُبْرُسَ، فَفَتَحَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَتْ مَعَهُمْ أُمُّ حَرَامٍ، فَمَاتَتَ هُنَالِكَ بِقُبْرُسَ، ثُمَّ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ الثَّانِي ابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ تُدْرِكْ أُمُّ حَرَامٍ جَيْشَ يَزِيدَ هَذَا. وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ. كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ".» الْحَدِيثَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَفِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.

ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: الْقَرْنُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَرْنٍ فَكَانَ آخِرَهُ مَوْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.

ص: 643

قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: ثُمَّ حَجَّ بِالنَّاسِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا رِشْدِينُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ ابْنِهِ: كَيْفَ تُرَاكَ فَاعِلًا إِنْ وُلِّيتَ؟ قَالَ: يُمْتِعُ اللَّهُ بِكَ. قَالَ: لَتُخْبِرَنِّي. قَالَ: كُنْتُ وَاللَّهِ يَا أَبَهْ عَامِلًا فِيهِمْ عَمَلَ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! ! وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَقَدْ جَهَدْتُ عَلَى سِيرَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَمَا أَطَقْتُهَا.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَى سَبْرَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِيَزِيدَ وَهُوَ يُوصِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: يَا يَزِيدُ، اتَّقِ اللَّهَ فَقَدْ وَطَّأْتُ لَكَ هَذَا الْأَمْرَ، وَوُلِّيتَ مِنْ ذَلِكَ مَا وُلِّيتَ، فَإِنْ يَكُ خَيْرًا فَأَنَا أَسْعَدُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ شَقِيتَ بِهِ، فَارْفُقْ بِالنَّاسِ، وَأَغْمِضْ عَمَّا بَلَغَكَ مِنْ قَوْلٍ تُؤْذَى بِهِ وَتُنْتَقَصُ بِهِ، وَطَأْ عَلَيْهِ يَهْنِكَ عَيْشُكَ، وَتَصْلُحُ لَكَ رَعِيَّتُكَ، وَإِيَّاكَ وَالْمُنَاقَشَةَ وَحَمْلَ الْغَضَبِ، فَإِنَّكَ تُهْلِكُ نَفْسَكَ وَرَعِيَّتَكَ، وَإِيَّاكَ وَجَفْوَةَ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَاسْتِهَانَتَهُمْ، وَالتَّكَبُّرَ عَلَيْهِمْ، لِنْ لَهُمْ لِينًا بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ

ص: 644

مِنْكَ ضَعْفًا وَلَا خَوَرًا، وَأَوْطِئْهُمْ فِرَاشَكَ، وَقَرِّبْهُمْ إِلَيْكَ، وَأَدْنِهِمْ مِنْكَ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ لَكَ حَقَّكَ، وَلَا تُهِنْهُمْ وَلَا تَسْتَخِفَّ بِحَقِّهِمْ فَيُهِينُوكَ وَيَسْتَخِفُّوا بِحَقِّكَ وَيَقَعُوا فِيكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فَادْعُ أَهْلَ السِّنِّ وَالتَّجْرِبَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ التَّقْوَى، فَشَاوِرْهُمْ وَلَا تُخَالِفْهُمْ، وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِبْدَادَ بِرَأْيِكَ ; فَإِنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ، وَصَدِّقْ مَنْ أَشَارَ عَلَيْكَ إِذَا حَمَلَكَ عَلَى مَا تَعْرِفُ، ثُمَّ أَطِعْهُ فِيمَا أَشَارَ بِهِ، وَاخْزُنْ ذَلِكَ عَنْ نِسَائِكَ وَخَدَمِكَ، وَشَمِّرْ إِزَارَكَ، وَتَعَاهَدْ جُنْدَكَ، وَأَصْلِحْ نَفْسَكَ يَصْلُحْ لَكَ النَّاسُ، لَا تَدَعْ لَهُمْ فِيكَ مَقَالًا ; فَإِنَّ النَّاسَ نُزَّاعٌ إِلَى الشَّرِّ، وَاحْضُرِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ مَا أُوصِيكَ بِهِ عَرَفَ النَّاسُ لَكَ حَقَّكَ، وَعَظُمَتْ مَمْلَكَتُكَ، وَعَظُمَتْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَاعْرِفْ شَرَفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ; فَإِنَّهُمْ أَصْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، وَاحْفَظْ لِأَهْلِ الشَّامِ شَرَفَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُكَ وَحُمَاتُكَ وَجُنْدُكَ الَّذِينَ بِهِمْ تَصُولُ، وَتَنْتَصِرُ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَتَصِلُ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ بِكِتَابٍ تَعِدُهُمْ فِيهِ مِنْكَ الْمَعْرُوفَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَشِّطُ آمَالُهُمْ، وَإِنْ وَفَدَ عَلَيْكَ وَافِدٌ مِنَ الْكُوَرِ كُلِّهَا فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ وَأَكْرِمْهُمْ ; فَإِنَّهُمْ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَا تَسْمَعَنَّ قَوْلَ قَاذِفٍ وَلَا مَاحِلٍ ; فَإِنِّي رَأَيْتُهُمْ وُزَرَاءَ سُوءٍ.

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ: إِنَّ لِي خَلِيلًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَكْرِمْهُ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمَّا وَفَدَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَزِيدَ أَضْعَفَ جَائِزَتَهُ الَّتِي كَانَ مُعَاوِيَةُ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا، وَكَانَتْ جَائِزَتُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ سِتَّمِائَةِ

ص: 645

أَلْفٍ، فَأَعْطَاهُ يَزِيدُ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفٍ أُخْرَى. فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَاللَّهِ لَا أَجْمَعُ أَبَوَيَّ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ. وَلَمَّا خَرَجَ ابْنُ جَعْفَرٍ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ - وَقَدْ أَعْطَاهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ - رَأْي عَلَى بَابِ يَزِيدَ بَخَاتِيَّ مُبَرِّكَاتٍ، قَدْ قَدِمَ عَلَيْهَا هَدِيَّةٌ مِنْ خُرَاسَانَ، فَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى يَزِيدَ، فَسَأَلَهُ مِنْهَا ثَلَاثَ بَخَاتِيَّ لِيَرْكَبَ عَلَيْهَا إِلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِذَا وَفَدَ إِلَى الشَّامِ عَلَى يَزِيدَ. فَقَالَ يَزِيدُ لِلْحَاجِبِ: مَا هَذِهِ الْبَخَاتِيُّ الَّتِي عَلَى الْبَابِ؟ - وَلَمْ يَكُنْ شَعَرَ بِهَا - فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ أَرْبَعُمِائَةِ بُخْتِيَّةٍ جَاءَتْنَا مِنْ خُرَاسَانَ تَحْمِلُ أَنْوَاعَ الْأَلْطَافِ - وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا - فَقَالَ: اصْرِفْهَا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِمَا عَلَيْهَا. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَتَلُومُونَنِي عَلَى حُسْنِ الرَّأْيِ فِي هَذَا؟ ! يَعْنِي يَزِيدَ.

وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ فِيهِ خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ مِنَ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ وَالشِّعْرِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُسْنِ الرَّأْيِ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ ذَا جَمَالٍ، حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا إِقْبَالٌ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَتَرْكُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفٌ مِنْ بَعْدِ سِتِّينَ سَنَةً أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ثُمَّ يَكُونُ خَلْفٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةٌ ; مُؤْمِنٌ وَمَنَافِقٌ وَفَاجِرٌ ".»

ص: 646

قَالَ بَشِيرٌ: فَقُلْتُ لِلْوَلِيدِ: مَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ؟ قَالَ: الْمَنَافقُ كَافِرٌ بِهِ، وَالْفَاجِرُ يَتَأَكَّلُ بِهِ، وَالْمُؤْمِنُ يُؤْمِنُ بِهِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، ثَنَا كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ سَنَةِ سَبْعِينَ، وَمِنْ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ» ".

وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ:

لَسْتَ مِنَّا وَلَيْسَ خَالُكَ مِنَّا

يَا مُضَيِّعَ الصَّلَاةِ لِلشَّهَوَاتِ

قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِمُوسَى بْنِ يَسَارٍ، وَيُعْرَفُ بِمُوسَى شَهَوَاتٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَارِيَةً لَهُ تُغَنِّي بِهَذَا الْبَيْتِ فَضَرَبَهَا، وَقَالَ: قُولِي:

أَنْتَ مِنَّا وَلَيْسَ خَالُكَ مِنَّا

يَا مُضَيِّعَ الصَّلَاةِ لِلشَّهَوَاتِ

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ» ".

وَحَدَّثَنَا الْحَكَمُ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ

ص: 647

أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ» ". وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَكْحُولٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، بَلْ مُعْضَلٌ.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَثْلَمُهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ» ". ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا بَيْنَ مَكْحُولٍ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ.

وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي ذَرٍّ بِالشَّامِ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «أَوَّلُ مَنْ يُغَيِّرُ سُنَّتِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ» ".

وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا مُهَاجِرُ بْنُ أَبِي مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ فِي غَزَاةٍ، عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَاغْتَصَبَ يَزِيدُ مِنْ رِجْلٍ جَارِيَةً، فَاسْتَعَانَ الرَّجُلُ بِأَبِي ذَرٍّ عَلَى يَزِيدَ

ص: 648

أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَبُو ذَرٍّ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، فَتَلَكَّأَ، فَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ لَهُ الْحَدِيثَ فَرَدَّهَا، وَقَالَ يَزِيدُ لِأَبِي ذَرٍّ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَهُوَ أَنَا؟ قَالَ: لَا. وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدِمَ الشَّامَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ: وَقَدْ مَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ زَمَنَ عُمَرَ، فَوَلَّى مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ.

وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ مَعِينٍ: أَسَمِعَ أَبُو الْعَالِيَةِ مِنْ أَبِي ذَرٍّ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْهُ. قُلْتُ: فَمَنْ أَبُو مُسْلِمٍ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.

وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ فِي ذَمِّ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا، وَأَجْوَدُ مَا وَرَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ ; عَلَى ضَعْفِ أَسَانِيدِهِ وَانْقِطَاعِ بَعْضِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ: مَا أَفْسَدَ أَمْرَ النَّاسِ إِلَّا اثَنَانِ ; عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمَ أَشَارَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ يَوْمَ صِفِّينَ، فَحُمِلَتْ عَلَى رُءُوسِ الْأَسِنَّةِ، فَحَكَمَ الْخَوَارِجُ، وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَا يَزَالُ هَذَا التَّحْكِيمُ إِلَى

ص: 649

يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْآخَرُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ; فَإِنَّهُ كَانَ عَامِلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْكُوفَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَقْبِلْ مَعْزُولًا. فَأَبْطَأَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي الْقُدُومِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَبْطَأَكَ عَنِّي؟ قَالَ: أَمْرٌ كُنْتُ أُوَطِّئُهُ وَأُهَيِّئُهُ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ: وَقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: وَضَعْتُ رِجْلَ مُعَاوِيَةَ فِي غَرْزِ غَيٍّ لَا يَزَالُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْحَسَنُ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَايَعَ هَؤُلَاءِ أَبْنَاءَهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قِيلَ لَهُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ فِيمَنْ نَسْتَخْلِفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا ابْنِي وَأَبْنَاؤُهُمْ وَابْنِي أَحَقُّ.

قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ مِسْكِينٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ شَبِيبٍ عَنْ غَرْقَدَةَ، عَنِ الْمُسْتَظِلِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ وَرَبِّ الْكَعْبةِ مَتَى تَهْلِكُ الْعَرَبُ ; إِذَا سَاسَهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ.

قُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَكْثَرُ مَا نُقِمَ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَإِتْيَانُ بَعْضِ الْفَوَاحِشِ، فَأَمَّا قَتْلُ الْحُسَيْنِ فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ جَدُّهُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَسُؤْهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا

ص: 650

فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ. يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، وَقَالَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا. وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وَأَضْعَافَهُ، وَرَدَّهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي تَجَمُّلٍ وَأُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ نَاحَ أَهْلُهُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى الْحُسَيْنِ مَعَ آلِهِ - حِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ فَرِحَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ أَوَّلَ مَا بَلَغَهُ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: إِنَّ يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ الْجَرْمِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ زِيَادٍ الْحُسَيْنَ وَبَنِي أَبِيهِ، بَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى يَزِيدَ، فَسُرَّ بِقَتْلِهِمْ أَوَّلًا، وَحَسُنَتْ بِذَلِكَ مَنْزِلَةُ ابْنِ زِيَادٍ عِنْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى نَدِمَ، فَكَانَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ عَلَيَّ لَوِ احْتَمَلْتُ الْأَذَى وَأَنْزَلْتُهُ فِي دَارِي وَحَكَّمْتُهُ فِيمَا يُرِيدُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ وَكَفٌ وَوَهْنٌ فِي سُلْطَانِي ; حِفْظًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرِعَايَةً لِحَقِّهِ وَقَرَابَتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ وَاضْطَرَّهُ، وَقَدْ كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ أَوْ يَأْتِيَنِي أَوْ يَكُونَ بِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَبَى عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، فَبَغَّضَنِي بِقَتْلِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَرَعَ لِي فِي قُلُوبِهِمُ الْعَدَاوَةَ، فَأَبْغَضَنِي الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ بِمَا اسْتَعْظَمَ النَّاسُ مِنْ قَتْلِي حُسَيْنًا، مَا لِي وَلِابْنِ مَرْجَانَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ.

ص: 651

وَلَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ طَاعَتِهِ وَخَلَعُوهُ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِمُ ابْنَ مُطِيعٍ وَابْنَ حَنْظَلَةَ لَمْ يَذْكُرُوا عَنْهُ - وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ - إِلَّا مَا ذَكَرُوهُ عَنْهُ مِنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ وَإِتْيَانِهِ بَعْضَ الْقَاذُورَاتِ، لَمْ يَتَّهِمُوهُ بِزَنْدَقَةٍ كَمَا يَقْذِفُهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ، بَلْ قَدْ كَانَ فَاسِقًا، وَالْفَاسِقُ لَا يَجُوزُ خَلْعُهُ ; لِمَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَوُقُوعِ الْهَرْجِ، كَمَا وَقَعَ زَمَنَ الْحَرَّةِ، فَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَرُدُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَنْظَرَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعُوا قَاتَلَهُمْ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَلَكِنَّهُ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي أَمْرِهِ أَمِيرَ الْحَرْبِ أَنْ يُبِيحَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ.

وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَمَاعَاتُ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَنْقُضِ الْعَهْدَ، وَلَا بَايَعَ أَحَدًا بَعْدَ بَيْعَتِهِ لِيَزِيدَ ; كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:" «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» ". وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ - إِلَّا أَنْ

ص: 652

يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ - أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهُ ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ، وَلَا يُشْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ الصَّيْلَمُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ مِثْلَهُ.

قَالَ: وَمَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَأَرَادُوهُ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ، فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: إِنَّ يَزِيدَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَيَتَعَدَّى حُكْمَ الْكِتَابِ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا تَذْكُرُونَ، وَقَدْ حَضَرْتُهُ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَرَأَيْتُهُ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَاةِ، مُتَحَرِّيًا لِلْخَيْرِ، يَسْأَلُ عَنِ الْفِقْهِ، مُلَازِمًا لِلسُّنَّةِ. قَالُوا: فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ تَصَنُّعًا لَكَ. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي خَافَ مِنِّي أَوْ رَجَا حَتَّى يُظْهِرَ إِلَيَّ الْخُشُوعَ؟ ! أَفَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؟ فَلَئِنْ كَانَ أَطْلَعَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّكُمْ لَشُرَكَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَطْلَعَكُمْ فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوا. قَالُوا: إِنَّهُ عِنْدَنَا لَحَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] . وَلَسْتُ مِنْ أَمْرِكُمْ فِي شَيْءٍ. قَالُوا: فَلَعَلَّكَ تَكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ غَيْرُكَ، فَنَحْنُ نُوَلِّيكَ أَمْرَنَا. قَالَ: مَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ عَلَى مَا تُرِيدُونَنِي

ص: 653

عَلَيْهِ تَابِعًا وَلَا مَتْبُوعًا. قَالُوا: فَقَدْ قَاتَلْتَ مَعَ أَبِيكَ. قَالَ جِيئُونِي بِمِثْلِ أَبِي أُقَاتِلُ عَلَى مِثْلِ مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: فَمُرِ ابْنَيْكَ أَبَا هَاشِمٍ وَالْقَاسِمَ بِالْقِتَالِ مَعَنَا. قَالَ: لَوْ أَمَرْتُهُمَا قَاتَلْتُ. قَالُوا: فَقُمْ مَعَنَا مَقَامًا تَحُضُّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى الْقِتَالِ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! آمُرُ النَّاسَ بِمَا لَا أَفْعَلُهُ وَلَا أَرْضَاهُ؟ ! إِذَا مَا نَصَحْتُ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ. قَالُوا: إِذًا نُكْرِهُكَ. قَالَ: إِذًا آمُرُ النَّاسَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَلَّا يُرْضُوا الْمَخْلُوقَ بِسَخَطِ الْخَالِقِ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ.

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ وَهُوَ مَعَهُ عَلَى ابْنِ مُطِيعٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ضَعُوا لَهُ وِسَادَةً. فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقَ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ، وَتَابَعَهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَيَّامَ الْحَرَّةِ، وَلَمَّا قَدِمَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ أَكْرَمَ أَبِي وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ، وَأَعْطَاهُ كِتَابَ أَمَانٍ.

وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ، أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ بَعَثَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ إِلَى يَزِيدَ بِبِشَارَةِ

ص: 654

الْحَرَّةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا وَقَعَ قَالَ: وَاقَوْمَاهُ. ثُمَّ دَعَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّ فَقَالَ لَهُ: تَرَى مَا لَقِيَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَمَا الرَّأْيُ الَّذِي يُجْبِرُهُمْ؟ قَالَ: الطَّعَامُ وَالْأَعْطِيَةُ. فَأَمَرَ بِحَمْلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ أَعْطِيَتَهُ. وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ كَذَبَةُ الرَّوَافِضِ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ شَمِتَ بِهِمْ وَشَفَى بِقَتْلِهِمْ، وَأَنَّهُ أَنْشَدَ - إِمَّا ذِكْرًا وَإِمَّا أَثَرًا - شِعْرَ ابْنِ الزِّبَعْرَى الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ بْنِ بَسَّامٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ هَارُونَ الرَّشِيدَ يُنْشِدُ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ:

إِنَّهَا بَيْنَ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ

حِينَ تَنْمِي وَبَيْنَ عَبْدِ مَنَافِ

وَلَهَا فِي الْمُطَيَّبِينَ جُدُودٌ

ثُمَّ نَالَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَافِ

بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ أَكْرَمُ مَنْ يَمْ

شِي بِنَعْلٍ عَلَى التُّرَابِ وَحَافِي

لَنْ تَرَاهَا عَلَى التَّبَذُّلِ وَالْغِلْ

ظَةِ إِلَّا كَدُرَّةِ الْأَصْدَافِ

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصَعَبٌ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ:

آبَ هَذَا الْهَمُّ فَاكْتَنَعَا

وَأَمَرَّ النَّوْمُ فَامْتَنَعَا

رَاعِيًا لِلنَّجْمِ أَرْقُبُهُ

فَإِذَا مَا كَوْكَبٌ طَلَعَا

ص: 655

حَامَ حَتَّى إِنَّنِي لَأَرَى

أَنَّهُ بِالْغَوْرِ قَدْ وَقَعَا

وَلَهَا بِالْمَاطِرُونِ إِذَا

أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا

نُزْهَةٌ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ

نَزَلَتْ مِنْ جِلَّقَ بِيَعَا

فِي قِبَابٍ وَسْطَ دَسْكَرَةٍ

حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا

وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا:

وَقَائِلَةٍ لِي حِينَ شَبَّهْتُ وَجْهَهَا

بِبَدْرِ الدُّجَى يَوْمًا وَقَدْ ضَاقَ مَنْهَجِي

تُشَبِّهُنِي بِالْبَدْرِ هَذَا تَنَاقُصٌ

بِقَدْرِي وَلَكِنْ لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ هُجِي

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْبَدْرَ عِنْدَ كَمَالِهِ

إِذَا بَلَغَ التَّشْبِيهَ عَادَ كَدُمْلُجِ

فَلَا فَخْرَ إِنْ شَبَّهْتَ بِالْبَدْرِ مَبْسَمِي

وَبِالسِّحْرِ أَجْفَانِي وَبِاللَّيْلِ مَدْعَجِي

وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيِّ قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَةٌ

ص: 656

مُغَنِّيَةٌ يُقَالُ لَهَا: سَلَّامَةُ. مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَجْهًا، وَأَتَمِّهِنَّ عَقْلًا وَأَحْسَنِهِنَّ حَدِيثًا، قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ، وَرَوَتِ الشِّعْرَ وَقَالَتْهُ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ وَالْأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَجْلِسَانِ إِلَيْهَا، فَعَلِقَتِ الْأَحْوَصَ، وَصَدَّتْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَتَرَحَّلَ ابْنُ حَسَّانَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَامْتَدَحَهُ، وَدَلَّهُ عَلَى سَلَّامَةَ وَجَمَالِهَا وَحُسْنِهَا وَفَصَاحَتِهَا، وَقَالَ: لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ سُمَّارِكَ. فَأَرْسَلَ يَزِيدُ، فَاشْتُرِيَتْ لَهُ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ، فَوَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا، وَفَضَّلَهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ، وَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَرَّ بِالْأَحْوَصِ، فَوَجَدَهُ مَهْمُومًا، فَأَرَادَ أَنْ يَزِيدَهُ إِلَى مَا بِهِ فَقَالَ:

يَا مُبْتَلًى بِالْحُبِّ مَفْدُوحَا

لَاقَى مِنَ الْحُبِّ تَبَارِيحَا

أَفْحَمَهُ الْحُبُّ فَمَا يَنْثَنِي

إِلَّا بِكَأْسِ الْحُبِّ مَصْبُوحَا

وَصَارَ مَا يُعْجِبُهُ مُغْلَقًا

عَنْهُ وَمَا يَكْرَهُ مَفْتُوحَا

قَدْ حَازَهَا مَنْ أَصْبَحَتْ عِنْدَهُ

يَنَالُ مِنْهَا الشَّمَّ وَالرِّيحَا

خَلِيفَةُ اللَّهِ فَسَلِّ الْهَوَى

وَعَزِّ قَلْبًا مِنْكَ مَجْرُوحَا

قَالَ: فَأَمْسَكَ الْأَحْوَصُ عَنْ جَوَابِهِ، ثُمَّ غَلَبَهُ وَجْدُهُ عَلَيْهَا، فَرَحَلَ إِلَى يَزِيدَ، فَامْتَدَحَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَقَرَّبَهُ وَحَظِيَ عِنْدَهُ، فَدَسَّتْ إِلَيْهِ سَلَّامَةُ خَادِمًا، وَأَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَ الْخَادِمُ يَزِيدَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: امْضِ لِرِسَالَتِهَا. فَفَعَلَ وَأَدْخَلَ الْأَحْوَصَ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ يَزِيدُ فِي مَكَانٍ يَرَاهُمَا وَلَا

ص: 657

يَرَيَانِهِ، فَلَمَّا بَصُرَتِ الْجَارِيَةُ بِالْأَحْوَصِ بَكَتْ إِلَيْهِ وَبَكَى إِلَيْهَا، وَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَ لَهُ كُرْسِيٌّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْكُو إِلَى صَاحِبِهِ شِدَّةَ الشَّوْقِ، فَلَمْ يَزَالَا يَتَحَدَّثَانِ إِلَى السَّحَرِ، وَيَزِيدُ يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رِيبَةٌ، حَتَّى إِذَا هَمَّ الْأَحْوَصُ بِالْخُرُوجِ قَالَ:

أَمْسَى فُؤَادِيَ فِي هَمٍّ وَبَلْبَالِ

مِنْ حُبِّ مَنْ لَمْ أَزَلْ مِنْهُ عَلَى بَالِ

فَقَالَتْ:

صَحَا الْمُحِبُّونَ بَعْدَ النَّأْيِ إِذْ يَئِسُوا

وَقَدْ يَئِسْتُ وَمَا أَصْحُو عَلَى حَالِ

فَقَالَ:

مَنْ كَانَ يَسْلُو بِيَأْسٍ عَنْ أَخِي ثِقَةٍ

فَعَنْكِ سَلَّامَ مَا أَمْسَيْتُ بِالسَّالِي

فَقَالَتْ:

وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَاكَ يَا شَجَنِي

حَتَّى تُفَارِقَ مِنِّي الرُّوحُ أَوْصَالِي

فَقَالَ:

وَاللَّهِ مَا خَابَ مَنْ أَمْسَى وَأَنْتِ لَهُ

يَا قُرَّةَ الْعَيْنِ فِي أَهْلٍ وَفِي مَالِ

قَالَ: ثُمَّ وَدَّعَهَا وَخَرَجَ، فَأَخَذَهُ يَزِيدُ، وَدَعَا بِهَا فَقَالَ: أَخْبِرَانِي عَمَّا كَانَ فِي لَيْلَتِكُمَا وَاصْدُقَانِي. فَأَخْبَرَاهُ وَأَنْشَدَاهُ مَا قَالَا، فَلَمْ يَخْرِمَا حَرْفًا، وَلَا غَيَّرَا شَيْئًا مِمَّا سَمِعَهُ. فَقَالَ لَهَا يَزِيدُ: أَتُحِبِّينَهُ؟ قَالَتْ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ:

حُبًّا شَدِيدًا جَرَى كَالرُّوحِ فِي جَسَدِي

فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ

فَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّهَا؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ:

حُبًّا شَدِيدًا تَلِيدًا غَيْرَ مُطَّرِفٍ

بَيْنَ الْجَوَانِحِ مِثْلَ النَّارِ يَضْطَرِمُ

ص: 658

فَقَالَ يَزِيدُ: إِنَّكُمَا لَتَصِفَانِ حُبًّا شَدِيدًا، خُذْهَا يَا أَحْوَصُ فَهِيَ لَكَ. وَوَصَلَهُ صِلَةً سَنِيَّةً. فَرَجَعَ بِهَا الْأَحْوَصُ إِلَى الْحِجَازِ وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ قَدِ اشْتَهَرَ بِالْمَعَازِفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ وَالصَّيْدِ وَاتِّخَاذِ الْغِلْمَانِ وَالْقِيَانِ وَالْكِلَابِ وَالنِّطَاحِ بَيْنَ الْكِبَاشِ وَالدِّبَابِ وَالْقُرُودِ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُصْبِحُ فِيهِ مَخْمُورًا، وَكَانَ يَشُدُّ الْقِرْدَ عَلَى فَرَسٍ مُسَرَّجَةٍ بِحِبَالٍ وَيَسُوقُ بِهِ، وَيُلْبِسُ الْقِرْدَ قَلَانِسَ الذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ، وَكَانَ يُسَابِقُ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْقِرْدُ حَزِنَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ حَمَلَ قِرْدَةً وَجَعَلَ يُنَقِّزُهَا فَعَضَّتْهُ. وَذَكَرُوا عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي مَذْعُورٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا لَمْ أُحِبُّهُ، وَلَمْ أُرِدْهُ، وَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.

مَاتَ يَزِيدُ بِحُوَّارِينَ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْهُ. سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي مُنْتَصَفِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَقِيلَ: سَبْعٍ - وَعِشْرِينَ. وَمَعَ هَذَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ وَمَبْلَغِ أَيَّامِهِ فِي الْإِمَارَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ انْزَاحَ عَنْكَ الْإِشْكَالُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ حِينَ مَاتَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حُمِلَ إِلَى دِمَشْقَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ أَمِيرُ

ص: 659