الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم دخلت سنة تسع وخمسين
فِيهَا شَتَّى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ فِي أرض الرُّوم في البر، قاله الْوَاقِدِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَزْوٌ فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ غَزَا فِي الْبَحْرِ عَامَئِذٍ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ.
وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ عَنِ الْكُوفَةِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ فيهم، وولى عليهم النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ.
وَفِيهَا وَلَّى مُعَاوِيَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادٍ وِلَايَةَ خُرَاسَانَ وَعَزَلَ عَنْهَا سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَصَارَ عُبَيْدُ الله على البصرة، وأخوه عبد الرحمن هذا على خراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولم يزل عبد الرحمن عليها والياً إِلَى زَمَنِ يَزِيدَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ لَهُ: كَمْ قَدِمْتَ بِهِ مِنَ هذا الْمَالِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ حَاسَبْنَاكَ، وَإِنْ شِئْتَ سَوَّغْنَاكَهَا وَعَزَلْنَاكَ عَنْهَا، عَلَى أَنْ تُعْطِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جعفر خمسمائة ألف درهم، قال: بل سوغها، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَأُعْطِيهُ مَا قُلْتَ وَمِثْلَهَا مَعَهَا، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ، وَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ قِبَلِي.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ أَشْرَافُ أهل البصرة والعراق، فاستأذن لهم عبد الله عليه على منازلهم منه، وكان آخِرَ مَنْ أَدْخَلَهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، - وَلَمْ يَكُنْ عُبَيْدُ اللَّهِ يُجِلُّهُ - فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ الْأَحْنَفَ رَحَّبَ بِهِ وَعَظَّمَهُ وَأَجَلَّهُ وأجلسه معه على السرير، ورفع منزلته، ثُمَّ تَكَلَّمَ الْقَوْمُ فَأَثْنَوْا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال
له: إِنْ تَكَلَّمْتُ خَالَفْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: انْهَضُوا فَقَدْ عَزَلْتُهُ عَنْكُمْ فَاطْلُبُوا وَالِيًا تَرْضَوْنَهُ، فَمَكَثُوا أَيَّامًا يَتَرَدَّدُونَ إِلَى أَشْرَافِ بَنِي أُمَيَّةَ، يَسْأَلُونَ كل واحد أَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ جَمَعَهُمْ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: مَنِ اخْتَرْتُمْ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مالك لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كنت تريد غير أهل بيتك فرأيك فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ أَعَدْتُهُ إِلَيْكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ الْأَحْنَفُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ وَلَّيْتَ عَلَيْنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَإِنَّا لَا نعدل بعبيد الله بن زياد أَحَدًا، وَإِنَّ وَلَّيْتَ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَانْظُرْ لَنَا فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ أَعَدْتُهُ إِلَيْكُمْ.
ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْصَى عُبَيْدَ اللَّهِ بن زياد بالأحنف خيراً، وقبح رأيه فيه وفي مُبَاعَدَتِهِ، فَكَانَ الْأَحْنَفُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخَصَّ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَفِ لعبيد الله غير الأحنف بن قيس، والله أعلم.
قِصَّةُ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيِّ مَعَ ابْنَيْ زِيَادٍ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبَّادٍ
ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ مَعَ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ بِسِجِسْتَانَ، فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِحَرْبِ التُّرْكِ، وَضَاقَ عَلَى النَّاسِ عَلَفُ الدَّوَابِّ، فَقَالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ شِعْرًا يَهْجُو بِهِ ابن زِيَادٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ: أَلَا لَيْتَ اللِّحَى كَانَتْ حَشِيشًا * فَنَعْلِفُهَا خُيُولَ الْمُسْلِمِينَا
وَكَانَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ كَبِيرَهَا جِدًّا، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَغَضِبَ وَتَطَلَّبَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ وقال فيه قصائده يَهْجُوهُ بِهَا كَثِيرَةً فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذَا أَوْدَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ * فَبَشِّرْ شِعْبَ قَعْبِكَ بِانْصِدَاعِ فَأَشْهَدُ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُبَاشِرْ * أَبَا سُفْيَانَ وَاضِعَةَ الْقِنَاعِ وَلَكِنْ كَانَ أَمْرًا فِيهِ لبس * على خوف (1) شَدِيدٍ وَارْتِيَاعِ وَقَالَ أَيْضًا: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حربٍ * مُغَلْغَلَةً مِنَ الرَّجُلِ الْيَمَانِي
أَتَغْضَبُ أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ عَفٌّ * وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِي فَأَشْهَدُ أَنَّ رَحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ * كَرَحْمِ الْفِيلِ مِنْ وَلَدِ الْأَتَانِ فَكَتَبَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَافِدٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، فَقَرَأَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلْهُ، وَلَكِنْ أَدِّبْهُ وَلَا تَبْلُغْ بِهِ الْقَتْلَ، فَلَمَّا رَجَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ اسْتَحْضَرَهُ وَكَانَ قَدِ اسْتَجَارَ بِوَالِدِ زَوْجَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ، وَكَانَتِ ابِنْتُهُ بَحْرِيَّةُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَجَارَهُ وآواه إلى داره، وجاء الجارود مُسَلِّمًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَبَعَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ الشرط إلى دار المنذر فجاؤوا بِابْنِ مُفَرِّغٍ فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، فَقَالَ: يَمْدَحُكَ وَيَمْدَحُ أَبَاكَ فترضى به، وَيَهْجُونِي وَيَهْجُو أَبِي ثُمَّ تُجِيرُهُ عَلَيَّ، ثمَّ أَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِابْنِ مُفَرِّغٍ فَسُقِيَ دَوَاءً مُسْهِلًا وَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ وَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَهُوَ يَسْلَحُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى سِجِسْتَانَ إِلَى عِنْدِ أَخِيهِ عَبَّادٍ، فَقَالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ: يَغْسِلُ الْمَاءُ مَا صَنَعْتَ وَقَوْلِي * رَاسِخٌ مِنْكَ فِي الْعِظَامِ البوالي فلما أمر عبيد الله بنفي ابن مفرغ إلى سجستان، كلم الْيَمَانِيُّونَ مُعَاوِيَةَ فِي أَمْرِ ابْنِ مُفَرِّغٍ، وَأَنَّهُ إنما بعثه إِلَى أَخِيهِ لِيَقْتُلَهُ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى ابْنِ مفرغ وأحضره، فلما وقفت بَيْنَ يَدَيْهِ بَكَى وَشَكَى إِلَى مُعَاوِيَةَ مَا فعل به ابن زياد، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ هَجَوْتَهُ، أَلَسْتَ الْقَائِلَ كَذَا؟ أَلَسْتَ الْقَائِلَ كَذَا؟ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَكَرَ أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُسْنِدَهَا إِلَيَّ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ وَمَنَعَهُ الْعَطَاءَ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ مُفَرِّغٍ مَا قَالَهُ فِي الطَّريق في معاوية يخاطب راحلته:
(1) في الطبري والكامل: وجل.
(*)
عدسٌ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ * نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
لَعَمْرِي لَقَدْ نَجَّاكِ مِنْ هُوَّةِ الرَّدَى * إِمَامٌ وَحَبْلٌ لِلْأَنَامِ وَثِيقُ سَأَشْكُرُ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ حُسْنِ نعمةٍ * وَمِثْلِي بِشُكْرِ الْمُنْعِمِينَ حَقِيقُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَمَا لَوْ كُنَّا نحن الذين هجوتنا لم يكن من أذانا شئ يصل إليك، ولم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ارتكب فيّ ما لم يرتكب مسلم من مسلم على غير حدث ولا جرم، قال: ألست القائل كذا؟ ألست القائل كذا؟ فقد عفونا عن جرمك، أما إنَّك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شئ فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، ولا تعامل أحداً إلا بالحسنى، وانظر لنفسك أي البلاد أحب إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فَاخْتَارَ الْمَوْصِلَ فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي الْقَدْومِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَالْمُقَامِ بِهَا فأذن له.
ثم أن عبد الرحمن رَكِبَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَاسْتَرْضَاهُ فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَنْشَدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَأَنْتَ زِيَادَةٌ فِي آلِ حربٍ * أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْدَى بَنَانِي أَرَاكَ أخاً وعماً وابن عمٍ * فلا أَدْرِي بغيبٍ مَا تَرَانِي فَقَالَ لَهُ عُبَيْدٌ الله: أَرَاكَ وَاللَّهِ شَاعِرَ سُوءٍ، ثُمَّ رَضِيَ عَنْهُ وأعاد إليه ما كان منعه مِنَ الْعَطَاءِ.
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَقَاضِيهَا شُرَيْحٌ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عبيد الله بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى كَرْمَانَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيُّ، مِنْ قبل عبيد الله بن زياد.
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ قال ابن الجوزي: تُوُفِّيَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَالصَّحِيحُ قَبْلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
الْحُطَيْئَةُ الشَّاعِرُ وَاسْمُهُ جَرْوَلُ (1) بْنُ مالك بن جرول بن مالك بن جوية بْنِ مَخْزُومِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عيسى بن مُلَيْكَةَ، الشَّاعِرُ الْمُلَقَّبُ بِالْحُطَيْئَةِ لِقَصَرِهِ (2) ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وأسلم في زمن الصِّديق،
(1) في الاصابة 1 / 378: جرول بن أوس بن مالك بن حيوة بن مخزوم بْنِ مَالِكِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عبس
العبسي.
(انظر الاغاني 2 / 157 طبقات ابن سلام: 93 الشعر والشعراء: 238) .
(2)
في الاغاني 2 / 157 والاصابة 1 / 378: لقب بالحطيئة لانه ضرط ضرطة بين قوم، فقيل له، ما هذا؟ فقال: إنما هي حطيئة: فسمي الحطيئة.
والحطيئة تصغير حطأة: فعلة من قولهم حطأ حطأ إذا ضرط (تاج العروس) .
(*)
وَكَانَ كَثِيرَ الْهِجَاءِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ هَجَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَخَالَهُ وَعَمَّهُ، وَنَفْسَهُ وَعِرْسَهُ، فَمِمَّا قَالَ فِي أُمِّهِ قَوْلُهُ: تَنَحِّي فَاقْعُدِي عَنِّي بَعِيدًا (1) * أَرَاحَ اللَّهُ مِنْكِ الْعَالَمِينَا أغرْبالا إِذَا اسْتُودِعْتِ سِرًّا * وَكَانَونًا عَلَى الْمُتَحَدِّثِينَا (2) جَزَاكِ اللَّهُ شَرًّا مِنْ عجوزٍ * وَلَقَّاكِ الْعُقُوقَ مِنَ الْبَنِينَا وَقَالَ فِي أَبِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ: لَحَاكَ اللَّهُ ثمَّ لحاكَ حَقًّا * أَبًا ولحاكَ مِنْ عمٍ وخالِ فنعمَ الشيخُ أنتَ لَدَى الْمَخَازِي * وَبِئْسَ الشيخُ أنتَ لَدَى الْمَعَالِي وَمِمَّا قَالَ فِي نفسه يذمها (3) : أبتْ شفتايَ اليوم أن تتكلما * بشرٍ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ؟ أَرَى ليَ وَجْهًا شوّهَ (4) اللَّهُ خَلْقَهُ * فقبحَ مِنْ وجهٍ وقبحَ حاملهْ وَقَدْ شَكَاهُ النَّاسُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَحْضَرَهُ وَحَبَسَهُ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الزَّبرقان بْنَ بَدْرٍ شَكَاهُ لِعُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَهْجُوهُ: دعْ المكارمَ لَا ترحلْ لِبُغْيَتِهَا * واقعدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الْكَاسِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاهُ هَجَاكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ طَاعِمًا كَاسِيًا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَا يَكُونُ هِجَاءٌ أَشَدَّ مِنْ هَذَا، فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَجَاهُ وَلَكِنْ سَلَحَ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ عُمَرُ وَقَالَ: يَا خَبِيثُ لَأَشْغَلَنَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ
الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَأَخْرَجَهُ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَهْجُوَ النَّاسَ وَاسْتَتَابَهُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ لِسَانَهُ فَشَفَعُوا فِيهِ حَتَّى أَطْلَقَهُ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضحاك بن عثمان الحرامي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ حَدَّثَنِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بِإِخْرَاجِ الْحُطَيْئَةِ مِنَ الْحَبْسِ وَقَدْ كَلَّمَهُ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُهُ، فَأُخْرِجَ وَأَنَا حَاضِرٌ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(1) في الكامل للمبرد 1 / 354 وفوات الوفيات 1 / 276 والاغاني 2 / 163: تنحي فاجلسي عني بعيدا
…
(2) الكانون: قيل النمام، وقيل الثقيل، وقيل الذي إذا دخل على القوم كنوا حديثهم منه وقيل هو المصطلي.
وقيل الغربال: النمام أيضا.
(3)
في الكامل للمبرد وقوات الوفيات: اطلع في حوض ماء فرأس وجهه فقال: (4) في الكامل للمبرد وفوات الوفيات: قبح.
(*)
مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ (1) * زُغْبِ (2) الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ غَادَرْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مظلمةٍ * فَارْحَمْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ (3) أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ * أَلْقَى إِلَيْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى الْبَشَرُ لَمْ يُؤْثِرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا * لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْإِثَرُ (4) فَامْنُنْ عَلَى صبيةٍ بِالرَّمْلِ مَسْكَنُهُمْ * بَيْنَ الْأَبَاطِحِ يَغْشَاهُمْ بِهَا الْقَدْرُ (5) نَفْسِي فِدَاؤُكَ كم بيني وبينهم * من عرض واديةٍ يَعْمَى بِهَا الْخُبُرُ قَالَ: فَلَمَّا قَالَ الْحُطَيْئَةُ: ماذا تقول الأفراخ بِذِي مَرَخٍ، بَكَى عُمَرُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَعْدَلَ مِنْ رَجُلٍ يَبْكِي عَلَى تَرْكِهِ الْحُطَيْئَةَ.
ثم ذكروا أَنَّهُ أَرَادَ قَطْعَ لِسَانِ الْحُطَيْئَةِ لِئَلَّا يَهْجُوَ به الناس فأجلسه على كرسي وجئ بِالْمُوسَى، فَقَالَ النَّاسُ: لَا يَعُودُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَشَارُوا إِلَيْهِ قُلْ: لَا أَعُودُ، فَقَالَ له عمر النجا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْجِعْ يَا حُطَيْئَةُ، فَرَجَعَ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ عِنْدَ شَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ كَسَرَ لَكَ نُمْرُقَةً، وَبَسَطَ لَكَ
أُخْرَى، وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا، فَانْدَفَعْتَ تُغَنِّيهِ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ، قَالَ أَسْلَمُ: فَرَأَيْتُ الْحُطَيْئَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو وَقَدْ كَسَرَ لَهُ نُمْرُقَةً وَبَسَطَ لَهُ أُخْرَى، وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا فَانْدَفَعَ حُطَيْئَةُ يُغَنِّي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا حُطَيْئَةُ أَتَذْكُرُ يَوْمَ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ؟ فَفَزِعَ وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَرْءَ، لَوْ كَانَ حَيًّا مَا فَعَلْنَا هَذَا، فَقَلَتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَكُنْتَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ لِلْحُطَيْئَةِ: دَعْ قَوْلَ الشِّعْرِ.
قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لمَ؟ قال: هو مأكلة عيالي، وعلة لِسَانِي، قَالَ: فَدَعِ الْمِدْحَةَ الْمُجْحِفَةَ، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ تَقُولُ بَنُو فُلَانٍ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، امْدَحْ وَلَا تُفَضِّلْ، فَقَالَ: أَنْتَ أَشْعَرُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْ مَدِيحِهِ الْجَيِّدِ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِأَبِيكُمُ * مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا أُولَئِكَ قَوْمِي إِنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا الْبِنَا * وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفُوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا * وَإِنْ أَنْعَمُوا لَا كَدَّرُوهَا وَلَا كَدُّوا
(1) مرخ: قال ياقوت: واد بين فدك والوابشية كثير الشجر.
ويروى بذي أمر: موضع بنجد من ديار غطفان.
(2)
في الكامل للمبرد: حمر.
(3)
في الاغاني 2 / 186 وفوات الوفيات 12 / 277 والكامل للمبرد 1 / 353: ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
…
فاغفر عليك سلام الله يا عمر (4) الاثر: جمع أثرة وهي المكرمة، وفي الديوان: كانت بها الخير.
(5)
في الاغاني: أهلي
…
من عرض داوية
…
والداوية والدوية: الفلاة الواسعة.
(*)