الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَبْلَ نُبُوءَتِهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَبَاهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ.
وَمَعْنَى يَقُومُ الْحِسابُ: يَثْبُتُ. اسْتُعِيرَ الْقِيَامُ لِلثُّبُوتِ تَبَعًا لِتَشْبِيهِ الْحِسَابِ بِإِنْسَانٍ قَائِمٍ، لِأَنَّ حَالَةَ الْقِيَامِ أَقْوَى أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ إِذْ هُوَ انْتِصَابٌ لِلْعَمَلِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، إِذَا قَوِيَتْ وَاشْتَدَّتْ. وَقَوْلُهُمْ: تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، إِذَا قَوِيَ ضَوْءُهَا، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ سُورَة الْبَقَرَة [4] .
[42، 43]
[سُورَة إِبْرَاهِيم (14) : الْآيَات 42 إِلَى 43]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43)
عَطْفٌ عَلَى الْجُمَلِ السَّابِقَةِ، وَلَهُ اتِّصَالٌ بِجُمْلَةِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [سُورَة إِبْرَاهِيم: 30] الَّذِي هُوَ وَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ بِأَنْ لَا يَغْتَرُّوا بِسَلَامَتِهِمْ وَأَمْنِهِمْ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ زَائِلٌ، فَأَكَّدَ ذَلِكَ الْوَعِيدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، مَعَ إِدْمَاجِ تَسْلِيَةِ الرَّسُول- عليه الصلاة والسلام عَلَى مَا يَتَطَاوَلُونَ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالدَّعَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [سُورَة إِبْرَاهِيم: 47] . وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [سُورَة المزمل: 11] .
وَبِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى التَّسْلِيَةِ وَمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ وَصْفِ فَظَاعَةِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحَشْرِ حَسُنَ اقْتِرَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْعَاطِفِ وَلَمْ تُفْصَلْ.
وَصِيغَةُ لَا تَحْسَبَنَّ ظَاهِرُهَا نَهْيٌ عَنْ حُسْبَانِ ذَلِكَ. وَهَذَا النَّهْيُ كِنَايَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ وَتَحْقِيقِ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْمَقَامِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثِيرَ لِلنَّاسِ ظَنَّ وُقُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقُوَّةِ الْأَسْبَابِ الْمُثِيرَةِ لِذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ إِمْهَالَهُمْ وَتَأْخِيرَ
عُقُوبَتِهِمْ يُشْبِهُ حَالَةَ الْغَافِلِ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ تَحَقَّقْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ لَازِمِ عَدَمِ الْغَفْلَةِ وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ، فَهُوَ
كِنَايَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ، ذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَن الشَّيْء يَأْذَن بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِحَيْثُ يَتَلَبَّسُ بِهِ الْمُخَاطَبُ، فَنَهْيُهُ عَنْهُ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّلَبُّسِ بِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَقْدِيرِ تَلَبُّسِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ الْحُسْبَانِ. وَعَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ جَاءَتِ الْآيَةُ سَوَاءً جَعَلْنَا الْخِطَابَ لِكُلِّ مَنْ يَصِحَّ أَنْ يُخَاطَبَ فَيدْخل فِيهِ النَّبِي- عليه الصلاة والسلام أَمْ جَعَلْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ابْتِدَاءً وَيَدْخُلُ فِيهِ أُمَّتُهُ.
وَنَفْيِ الْغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى صَرِيحِ مَعْنَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَظُنُّهُ مُؤْمِنٌ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِعْجَالِ الْعَذَابِ لِلظَّالِمِينَ. وَمِنْهُ جَاءَ مَعْنَى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم.
وَالْغَفْلَةُ: الذُّهُولُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [156] .
وَالْمُرَادُ بِالظُّلْمِ هُنَا الشِّرْكُ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ بِإِيقَاعِهَا فِي سَبَبِ الْعَذَابِ الْمُؤْلِمِ، وَظُلْمٌ لِلَّهِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. وَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الظُّلْمِ دُونَ الشِّرْكِ مِثْلَ ظُلْمِ النَّاسِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ أَوْ حِرْمَانِهِمْ حُقُوقَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هِيَ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وَتَهْدِيدٌ لِلظَّالِمِ.
وَقَوْلُهُ: فِيهِ الْأَبْصارُ مَبْنِيَّة لِجُمْلَةِ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا الْخَ.
وَشُخُوصُ الْبَصَرِ: ارْتِفَاعُهُ كَنَظَرِ الْمَبْهُوتِ الْخَائِفِ.
وأل فِي الْأَبْصارُ لِلْعُمُومِ، أَيْ تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ النَّاسِ مِنْ هَوْلِ مَا يَرَوْنَ. وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مُشَاهَدَةُ هَوْلِ أَحْوَالِ الظَّالِمِينَ.
وَالْإِهْطَاعُ: إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ مَدِّ الْعُنُقِ كَالْمُتَخَتِّلِ، وَهِيَ هَيْئَةُ الْخَائِفِ.
وَإِقْنَاعُ الرَّأْسِ: طَأْطَأَتُهُ مِنَ الذُّلِّ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَنَعَ مِنْ بَابِ مَنَعَ إِذَا تَذَلَّلَ.
ومُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ حَالَانِ.