المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

التفسِير: {و‌ ‌العصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} أي أُقسمُ بالدهر والزمان - صفوة التفاسير - جـ ٣

[محمد علي الصابوني]

الفصل: التفسِير: {و‌ ‌العصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} أي أُقسمُ بالدهر والزمان

التفسِير: {و‌

‌العصر

إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} أي أُقسمُ بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإِنسان في خسران، لأنه يفضِّل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب وقال قتادة: العصرُ هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة. . وإنما أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإِنسان، فكل لحظةٍ تمضي فإِنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل:

إِنا لنفرحُ بالأيام نقطعها

وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجل

قال القرطبي: أقسم الله عز وجل بالعصر وهو الدهر لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلائل على الصانع، وقيل: هو قسمٌ بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات {

ص: 574

إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} أي جعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضاً عن الشهوات العاجلات {وَتَوَاصَوْاْ بالحق} أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، وهو الخير كله، من الإِيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن {وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات. . حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إِلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإِيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإِن نجاة الإِنسان لا تكون إِلا إِذا كمَّل الإِنسان نفسه بالإِيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالنصح والإِرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السرُّ في تخصيص هذه الأمور الأربعة.

البَلَاغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 -

إِطلاق البعض وإرادة الكل {إِنَّ الإنسان} أي الناس بدليل الاستثناء.

2 -

التنكير للتعظيم {لَفِى خُسْرٍ} أي في خسرٍ عظيم ودمار شديد.

3 -

الإِطناب بتكرار الفعل {وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} لإِبراز كمال العناية به.

4 -

ذكر الخاص بعد العام {وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} بعد قوله {بالحق} فإن الصبر داخل في عموم الحق، إِلا أنه أفرده بالذكر إِشادة بفضيلة الصبر.

5 -

السجع غير المتكلف مثل {العصر، الصبر، خُسْرٍ} وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن «أبي حذيفة» وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ إِذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة {والعصر} ثم يسلم أحدهما على الآخر.

ص: 575

اللغَة: {هُمَزَةٍ} الهَّماز: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم، وبناء «فُعلة» يدل على الاعتياد فلا يقال: لُعنة وضُحكة إِلا للمكثر المعتاد {لُّمَزَةٍ} اللماز: الذي يعيب الناس وينال منهم بالحاجب والعين {الحطمة} نار جهنم سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يُلقى فيها وتحطمه وتهشميه {مُّؤْصَدَةٌ} مطبقة مغلقة من أوصد الباب إِذا أغلقه.

التفسِير: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} أي عذاب شديد وهلاك ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سراً بعينه أو حاجبه قال المفسرون: نزلت السورة في «الأخنس بن شريق» لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، يلمزهم ويعيبهم مقبلين ومدبرين، والحكم عامٌ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، {الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي الذي جمع مالاً كثيراً وأحصاه، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات قال الطبري: أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حقَّ الله فيه ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي يظن

ص: 576

هذا الجاهل لفرط غفلته أن ماله سيتركه مخلداً في الدنيا لا يموت {كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة} أي ليرتدع عن هذا الظنّ فواللهِ ليطرحنَّ في النار الت تحطم كل ما يُلقى فيها وتلتهمه {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة} تفخيمٌ وتهويلٌ لشأنها أي وما الذي أعلمك ما حقيقة هذه النار العظيمة؟ إِنها الحطمة التي تحطم العظام وتأكل اللحوم، حتى تهجم على القلوب، ثم فسرها بقوله {نَارُ الله الموقدة} أي هي نار الله المسعَّرة بأمره تعالى وإِرادته، ليست كسائر النيران فإِنها لا تخمد أبداً، وفي الحديث «أُوقد على النار ألفُ سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة» {التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة} أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب فتحرقها قال القرطبي: وخصَّ الأفئدة لأن الألم إِذا صار إِلى الفؤاد مات صاحبه، فإِنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} [الأعلى: 13] فهم إِذاً أحياء في معنى الأموات {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي إِن جهنم مطبقة مغلقةٌ عليهم، لا يدخل إِليهم روح ولا ريحان {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} أي وهم موثوقون في سلاسل وأغلال، تشدُّ بها أيديهم وأرجلهم، بعد إطباق أبواب جهنم عليهم، فقد يئسوا من الخروج بإِطباق الأبواب عليهم، وتمدد العمد إِيذاناً بالخلود إِلى غير نهاية. .

البَلَاغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:

1 -

صيغة المبالغة {هُمَزَةٍ، لُّمَزَةٍ} لأن بناء «فُعلة» يدل على أنها عادة مستمرة.

2 -

التنكير للتفخيم {جَمَعَ مَالاً} أي مالاً كثيراً لا يكاد يحصى.

3 -

التفخيم والتهويل {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة} ؟ تهويلاً لشأن جهنم.

4 -

الجناس غير التام بين {هُمَزَةٍ} و {لُّمَزَةٍ} ويسمى الجناس الناقص.

5 -

توافق الفواصل مثل {عَدَّدَهُ، أَخْلَدَهُ، الموقدة، مُّمَدَّدَةِ} ويسمى بالسجع.

ص: 577