الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُصَلَّى، وَلَا خَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، بَلِ اجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَحَضَرَ الْخَطِيبُ فَصَلَّى بهم العيد بها، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَلَّوُا الْعِيدَ فِي الْبُيُوتِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الحجة دَرَّسَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ
الشَّافِعِيُّ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ عَنِ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ النَّقِيبِ رحمه الله، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَالْأُمَرَاءُ وَخَلْقٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ، وَأَخَذَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [ص: 35] وَمَا بَعْدَهَا.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ اسْتُفْتِيَ فِي قَتْلِ كِلَابِ الْبَلَدِ فَكَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ، فَرُسِمَ بِإِخْرَاجِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ الْبَلَدِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، لَكِنْ إِلَى الْخَنْدَقِ ظَاهِرَ بَابِ الصَّغِيرِ، وكان الأولى قتلهم بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن بريحهم عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الْكِلَابِ بِبَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُ ذلك النهي عن قتل الْكِلَابِ، وَلِهَذَا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ.
ثُمَّ دخلت سنة ست وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحَرَمَيْنِ وَالْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ وَأَعْمَالِ ذَلِكَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ النَّاصِرِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَقُضَاتُهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ أَيْضًا
.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسِ عشر مُحَرَّمٍ كَمَلَتْ عِمَارَةُ الْجَامِعِ الَّذِي بِالْمِزَّةِ الْفَوْقَانِيَّةِ الذي جدده وأنشأه الأمير بهاء الدين الْمَرْجَانِيِّ، الَّذِي بَنَى وَالِدُهُ مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى وَهُوَ جَامِعٌ حَسَنٌ مُتَّسِعٌ فِيهِ رُوحٌ وَانْشِرَاحٌ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْ بَانِيهِ، وَعُقِدَتْ فِيهِ الْجُمْعَةُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ وَجَمٍّ غَفِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمِزَّةِ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكُنْتُ أَنَا الْخَطِيبَ - يَعْنِي الشَّيْخَ عِمَادَ الدِّينِ الْمُصَنَّفَ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَوَقَعَ كَلَامٌ وَبَحْثٌ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحَلِّلِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَكَانَ سببه أن الشيخ شمس الدين بن قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ صَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَنَصَرَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ تقي الدين بن تَيْمِيَةَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ يُفْتَى بِهِ جماعة من الترك ولا يعزروه إلى الشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَةَ، فَاعْتَقَدَ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَوْلُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَحَصَلَ عَلَيْهِ إِنْكَارٌ فِي ذَلِكَ، وَطَلَبَهُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ، وَحَصَلَ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى أَنْ أَظْهَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةَ الْمُوَافَقَةَ لِلْجُمْهُورِ.
وَفَاةُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ
فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ (1) مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أظهر موت السلطان الملك الصالح
(1) كذا بالاصل، وفي الدليل الشافعي 1 / 129 والمنهل الصافي 2 / 426: مات في العشرين من ربيع الأول سنة 746 =
هـ.
وفي السلوك 2 / 677 والنجوم الزاهرة 10 / 95: توفي ليلة الخميس رابع ربيع الآخر، وفي بدائع الزهور 1 / 504:" في الحادي والعشرين من ربيع الآخر ".
عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور آخِرَ النَّهَارِ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ سَيْفِ (1) الدِّينِ أَبِي الْفُتُوحِ شَعْبَانَ، فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ رَابِعِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ قَدِمَ الْخَبَرُ إِلَى دِمَشْقَ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُ، وَكَانَ الْبَرِيدُ قَدِ انْقَطَعَ عَنِ الشَّامِ نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا لِلشُّغْلِ بِمَرَضِ السلطان (2) ، فقدم الأمير سيف الدين معزا لِلْبَيْعَةِ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، فَرَكِبَ عِلْيَةُ الْجَيْشِ لِتَلَقِّيهِ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ الْجُمُعَةِ أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ مِنَ النَّائِبِ وَالْمُقَدَّمِينَ وَبَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنْدِ لِلسُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَ الْبَلَدُ وَخَطَبَ الْخُطَبَاءُ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، جَعَلَهُ اللَّهُ وَجْهًا مُبَارَكًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ دَرَّسَ القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ الشَّافِعِيِّ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، نَزَلَ لَهُ أَبَوْهُ عَنْهَا، وَاسْتَخْرَجَ لَهُ مَرْسُومًا سُلْطَانِيًّا بِذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، وَجَلَسَ بَيْنَ أَبِيهِ وَالْقَاضِي الحنفي، وأخذ في الدَّرْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) الآيات [النمل: 15] .
وَتَكَلَّمَ الشَّرِيفُ مَجْدُ الدِّينِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الدَّرْسِ بكلام فيها نكارة وبشاعة، فشنع عليه الحاضرون، فاستنيب بَعْدَ انْقِضَاءِ الدَّرْسِ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ طُلِبَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ نَائِبُ دِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدين تغردمر وَهُوَ مُتَمَرِّضٌ، انْقَطَعَ عَنِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ مرات، والبريد يذهب إلى حلب لمجئ نَائِبِهَا الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا لِنِيَابَةِ دِمَشْقَ، وذكر أن الحاج أرقطيه تَعَيَّنَ لِنِيَابَةِ حَلَبَ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعِ جُمَادَى الْأُولَى خَرَجَتْ أَثْقَالُ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تغردمر النائب وخيوله وهجنه ومواليه
وحواصله وطبل خاناته وَأَوْلَادُهُ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَأُبَّهَةٍ هَائِلَةٍ جِدًّا، وَخَرَجَتِ الْمَحَافِلُ وَالْكَحَّارَاتُ وَالْمِحَفَّاتُ لِنِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَهْلِهِ فِي هَيْبَةٍ عَجِيبَةٍ، هَذَا كُلُّهُ وَهُوَ بِدَارِ السَّعَادَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ وَقْتِ السَّحَرِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ خَامِسِهِ خَرَجَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ تغر دمر بِنَفْسِهِ إِلَى الْكُسْوَةِ فِي مِحَفَّةٍ لِمَرَضِهِ مَصْحُوبًا بِالسَّلَامَةِ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِئِذٍ قَدِمَ من حلب أستاذ دار الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا الْيَحْيَاوِيُّ (3) فَتَسَلَّمَ دَارَ السَّعَادَةِ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِهِمْ، وَذَهَبَ النَّاسُ لِلتَّهْنِئَةِ والتودد إليهم.
* هامش) * (1) في بدائع الزهور 1 / 504: زين الدين.
(2) في السلوك 2 / 676 والنجوم الزاهرة 10 / 94 " تغير مزاجه في مستهل شهر ربيع الأول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة أياما " وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 183: " مرض في العشرين من صفر " وفي مكان آخر قال في السلوك: 2 / 680: اعتراه القولنج.
_________
(3)
من السلوك 2 / 755، وفي الاصل: البحناوي، وهو يلبغا بن عبد الله اليحياوي الناصري، سيف الدين المتوفى سنة 748 هـ.
(الدرر 4 / 436 والنجوم الزاهرة 10 / 105) .