المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: هل تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر: - البدعة الشرعية

[أبو المنذر المنياوي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة]

- ‌ذم البدع والمبتدعين:

- ‌أولا: من القرآن الكريم

- ‌ثانياً: من السنة:

- ‌الباب الأولتعريف البدعة:

- ‌ثانياً: تعريف البدعة اصطلاحاً:

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني:

- ‌وقفات مع تعريف الشاطبي:

- ‌الوقفة الأولى:

- ‌الوقفة الثانية:

- ‌الوقفة الثالثة:

- ‌أقوال أخرى في تعريف البدعة

- ‌قال ابن تيمية:

- ‌قال ابن حجر الهيتمي:

- ‌قال العيني:

- ‌قال ابن الجوزي:

- ‌قال ابن رجب الحنبلي:

- ‌قول الشيخ العثيمين:

- ‌قول الشيخ الألباني:

- ‌قول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي:

- ‌قول الشيخ حافظ الحكمي:

- ‌قول الشيخ أبي بكر الجزائري:

- ‌الباب الثانيشرح التعريف

- ‌الفصل الأول:الكلام على صيغة العموم (كل)، وأنها على عمومها وشمولها لجميع البدع

- ‌المبحث الأول: بيان عموم ذم البدع

- ‌المبحث الثاني: البدعة التركية:

- ‌المبحث الثالث: بيان أن البدع تكون في كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي من الأعمال [

- ‌الفصل الثاني:الكلام على قيد: (ما أُحدث بقصد التعبد لله عز وجل

- ‌الفصل الثالث:الكلام على قيد: (ولم يقم عليه دليل أصلاً)

- ‌المبحث الأول: سنة الخلفاء الراشدين:

- ‌المبحث الثاني: عمل (قول أو فعل) الصحابي:

- ‌المبحث الثالث: البدعة الحقيقية:

- ‌الفصل الرابع: الكلام على قيد (أو وصفاً):

- ‌الباب الثالث: تتمات

- ‌الفصل الأول: أقسام البدعة:

- ‌الفصل الثاني:حكم البدعة:

- ‌المبحث الأول: بيان تفاوت البدع وأنها ليست على رتبة واحدة:

- ‌المبحث الثاني: بيان وجه خروج المكروه تنزيهاً عن حكم البدع:

- ‌المبحث الثالث: هل تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر:

- ‌المبحث الرابع: إثم المبتدعين ليس على رتبة واحدة:

- ‌المبحث الخامس: حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله:

- ‌الفصل الثالث: علاقة البدع بغيرها:

- ‌المبحث الأول: العلاقة بين البدع والمعاصي:

- ‌أولا - وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:

- ‌ثانيا - وجوه الافتراق بين البدعة والمعصية

- ‌المبحث الثاني: العلاقة بين البدع والمصالح المرسلة:

- ‌تمهيد - معنى المصلحة المرسلة:

- ‌شروط اعتبار المصالح المرسلة

- ‌وجوه اجتماع المصالح المرسلة مع البدعة

- ‌وجوه الافتراق بين المصالح المرسلة والبدعة

- ‌الباب الرابعالرد على محسني البدع

- ‌المبحث الأول - مثبتو البدعة الحسنة:

- ‌المبحث الثاني - أدلتهم لإثبات البدعة الحسنة

- ‌المبحث الثالث - توجيهاتهم الأخرى لأدلة ذم البدع:

- ‌الخاتمة:

- ‌الفصل الأول: أسباب الابتداع

- ‌الفصل الثاني - هجر المبتدع

- ‌الفصل الثالث - خاتمة الخاتمة:

الفصل: ‌المبحث الثالث: هل تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر:

فإنه يعد ما دخل فيه حسنا بل يراه أولى بما حد له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه هدى سبيلا ونحلته أولى بالاتباع، هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع للهوى

والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس] (1).

قال الشيخ الألباني: [يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي بها الرجل في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة وليس في البدع - كما يتوهم البعض - ما هو في رتبة المكروه فقط](2).

‌المبحث الثالث: هل تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر:

قال ابن القيم: [وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة. قلت: يريد أن البدعة من الكبائر وأنها أكبر من كبائر أهل السنة فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع وهذا معنى قول بعض السلف البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها](3).

وهذا المعنى نصره ابن القيم أيضاً عندما تكلم عن مراحل تدرج الشيطان في الإغواء، فجعل العقبة الأولى هي الكفر، والعقبة الثانية هي البدعة، والثالثة هي الكبائر

قال ابن القيم: (العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله

وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على العقبة الثانية وهي عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئا والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى

فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم

(1) الاعتصام 2/ 49: 56).

(2)

حجة النبي صلى الله عليه وسلم ص 101.

(3)

مدارج السالكين (1/ 322).

ص: 103

بإحسان

طلبه على العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء

والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله وصاحبها لا يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ولتضمنها القول على الله بلا علم ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها والاجتهاد على إطفاء نور السنة وتولية من عزله الله ورسوله وعزل من ولاه الله ورسوله واعتبار ما رده الله ورسوله ورد ما اعتبره وموالاة من عاداه ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم وفتح باب تبديل الدين جملة فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين] (1).

فهذا يدل على أن البدعة عنده أكبر من الكبائر، ولكن طرد هذا الكلام هل يستقيم؟ ! أم أنه من ناحية الجنس فقط (2)، بمعنى أنه لا منافاة بين هذا الأصل وأن تكون بعض البدع كنحو رفع الإمام يديه يوم الجمعة في إثناء الخطبة أو المصافحة عقب الصلوات ونحو ذلك مما سيأتي التمثيل به، أخف من بعض الكبائر كترك الصلاة، والزنا، وقتل النفس، وشرب الخمر،

(لازم ما سيأتي من كلام الشاطبي اختيار القول الأخير، فقد ذهب إلى أن البدع تنقسم إلى كبائر وصغائر بأوصاف وشروط، فتعالوا نتوقف مع كلامه لنتبين وجهه، والله المستعان.

قال الشاطبي: [المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة حسبما تبين في علم الأصول الدينية فكذلك يقال في البدع المحرمة إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها كما تقدم وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة، ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه

(1) مدارج السالكين (1/ 222: 224).

(2)

ويوضحه أن مثلاً جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولكن هذا لا ينفي أن تكون من النساء من هي أفضل من بعض الرجال.

ص: 104

وجميع ما قالوه لعله لا يوفى بذلك المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه، وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة، وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال وكل ما نص عليه راجع إليها وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. (1)

فكذلك نقول في كبائر البدع (2) ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ومالا فهي صغيرة (3)، فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسن انحصار حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب كذلك تنحصر كبائر البدع أيضا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها؛ وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما أصلا وإما فرعا لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه أو ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات إن قلنا بدخولها في العادات بل تمنع الجميع، وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال بأول الضروريات وهو الدين وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة وقال في الفرق:" كلها في النار إلا واحدة " وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل، هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر

(1) وهذا الحد غير منضبط، فهو غير مانع ولا جامع، أما الأول، وهو أنه غير مانع، فإنه بناء على هذا الحد يلزم أن تكون هذه الأفعال الآتية من الكبائر لأن فيها إخلالاً بأحد هذه الضرورات الخمس مع أنها عنده من الصغائر، كما نص على ذلك، ومن أمثلة ذلك في الإخلال بالنفس: اللطمة وأقل خدش يتصور. وفي الإخلال بالمال: سرقة لقمة أو التطفيف بحبة. وفي الإخلال بالدين قرن القدمين في الصلاة وعدم الترويح بينهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى. وهكذا

وأما الثاني، وهو أنه غير جامع فلأنه لا يدخل فيه عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم وأكل الخنزير والميتة، ونحو ذلك مما هو معروف ولا يصادم شيئاً مما ذكر.

(2)

ولاحظ أنه بنى قياسه هنا بناء على أن البدع من جملة المعاصي، ولكن هذا القياس مع الفارق، فكل بدعة معصية وزيادة من استدراك على الشرع بالزيادة أو النقصان، وقد تكلم العلماء على الفروق بينهما كما سيأتي بمشيئة الله.

(3)

لاحظ أن جميع البدع فيها إخلال بالدين واستدراك على الشرع، وسيأتي كلام الشاطبي على هذه الجزئية قريباً.

ص: 105

كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان وكذلك سائرها مع الإخلال فكل منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة.

ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكر ففي النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه:

أحدها أنا نقول الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة فالقتل كبيرة وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها وقطع عضو واحد كبيرة دونها وهلم جرا إلى أن تنتهي إلى اللطمة ثم إلى أقل خدش يتصور فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة (1)، كما قال العلماء في السرقة إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال، فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر، وهذا في ضرورة الدين أيضا

قال ابن رشد جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة. قاله في المدونة وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين وهو من محدثات الأمور انتهى، فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به اثر فيقال في مثله إنه من كبار البدع، كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب؛ فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة.

والثاني أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن وبدعة الخوارج في قولهم

(1) وما هو الحد الضابط للتفريق بينهما، فكان ينبغي له أن يقيد تعريفه الأول هنا بما يتضح به المقام كما هو شأن الحدود.

ص: 106

لا حكم إلا لله، وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع بل يجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتي في بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثوب ضلال وبدعة الأذان والإقامة في العيدين وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين وما أشبه ذلك، فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلا لها.

فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد (1)، فلا قطع على أن جميعها من واحد وقد ظهر وجه انقسامها.

والثالث أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر ولا شك أن البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة ونوع من أنواعها فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا ولا يخصص وجودها بتعميم الدخول في الكبائر لأن ذلك تخصيص من غير مخصص ولو كان ذلك معتبرا لاستثنى من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع فكانوا ينصون على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام فظهر أنه شامل لجميع

أنواعها (2).

فإن قيل إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا وإنما يدل ذلك على أنها تتفاضل فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف والخفة هل تنتهي إلى

(1) ويعكر عليه في هذا التقسيم من حصر الكبائر في البدع الكلية، والصغائر في الجزئية أن بدعة القول بخلق القرآن، على حسب تقسيمه من البدع الجزئية، فهل هي عنده من الصغائر مع تصريح السلف بأن من قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر.

(2)

سبق بيان الفرق بينهما، وكما هو معلوم فإن الحكم على الأعم لا يقتضي الحكم على الأخص،؛ فيتوجه على هذا الإلحاق ما يسمى بقادح المنع، والمقصود منع وجود حكم الأصل في الفرع، وسيأتي من كلام الشاطبي نفسه ما يؤيد هذا الوجه.

ص: 107

حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم، هذا فيه نظر، وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة في المعاصي غير البدع.

وأما في البدع فثبت لها أمران أحدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفى بما حد له. والثاني أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا لكفر إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر، فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء في الفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية.

وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني. وأما الثالث فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام كل بدعة ضلالة وما تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها، وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ذلك الانقسام بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصي.

وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل والصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير

ص: 108

بالنسبة إلى ما هو أكبر منه (1)

فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفى الكراهية التنزيه عنها من الواضحات.

فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ولا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدارك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية متنصل منها مقر لله بمخالفته لحكمها، وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إلى آخر الحكاية، ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها، فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة (2). فالجواب أن ذلك يصح

بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه المسألة.

وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وأن يكون غير عالم بذلك وغير العالم بكونها بدعة على ضربين وهما المجتهد في استنباطها وتشريعها والمقلد له فيها، وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه إذا

(1) وإلى هنا يتضح أنه لا يقول بتقسيم البدع إلى كبائر وصغائر، وأنه يقول بتفاوت رتبها فقط، ولكن لا يثبت حكم الصغائر على أقل البدع. وقد سئل تقي الدين ابن تيمية عن حد الكبائر وهل يصح حدها بأنها إنما سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها فقال:[ومن قال إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها وأن ما عصى الله به فهو كبيرة فانه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر وصغائر، وهذا خلاف القرآن فإن الله قال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وقال: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} وقال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} وقال: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} وقال: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} والأحاديث كثيرة في الذنوب الكبائر.]، وانظر مجموع الفتاوى (11/ 656).

(2)

كذا بالأصل، والصواب إضافة أداة الاستفهام (هل) في أول العبارة، ولعل مقصوده بالبدع الصغيرة إنما هي بالنسبة والإضافة، حتى لا يتناقض كلامه.

ص: 109

حكمنا له بحكم أهل الإسلام لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو التحريف له فلا بد له من تأويل كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة أو يقول إنها بدعة ولكنى رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه وما أشبه ذلك. وأما غير العالم وهو الواضع لها فإنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة بل هي عنده مما يلحق بالمشروعات كقول من جعل يوم الاثنين يصام لأنه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لأنه عليه السلام ولد فيه وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية

فهذه كلها من قبل التأويل. وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل

كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء منهم على أن شيوخ التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه ومنهم من مات بسببه

ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية فأما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات

وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلا تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة (1)

(1) وهذا منه يستدعي التعجب، فكيف يقرر هذا مع أنه يحكم على جميع البدع بالتحريم، وأن المكروه تنزيها غير وارد في حكم البدع حيث قال في الاعتصام (2/ 56):(والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس). فلماذا خصص عموم زيادة

(وكل ضلالة في النار) بلا مخصص، إلا أنه هاهنا بحث ينبغي الإشارة إليه، وهو الخلاف الذي ذكره العلماء في صغائر الذنوب وهل تقع مكفرة عند اجتناب الكبائر أم يشترط لها التوبة كالكبائر، فظاهر كلامه أنه اختار أنها تقع مكفرة، وأن فاعلها كفاعل المباح، وهذا القول ضعيف، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم:(ص/178 - 179): [الصغائر هل تجب التوبة منها كالكبائر أم لا؟ لأنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} هذا مما اختلف الناس فيه فمنهم من أوجب التوبة منها وهو قول أصحابنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر فقال تعالى: {) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ومن الناس من لم يوجب التوبة منها وحكي عن طائفة من المعتزلة ومن المتأخرين من قال يجب أحد الأمرين إما التوبة منها أو الإتيان ببعض المكفرات للذنوب من الحسنات وحكي ابن عطية في تفسيره في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين أحدهما وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث أنه يقطع بتكفيرها بذلك قطعا لظاهر الآية والحديث والثاني وحكاه عن الأصوليين أنه لا يقطع بذلك بل يحمل على غلبة الظن وقوة الرجاء وهو في مشيئته الله عز وجل إذ لو قطع بتكفيرها لكانت الصغائر في حكم المباح الذي لا تبعة فيه وذلك نقض لعري الشريعة قلت قد يقال لا يقطع بتكفيرها بها لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جادت مقيدة بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة وحينئذ يتحقق حسن العمل الذي يوجب التكفير وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر

وروي عن ابن عباس أنه قال لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلابد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش

] إلا أنه حتى على اختيار القول بأنها صغائر المعاصي تقع مكفرة فيعكر على اختياره هذا بالنسبة للبدع ما سبق تقريره من الفرق ببين البدع والمعاصي.

ص: 110

فعلى هذا إذا اجتمع في البدعة وصفان كونها جزئية وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة والله أعلم، ومثاله مسالة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس وضاحيا لا يستظل ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره أو يأتي غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذه وقد يبعد فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر وبالعكس فيوكل النظر

فيها إلى الاجتهاد (1) اهـ] (2).

ثم قال: [وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة (3) فذلك بشروط:

(1) وهذا ليس من شأن الحدود فقد أبطل هو بنفسه هذا الحد الغير منضبط.

(2)

الاعتصام (2/ 75: 65).

(3)

لعل مقصوده هنا الكلام على التقسيم بالنسبة إلى الإضافة، أو أن هذا التقسيم جدلي.

ص: 111

أحدها أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ولذلك قالوا " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار "(1) فكذلك البدعة من غير فرق إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها وقد لا يصر عليها

بخلاف البدعة فإن شأنها في المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها

والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه

والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به أو ممن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو أمرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق ولا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر

والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب به فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير

فالعاصي وإن يعمل المعصية لم يقصد بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني وإنما قصد اتباع شهوته مثلا فيما جعله الشارع صغيرا أو كبيرا فيقع الإثم على حسبه كما أن البدعة لم يقصد بها صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع وإنما قصد الجري على مقتضاه لكن بتأويل زاده ورجحه على غيره بخلاف ما إذا تهاون بصغرها في الشرع فإنه إنما تهاون بمخالفة الملك الحق لأن النهى حاصل

(1) روي مرفوعا من حديث ابن عباس وأنس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم وجميع أسانيدها واهية ساقطة. وانظر تفصيلها في: السلسة الضعيفة (رقم4810)، ولكنه صح من قول ابن عباس عند البيهقي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. ولكن الإصرار يحتاج لضابط، وليس هنا محل تحرير هذه المسألة.

ص: 112