الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حملت أمرا عظيما فاضطلعت به
…
وسرت فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمْرَا
الشَّمْسُ كَاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ
…
تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
وَقَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ رحمه الله يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: -
لَوْ أَعْظَمَ الْمَوْتُ خَلْقًا أَنْ يُوَاقِعَهُ
…
لِعَدْلِهِ لَمْ يُصِبْكَ الْمَوْتُ يَا عُمَرُ
كَمْ مِنْ شَرِيعَةِ عَدْلٍ قَدْ نَعَشْتَ لَهُمْ
…
كَادَتْ تَمُوتُ وَأُخْرَى مِنْكَ تُنْتَظَرُ
يَا لَهَفَ نَفْسِي وَلَهَفَ الْوَاجِدِينَ مَعِي
…
عَلَى الْعُدُولِ الَّتِي تَغْتَالُهَا الْحَفْرُ
ثَلَاثَةٌ مَا رَأَتْ عَيْنِي لَهُمْ شَبَهًا
…
تَضُمُّ أَعْظُمَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحُفَرُ
وَأَنْتَ تَتْبَعُهُمْ لَمْ تَأْلُ مُجْتَهِدًا
…
سُقْيًا لَهَا سُنَنٌ بِالْحَقِّ تَفْتَقِرُ
لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ
…
تَأْتِي رَوَاحًا وَتِبْيَانًا وَتَبْتَكِرُ
صَرَفْتُ عَنْ عُمَرَ الْخَيْرَاتِ مَصْرَعَهُ
…
بِدَيْرِ سَمْعَانَ لَكِنْ يَغْلِبُ الْقَدْرُ
قَالُوا: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ أَرْضِ حِمْصَ، يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ، وَقِيلَ بَقِينَ من رجب، وقيل لعشر بقين منه، سنة إحدى وقيل ثِنْتَيْنِ وَمِائَةٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ مَسْلَمَةُ ابن عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقِيلَ صَلَّى عَلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقِيلَ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقِيلَ إِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ بِأَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ بِأَكْثَرَ، وقيل إنه عاش ثلاثا وستين سَنَةً، وَقِيلَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ، وقيل ثمانيا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الأربعين ولم يبلغها. وَقَالَ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: مات على رأس خمس وأربعين وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا وَهْمٌ، والصحيح الأول تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل أربعة عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ.
وَكَانَ رحمه الله أَسْمَرَ دَقِيقَ الْوَجْهِ حَسَنَهُ نَحِيفَ الْجِسْمِ حَسَنَ اللِّحْيَةِ غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ شَجَّةٍ وَكَانَ قَدْ شَابَ وَخَضَّبَ رحمه الله، وَاللَّهُ سبحانه أعلم.
[فصل
لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر: ما لي ولك؟ تنح عنى، إنما أنا رجل من المسلمين. ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه فقال: أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأى كان منى فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون. فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك
لأنفسنا وأمرنا، ورضينا كلنا بك. فلما هدأت أصواتهم حمد الله وأثنى عليه وقال: أوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف، وأكثروا من ذكر الموت فإنه هادم اللذات، وأحسنوا الاستعداد له قبل نزوله، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ولا في كتابها ولا في نبيها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطى أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا، ثم رفع صوته فقال: أيها الناس! من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعونى ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت والثياب التي كانت تبسط للخلفاء أمر بها فبيعت، وأدخل أثمانها في بيت المال، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع؟ قال: يا بنى أقيل، قال: تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها؟ فقال: إني سهرت البارحة في أمر سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم. فقال له ابنه: ومن لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن منى أي بنى، فدنا منه فقبل بين عينيه وقال: الحمد للَّه الّذي أخرج من صلبى من يعينني على ديني. ثم قام وخرج وترك القائلة وأمر مناديه فنادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص [1] فقال:
يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال: ما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبنى أرضى. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى.
فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته، فردها عليه.
ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه، فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بنى مروان وغيرهم، مما كان في أيديهم بغير استحقاق، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئا، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان- وكانت عمته- فشكوا إليها ما لقوا من عمر، وأنه قد أخذ أموالهم ويستنقصون عنده، وأنه لا يرفع بهم رأسا، وكانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء، ولا ترد لها حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة، وقامت فركبت إليه، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها، لأنها أخت أبيه، وألقى لها وسادة، وشرع يحادثها، فرآها غضبى وهي على غير العادة، فقال لها عمر: يا عمه مالك؟
فقالت: بنو أخى عبد الملك وأولادهم يهانون في زمانك وولايتك؟ وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم، ويسبون عندك فلا تنكر؟ فضحك عمر وعلم أنها متحملة، وأن عقلها قد كبر، ثم شرع يحادثها والغضب لا يتحيز عنها، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد، فقال: يا عمه! اعلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم
[1] في الأصل «من أهل خضر» وصححناه من سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صفحة 104
مات وترك الناس على نهر مورود، فولى ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، وايم الله لئن أبقانى الله لأردنه إلى مجراه الأول، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي، والوالي لا يزيل ذلك، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم؟ فقالت: فلا يسبوا عندك؟ قال: ومن يسبهم؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها. ذكر ذلك ابن أبى الدنيا وأبو نعيم وغيرهما، وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية.
وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة: ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما له قميص غيره، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدرى هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟
فقال: إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي الله، فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه.
وعرض عليه مرة مسك من بيت المال فسدّ أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال: وهل ينتفع من المسك إلا بريحة؟ ولما احتضر دعا بأولاده وكانوا بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال: بنفسي الفتية. وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بهذه الأبيات: -
يرى مستكينا وهو للقول ماقت
…
به عن حديث القوم ما هو شاغله
وأزعجه علم عن الجهل كله
…
وما عالم شيئا كمن هو جاهله
عبوس عن الجهال حين يراهم
…
فليس له منهم خدين يهازله
تذكر ما يبقى من العيش فارعوى
…
فأشغله عن عاجل العيش آجله
وروى ابن أبى الدنيا عن ميمون بن مهران قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وعنده سابق البربري وهو ينشده شعرا، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات: -
فكم من صحيح بات للموت آمنا
…
أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة
…
فرارا ولا منه بقوّته امتنع
فأصبح تبكيه النساء مقنعا
…
ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله
…
وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغنىّ لماله
…
ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
وقال رجا بن حيوة: لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيد بن عبد الملك بعده
في الخلافة، أتاه عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد يا أمير المؤمنين! إن هذا المرائي- يعنى عمر ابن عبد العزيز- قد خان من المسلمين كل ما قدر عليه من جوهر نفيس ودر ثمين، في بيتين في داره مملوءين، وهما مقفولان على ذلك الدر والجوهر. فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: بلغني أن عمر خلف جوهرا ودرا في بيتين مقفولين. فأرسلت إليه: يا أخى ما ترك عمر من سبد ولا لبد، إلا ما في هذا المنديل. وأرسلت إليه به، فحله فوجد فيه قميصا غليظا مرقوعا، ورداء قشبا، وجبة محشوة غليظة واهية البطانة. فقال يزيد للرسول: قل لها: ليس عن هذا أسأل، ولا هذا أريد، إنما أسأل عما في البيتين. فأرسلت تقول له: والّذي فجعني بأمير المؤمنين ما دخلت هذين البيتين منذ ولى الخلافة، لعلمي بكراهته لذلك، وهذه مفاتيحهما فتعال فحول ما فيهما لبيت مالك. فركب يزيد ومعه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين فإذا فيه كرسي من أدم وأربع آجرّات مبسوطات عند الكرسي، وقمقم. فقال عمر بن الوليد: أستغفر الله، ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجدا مفروشا بالحصى، وسلسلة معلقة بسقف البيت، فيها كهيئة الطوق بقدر ما يدخل الإنسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته، وربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام، ووجدوا صندوقا مقفلا ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دراعة وتبان، كل ذلك من مسوح غليظ، فبكى يزيد ومن معه وقال: يرحمك الله يا أخى، إن كنت لنقى السريرة، نقى العلانية. وخرج عمر بن الوليد وهو مخذول وهو يقول:
أستغفر الله، إنما قلت ما قيل لي.
وقال رجاء: لما احتضر جعل يقول: اللَّهمّ رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب لما عجلت تأخيرا، ولا لما أخرت تعجيلا. فلا زال يقول ذلك حتى مات. وكان يقول: لقد أصبحت وما لي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء الله فيها.
وقال شعيب بن صفوان: كتب سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلى عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة: أما بعد يا عمر فإنه قد ولى الخلافة والملك قبلك أقوام، فماتوا على ما قد رأيت، ولقوا الله فرادى بعد الجموع والحفدة والحشم، وعالجوا نزع الموت الّذي كانوا منه يفرون، فانفقأت أعينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها، واندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد، وتظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم، وانشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع ولون من الأموال والأطعمة، وصاروا جيفا بعد طيب الروائح العطرة، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه وهم أحياء لتأذى بهم، ولنفر منهم، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب والثياب الفاخرة اللينة، كانوا ينفقون الأموال إسرافا في أغراضهم وأهوائهم، ويقترون في حق
الله وأمره، فان استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم، وأنت غير محبوس ولامرتهن بشيء فافعل، واستعن باللَّه ولا قوة إلا باللَّه سبحانه.
وما ملك عما قليل بسالم
…
ولو كثرت أحراسه ومواكبه
ومن كان ذا باب شديد وحاجب
…
فعما قليل يهجر الباب حاجبه
وما كان غير الموت حتى تفرقت
…
إلى غيره أعوانه وحبائبه
فأصبح مسرورا به كل حاسد
…
وأسلمه أصحابه وحبائبه
وقيل إن هذه الأبيات لغيره.
وقال ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص: حدثنا عاصم بن عامر حدثنا أبى عن عبد ربه بن أبى هلال عن ميمون بن مهران قال: تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رهط من إخوانه ففتح له منطق وموعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه وقد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له: يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فانى أرجو أن يمنّ الله به على من سمعه أو بلغه، فقال:
إليك عنى يا أبا أيوب، فان في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، والفعال أولى بالمؤمنين من المقال. وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: استعملنا أقواما كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم الله، أما كانوا يمشون على القبور!! وروى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يذكر قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عدي بن أرطاة- وبلغه عنه بعض ما يكره-: أما بعد فإنه غرني بك مجالستك القراء، وعمامتك السوداء، وإرسالك إياها من وراء ظهرك، وإنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، وقد أطلعنا الله على كثير مما تعملون.
وروى الطبراني والدارقطنيّ وغير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له: أما بعد فانى أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله، والاقتصاد في أمره، وترك ما أحدث المحدثون بعده، ممن قد حارب سنته، وكفوا مؤنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها- أو قال دليل عليها- فعليك لزوم السنة، فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ والزلل، والحمق والخطأ والتعمق، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وعلى العمل الشديد أشد، وإنما كان عملهم على الأسد، ولو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، وإليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فان قلت: قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وحاد عن طريقهم، ورغبت نفسه عنهم، ولقد تكلموا منه ما يكفى، ووصفوا منه ما يشفى، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم غير محسن، ولقد
قصر أقوام دينهم فحفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم الله ابن عبد العزيز. ما أحسن هذا القول الّذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ومحبة ما كان عليه الصحابة، فمن الّذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء وغيرهم؟ فرحمه الله وعفا عنه.
وروى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبى مريم عن رشيد بن سعيد قال: حدثني عقيل عن شهاب عن عمر بن عبد العزيز. قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، ليس على أحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدى، ومن استبصر بها أبصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وأمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته: إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء الله والدار الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعد له أحمق، والمكذب له كافر. ثم تلا قوله تعالى أَلا إِنَّهُمْ في مِرْيَةٍ من لِقاءِ رَبِّهِمْ 41: 54 وقوله تعالى وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ 12: 106 وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر: بئس ما علّمت، إذ قدّمت إمام المسلمين صبيا لم يعرف النية [1]- أو لم تدخله النية- ذكره في كتاب النية له. وروى ابن أبى الدنيا في كتاب الرقة والبكاء، عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له: يا بنى ليس الخير أن يسمع لك وتطاع، وإنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك عز وجل ثم أطعته، يا بنى لا تأذن اليوم لأحد على حتى أصبح ويرتفع النهار، فانى أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عنى، فقال له مولاه: رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله، قال فبكى ثم قال: يا بنى إني والله ذكرت الوقوف بين يدي الله عز وجل. قال: ثم غشي عليه فلم يفق حتى علا النهار، قال: فما رأيته بعد ذلك متبسما حتى مات.
وقرأ ذات يوم وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ من قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ من عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً 10: 61 الآية، فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكى لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحال، فقال له: يا أبة ما يبكيك؟ فقال: يا بنى خير، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بنى لقد خشيت أن أهلك وأن أكون من أهل النار.
وروى ابن أبى الدنيا عن عبد الأعلى بن أبى عبد الله العنبري. قال: رأيت عمر بن عبد العزيز
[1] كذا بالأصول والظاهر أن فيه نقصا.
خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، وراءه حبشي يمشى، فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله، حتى صعد المنبر فخطب فقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 81: 1 فقال: وما شأن الشمس وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ 81: 12- 13 فبكى وبكى أهل المسجد، وارتج المسجد بالبكاء حتى رأيت حيطان المسجد تبكى معه، ودخل عليه أعرابى فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بى إليك الحاجة، وانتهيت إلى الغاية، والله سائلك عنى. فبكى عمر وقال له: كم أنتم؟ فقال:
أنا وثلاث بنات. ففرض له على ثلاثمائة، وفرض لبناته مائة مائة، وأعطاه مائة درهم من ماله، وقال له: اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم.
وجاءه رجل من أهل أذربيجان فقام بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق، من يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، ولا براءة من الذنب، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال له: ما حاجتك؟
فقال: إن عملك بأذربيجان عدا عليّ فأخذ منى اثنى عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال. فقال عمر: اكتبوا له الساعة إلى عاملها، فليرد عليه، ثم أرسله مع البريد. وعن زياد مولى ابن عياش قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ في ليلة باردة شاتية، فجعلت أصطلى على كانون هناك، فجاء عمر وهو أمير المؤمنين فجعل يصطلى معى على ذلك الكانون، فقال لي: يا زياد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قصّ على، قلت ما أنا بقاصّ، فقال: تكلم، فقلت زياد، فقال: ما له؟
فقلت: لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار، ولا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة، فقال:
صدقت، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الّذي في الكانون.
وقال له زياد العبديّ: يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف وأعملها في المخرج مما وقعت فيه، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه، ثم قال له زياد: يا أمير المؤمنين أخبرنى عن رجل له خصم ألد ما حاله؟ قال: سيء الحال، قال: فان كانا خصمين ألدّين؟ قال: فهو أسوأ حالا، قال: فان كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال:
فو الله يا أمير المؤمنين ما أحد مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلا وهو خصمك، قال: فبكى عمر حتى تمنيت أنى لم أكن حدثته ذلك. وكتب عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أرطاة وأهل البصرة: أما بعد فان من الناس من شاب في هذا الشراب، ويغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم، فسفكوا له الدم الحرام، وارتكبوا فيه الفروج الحرام، والمال الحرام، وقد جعل الله عن ذلك مندوحة من أشربة حلال، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الأدم، واستغنوا بما أحل الله عما حرم، فانا من وجدناه شرب شيئا مما حرم الله بعد ما تقدمنا إليه، جعلنا له عقوبة شديدة،