المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌غزوة ذات السلاسل - البداية والنهاية - ت شيري - جـ ٤

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌ ج 4

- ‌سنة ثلاث من الهجرة

- ‌خَبَرُ يهود بني قينقاع في الْمَدِينَةِ

- ‌سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ [إلى ذي القردة]

- ‌مَقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الأشرف

- ‌غزوة أُحد فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ

- ‌مَقْتَلُ حَمْزَةَ رضي الله عنه

- ‌فَصْلٌ فِيمَا لَقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ

- ‌فَصَلٌ فِي عَدَدِ الشُّهَدَاءِ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا تَقَاوَلَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكُفَّارُ فِي وَقْعَةِ أُحد مِنَ الْأَشْعَارِ

- ‌آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى وَقْعَةِ أُحُدٍ

- ‌سنة أربع من الهجرة

- ‌ سَرِيَّةُ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الأسد أبي طليحة الأسدي

- ‌غَزْوَةُ الرَّجِيعِ

- ‌غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ

- ‌غزوة بني لحيان

- ‌غزوة ذات الرِّقاع

- ‌قِصَّةُ غَوْرَثِ بْنِ الْحَارِثِ

- ‌قصة الذي أصيبت امرأته يومذاك

- ‌قصة جمل جابر

- ‌غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ وَهِيَ بَدْرٌ الْمَوْعِدُ

- ‌فصل في جملة مِنَ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ

- ‌سَنَةُ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبوِّية

- ‌غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا

- ‌غزوة الخندق أو الْأَحْزَابِ

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي دُعَائِهِ عليه السلام عَلَى الْأَحْزَابِ

- ‌فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ

- ‌وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه

- ‌فصل الْأَشْعَارِ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ

- ‌مقتل أبي رافع اليهودي

- ‌مقتل خالد بن سفيان الْهُذَلِيِّ

- ‌قصة عمرو بن العاص مع النجاشي

- ‌فَصْلٌ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة

- ‌نزول الحجاب صبيحة عرس زينب

- ‌سنة ست من الهجرة

- ‌غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ

- ‌غزوة بني المصطلق من خزاعة

- ‌ قِصَّةَ الْإِفْكِ

- ‌غزوة الحديبية

- ‌فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

- ‌ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ

- ‌سنة سبع من الهجرة

- ‌غَزْوَةُ خَيْبَرَ

- ‌ فصل

- ‌ذكر قصة صفية بنت حيي النضرية

- ‌فَصْلٌ

- ‌فصل فتح حصونها وقسيمة أَرْضِهَا

- ‌فصل وَأَمَّا مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ

- ‌ذِكْرُ قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون

- ‌قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ مَنِ اسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ

- ‌فصل مروره صلى الله عليه وآله بوادي القرى ومحاصرة اليهود ومصالحتهم

- ‌فصل

- ‌سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ

- ‌سَرِيَّةُ عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة

- ‌سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ إِلَى يُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ

- ‌سَرِيَّةٌ أُخْرَى مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ

- ‌ سَرِيَّةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا إِلَى نَاحِيَةِ خَيْبَرَ

- ‌سرية بني حَدْرَدٍ إِلَى الْغَابَةِ

- ‌سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ

- ‌عمرة القضاء وَيُقَالُ القِصاص

- ‌قصة تزويجه عليه السلام بِمَيْمُونَةَ

- ‌ذِكْرُ خُرُوجِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ

- ‌فَصْلٌ [سَرِيَّةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السَّلمي إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ]

- ‌فصل:

- ‌سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ

- ‌إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة

- ‌طَرِيقُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ

- ‌سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ إِلَى هَوَازِنَ

- ‌سَرِيَّةُ كعب بن عمير إلى بني قضاعة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي فَضْلِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ زَيْدٍ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهم

- ‌فصل في من استشهد يوم مؤتة فَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ

- ‌ما قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

- ‌كِتَابُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ الآفاق وكتبه إليهم

- ‌بعثه إلى كسرى ملك الفرس

- ‌بَعْثُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى المقوقس صَاحِبِ مَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ

- ‌غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

- ‌سرية أبي عبيدة إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ

- ‌ سَرِيَّةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ

- ‌غَزْوَةُ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

- ‌فصل

- ‌صِفَةُ دُخُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ

- ‌فصل

- ‌ سَبَبِ إِسْلَامِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ

- ‌بعثه عليه السلام خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ

- ‌بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِهَدْمِ الْعُزَّى

- ‌فَصْلٌ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ عليه السلام بِمَكَّةَ

- ‌فصل فيما حكم عليه السلام بِمَكَّةَ مِنَ الْأَحْكَامِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌غزوة هوازن يوم حنين

- ‌غزوة أَوْطَاسٍ

- ‌من استشهد يوم حنين وأوطاس

- ‌ما قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ

- ‌غَزْوَةُ الطَّائِفِ

- ‌مرجعه عليه السلام من الطائف وقسمة غنائم هوازن

- ‌قُدُومِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ عَلَى الرَّسُولِ

- ‌إِسْلَامُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى

- ‌الْحَوَادِثِ الْمَشْهُورَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَالْوَفَيَاتِ

الفصل: ‌غزوة ذات السلاسل

قُلْتُ: وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْهَدِيَّةِ غُلَامٌ أَسْوَدُ خصي، اسمه مأبور، وخفين ساذجين أسودين وَبَغْلَةٌ بَيْضَاءُ اسْمُهَا الدُّلْدُلُ، وَكَانَ مَأْبُورُ هَذَا خَصِيًّا وَلَمْ يَعْلَمُوا بِأَمْرِهِ (1) بَادِيَ الْأَمْرِ فَصَارَ يَدْخُلُ عَلَى مَارِيَةَ كَمَا كَانَ مِنْ عَادَاتِهِمْ بِبِلَادِ مِصْرَ، فَجَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ فِيهِمَا يسبب ذَلِكَ وَلَا يَعْلَمُونَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَأَنَّهُ خَصِيٌّ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِقَتْلِهِ فَوَجَدَهُ خَصِيًّا فَتَرَكَهُ وَالْحَدِيثُ في صحيح مسلم من طريق.. (2) .

قال ابن إسحاق: وبعث سليط بن عمرو بن عبدود أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ، صَاحِبِ الْيَمَامَةِ وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الحضرمي إِلَى جَيْفَرِ بْنِ الْجُلُنْدَى وَعَمَّارِ بْنِ الْجُلُنْدَى الْأَزْدِيَّيْنِ صَاحِبَيْ عُمَانَ (3) .

‌غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

(4) ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا قَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى ذَاتِ السَّلَاسِلِ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ فِي بَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ (5) وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قُضَاعَةَ.

قَالَ عُرْوَةُ بن الزبير: وبنو بَلِيٍّ أَخْوَالُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى هُنَاكَ خَافَ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِ فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِدُّهُ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَانْتَدَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ [قال عروة: وعمرو يومئذ في سعد الله وتلك الناحية من قضاعة] قال موسى بن عقبة: لما قَدِمُوا عَلَى عَمْرٍو قَالَ أَنَا أَمِيرُكُمْ وَأَنَا

أَرْسَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَمِدُّهُ بِكُمْ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ أَنْتَ أَمِيرُ أَصْحَابِكَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُمْ مَدَدٌ أُمْدِدْتُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذلك أبو عبيدة - وكان رجلاً حسن

(1) انظر ترجمته في الاصابة ج 3 / 334 ترجمته رقم 7581.

(2)

بياض في الاصل، وفي الاصابة: رواه مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بن مالك.

(3)

العبارة في ابن هشام 4 / 254: وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي الْيَمَامَةِ.

وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى العبدي ملك البحرين وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي الازديين، ملكي عمان وفي ابن سعد: بعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، والملك منهما جيفر.

(4)

انظر في غزوة ذات السلاسل: طبقات ابن سعد (2 / 131) سيرة ابن هشام (4 / 272) مغازي الواقدي (2 / 769) تاريخ الطبري (3 / 104) عيون الاثر (2 / 204) الروض الانف (2 / 359) السيرة الحلبية (3 / 190) شرح المواهب (3 / 278) .

والسلاسل: السين الاولى مفتوحة جزم به أبو عبيد البكري: رمل بالبادية.

قال ابن سعد كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان.

(5)

في البيهقي: وسعد الله.

(*)

ص: 311

الخلق لين الشيمة [سعى لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليه وعهده] قَالَ: تَعَلَّمْ يَا عَمْرُو أَنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إليَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ قَالَ: " إِذَا قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا " وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَأُطِيعَنَّكَ.

فَسَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْإِمَارَةَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (1) .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق: حدثني محمد ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ قَالَ: بُعث رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إِلَى الْإِسْلَامِ (2) وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ مِنْ بَنِي بَلِيٍّ فَبَعَثَهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ يتألفهم بِذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ يُقَالُ لَهُ السَّلَاسِلُ - وَبِهِ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلاسل - قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَخَافَ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِدُّهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ

أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ " لَا تَخْتَلِفَا " فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّمَا جِئْتَ مدداً لي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.

وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيِّنًا سَهْلًا، هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا.

فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَنْتَ مَدَدِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عمرو أن رسول الله ص قَدْ قَالَ لِي " لَا تَخْتَلِفَا " وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: فَإِنِّي أَمِيرٌ عَلَيْكَ وَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ: فَدُونَكَ فَصَلَّى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالنَّاسِ (3) .

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حدثني ربيعة ابن عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا آبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَصَارُوا خَمْسَمِائَةٍ فَسَارُوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِيٍّ وَدَوَّخَهَا (4) ، وَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ بَلَغَهُ إنَّه قَدْ كَانَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ جَمْعٌ فَلَمَّا سَمِعُوا بِكَ تَفَرَّقُوا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَقْصَى بِلَادِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبِلْقَيْنَ وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وتراموا بالنبل ساعة، وَرُمِيَ يَوْمَئِذٍ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأُصِيبَ ذِرَاعُهُ، وحمل المسلمون عليهم فهزموا، وَأَعْجَزُوا هَرَبًا فِي الْبِلَادِ وَتَفَرَّقُوا وَدَوَّخَ عَمْرٌو مَا هُنَاكَ، وَأَقَامَ أَيَّامًا لَا يَسْمَعُ لَهُمْ بِجَمْعٍ وَلَا مَكَانٍ صَارُوا فِيهِ، وَكَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَ الْخَيْلِ فَيَأْتُونَ بِالشَّاءِ وَالنَّعَمِ.

فَكَانُوا يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ذلك، ولم تكن [لهم] غَنَائِمُ تُقْسَمُ (5) .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، قَالَ: فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ " يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ " قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي من الاغتسال وقلت: إني سمعت

(1) ما بين معكوفين من البيهقي، والخبر في الدلائل ج 4 / 398 - 399.

(2)

في ابن هشام إلى الشام، وفي دلائل البيهقي عن ابن إسحاق إلى الاسلام وهو الصواب.

(3)

سيرة ابن هشام ج 4 / 272.

(4)

دوخ البلاد: قهرها واستولى على أهلها (الصحاح) .

(5)

مغازي الواقدي 2 / 771 وما بين معكوفين من رواية البيهقي عن الواقدي 4 / 401 (*) .

ص: 312

اللَّهَ يَقُولُ (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كان بكم رحيما)[النِّسَاءِ: 29] فَضَحِكَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سلمة [حدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ] ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو ابن العاص - وكان على سرية - ذكر الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ قَالَ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَقَالَ فِيهِ فَتَيَمَّمَ (1) .

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ (2) : حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ قَفَلُوا احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ كَأَشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ وَاللَّهِ احْتَلَمْتُ فَإِنِ اغْتَسَلْتُ مُتُّ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَتَيَمَّمَ، ثمَّ قَامَ فصلَّى بِهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَعَثَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ بَرِيدًا، قَالَ عَوْفٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّحَرِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فسلَّمت عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟ " فَقُلْتُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ " صَاحِبُ الْجَزُورِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ.

وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ " أَخْبِرْنِي " فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ مِنْ مَسِيرِنَا وَمَا كَانَ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرٍو وَمُطَاوَعَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ " قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ عَمْرًا صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ وَمَعَهُ مَاءٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ (3)، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرٌو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَوِ اغْتَسَلْتُ لَمِتُّ، لم أَجِدْ بَرْدًا قَطُّ مِثْلَهُ.

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رحيما) قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ شَيْئًا (4) .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ وَهُمْ عَلَى جَزُورٍ قَدْ نحروها، وهم لا يقدرون

على أن يبعضوها، وكنت امرءاً جازراً، فقلت لهم: تعطوني منها عشراً (5) عَلَى أَنْ أُقَسِّمَهَا بَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَجَزَّأْتُهَا مَكَانِي، وَأَخَذْتُ مِنْهَا جُزْءًا، فَحَمَلْتُهُ إِلَى أَصْحَابِي فَاطَّبَخْنَاهُ وَأَكَلْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: أَنَّى لَكِ هَذَا اللَّحْمُ يَا عَوْفُ؟ فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ مَا أَحْسَنْتَ حِينَ أَطْعَمْتَنَا هَذَا، ثُمَّ قَامَا يَتَقَيَّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا مِنْهُ، فَلَمَّا أَنْ قَفَلَ النَّاسُ مِنْ ذلك

(1) الخبر نقله البيهقي في الدلائل من طريق أبي بكر بن داسه عن أبي داود ج 4 / 402 و 403 وما بين معكوفين زيادة من سنن أبي داود (1 / 56) .

(2)

في المغازي: 2 / 769: حدثني أفلح بن سعد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش.. (3) في الواقدي: وتيمم.

(4)

مغازي الواقدي 2 / 773 - 774 ورواه البيهقي عنه في الدلائل 4 / 402، وفيه أفلح بن سعيد.

(5)

في ابن هشام: عشيرا، والعشير النصيب، فالجزور كانت تقسم على عشرة أجزاء، كل جزء منها عشير.

(*)

ص: 313