الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1626ـ قوله: وما يتناول بتناوله)
كالجواهر، والذهب والفضة، وما ينوب منابها كالأوراق. (تقرير)
(باب الربا، والصرف)
(1627 ـ نصيحة في التحذير من الربا)
(وبيان بعض أنواعه)
من محمد بن إبراهيم إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم أسباب الندم والفضائح. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ـ
فالباعث لهذا الكتاب هو نصيحتكم، والشفقة عليكم، وتحذيركم مما وقع فيه الكثير من الناس وهو تعاطي المعاملات الربوية والتعامل بها، وقد حرم الله تبارك وتعالى على عباده ذلك، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من السبع الموبقات، قال الله تعالى في كتابه {العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم} (1) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: آكل الربا يبعث
(1) سورة البقرة ـ آية 275، 276
يوم القيامة مجنون يخنق. رواه ابن أبي حاتم. وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربى إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ـ إلى قوله ـ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} (1) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاَ مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون. واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} (2) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التحريم والوعيد الشديد على من فعله.
وقد جاءت السنة الصحيحة بالزجر عنه والتحذير، وإيضاح ما أجمل منه بالبيان، والتفسير. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يارسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربى وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن جابر رضي الله عنه قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربى وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء " رواه مسلم. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فاقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث
(1) سورة البقرة ـ آية 278 ـ 279.
(2)
سورة آل عمران ـ آية 130 ـ 132.
كان فجعل كلما أراد أن يخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا. فقال الذي رأيته في النهر آكل الربى " رواه البخاري في صحيحه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشتري الثمر حتى تطعم، وقال: إذا ظهر الزنا والربى في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
وفي حديث الإسراء: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ليلة أسرى به وإذا بقوم لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل هؤلاء أكلة الربى" رواه البيهقي. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الربى ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربى عرض الرجل المسلم " رواه الحاكم، وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً:" ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلال أو حرام ". رواه البخاري، ولفظه:" لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أمن الحرام".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجزٍ " رواه مالك والبخاري وله: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح سواءً بسواء فمن زاد أن استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء".
وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حبان بن عبد الله العدوي وكان ثقة، فقال: سألت أبامجلز عن الصرف. فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً، ما كان منه يداً بيد، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى، ألا تتقي الله حتى توكل الناس الربى، أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو عند زوجته أم سلمة: " إني لأشتهي تمر عجوة فبعث بصاعين فؤتي بصاع عجوة، فقال من أين لكم هذا، فأخبروه فقال: ردوه، التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يداً بيد عيناً بعين مثلاً بمثل من زاد فهو ربا " ثم قال: وكذلك ما يكال أو يوزن أيضاً فقال ابن عباس: جزاك الله خيراً يا أبا سعيد، ذكرتني أمراً كنت نسيته، فأستغفر الله وأتوب إليه. قال: فكان ينهى عنه بعد.
فتضمنت هذه النصوص تحريم الربا بجميع أنواعه، وأنه من الكبائر، وأن متعاطيه محارب لله ورسوله.
فمن أنواعه بيع الجنس من هذه الأجناس الستة المتقدمة في الأحاديث ونحوها بجنسه نسيئة، أو غير معلوم المساوات للآخر، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ويدخل في ذلك بيع الدراهم الفضية بجنسها متفاضلاً أو غائباً مطلقاً، وبيع الأوراق السعودية بعضها ببعض أو الريالات الفضية متفاضلاً أو غائباً مطلقاً، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الحلال والحرام بقوله " مثلاً بمثل يداً بيد سواء بسواء عيناً بعين " وأكد ذلك بقوله:"فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء ".
ومن أنواعه المحرمة بإجماع المسلمين ما يفعله بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ وذلك أنه كان له على آخر دين وحل الأجل قال للذي عليه الحق إما أن تقضي وإلا يبقى عندك بزيادة كذا وكذا.
فهذا هو ربا الجاهلية، وذلك أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال.
ومن ذلك أن يعطي الرجل آخر ألفاً على أن يأخذ منه بعد سنة ألفاً ومائة، أو على أن يأخذ منه كل سنة مائة والألف في ذمته بحالهكما يفعله كثير من الناس والعاذ بالله ـ وذلك لما تقدم من النصوص، ولما روي عن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الدينار بالدينارين إن أخاف عليكم الرما" رواه الإمام أحمد. و " الرما " هو الربا.
ومنها " بيع العينة" الوارد في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم " رواه أ؛ مد وأبو داود وهي: أن يبيع سلعة بنسيئة أو بقيمة تقبض، ثم يشتريها بثمن أقل مما باعها به، فإن فعل بطل البيع الثاني ولو كان بعد حلول أجله.
قال الشيخ تقي الدين: إن قصد بالعقد الأول الثاني بطل الأول والثاني بطل الأول والثاني جميعاً.
ومن ذلك ما يقع في البنوك: مثل أن يقترض الرجل من البنك
مائة على أن يدفع له مع المائة زيادة ستة ريالات أو أقل أو أكثر.
ومثل أن يأخذ صاحب البنك من الرجل الدراهم ويعطيه ربحاً عن بقائها في ذمته خمسة ريالات أو أقل أو أكير. وهذا من أظهر أنواع الربا، وعين المحادة لله ورسوله.
فالواجب على ولاة الأمور والعلماء وأهل الحسبة وفقهم الله بيان غلظ تحريم ذلك، وإنكاره، وحسم مواده، واجتثائها من أصولها وعقوبة كل من ثبت عنه شيء من ذلك، وتغليظ العقوبة في حق من يتكرر منه ذلك، كما أن على المرابي أن يتوب إلى الله تعالى، وله رأس ماله فقط، لا يظلم، ولا يظلم كما قال تعالى:{وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولاتظلمون} .
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
(1628 ـ ما يجب، وما يخاف ـ على البنوك)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم المدير العام للإذاعة والصحافة والنشر
…
المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ـ
فقد وصل إلينا كتابكم رقم
…
وتاريخ
…
المرفق به قصاصة ما نشر بجريدة الندوة عدد
…
وتاريخ
بتوقيع الدكتور حمزه ناصر حول الأموال المودعة في البنوك،
واقتراحه بأن تساهم البنوك في جعل قسم من الأرباح في " صندوق بر خاص" يجري منه الإنفاق على الفقراء والمشاريع الخيرية.
وبتأمل ما أشار إليه الدكتور حمزه المذكور وجد غير وجيه، وليس له مسوغ شرعي، ولا مأخذ من كلام (1) العلم. والمسائل الشرعية لا يقال فيها بالرأي والاقتراحات المجردة من الدليل.
وأما مراعاة حقوق الفقراء وسد حاجاتهم فقد فرض الله لهم من الزكاة الشرعية في أموال المسلمين ما لو أخرجت على وجهها الشرعي لكفتهم.
والبنوك تحتاج إلى ملاحظتها في أشياء أهم مما ذكره هذا المقترح: مثل تجنب المعاملات المحرمة، والحذر من أكل أموال الناس بالباطل ومثل أداء الزكاة لمستحقيها من الأصناف الثمانية الذين بينهم الله تعالى في كتابه بقوله:{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} (2) .
ومن أخوف ما يخاف على البنوك والمتعاملين فيها الوقوع في الربا بأنواعه، ولا يخفى ما ورد فيه من التغليظ والتوعد بالعقوبات الدنيوية والأخروية، قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا
(1) أهل.
(2)
سورة التوبة ـ آية 60.
ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم} (1) ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (2) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون. واتقوا النار التي أعدت للكافرين. وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} (3) وفي الحديث " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء"(4) وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الربا ثلاث وسبعون باباً أيسرها مثل أنينكح الرجل أمه"(5) وفق الله الجميع لما يرضيه. والسلام عليكم.
(ص ـ ف 785 في 2/6/80)
(1629 ـ الاستقراض من البنوك بفائدة " العمولة")
الحمد لله وحده. وبعد:
فقد سئلت عن حكم " العمولة" التي يتعامل بها بعض البنوك يضع عندهم الرجل الدراهم ويقبض منهم أرباحاً معلومة النسبة في مدة معينة، أو بالعكس بأن يقرضوا الرجل دراهم ويأخذوا منه أرباحاً نسبية في مدة معينة.
فأفتيت بأن هذا حرام، ولا يصح شرعاً، لأنه من الربا
(1) سورة البقرة ـ آية 275 ـ 276.
(2)
سورة البقرة ـ آية 278 ـ 279.
(3)
سورة آل عمران ـ آية 130 ـ 132.
(4)
رواه مسلم.
(5)
رواه ابن ماجه.
المنهى عنه. قال ذلك الفقير إلى الله تعالى محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص ـ ف 418 ـ 1 في 10/2/1384هـ)
(1630 ـ قرض البنوك بفائدة)
(فتوى في الموضوع)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الله حيدر حوذان سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء المرفوع إلينا منك بخصوص سؤالك عن " مسألتين":
"إحداهما ": أن يكون للإنسان أمانة من النقود مودعة لدى البنك مثلاً، ثم يسحب منها بالتدريج، وقد يزيد سحبه من البنك على ماله لديه، فإذا صار مديناً للبنك تقاضى البنك منه عمولة شهرية لقاء بقاء المبلغ في ذمته له. وتسأل عن حكم هذه "العمولة".
ونفيدك أن هذه " العمولة " حرام، وهي تشتمل على الربا الصريح المحرم شرعاً في كتاب الله تعالى، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{يمحق الله الربا ويربي الصدقات} (1)
وقال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} (2) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" إذا علموا ذلك (3) ملعونون على لسان
(1) سورة البقرة ـ آية 276.
(2)
سورة البقرة ـ آية 275.
(3)
أخرجه ابن ماجه.
محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه:" درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زينة" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وهذه العمولة تجمع بين " ربا الفضل" و " ربا النسيئة" وذلك أن البنك يسلم لعمليه مبلغاً من المال كألف ريال (1000) مثلاً، وبعد مدة يستلم البنك المبلغ ومعه زيادته.
قربا الفضل في هذا أن البنك سلم لعميله ألف ريال واستلم منه أكثر مما سلمه.
وربا النسيئة أنه سلم ألفاً في الحال واستلم الألف ومعه زيادته بعد مدة.
يتضح هذا من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " رواه أحمد ومسلم، وما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " رواه أحمد والبخاري.
وبما ذكرنا يتضح المقصود.
" المسألة الثانية" تذكر أن بعض الناس يضطر أن يستقرض من البنك مبلغاً من المال مدة، فيتقاضى البنك لقاء بقائها في ذمة المستقرض عمولة. وتسأل عن هذه المسالة.
وجوابها جواب سابقتها، ولا فرق بين أن يسمى هذا المبلغ الزائد عن المستقرض " عمولة" أو " فائدة " أو نحو. وبالله التوفيق وصلى الله على محمد.
مفتي البلاد السعودية
(ص ـ ف 1134 ـ 1 في 1/5/1384 هـ)
(1631 ـ وما يعمله بعض الناس ليس بحجة)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد بن حسين حلمي
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصلنا استفتاؤك، وفهمنا ما تضمنه من أن بعض الناس يقترضون مبالغ من البنوك بفائض زعموا قدره (9) في المائة. وترغب الإقتراض بهذا الشكل، وتستفتي عن حكم ذلك.
ونفيدك أن هذا عين الربا المحرم، ولا يجوز بحال باتفاق علماء المسلمين. وما يعمله بعض الناس ليس بحجة على جوازه وإن كثروا، مالم تتأيد من كتاب أو سنة إو إجماع. والسلام عليكم
(ص ـ ف 298 ـ في 28/2/1382هـ)
(1632 ـ الروضة الندية)
في الرد من أجاز المعاملات الربوبية) *
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فقد نشرت مجلة الأسبوع التجاري في عدديها 39، 42 تحت عنوان (الربا الحلال منه، والحرام) مقالاً في إباحة النفع المشترط في عقد القرض، ومطالبة كل من يرى تحريمه بالدليل، والطعن فيما يدعى كاتب ذلك المقال ـ أحمد محمد محجوب خطيب مسجد ابن محفوظ ـ أنه ليس للفقهاء على التحريم دليل سواه، وهو حسب استقصائه منحصر فيما يلي ـ مع بيان موقفه منه:
1 ـ حديث (كل قرض جرّ منفعة فهو ربا)
يقول كاتب المقال المشار إليه: قال صاحب المنار: (لايجوز أن يقع ـ أي هذا الحديث ـ تفسيراً للقرآن، لأنه غير ثابت، ولا أصل له، قال ابن حجر: فيه (1) الحارث ابن أبي أسامة، وإسناده ساقط. وقال الحافظ الزيلعي في " نص (2) الراية": ذكره عبد الحق في أحكامه في البيوع، وأعله بسوار بن مصعب،
(1) * قلت: هذه الرسالة نشرتها دار الافتاء عام 1384 مع رسالتين: هما " حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه " وتقدمت في العيدين و" الثانية" في حكم المغالات في مهور النساء. وتأتي في النكاح ـ طبعت في مطابع القصيم بالرياض وأكثر التعليقات عليها موجودة في الأصل المطبوع.
() هكذا في مقال أحمد محمد محجوب وأصله (فتوى الربا والمعاملات في الإسلام) للسيد رشيد رضا. والحافظ لم يطعن في الحاطث بن أبي أسامة. وإنما ذكر انه روى هذا الأثر، ثم قال: وفي اسناده سوار بن مصعب وهو متروك.
(2)
كذا في مقال أحمد محمد محجوب. وأصله (فتوى الربا والمعاملات في الإسلام) للسيد رشيد رضا، وهو غلط والصواب (نصب الراية)
وقال: إنه متروك) ثم ذكر كاتب مقال الربا أن هذا الحديث " كل قرض جر منفعة فهو ربا " لم يثبته إلا الغزالي وشيخه، ولاخبرة لهما بالحديث ـكما ذكره الشوكاني في الرد عليهما.
2 ـ حديث أبي بردة عند البخاري، قال:" أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال: ألا تجء فأطعمك سويقاً وتمراً وتدخل في بيت، ثم قال: إنك بأرض الربا فيها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبنٍ أو شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا " يقول كاتب مقال الربا: هو ـ أي هذا الحديث ـ موقوف ليس له حكم المرفوع، متروك العمل به باتفاق الأئمة.
3 ـ حديث يونس وخالد بن سيرين، عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن رجل اقترض من رجل دراهم، ثم إنه استعار من المقرض دابته، فقال عبد الله بن مسعود:" ما أصاب من ظهره فهو ربا".
يقول كاتب مقال الربا: يقصد ـ أي ابن مسعود ـ بقوله "الربا" الزيادة، ولم يقل: حرام.
4 ـ ماروى ابن أبي شيبة في " مصنفه" قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عطاء، قال: كانوا ـ أي الصحابة ـ يكرهون كل قرض جر منفعة. يقول كاتب مقال الربا: أجاب صاحب المنار ـ أي عن هذا الأثر ـ بقوله في فتوى" الربا والمعاملات في الإسلام ": إن الصحابة يفرقون بين النفع المستحصل من القرض وبين الربا، حيث يجعلون الأول مكروهاً وهو النفع المستحصل من
القرض، ويجعلون الثاني حراماً وهو الربا. هذا ما ذكره كاتب مقال الربا للفقهاء من أدلة التحريم وموقفه منها.
وادعى مع هذا أن من أئمة العلماء مننازع في اعتبار هذا النوع ربا حراماً، وهم: ابن رشد، والبغوي، والخازن، والكاساني، وابن الهمام، والشاطبي، وابن القيم، وابن حجر.
أما ابن رشط ففي مقدماته بعد ذكر أثر ابن عمر " من أسلف سلفاً فلا يشترط" ما نصه: وتفسير ذلك أنه مقيس على الربا المحرم بالقرآن. قال كاتب مقال الربا: فهذا تفسير ابن رشد وهو من أهل هذا الشأن، ولذا أثبت له حكماً غير المنصوص عليه.
وأما البغوي فيقول بعد ذكر أنواع ربا المبايعة: ومن أقرض شيئاً بشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفقة فهو ربا. قال كاتب مقال الربا: فقد أخرجه من الربا المنصوص عليه، وأنكر كون نفع القرض ربا، وقال: وكل قرض جر منفعة فهو ربا كما مر، وأثبت له حكماً آخر وهو خارج عن حكم الآية.
أما الخازن ففي تفسيره في الكلام على آية الربا: " المسألة الرابعة" في القرض، وهو من أقرض شيئاً يشترط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وهو ربا. يقول كاتب مقال الربا: قد أدخله ـ أي الخازن ـتحت حكم النفع المعين الجاري مجرى القواعد، وأثبت له حكماً آخر غير الربا المنصوص عليه.
وأما الكاساني فقد قال في " البدائع": الزيادة المشروطة تشبه الربا.
قال كاتب مقال الربا: فلا يكون الشبيه بالربا من الربا المنصوص عليه.
وأما ابن الهمام فلقوله في " فتح القدير " اتفق الصحابة علىكراهته. يقول صاحب مقال الربا: وهو ـ أي اتفاقهم على الكراهة ـ دليل على عدم كونه رباً محرماً، إذ لو كان حراماً لأثبتوه بالأحاديث الصحيحة.
وأما الشاطبي فلقوله في " الموافقات": إن الله عز وجل حرم الربا في القرآن، وربا الجاهلية الذي نزل فيه (1){إنما البيع مثل الربا} (2) هو فسخ الدين بالدين، يقول الطالب: إما أن تقضيني، وإما أن تربي، وهو الذي دل عليه قوله تعالى:{فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (3) .
وأما ابن القيم فلقوله في "إعلام الموقعين" من بعد تقسيم الربا إلى جلي وخفي: الجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول قصداً، وتحريم الثاني وسيلة، وما حرم تحريم الوسائل يباح للمصلحة العامة.
وأما ابن حجر فلقوله في " الفتح" بصدد الكلام على الزيادة المشروطة في القرض: والأولى تركه للورع.
وأما الشوكاني فلرده في " نيل الأوطار " تصحيح الغزالي وإمام الحرمين حديث " كل قرض جر منفعة فهو ربا ".
ثم استدل كاتب مقال الربا لما زعمه من إباحة القرض بأمرين:
(1) كذا في مقال كاتب الربا، وفتوى الربا والمعاملات في الإسلام للسيد رشيد رضا. ونص " الموافقات" الذي قالوا فيه {إنما البيع مثل الربا وهو الصواب.
(2)
سورة البقرة ـ آية 275.
(3)
سورة البقرة ـ آية 279.
" أحدهما" أن تسمية النفع المشترط في عقد القرض ربا باطلة، لأن الربا مختص بالمعاوضات، والقرض ليس من ذلك في شيء.
" الثاني " مما استدل به كاتب مقال الربا على الإباحة ظواهر نصوص القضاء بالأجود، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه:"أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه وقد استلف منه قدر شطر وسق فأعطاه وسقاً، فقال نصف وسق من عندي" الحديث وما في معناه.
هذا خلاصة مقال الكاتب المذكور الذي اقتطعه حرفياً من فتوى السيد رشيد رضا في " الربا والمعاملات في الإسلام ".
وحيث أنه قد وجه إلينا سؤال حول مقاله المذكور، فقد أجبنا عنه بهذا الجواب المرتب على: أربعة فصول، وخاتمة.
(الفصل الأول) : في بيان أدلة تحريم النفع المشترط في عقد القرض.
(الفصل الثاني) في الجواب عما وجهه من النقد إلى ما ذكره من أدلة الفقهاء.
(الفصل الثالث) في تبرئة عزا إليهم إباحة ربا القرض من ذلك.
(الفصل الرابع) في الجواب عما استدل به للإباحة.
(الخاتمة) في التحذير من التسرع إلى الفتوى. وهذا أوان الشروع في المقصود، فنقول، وبالله التوفيق.
فصل
في بيان أدلة تحريم النفع المشترط في القرض
منها ما يلي:
1 ـ عموم نصوص الكتاب والسنة الواردة في النهي عن الربا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى الكبرى جـ1 ص413" في بحث استيفاء النصوص الأحكام الشرعية، قال في نص النهي عن الربا في القرآن: بتناول كل ما نهى عنه من: ربا النسا، والفضل والقرض الذي يجر منفعة، وغير ذلك، فالنص متناول لهذاكله.
وذكر شيخ الإسلام أن قصر نصوص النهي عن الربا على البعض دون البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص العامة.
وقال في " إقامة الدليل، على إبطال التحليل" ضمن الجزء الثالث من " الفتاوى الكبرى" بعدما ذكر أنواع الربا وعد منها ربا القرض قال: فيا سبحان الله العظيم أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن أهل الكتاب بأخذه ولعن آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجيء في غ يره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلاً إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزئ بها؟ أم يستحسن مؤمن أن ينسب نبياً من الأنبياء فضلاً عن سيد المرسلين بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحارم العظيمة ثم يبيحها بضرب من العبث والهزل الذي لم يقصد ولم يكن له حقيقة وليس فيه مقصود المتعاقدين قط؟ !!
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر": الكبيرة الرابعة بعد المائتين القرض الذي يجر نفعاً، قال: وذكر هذه من الكبائر ظاهر، لأن ذلك في الحقيقة ربا كما مر في بابه، فجميع ما مر في الربا من الوعيد ـ يعني من الآيات والأحاديث التي ذكرها في الكلام على كبيرة الربا ـ يشمل فاعل ذلك فاعلمه.
يشير الهيثمي بقوله: كما مر في بابه إلى قوله في كبيرة الربا جـ1 ص180 بعد أن ذكر أنواع الربا الثلاثة: ربا النسا، وربا الفضل، وربا اليد قال: زاد المتولي نوعاً رابعاً وهو ربا القرض، لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل، لأنه الذي فيه شرط يجر نفعاً للمقرض، فكأنه أقرضه هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه.
وكل من هذه الأنواع الأربعة ـ يعني ربا النسا، وربا الفضل، وربا اليد، وربا القرض ـ حرام بالإجماع: بنص الآيات المذكورة والأحاديث الآتية، وما جاء في الربا من الوعيد الشامل لهذه الأنواع الأربعة.
2 ـ من أدلة تحريم النفع المشترط في القرض ما رواه ابن ماجه في سننه في (باب القرض) قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، قال سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى له؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ".
رمز السيوطي لهذا الحديث في " الجامع الصغير " بعلامة الحسن (الحاء) وأقره المناوي على تحسينه، وقواه قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقامة الدليل على بطلان التحليل" وتلميذه العلامة ابن القيم في " إعلام الموقعين " ونكتفي بإيراد كلام ابن القيم هنا.
قال: قال شيخنا: هذا يحيى من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي، قال أبو حاتم مع تشديده: هو صالح الحديث. وقال أحمد: ليس بالقوي. وإسماعيل بن عياش ثقة في حديثه عن الشاميين، ورواه سعيد في " سننه " عن إسماعيل، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق الهنائي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك رواه البخاري في تاريخه عن يحيى بن يزيد الهنائي، عن أنس يرفعه " إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية" قال شيخنا: وأظنه هو ذاك انقلب اسمه. إنتهى كلام ابن القيم.
وقد استدل بهذا الحديث كثير من العلماء منهم البيهقي في " السنن الكبرى " في باب تحريم كل قرض جر نفعاً. وابن قدامة في " الم غني " والقرطبي في " تفسيره" والشاطبي في " الموافقات " وشيخ الإسلام ابن تيمية في "إقامة الدليل " على بطلان التحليل " وابن القيم في " إعلام الموقعين" و " تهذيب سنن أبي داود " و " إغاثة اللهفان ".
3 ـ من أدلة تحريم النفع المشترط في القرض ما جاء عن أعيان الصحابة: عمر، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وأبي بن كعب، وابن عباس، وفضالة بن عبيد رضي الله عنهم.
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قال سحنون في " المدونة" في هدية المديان ص135 ج9: قال ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن أبي بن كعب استسلف من عمر بن الخطاب عشرة آلاف درهم، فأهدى له هدية، فردها إليه عمر، فقال: إني قد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، أفرأيت إنما أهديت إليك من أجل مالك علي، أقبلها فلا حاجة لنا فيما منعك من طعامنا، فقبل عمر الهدية.
وقال عبد الرزاق في " مصنفه" في باب الرجل يهدي لمن أسلفه: عن الثوري، عن يونس بن عبيد، وخالد الحذاء، عن ابن سيرين: أن أبي بن كعب تسلف من عمر عشرة آلاف، فبعث إليه أبي من ثمرته وكان من أطيب أهل المدينة، وكانت ثمرته تبكر فردها عليه عمر، فقال له أُبي بن كعب: لا حاجة لي في شيء منعك ثمرتي، فقبلها عمر، وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي أو ينسي.
ورواه البيهقي في (باب الربا على من أراد أن يربي أو ينسي)، ورواه البيهقي في (باب كل قرض جر منفعة فهو ربا) من سننه الكبرى قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو عمرو بن نجيد، أنا أبو مسلم، ثنا عبد الرحمن بن حماد، ثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين (1) أن أُبي بن كعب أهدى إلى عمر بن الخطاب من
(1) لا يقال: إن هذا الاثر مرسل فلا يحتج به، لأنه من مراسيل ابن سيرين، وهي صحيحة، قال ابن التركماني في (الجوهر النقي) في باب المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد وسعي واحد: قال أبو عمر بن عبد البر في أوائل " التمهيد" كل من عرف بأنه لا يدلس إلا عن ثقة فتدليسه وترسيله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، عندهم صحاح. ومع هذا فهذا المرسل من قبيل المراسيل التي عمل أهل العلم بمقتضاها، وما كان كذلك من المراسيل واجب القبول.
ثمرة أرضه، فردها، فقال أُبي: لم رددت علي هديتي، وقد علمت أني من أطيب أهل المدينة ثمرة؟ خذ عني ما ترد عليّ هديتي، وكان عمر رضي الله عنه أسلفه عشرة آلاف درهم. وقد علق ابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود " جـ5 ص15 على هذا الحديث بقوله: كان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض، فلما تيقن أنها ليست بسبب القرض قبلها. ثم قال ابن القيم: وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقرض.
وأما " ابن عمر " رضي الله عنهما ففي " الموطإ" تحت عوان (ما لا يجوز من السلف) : حدثني مالك، أنه بلغه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمر، فقال: يا ابا عبد الرحمن: إني أسلفت رجلاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته؟ فقال عبد الله بن عمر: فذلك الربا. قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله. وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك. وسلف تسلفه لتأخذ خبيثاً بطيب فذلك هو الربا. قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أرى أن تشق الصحيفة، فإن أعطاك مثل الذي أسلفته قبلته، وإن أعطاك دون الذي أسلفته وأخذته أجرت، وإن أعطاك أفضل مما أسلفته طيبة به نفسه، فذلك شكر شكره لك، ولك أجر ما أنظرته. أهـ.
ومن طريق مالك رواه عبد الرزاق في " مصنفه " في (باب قرض جر منفعة، وهل يأخذ أفضل من قرضه) ورواه سحنون في " المدونة" في (السلف الذي يجر نفعاً) وروى مالك أيضاً في الموطإ في
(مالا يجوز من السلف) عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: من أسلف سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه. وفي صحيح البخاري في (باب إذا أقرضه من أجل مسمى) ما نصه: قال ابن عمر في القرض إلى أجل لا بأس به، وإن أعطى أفضل من دراهمه ما لم يشترط. وهذا المعلق وصله ابن أبي شيبه كما في " عمة القاري " للعيني عن وكيع، حدثنا حماد بن سلمة قال: سمعت شيخاً يقال له المغيرة، قال: قلت لابن عمر: إني أسلف جيراني إلى العطاء، فيقضوني أجود من دراهمي. فقال: لا بأس به ما لم يشترط. قال العيني: وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن عبد الله بن عمر: أنه أتاه رجل، فقال: إني أقرضت رجلاً بغير معرفة فأهدى إليّ هدية جزلة، فقال ردل إليه هديته أو احسبها له. أهـ.
وممن استدل بهذا الأثر من المتأخرين ابن رشد في " المقدمات " وابن تيمية في " إقامة الدليل، على بطلان التحليل " وابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود " والخازن في " تفسيره ".
وأما " عبد الله بن مسعود " رضي الله عنه ففي " الموطإ" في (مالا يجوز من السلف) حدثني مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من أسلف سلفاً فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضه من علف فهو ربا. وقال عبد الرزاق في " مصنفه " في (باب قرض جر منفعة وهل يأخذ أفضل من قرضه) معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: استقرض رجل من رجل خمسمائة دينار على أن يقفره ظهر فرسه، فقال ابن مسعود: ما أصبت من ظهر فرسه فهو ربا. وقال البيهقي في " السنن الكبرى" أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو الحسن الكرزي، أنا علي بن
عبد العزيز، ثنا أبو عبيد، ثنا هشيم، أنا يونس وخالد، عن ابن سيرين، عن عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ أنه سئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أقفر المقرض ظهر دابته. فقال عبد الله: ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا.
وأما " عبد الله بن سلام " فقد قال عبد الرزاق في " مصنفه " في (باب الرجل يهدي لمن أسلفه) : أخبرنا معمر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، قال: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلم منه، فجئته فسألني من أنت؟ فأخبرته فرحب بي، فقلت: إني أبي أرسلني إليك لأسألك وأتعلم منك. قال: يا ابن أخي: إنكم بأرض تجار، فإذا كان لك على رجل مال فأهدى لك حملة من تبن فلا تقبلها فإنها ربا. وقال البخاري في مناقب عبد الله بن سلام من فضائل الصحابة قال في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: ألا تجيء فأُطعمك سويقاً وتمراً، وتدخل في بيت، ثم قال: إنك بأرض الربا فيها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو قت فلا تأخذه فإنه ربا. وفي رواية عند صاحب " المعتصر من مشكل الأثر " أبي المحاسن الحنفي: فإن ذلك من أعظم أبواب الربا. ولهذا قال ابن أبي موسى كما في " المغني " لابن قدامة و " تهذيب سنن أبي داود " لابن القيم قال: ولو أقرضه قرضاً ثم استعمله عملاً لم يكن يستعمله مثله قبل القرض كان قرضاً جر منفعة. قال: ولو أضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله.
وأما " أُبي بن كعب" رضي الله عنه فقد قال عبد الرزاق في " مصنفه" في (باب الرجل يهدي لمن أسلفه) . عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن كلثوم بن الأقمر (1)
عن زر بن حبيش، قال: أتيت أبي كعب، فقلت: إني أريد العراق أُجاهد فاخفض لي جناحك. فقال لي أُبي بن كعب: إنك تأتي أرضاً فاشياً بها الربا، فإذا أقرضت رجلاً قرضاً فأهدى لك هدية فخذ قرضك وأعد إليه هديته. وقال البيهقي في " السنن الكبرى" في (باب كل قرض جر منفعة فهو ربا) قال: أخبره علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا تمتام محمد بن غالب بن موسى الأزرق، ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، حدثني كلثوم بن الأقمر، عن زر بن حبيش، قال: قلت لأُبي بن كعب يا أبا المنذر إني أريد الجهاد فآتي العراق فاقرض. قال: إنك بأرض الربا فيها كثير فاش، فإذا أقرضت رجلاً فأهدى إليك هدية فخذ قرضك واردد إليه هديته.
وأما " عبد الله بن عباس" رضي الله عنهما، فقد قال عبد الرزاق في " مصنفه " في (باب الرجل يهدي لمن أسلفه) أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا أسلفت رجلاً سلفاً فلا تقبل منه هدية كراع ولا عارية ركوب دابة.
عن الثوري عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، قال: جاء
(1)"كلثوم بن الأقمر" ذكره عمر أن بن محمد الهمداني في "الطبقة الثالثة" من الهمدانيين، وقال: له أحاديث صالحة. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب" وتعقب في " لسان الميزان" قول من قال في كلثوم الأقمر. مجهول. بقوله: ذكره ابن حيان في الثقات.
وقال: روى عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وروى عنه أهل الكوفة. وهو أخو علي الأقمر أهـ.
ولخفاء هذا على السيد " رشيد رضا" أعل هذا الحديث بجهالة كلثوم الأقمر.
رجل إلى ابن عباس فقال: إنه كان لي جار سماك فأقرضته خمسين درهماً، وكان يبعث لي من سمكه، فقال ابن عباس: حاسبه، فإن كان فضلاً فرد عليه، وإن كان كفافاً فقاصصه. وقال البيهقي في "السنن الكبرى" في باب (كل قرض جر منفعة فهو ربا) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا العباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه قال في رجل كان له على رجل عشرون درهماً فجعل يهدي إليه وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهماً، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم. صحح هذين الأثرين ابن حزم في " المحلى" قال: صح عن ابن عباس: إذا أسلفت رجلاً سلفاً فلا تقبل منه هدية كراع ولا عارية ركوب دابة، وأنه استفتاه رجل فقال له: أقرضت سماكاً خمسين درهماً، وكان يبعث إليّ من سمكه. فقال له ابن عباس: حاسبه، فإن كان فضل فرد عليه، وإن كان كفافاً فقاصصه.
ولأثر ابن عباس هذا طريق أخرى عند حرب الكرماني، ذكرها العلامة ابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود " ضمن أدلة تحريم القرض الذي يجر نفعاً.
وأما " فضالة بن عبيد" رضي الله عنه، فقال البيهقي في " السنن الكبرى" في باب (كل قرض جر منفعة فهو ربا) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا إبراهيم بن منقذ، حدثني إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عياش، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي
مرزوق التجيبي، عن فضالة بن عبيد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا (1) .
الثالث " من أدلة تحريم النفع المشترط في عقد القرض " الإجماع" حكاه ابن المنذر، والباجي، وابن حزم، وابن قدامة، وابن حجر، والعيني، والهيثمي، وعلي بن سليمان المرداوي صاحب " الإنصاف".
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا اشترط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا (2) .
وقال الباجي في " المنتقى": أما الشرط فلا خوف في منعه. وقال ابن حزم في " المحلى" جـ8 ص77: لا يحل أن يشترط رد أكثر
(1) طعن السيد رشيد رضا في " فتوى الربا والمعاملات في الإسلام" في هذا الأثر بقوله: عبد الله بن عياش منكر الحديث، وإبراهيم لم يعرف حاله، وكذا حال ادريس، ويمكن أن يكون إدريس بن يحيى الخولاني، ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: انه مستقيم الحديث ان كان دونه ثقة وفوقه ثقات. هكذا قال.
والجواب عنه أن عبد الله بن عياش قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " في ترجمته: سألت أبي عنه، فقال: ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه. ومثل هذا يعتضد بروايته.
وأما إبراهيم بن منقذ ـ وليس بابن سعد كما توهمه السيد رشيد رضا ـ فقد وثقه ابن يونس، كما في " كشف الأستار " نقلاً عن " معاني الأخبار " للعيني. وقال الحافظ الذهبي في " العبر، في خبر من غبر فيها ـ أي في سنة تسع وستين ومائتين ـتوفى إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري صاحب ابن وهب، وكان ثقة.
وأما إدريس بن يحيى فهو الخولاني بلا شك، كما يعلم من مراجعة ترجمته في "الجرح والتعديل" وقد وثقه غير ابن حبان، قال ابن أبي في "الجرح والتعديل" بعد سرد مشائخه والرواة عنه: أنا الفضل بن يعقوب الرخامي أنا ادريس بن يحيى الخولاني، وكان يقال انه من الابدال. ثم قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه أي عن إدريس بن يحيى ـ فقال: رجل صالح من أفاضل المسلمين. أهـ. وما تقدم من الآثار يشهد لهذا الأثر.
(2)
نقله عن ابن المنذر ابن قدامة في " المغني " وابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود".
مما أخذ ولا أقل، وهو ربا مفسوخ، ولا يحل اشتراط رد أفضل مما أخذ، ولا أدنى، وهو ربا، ولا يجوز اشتراط نوع غير النوع الذي أخذ، ولا اشتراط أن يقضيه في موضع كذا، ولا اشتراط ضامن. أهـ.
نص المحلي، وقال في شرحه " المجلي": لا خلاف في بطلان هذه الشروط التي ذكرها في القروض.
وقال ابن قدامة في " المغني": كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف.
وقال الحافظ ابن حجر في (باب استقراض الإبل) في شرح حديث أبي هريرة في الرجل الذي تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دينه فقضاه خيراً منه، وفيه " فإن خيركم أحسنكم قضاء".
قال: فيه جواز رد ما هو أفضل من المقترض، إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقاً.
وقال العيني في"عمدة القارئ" في (باب وكالة الشاهد والغائب) في شرح حديث أبي هريرة المشار إليه آنفاً قال ص135 ج12: قد أجمع المسلمون نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا. أهـ.
وقال ابن حجر الهيثمي في " الزواجر، عن اقتراف الكبائر " بعد ذكر أنواع الربا الأربعة: ربا النساء، وربا الفضل، وربا اليد، وربا القرض. قال: كل هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع.
وقال العلامة علي بن سليمان المداوي في " الإنصاف ": أما شرط ما يجر نفعاً أو أن يقضيه خيراً منه فلا خلاف في أنه لا يجوز.
فصل
في الجواب عما طعن فيه كاتب مقال الربا من أدلة الفقهاء
أما ما نقله كاتب مقال الربا عن السيد "رشيد رضا" حول حديث النهي عن قرض جر منفعة. فلا يؤثر في الاستدلال به لأمور:
"أحدها": تلقي كثير من العلماء رفع حديث " النهي عن قرض جر منفعة" بالقبول (1) واستدلالهم به في مصنفاتهم على تحريم النبي صلى الله عليه وسلم القرض الذي يجر المنفعة، وإليك نصوصهم قال سحنون في "المدونة" تحت عنوان " السلف والإجارة": لا يصلح كل سلف جر منفعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلف جر منفعة. أهـ. وقال ابن رشد في (المقدمات ص203، ص204 ج2) : " قد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلف جر منفعة ". وقال الكاساني في (بدائع الصنائع) في باب القرض ج7 ص395 في الكلام على تحريم ربا القرض: لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن قرض جر نفعاً" وقال ابن الهمام في (فتح القدير) : " قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرض جر
نفعاً ". وقال العيني في (عمدة القاري) جـ12 ص135: قد أجمع المسلمون نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا. وقال الحافظ الذهبي في " الكبائر" (فصل) : عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: إذا كان لك على رجل دين فأهدى لك شيئاً فلا تأخذه فإنه ربا. وقال الحسن رحمه الله: إذا كان لك على رجل دين فما أكلت من بيته فهو سحت، وهذا من قوله صلى الله عليه وسلم " كل قرضٍ جر نفعاً فهو ربا".
"الثاني" أن النهي عن سلف جر منفعة على فرض عدم صحة رفعه ثابت عن الصحابة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة واجب القبول، كما بينه أئمة العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " مقدمته" في أصول التفسير: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح. أهـ.
وقد وجدنا في " مصنف عبد الرزاق " و " مدونة سحنون " ما يدل على اقتفاء السلف أثر من أفتى من لاصحابة بتحريم ربا القرض، قال عبد الرزاق في (باب قرض جر منفعة، وهل يأخذ أفضل من قرضه) : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كل قرض جر منفعة فهو مكروه. قاله معمر، وقاله قتادة. قال: أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كل قرض جر منفعة فلا خير فيه. أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن، قالا: لا بأس أن يقرض الرجل الرجل دراهم بيضاً ويأخذ سوداً، أو يقرض سوداً ويأخذ بيضاً، ما لم يكن بينهما شرط. أخبرنا
إسرائيل، أخبرني عيسى بن أبي عزة، قال: استقرضت من رجل ديناراً ناقصاً فلم يكن عندي إلا دينار يزيد على ديناره، فقلت له: هو لك، فقال الشعبي: ما ذاك؟ فأخبرته، فقال: لا يحل له. فقلت: أنا أحله له، فقال: وإن أحللته له حل.
وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا عبد الله بن كثير، عن شعبة، قال: سألت الحكم وحماداً ـ يعني ابن سليمان ـ عن الرجل يقرض الرجل الدراهم فيرد عليه خيراً منها، قال: إذا كان ليس من نيته فلا بأس. أهـ.
وفي هذا الباب ذكر الإمام عبد الرزاق أثري عبد الله بن عباس المتقدمين. وقال سحنون في " المدونة" جـ9 ص123، 134 تحت عنوان " السلف الذي يجر نفعاً": ابن وهب، عن رجال من أهل العلم عن ابن شهاب وأبي الزناد وغير واحد من أهل العلم: أن السلف معروف أجره على الله، فلا ينبغي لك أن تأخذ من صاحبك في سلف أسلفته شيئاً، ولا تشترط عليه إلا الأداء. ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب، أنه قال: إن أسلفت سلفاً واشترطت أن يوفيك بأرض فلا يصلح. وإن كان على غير شرط فلا بأس به.
قال ابن وهب: وكان ربيعة وابن هرمز ويحيى بن سعيد وعطاء ابن رباح وعراك بن مالك الغفاري وابن أبي جعفر كلهم يكرهه بشرط. أهـ.
وذكر سحنون أثر ابن عمر المتقدم: من أسلف سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه. وأثر ابن مسعود المتقدم: من أسلف سلفاً واشترط أفضل منه وإن كان قبضة من غلف فهو ربا. وقال: ذكره عنه ـ أي عن ابن مسعود ـ مالك بن أنس.
وأما تأويل كاتب مقال الربا قول ابن مسعود رضي الله عنه:
لما سئل عن رجل اقترض من رجل دراهم، ثم إنه استعار من المقرض دابته: ما اصاب من ظهر دابته فهو ربا. بأن مراد ابن مسعود بلفظة (الربا) هنا المعنى اللغوي الذي هو مجرد الزيادة.
فيمنعه ـ مع خلوه عن الفائدة ـ ما قرره الباجي في " المنتقى شرح الموطإ" جـ5 ص99: وهو أن المراد بقوله: (ربا) أنه من جملة الربا المنهي عنه، قال الباجي: لأن هذا اللفظ ـ أي لفظ (الربا) إذا أطلق في الشرع فظاهره الزيادة المننوعة، ولذلك قال الله تعالى:{وأحل الله البيع وحرم الربا} (1) والبيع لا يخلو من الزيادة في الأغلب، ولكن لفظ الربا يختص بالممنوع. أهـ كلام الباجي.
ويشهد لما قرره الباجي ذكر مالك هذا الحديث في " الموطإ" تحت عنوان (ما لا يجوز من السلف) واستدلال أبي عبيد القاسم بن سلام به على أن ابن مسعود يمنع القرض الذي يجر نفعاً، كما في " السنن الكبرى" للبيهقي. وممن استدل به على التحريم ابن رشيد في " المقدمات " وابن تيمية في " إقامة الدليل، على إبطال التحليل " وابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود " والخازن في " تفسيره".
وأما قول كاتب مقال الربا في أثر عبد الله بن سلام عند البخاري المتقدم: موقوف، متروك العمل به باتفاق الأئمة.
فالجواب عنه من ناحية الوقف ما ذكره الجصاص في " أحكام القرآن" في تسمية الصحابي الشيء باسم الربا أنه توقيفي، قال الجصاص: إذ لا يعرف ذلك ـ أي لفظ الربا ـ اسماً له من طريق اللغة، فلا يسمى به إلا من طريق الشرع، وأسماء الشرع توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم. أهـ قلت: ولعل هذا هو سبب تخريج
(1) سورة البقرة ـ آية 275.
البخاري هذا الحديث في صحيحه المختص بالمرفوع. وعند الحافظ الذهبي في " سير النبلاء" رواية أخرى من طريق حفص بن غياث، عن أشعث، عن أبي بردة بن أبي موسى بلفظ: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة، متخشعاً، عليه سيما الخير، فقال: يا أخي جئت ونحن نريد القيام، فأذنت له، وقلت: إذا شئت، فقام فاتبعه، فقال: من أنت. قلت: أنا ابن أخيك، أنا أبو بردة ابن أبي موسى، فرحب بي، وسألني، وسقاني سويقاً، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تسالفون الدهاقين فيهدون لكم حملان القت والدواخل، فلا تقربوها فإنها نار. أهـ.
وأما دعوى الانفاق على ترك العمل بأثر عبد الله بن سلام، ففي مصنف عبد الرزاق ومدونة سحنون عن أئمة السلف ما يدل على بطلان هذه الدعوى، ففي " المصنف" في (باب الرجل يهدي لمن أسلفه) الذي ذكر فيه أثر ابن سلام هذا قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: تسلف أُبي بن كعب من عمر بن الخطاب مالاً قال: أحسبه. قال: عشرة آلاف، ثم إن أُبياً أهدى له بعد ذلك من ثمرته، وكانت تبكر، وكانت من أطيب أهل المدينة ثمرة، فردها عليه عمر، فقال أُبي: إبعث لمالك، فلا حاجة لي في شيء منعك طيب ثمرتي. فقبلها، وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسي أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يونس بن عبيد وخالد الحذاء، عن ابن سيرين: أن أُبي بن كعب تسلف من عمر عشرة آلاف، فبعث إليه أُبي من ثمره، وكان من أطيب أهل المدينة ثمرة، وكانت ثمرته تبكر، فردها عليه عمر. فقال أُبي: لا حاجة لنا في شيء منعك ثمرتي. فقبلها عمر. وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي أو ينسى.
أخبرنا عبد الرزاق، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فقال: إذا نزلت على رجل لك عليه دين فأكلت طعامه فاحسب له ما أكلت عنده، إلا أن إبراهيم كان يقول: إلا أن يكون معروفاً كان يتعاطيانه قبل ذلك. أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إذا أسلفت رجلاً سلفاً، فلا تقبل منه هدية كراع، ولا عارية ركوب دابة. أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقالا: إنه كان لي جار سماك، فأقرضته خمسين درهماً، وكان يبعث إليّ من سمكه. فقال ابن عباس: حاسبه، فإن كان فضلاً فرد عليه، وإن كان كفافاً فقاصصه.
أخبرنا عبد الزراق عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن كلثوم بن الأقمر، عن زر بن حبيش، قال: اتيت أُبي بن كعب، فقلت: غني أُريد العراق أُجاهد، فاخفض لي جناحك. فقال لي أُبي بن كعب: إنك تأتي أرضاً فاشياً فيها الربا، فإذا أقرضت رجلاً قرضاً، فخذ قرضك وأعد إليه هديته.
أخبرنا عبد الرزاق، وقال: أخبرنا معمر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، قال: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلم منه، فجئته فسألني من أنت، فأخبرته، فرحب بي، فقلت: إن أبي أرسلني إليك لأسألك وأتعلم منك. قال: يا ابن أخي إنكم بأرض تجار، فإذا كان لك على رجل مال فأهدى لك حملة من تبن فلا تقبلها فإنها ربا. أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إني أقرضت رجلاً قرضاً، فأهدى لي هدية. قال: اردد إليه هديته، أو أثبه. أهـ.
وفي "المدونة" تحت عنوان (هدية المديان) ص139 جـ9: قلت: ما يقول مالك في رجل له على رجل دين، أيصلح له أن يقبل منه هديته؟ قال مالك: لا يصلح له أن يقبل هديته إلا أن يكون رجلاً كان ذلك بينهما معروفاً، وهو يعلم أن هديته ليس لمكان دينه فلا بأس بذلك. ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج، أن عطاء بن أبي رباح قال له رجل: إني أسلفت رجلاً فأهدى إلي؟ فقال: لا تأخذه. قال: فكان يهدي إليّ قبل سلفتي. قال. فخذ منه. فقلت: قارضت رجلاً مالاً، فقال: مثل السلف سواء. وقال عطاء فيهما: إلا أن يكون رجلاً من خاصة أهلك وخاصتك لا يهدي إليك لما تظن فخذ منه. ابن وهب، عن يحيى بن سعيد أنه قال: أما من كان يتهادى هو وصاحبه وإن كان عليه دين أو سلف فإن ذلك لا يتقابحه أحد. قال: وأما من لم يكن يجري ذلك بينهما قبل الدين والسلف هدية فإن ذلك مما يتنزه عنه أهل التنزه. ابن وهب عن الحارث بن نبهان، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن أبي بن كعب استلف من عمر بن الخطاب عشرة آلاف درهم، فأهدى له هدية، فردها عمر، فقال أُبي: قد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، أفرأيت إنما أهديت إليك من أجل مالك عليّ، إقبلها فلا حاجة لنا فيما منعك من طعامنا، فقبل عمر الهدية. أهـ.
ومن هذين النصين يعلم أن قبول هدية المديان كما لا يرضاه عبد الله بن سلام لا يرضاه عمر بن الخطاب، وأُبي بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وعلقمة، ويحيى بن سعيد، وابن سيرين، ومالك.
وإن كان مراد كاتب مقال الربا أن منع هدية المديان عند عدم الاشتراط لم يقل به غير عبد الله بن سلام.
فليس الأمر كذلك، فقد نقله ابن حزم في " المحلى" في باب القرض عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وحمل على ذلك أثريهما المتقدمين، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقامة الدليل" على إبطال التحليل" وابن القيم في " إعلام الموقعين".
قال شيخ الإسلام (<ـ3 فتاوى ص 128) بعد ذكر حديث ابن ماجه والآثار المتقدمة عن عبد الله بن سلام وأُبي بن كعب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، وإن كان لم يشترط ذلك ولم يتكلم به فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة، وألف مؤخرة، وهذا ربا، ولهذا أجاز أن يزيده عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا. قال: ومن لم ينظر إلى المقاصد في العقود أجاز مثل ذلك، وخالف بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر بين.
وقال العلامة ابن القيم بعد ذكر حديث ابن ماجه والآثار المتقدمة عن الصحابة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقتر قبل الوفاء، فإن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، وإن كان لم يشترط ذلك سداً لذريعة الربا. أهـ.
وأما قول كاتب مقال الربا فيما رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "
عن خالد الأحمر، عن حجاج، عن عطاء قال: كانوا يكرهون كل قرض جر منفعة. فقوله بأن الصحابة فرقوا بين النفع المستحصل من القرض وبين الربا حيث جعلوا الأول مكروهاً، وجعلوا الثاني حراماً.
يجاب عنه بأن ما تقدم من الآثار عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وأُبي بن كعب وابن عباس وفضالة بن عبيد كل ذلك يدل على أن مراد عطاء في رواية ابن أبي شيبة بكراهة الصحابة ذلك كراهة التحريم، كما هو استعمال لفظ " الكراهة " في الكتاب والسنة وكلام السلف، كما قرره الإمام ابن القيم في " إعلام الموقعين " واستدل لاستعمال الكراهة كذلك بقوله تعالى {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً} وبقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " ثم قال: فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في المعنى الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك. أهـ.
فصل
في تبرئة العلماء الذين عز اليهم الاباحة من ذلك
أما ما ذكره كاتب مقال الربا عن ابن رشد والبغوي والخازن والكاساني وابن الهمام والشاطبي وابن حجر والشوكاني مما أوهم به أنهم لا يرون النفع المشترط في عقد القرض من الربا المنصوص عليه.
فالجواب عنه بأمرين:
" أحدهما ": أن الواجب علينا على فر المخالفة بين فتاوى هؤلاء وبين من تقدمت فتاواهم من أعيان الصحابة تقديم فتاوى الصحابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقامة الدليل، على إبطال التحليل": من أصولهم ـ أي أصول أهل السنة ـ أن أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المنتشرة لا تترك إلا بمثلها. أهـ (1) .
وقال جعفر الفريابي: حدثني إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوماً وضعوا كتباً يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم ـ أي النخعي ـ بكذا، ويأخذا بقول إبراهيم. قال: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هو رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون (2) .
(1) وفتاوي الصحابة في النفع المشترك في عقد القرض من هذا القبيل، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية " في اقامة الدليل، على بطلان التحليل " قال: قد تقدم على غير واحد من أعيانهم ـ أي الصحابة ـ مثل أُبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس: أنهم نهوا المقرض أن يقبل هدية المقترض إلا إذا كافاه عليها أو حسبها من دينه وأنهم جعلوا قبولها ربا، وهذه الأقوال وقعت في أزمنة متفرقة في قضايا متعددة، والعادة توجب أن يشتهر بينهم جنس هذه المقالة وان لم يشتهر واحد بعينه، لا سيما وهؤلاء المسمون هم أعيان المفتين الذين كانت تضبط أقوالهم وتحكى إلى غيرهم، وكانت نفوس الباقين مشرنبة إلى ما يقوله هؤلاء، ومع ذلك فلم ينقل أن أحداً منهم خالف هؤلاء مع تباعد الأوقات، وزوال أسباب الصمات. أهـ. قلت: وهذا التعليق والتعليقات بعده في هذه الفتوى موجودة بالأصل.
(2)
رواه عن الفريابي العلامة ابن القيم في الجزء الثاني من (اعلام الموقعين ص14 طبعة أميرية) .
" الثاني ": مما يجاب به عن استدلال كاتب مقال الربا بعبارات من ذكرهم من العلماء أن ما توهمه من عباراتهم لا تدل عليه، كما لا تدل عليه نصوصهم الخاصة بالنفع المشترط في عقد القرض وبيان ذلك فيما يلي: ـ
أما قول " ابن رشد " وتفسير ذلك مقيس على الربا المحرم في القرآن. فإنما يريد به سلم الصنف، لا السلف الذي يجر نفعاً. وعبارته في " المقدمات ص 192 جـ2" (فصل) : وإنما يجز سلم الصنف في مثله لورود السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ما جر من السلف نفعاً، وذلك على عمومه في العين والعروض والطعام فيمن أسلف سلفاً لمنفعة يبتغيها من زيادة الكيل (1) بلغه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن: إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت أفضل مما أسلفت: فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ذلك الربا. الحديث بطوله، وقال رضي الله عنه: من أسلف سلفاًُ فلا يشترط إلا قضاءه، وقال عبد الله بن مسعود: فلا يشترط أفضل منه وإن كان قبضة من علف فهو ربا. وبالله سبحانه التوفيق. ثم قال ابن رشد:
(فصل) : وتفسير ذلك مقيس على الربا المحرم بالقرآن ربا الجاهلية إما أن تقضي أو تربي، لأن تأخيره بالدين بعد حلوله على أن يربي له فيه سلف جر منفعة، وإنما يجوز في السلف أن يأخذ أفضل مما اسلفه إذا كان ذلك من غير شرط، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استلف من رجل بكراً فقضاه جملاً خياراً رباعياً
(1) كذا في المقدمات، ولعل الاصل (مالك بلغه) المصحح.
وقال: " إن خيار الناس أحسنهم قضاء"ومر ابن رشد في هذا البحث إلى أن ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف جر منفعة.
ففي تصريحه مرتين بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف جر منفعة. دليل على أنه لا يقصد بالعبارة التي ذكرها كاتب مقال الربا تحليل ربا القرض، ولا أن تحريمه إنما هو من طريق القياس فقط، وقد قال في بيوع الآجال من " المقدمات ص 203، 204 جـ2": قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلف جر منفعة. أهـ.
وعلى تسليم أن مراد ابن رشد أن النفع المشترط في القرض مقيس على الربا المحرم في القرآن. فإن ابن رشد يرى وجوب الحكم بالقياس، وقد عقد لذلك في مقدماته (جـ1 ص19) فصلاً ذكر فيه أن التعبد به واجب في الشرع، وأنه أصل من أصول الشرع، واستدل لذلك: بالكتاب والسنة، والإجماع.
وأما " البغوي " و " الخازن " فدعوى إنكارهما كون نفع القرض المشترط في صلب العقد ربا لا تؤيدها عباراتاهما اللتان أشار إليهما كاتب مقال الربا، بل هما صريحتان في اعتبارهما ذلك ربا.
ونص " البغوي " بعد ذكر ربا الفضل وربا النسيئة: هذا في ربا المبايعة، ومن أقر شيئاً بشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قر جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا. ونص " الخازن " من أقرض شيئاً وشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا، يدل عليه ما روى مالك، قال: بلغني أن رجلاً أتى ابن عمر، فقال، إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترط عليه أفضل مما اسلفته، فقال عبد الله بن عمر: فذلك الربا. أخرجه
مالك في " الموطأ" أهـ فأي تصريح أكبر من هذا التصريح. ثم لا معنى لذكر " البغوي" و " الخازن" ربا القرض في تفسير آية الربا إلا اعتبارهما إياه داخلاً تحت عموم الآية محرماً بها.
وأما قول الكاساني": إن الزيادة المشروطة تشبه الربا. فلا يليق الاستدلال به على أنه يرى إباحة النفع المشترط في عقد القرض، ما دام قد صرح في العبارة التي اقتطع منها كاتب مقال الربا هذه الجملة، بأن النبي صلى الله عليه ولم نهى عن قرض جر نفعاً، وصرح بأن الربا اسم للزيادة المشترطة في العقد، وبسوق عبارته في " بدائع الصنائع" بتمامها يتبين ذلك قال: (جـ7 ص95) : أما الذي يرجع إلى نفس القرض فهو أن لا يكون فيه جر منفعة، فإن كان لم يجز، نحو ما إذا أقرضه دراهم غلة على أن يرد عليه صحاحاً، أو أقرضه قرضاً وشرط شرطاً له فيه منفعة، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه " نهى عن قرض جر نفعاً " ولأن الزيادة المشروطة تشبه الربا، لأنها فضل لا يقابله عوض، والتحرز عن الربا وعن شبهة الربا واجب، هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة فيه ولكن المستقرض أعطاه أجود منه فلا بأس بذلك، لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد ولم توجد، بل هذا من حسن القضاء، وأنه أمر مندوب إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خيار الناس أحسنهم قضاء" أهـ. كلام الكاساني.
وبه يعلم أنه في مسألة النفع المشترط في عقد القرض على ما عليه إمامه الإمام محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " قال محمد بن الحسن: أخبرنا أبو حنيفة، عن
حماد، عن إبراهيم قال: كل قرض جر منفعة فلا خير فيه. ثم قال محمد بن الحسن: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. أهـ. وفي " التعليق الصبيح" نقلاً عن " المرقاة" لعلي القاري ـ ما يدل على شدة امتناع أبي حنيفة من ربا القرض، فإنه قال: لقد بالغ أبو حنيفة رضي الله عنه حيث جاء إلى دار مدينة ليتقاضاه دينه، وكان وقت شدة الحر، ولجدار تلك الدار ظل، فوقف ـ أي أبو حنيفة ـ في الشمس إلى أن خرج المدين بعد أن أطال الإبطاء في الخروج إليه وهو واقف في الشمس، صابر على حرها، غير مرتفق بذلك الظل، لئلا يكون له رفق من جهته. أهـ.
وأما " ابن الهمام" فقد قال في " فتح القدير" جـ5 ص45: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرض جر نفعاً. أهـ.
وسيأتي الجواب عن لفظ الكراهة في الأثر الذي ذكر فيه كراهة الصحابة للنفع المشترط في عقد القرض.
وأما " الشاطبي" فقد نص في نفس البحث الذي اقتطع منه كاتب مقال الربا ما ذكره على تحريم السلف الذي يجر نفعاً، فإنه قال بعدما نقله عنه: ثم زادت ـ أي السنة ـ على ذلك أي على ما في القرآن بيع النساء إذا اختلفت الأصناف، وعدته من الربا، لأن النساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة، ويدخل فيه بحكم المعنى السلف الذي يجر نفعاً، وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بذل الشيء نفسه، لتقارب المنافع فيما يراد منها، فالزيادة على ذلك من باب اعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع. ثم ذكر أن هذه الأمور لخفائها بينتها السنة، قال: إذ لو كانت بينة لو كل
في الغالب أمرها إلى المجتهدين، كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد، فمثل هذا جار مجرى الأصل في الفرع والقياس. أهـ. نص " الموافقات".
وقال " الشاطبي" في فصل عقدة للحيل الممنوعة شرعاً، قال فيه: ونهى أي ـ النبي صلى الله عليه وسلم عن هدية المديان، فقال:" إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ".
وأما تقسيم ابن القيم في " إعلام الموقعين " الربا إلى: جلي، وخفي، فلا يصلح التعليق به في إباحة ربا القرض ما دام قد صرح هناك بتحريم نوعي الربا. الجلي، والخفي. وكرر تحريم ربا القرض في مصنفاته.
قال في " تهذيب سنن أبي داود ج5 ص15" في (باب شرط وبيع) : لما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة كانت الزيادة ربا. قال ابن المنذر: اجمعوا على أن المسلف إذا اشترط على المستلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس: أنهم نهوا عن قرض جر منفعة. وكذلك إن شرط أن يؤجره داره أو يبيعه شيئاً لم يجز، لأنه سُلم إلى الربا، ولذلك نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا منع السلف رضي الله عنهم من قبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها المقرض من الدين، فروى الأثرم أن رجلاً كان له على سماك عشرون درهماً، فجعل يهدي إليه السمك، ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً. فسأل ابن عباس، فقال: أعطه سبعة دراهم.
وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أُبي بن كعب عشرة آلاف درهم
فأهدى إليه أُبي من ثمرة أرضه، فرد عليه ولم يقبلها، فأتاه أُبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا حاجة لنا فيما منعت هديتنا، ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل. فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض، فلما تيقن أنها ليست بسبب القرض قبلها. وهذا فصل النزاع في " مسألة هدية المقتر" وقال زر بن حبيش، قلت لأبي بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق، فقال: إنك تأتي أرضاً فاشياً فيها الربا، فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل قت أو حمل شعير فلا تأخذه، فإنه ربا. قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضاً ثم استعمله عملاً لم يكن يستعمله مثلاً قبل القرض كان قرضاً جر منفعة. قال: ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله، واحتج له صاحب " المغني " بما روى ابن ماجه في سننه، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " ثم ذكر ابن القيم أن المنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض، كسكنى دار المستقرض، وركوب دوابه، واستعماله وقبول هديته، فإنه لا مصلحة له في ذلك.
وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين جـ3 ص52"(الوجه الثالث والعشرون) ـ أي من أوجه إبطال الحيل ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم منع المقرض من قبول الهدية ـ أي هدية المستقرض ـ وكذلك أصحابه حتى يحسبها من دينه، وما ذلك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا، فإنه يعود إليه ماله
وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. انتهى. وقال فيه أيضاً_ (جـ3 ص149، 150) : ومما يدل على تحريمها ـ أي الحيل الباطلة ـ ما رواه ابن ماجه في سننه، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه فيهدي إليه؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" رواه من حديث إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى. قال شيخنا رضي الله عنه يريد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: وهذا يحيى الهنائي من رجال مسلم. وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي، قال أبو حاتم مع تشديده: هو صالح الحديث (1) وقال أحمد: ليس بالقوي (2) وإسماعيل بن عياش ثقة في حديثه عن الشاميين.
ورواه سعيد في "سننه" عن إسماعيل بن عياش، لكن قال عن يزيد بن أبي إسحاق الهنائي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه البخاري في " تاريخه" عن يحيى بن يزيد الهنائي، عن أنس يرفعه " إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية " قال شيخنا: وأظنه هو ذاك انقلب اسمه. ثم بعدما ذكر ابن القيم الآثار المتقدمة عن عبد الله
(1) عبارة ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل": سألت أبي عن عتبة بن حميد، فقال: كان بصري الأصل، كان جوالة في طلب الحديث، وهو صالح الحديث.
(2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقامة الدليل، على ابطال التحليل" هذه العبارة ـ أي ليس بالقوي ـ يقصد ـ أي أحمد بن حنبل ـ أنه ليس ممن يصحح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه، وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفاً ويحتجون به لأنه حسن، إذا لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوماً إلى صحيح وضعيف. وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس. إلخ.
بن سلام، وأُبي بن كعب، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء، فإن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سداً لذريعة الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا، ومن لم يسد الذرائع ولم يراع المقاصد ولم يحرم الحيل يبيح ذلك كله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه أحق أن يتبع. اهـ. وقال في ص151 من الجزء المذكور: تقدم عن غير واحد من أعيانهم ـ أي الصحابة ـ كأُبي، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وابن عمر، وابن عباس: أنهم نهوا المقرض عن قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها رباً. وذكر مثل ذلك في " إغاثة اللهفان ".
وأما قول ابن القيم: ما حرم لسد الذرائع يباح للمصلحة الراجحة. فليس المراد به فتح باب إباحة ما دعت الحاجة إلى إباحته مما حرم سداً للذرائع لكل أحد، بل مراده أن الشريعة هي التي تتولى الإباحة ـ بدليل كلامه في " زاد المعاد " قال في فوائد غزوة هوازن: ما حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما أباح من المزابنة العرايا للمصلحة الراجحة، وأباح ما تدعو الحاجة إليه منها. قال: وا لشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة، ونظير هذا جواز لبس الحرير في الحرب، وجو از الخيلاء فيها، إذ مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه، ونظير ذلك لباسه القبا الحرير الذي أهداه ملك أيلة ساعة ثم نزعه، للمصلحة الراجحة في تأليفه. وكان هـ بعد النهي عن لباس الحرير، كما بيناه مستوفي في " كتاب التعبير، فيما يحل ويحرم من لباس الحرير " وبينا أن هذا كان عام الوفود سنة تسع
وأن النهي عن لباس الحرير كان قبل ذلك، بدليل أنه نهى عمر عن لباس الحلة الحرير التي أعطاه إياها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة، وهذا كان قبل الفتح، ولباسه صلى الله عليه وسلم هدية ملك أيلة كان بعد ذلك، ونظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد العصر سداً لذريعة التشبه بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة من قضاء الفوائت، وقضاء السنن، وصلاة الجنازة، وتحية المسجد، لأن مصلحة فعلها أرجح من مفسدة النهي. والله أعلم. أهـ.
ومع هذا فليس في الربا مصلحة راجحة، بل إنما فيه مفاسد ذكر منها العلامة الهيثمي في " الزواجر " ما يلي: ـ
1 ـ إنتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض.
2ـ الإضرار بالفقير، لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مكن االغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير.
3 ـ إنقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض، إذ لو حصل درهم بدرهمين ما سح أحد بإعطاء درهم بمثله.
4 ـ تعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها، إذ من يحصل درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة.
وأما قول: "الحافظ ابن حجر " والورع تركه. فلا يعني به النفع المشترط في عقد القرض، إنما يعني به قبول هدية المستقرض في حالة عدم الاشتراط، قال في " فتح الباري " في شرح أثر عبد الله بن سلام المتقدم: يحتمل أن يكون ذلك ـ أي منع قبول هدية
المستقرض مطلقاً ولو لم يشترط ـ رأيُ عبد الله بن سلام، وإلا الفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرط، والورع تركه، أهـ. يقصد الحافظ بقوله: والورع تركه. أن الورع قدم قبول هدية المستقرض في حالة عدم الاشتراط، وأما في حالة الاشتراط فقد قال في شرح حديث أبي هريرة في الرجل الذي تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه " فإن خيركم أحسنكم قضاء" (في باب مستقرض الإبل) قال: فيه جواز رد ما هو أفضل من المثل المقترض، إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقاً. اهـ.
وأما رد الشوكاني تصحيح الغزالي وإمام الحرمين رفع حديث النهي " عن قرضٍ جر منفعة " فلا يدل على إباحة الشوكاني ربا القرض، لأمرين:
(أحدهما) : تصريحاته في مؤلفاته بتحريم النفع المشترط في القرض، قال في " نيل الأوطار": وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقاً. ومر إلى أن قال: ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر نفعاً ما أخرجه البيهقي عن فضالة بن عبيد موقوفاً بلفظ: " كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الربا " ورواه في " السنن الكبرى" عن ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس موقوفاً عليهم. أهـ. وقال في " الدرر البهية" في (باب القرض) : يجب إرجاع مثله، ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطاً، ولا يجوز أن يجر القرض نفعاً للمقرض وقال في شرحه " الدراري المضيئة": أقول: أما وجوب رد المثل فلأنه إذا وقع التواطؤ على أن يكون القضاء زائداً على أصل الدين فذلك هو الربا، بل قد ورد ما يدل على أن مجرد الهدية من المستقرض
للمقرض ربا، كما أخرجه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة ـ فذكر الشوكاني الحديث المتقدم، ومر إلى أن قال: وأما كونه لا يجوز أن يجر القرض نفعاً للمقرض فلحديث أنس، عند ابن ماجه، أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدى إليه، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " وتكلم على سند هذا الحديث بما تقدمت الإجابة عنه، ثم ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في الباب.
" الثاني ": أن الشوكاني قال في " الدراري المضيئة" بعد ذكر حديث النهي عن قرض جر منفعة، قال: وفي الباب من الأحاديث والآثار ما يشهد بعضها لبعض (1) .
فدل على أن رده على " الغزالي " و " إمام الحرمين " إنما هو باعتبار سند ذلك الحديث بعينه.
فصل
في الجواب عما استدل به لإباحة ربا القرض
استدل كاتب مقال الربا لإباحة النفع المشترط في عقد القرض بأمرين:
(1) ذكر من الآثار التي تشهد له ما أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس موقوفاً عليهم: أن كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. قال: وأخرج البيهقي نحو ذلك في " المعرفة " عن فضالة بن عبيد، وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام. وذكر من الأحاديث ما أخرجه البخاري في التاريخ من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية ". أهـ.
" أحدهما " أن الربا لا يتحقق إلا في المبايعات، والقرض ليس منها. " الثاني ": نصوص القضاء بالأجود.
والجواب عن ذلك ما يلي:
إما إخراج ربا القرض من أنواع الربا بدعوى أن الربا لا يتحقق إلا في المبايعات، والقرض ليس منها. فيرده ما تقدم من الآثار عن الصحابة الذين سموه باسم الربا، وما بينه من قفا أثرهم في اعتبار ربا القرض ربا، وإليك من ذلك ما يلي:
قال الجصاص في " أحكام القرآن " في تفسير قوله تعالى: {وحرم الربا} من الربا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع وهو ربا القرض.
وقال ابن حزم في " المحلى " جـ8 ص467: الربا لا يكون إلا في بيع أو قرض أو سلم، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد، لأنه لم تأت النصوص إلا بذلك. أهـ
قال ابن الهمام في " فتح القدير ": الربا يقال لنفس الزائد، ومنه ظاهر قوله تعالى:{لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفةً} أعني الزائد في القرض والسلف عن المدفوع، والزائد في بيع الأموال الربوية بجنسه، ويقال لنفس الزائد، أعني بالمعنى المصدري، ومنه {وأحل الله البيع وحرم الربا} أي حرم أن يزاد في القرض والسلف على القدر المدفوع، وأن يزاد في بيع تلك الأموال بجنسها قدراً ليس مثله في الآخر، لأنه حينئذ فعل، والحكم يتعلق به. أهـ.
وقال ابن رشد في " بداية المجتهد " ص127: اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفي ما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك. أهـ.
ويضاف إلى هذا كله قوة مشابهته للبيع، ولذلك نرى في " المغني " لابن قدامة ما نصه: قال الإمام أحمد: ليس القرض من المسألة.
يعني ليس بمكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يستقرض، بدليل حديث أبي رافع، ولو كان مكروهاً لكان أبعد الناس منه، ولأنه إنما يأخذ بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته.
وأما الاستدلال بنصوص زيادة النبي صلى الله عليه وسلم عند الوفاء على جواز اشتراط الزيادة في صلب عقد القرض. فمخالف لطريقة أهل العلم، ففي " الموطأ": ما يجوز من السلف، حدثني يحيى عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:" استلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً، فجا ءته إبل الصدقة، قال أبو رابع: فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضى الرجل بكره. فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء " وحدثني مالك، عن حميد بن قيس المكي، عن مجاهد، أنه قال: استلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم، ثم قضاه دراهم خيراً منها، فقال الرجل، يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك. فقال عبد الله بن عمر: قد علمت، ولكن نفسي بذلك طيبة. قال مالك: لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئاً من الذهب أو الورق والطعام وا لحيوان مما أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه، إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو وأي أو عادة، فان كان ذلك على شرط أو وأي أوعادة فذلك مكروه لا خير فيه، قال: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى جملاً رباعياً خياراً مكان بكر استلفه، وأن عبد الله بن
عمر أسلف دراهم فقضى خيراً منها، فإن كان ذلك عن طيب نفس من المستلف ولم يكن ذلك على شرط ولا وَأي ولا عادة كان ذلك حلالاً لا بأس به، ثم قال (ما لا يجوز من السلف) حدثني يحيى، عن ما لك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال في رجل أسلف رجلاً طعاماً على أن يعطيه إياه في بلد آخر، فكره عمر بن الخطاب، وقال: فأين الحمل؟ يعني حملانه. وحدثني مالك أنه بلغه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته. فقال عبد الله بن عمر فذلك الربا.
قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله: السلف على ثلاثة وجوه. سلف تسلفه تريد به وجه الله فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثاً بطيب فذلك الربا. قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن قال: أرى أن تشع الصحيفة، فإن أعطاك مثل الذي أسلفته قبلته، وإن أعطاك دون الذي أسلفته فأخذته أُجرت، وإن أعطاك خيراً مما أسلفته طيبة به نفسه فذلك شكر شكره لك، ولك أجر ما انظرته. وحدثني مالك، عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: من أسلف سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه، وحدثني مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من أسلف سلفاً فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فهو ربا. وقال الشافعي في " الأُم " في (باب ما جاء في الصرف جـ3 ص30) : من أسلف سلفاً فقضى أفضل من ذلك في العدد والوزن فلا بأس بذلك إذا لم يكن ذلك شرطاً بينهما. أهـ.
خاتمة البحث
في التحذير من التسرع إلى الفتوى
نختم هذا البحث بنبذة في التحذير من التسرع إلى الفتوى جمعناها من كتاب " صفة الفتوى، والمفتي، والمستفتي" للإمام العلامة أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي، أحد أعيان القرن السابع، قال:
تحرم الفتوى على الجاهل بصواب الجواب، لقوله تعالى:{ولا تقولوا على الله الكذب} الآية (1) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه " رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وفي لفظ:" من أفتى بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه " رواه أحمد وأبو داود. ولقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " حديث حسن.
وقال البراء: لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا. وقال ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم على المسألة فيرد هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: ما منهم أحد يحدث بحديث أو يسأل عنه. وفي رواية: عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتي في شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. وقال سفيان بن عيينة. وسحنون
(1) سورة النحل ـ آية 116.
بن سعيد صاحب المدونة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً. وسأل رجل مالك بن أنس عن شيء أياماً، فقال: إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه، وكان يقال: من أجاب في مسألة ينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها، قال إذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة، فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا. ورأى رجل ربيعة بن عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك. قال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
قال: ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق.
قال الإمام أحم بن حمدان الحنبلي الحراني قلت: فكيف لو رأي زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، مع قلة خبرته، وسوء سيرته، وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء، والمشهورين المستورين، والعلماء الراسخين، والمتبحرين السابقين، ومع هذا فهم ينهون فلا ينتهون، وينبهون فلا ينتبهون، قد أملي لهم بانعكاس الجهال عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم فمن أقدم على ما ليس أهلاً له من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم، فإن أكثر منه وأصر واستمر فسق، ولم يحل قبول قوله ولا فتياه، ولا قضاه، هذا حكم دين الإسلام، والسلام. ولا اعتبار لمن خالف هذا الصواب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وذكر ابن حمدان تسرع أمثال هؤلاء إلى الفتوى، وإقدامهم عليها من غير استحقاق هو الذين ح مله على تأليف هذا الكتاب، وقال:
عظم أمر الفتوى وخطرها، وقل أهلها وممن يخاف إثمها وهطرها، وأقدم عليها الحمقا والجهال، ورضوا فيها بالقيل والقال، واغتروا بالامهال والاهمال، وا كتفوا بزعمهم أنهم من العدد بلا عدد، وليس معهم بأهليتهم خط أحد، واحتجوا باستمرار حالهم في المدد بلا مدد وغرهم في الدنيا كثرة الأمن والسلامة، وقلة الإنكار والملامة. أهـ.
قلت: إذا كان العلامة ابن حمدان يقول هذا في زمانه، فكيف بزماننا هذا الذي وصل التسرع فيه إلى الفتوى المخالفة للشرع إلى حد الافتاء بإباحة الربا.
نسأل الله تعالى الثبات على دينه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم (1) .
(1633 ـ نظام جمعية التموين المنزلي جمع بين الاشتراط في القرض، والربا بنوعيه، والتحاكم إلى غير الشرع)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
رئيس مجلس الوزراء فيصل بن عبد العزيز
…
حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد سمعنا نبأ تأسيس شركة باسم " جمعية التموين المنزلي " لموظفي الدولة بالرياض. وقد اتصل بنا بعض الإخوان من طلبة العلم والمنتسبين إليه، وأطلعونا على صورة من اللائحة النظامية لهذه الجمعية، فجرى منها دراستها.
(1) قلت: وتأتي الفتاوى في القرض الذي يجر نفعاً في (باب القرض) إن شاء الله.
ونأسف أن تكون مشتملة على مواد لا يقرها من رضي الله رباً والإسلام دينا ومحمداً صلى الله عليه وسلمن نبياً، كما أننا نستغرب أن تكون صادرة من أهل الفطرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإن في هذا والله لشيء من الاعراض ونسيان آيات الله، قال الله تعالى:{ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} (1) ونحن إذا نأسف على هذا، وننكره بألستنا وأقلامنا وقلوبنا، نأمل أنه لم يسبق لسموكم اطلاعكم على هذه اللائحة، ولا إقرارها.
ونفيد سموكم بملاحظاتنا فيما يأتي: ـ
(أولاً) : جاء في المادة الرابعة من الأحكام المالي ومانصه: يدفع كل عضو في الجمعية رسم خدمة بالنسبة للقروض التي يستلفها من الجمعية، وتحدد الجمعية قيمة هذه العمولة. أهـ
وملاحظتنا على المادة من حيث الاشتراط في القرض، إذ أن الغرض من القرض الإرفاق والقربة، والاشتراط على المقترض أن يدفع رسم خدمة بالنسبة للقرض التي يستلفه من الجمعية يخرجه عن أصله المشروع إلى أنواع الربا، إذ قد أجمع العلماء على تحريم كل شرط في القرض جر نفعاً، قال ابن المنذر رحمه الله: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. أهـ وسواء كانت الزيادة في القدر
أو الصفة. وقال في " نيل الأوطار" وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقاً. إلى أن قال: ومما يدل على عدم حل القر الذي يجر إلى المقرض نفعاً ما أخرجه البيهقي في " المعرفة " عن فضالة بن عبيد موقوفاً بلفظ: كل قرض جر نفعاً فهو وجه من وجوه الربا. ورواه في "السنن الكبرى " عن ابن مسعود وأبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس موقوفاً عليهم، ورواه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي رضي الله عنهم بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة " وفي رواية " كل قرض جر منفعة فهو ربا " وعن أنس رضي الله عنه وسئل الرجل منا يقرض أخاه المال، فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " رواه ابن ماجه.
وعن أبي بردة ابن أبي موسى، قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا. رواه البخاري في صحيحه.
وأقوال أهل العلم في هذا صريحة متفقة على تحريم الاشتراط في القرض إذا جر به منفعة، قال في " المغني " (فصل) وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. على أن قال: وإن شرط في القرض أن يؤجره داره أو يبيعه شيئاً أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع وسلف " ولانه شرط في عقد لم يجز اهـ.
وقال في " الإنصاف " على قول صاحب المتن: ولا يجوز شرط
ما يجر نفعاً، نحو أن يسكنه داره، أو يقرضه خيراً منه في بلد آخر. أما شرط ما يجر نفعاً أو أن يقضيه خيراً منه فلا يخلاف في أنه لا يجوز اهـ وقال في "الروض المربع " ويحرم اشتراط كل شرط يجر نفعاً اهـ.
(ثانياً) جاء في المادة الثالثة من الأحكام المالية الفقرة (ب) التي هذا نصها: تدفع الجمعية عمولة على التوفيرات، لا تزيد نسبتها على 3% سنوياً، وذلك في حالة الوديعة.
لأجل هذه المادة باطلة من أساسها، وهي تشتمل على الربا الصريح المحرم شرعاً في كتاب الله تعالى، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} (1) وقال تعالى {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} (2) وقال ابن مسعود ري الله عنه " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " رواه الخمسة، وصححه الترمذي، غير أن لفظ النسائي " آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة " وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه:" درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية" رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ولا شك أن ما تعنيه هذه المادة هو عين الربا بقسيمه "ربا الفضل " و " ربا النسيئة" بيان ذلك أن العضو في الجمعية يسلم مبلغاً من المال كألف ريال (1000) مثلاً، فإذا طلبه بعد
(1) سورة البقرة ـ آية 275.
(2)
سورة البقرة ـ آية 276.
عام سلمته له بزيادة قدرها ثلاثون ريال. فربا الفضل في هذا أنه سلمها ألفاً وسلمته ألفاً وثلاثين ريال (1030) و " ربا النسيئة" أنه سلمها ألفاً في الحال، وسلمته إياه بزيادة بعد عام. يتضح بطلان هذا، وأنه هو الربا الصريح بقسيمه من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناق فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " رواه أحمد ومسلم، وما رواه أبو سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاص بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز " متفق عليه وفي لفظ: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " رواه أحمد والبخاري وفي لفظ " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل سواء بسواء " رواه أحمد ومسلم.
ونعتقد أن وضوح ما ذكرنا يعفينا من الاسترسال في استقصاء الأحاديث وأقوال العلماء.
(ثالثاً) جاء في المادة الثانية من القسم (هـ) ما نصه: تحال جميع الخلافات التي تتعلق بأعمال الجمعية تفسير هذه اللائحة والقائمة بين الأعضاء الذين يدعون بالنيابة عنهم أو بين الأعضاء
الحاليين والأعضاء السابقين الذين يدعون بالنيابة عنهم من جهة واحدة والجمعية ومجلس الإدارة من جهة أخرى ـ إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية التي تفصل في الخلافات أو تحيله إلى محكم واحد أو أكثر للفصل فيه، ويكون القرار الذي تصدره وزارة العمل والشئون الاجتماعية أو المحكم والمحكمون المقترن بوزارة العمل قطعياً غير قابل للاستئناف.
إننا قبل أن نستنكر هذا، ونبين أنه صريح الإعراض عن حكم الله ورسوله، نتساءل من أولئك الحكام الذي سيفصلون فيما يحدث من مشاكل في هذه الشركة من أمثالها؟ ومع هذا تكون أحكامهم قطعية غير قابلة للاستئناف، ولا للتمييز؟ إنهم قانونيون، قد يكونوا عرفوا بعض أشياء، ولكن ليس منها قطعاً أحكام الله ورسوله فإنا لله وإنا إليه راجعون {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} لو سمعنا بهذا خارج بلادنا لكان منا الاستنكار والاستياء، ولكن ما الذي يكون منا إذا كان هذا الأمر في عقر دورنا، ومن أبناء لا نزال نعتقد فيهم بقية باقية من الفطرة السليمة، والتمسك بتحكيم الشريعة، إن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه الكريم:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (1) ويقول أيضاً {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} (2) ويقول تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (3) {ومن لم يحكم بما أنزل
(1) سورة النساء ـ آية 59.
(2)
سورة النساء ـ آية 65.
(3)
سورة المائدة ـ آية 44.
الله فأولئك هم الظالمون} (1){ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (2) ويقول تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون. ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} (3) ويقول تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} (4) قيل: نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر: نترافع إلى كعب بن الاشراف.
ثم ترافعا إلى عمر، فذكر القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله.
ولا يخفى سموكم الكريم أن التحاكم إلى غيركتاب الله تعالى وسنة رسوله جريمة كبرى، وصف الله أصحابها بالكفر والظلم والفسوق، ولا شك أن ما نصت عليه المادة المذكورة هو عين التحاكم إلى الطاغوت.
إننا يا صاحب السمو نناشدكم الله أن تميزوا الخبيث من الطيب، وأن تكونوا في يقظة تامة مما يراد بنا وبديننا، فالمسلمون في ذمتكم، ونصر الله معكم متى كان نصركم له ولكتابه ولعباده المؤمنين.
ونرجو أن يكون من سموكم مع هذه الجمعية وأمثالها وأنظمتها ما يرد باطل المبطل وزيف الدخيل، ويحفظ للمسلمين دينهم،
(1) سورة المائدة ـ آية 45.
(2)
سورة المائدة ـ آية 47.
(3)
سورة المائدة ـ آية 50.
(4)
سورة النساء آية 60.
وأحكام شريعتهم، وحقوقهم الثابتة، ومكاسبهم المشروعة وبالله التوفيق. والله يحفظكم (1383هـ)
(تكرم بإرسالها إلى عبد الله بن عثمان النجران المدرس بمعهد العاصمة النموذجي بالرياض ـ أثابه الله)
(1634 ـ استثمار الأموال في البنوك)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي وزير البترول والثروة المعدنية
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد اطلعنا على قرار مجلس إدارة شركة الأسمدة العربية السعودية (سافكو) المنشور في الصحف المحلية، ومنها جريدة الرياض رقم 876 وتاريخ 28/12/1387هـ ووجد من ضمنه ما تيعلق بالاقتراض، وأن الشركة اقترضت من البنوك ما يزيد على 22 مليون دولار. إلى أن قال: وبمجرد استلام الشركة لهذه الأموال باشرت في استثمارها لدى البنوك المحلية والأجنبية، ريثما يحين موعد دفعها للشركات المتعاقد معها، وحققت الشركة منذ بدايتها حتى تاريخ 31 ديسمبر1976 مبلغ 6838245.
ولا يخفى أن مثل هذه الشركة التي ساهم فيها أناس كثيرون من المواطنين، الذين يرغبون الكسب الحلال ولا يقصدون الربا بوجه من الوجوه، ومرابات الشركة بأموالهم تجعل كسبهم خبيثاً حراماً.
فلهذا يتعين على الشركة اجتناب هذه المعاملات الربوية الخبيثة وسنكتب على هذا كتابة مستوفاة فيما بعد، وإنما أردنا التنبيه على هذا بصورة مستعجلة إستجابة لمراجعة الذين استنكروا هذا من
المواطنين، نستنكر هذا، ونرجوا من المسئولين ملاحظة ذلك بصورة مستمرة. والله الموفق والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص ـ ف 860 ـ 1 في 16/3/1388هـ)
(1635 ـ المساهمة في البنوك)
حضرة جناب فضيلة المكرم الشيخ محمد بن إبراهيم.
حفظه الله آمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ـ
طول الله عمرك. عرض على الاشتراك في مساهمة بنك سيفتح في الرياض. وقلت لهم: لا بأس أشوف. وحصل في نفسي شك من جهة المسوغ الشرعي، فأحببت أستفسر من فضيلتكم في هذا الموضوع هذا ما لزم والله يحفظكم.
محبكم
محمد بن سعود بن عبد العزيز آل سعود.
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الأمير
محمد بن سعود بن عبد العزيز حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصلني خطابكم الكريم وتاريخ 6/9/76هـ وقرئ علي، وعلمت منه ما عرض عليكم وهو موضوع الاشتراك في البنك.
ولا يخفى سموكم أن البنوك متعرضة ولابد للربا، فالذي أرى لكم من طريق المشورة والنصيحة عدم الدخول في ذلك. وفقنا الله
وإياكم لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله. (ص ـ م في 6/9/1376هـ)
(1636 ـ س: معاملة البنوك)
ج: كثير منها أو أكثرها لا يقرها الشرع، الربا موجود فيها صراحة. (تقرير)
(1636 ـ 2 معاملة الناس صار فيها شيء كثير بواسطة الدولار، وغيره، ينبغي أن يتصدى لها بعض طلبة العلم حتى يكتب فيها شيء تبرؤ به الذمة. (تقرير عام 81هـ)
(1637 ـ أمثلة من الربا المحرم)(1)
وأما ما طلبتماه من ذكر أمثلة للربا فمن ذلك:
1 ـ يكون للرجل على الرجل دين، فإذا حل الأجل قال صاحب الحق أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال.
2 ـ بيع ألف ريال بألف ومائتين إلى أجل، كما يفعله من يشتغل في المداينات (2) .
3 ـ قر ألف بألف ومائة، كما يفعل في بعض البنوك.
4 ـ أن يطلب رجل من شخص ألف ريال قرضاً بألف ومائتين، فيقول: ما عندي. فيتيعه الطالب سلعة بألف ويقبض الألف ثم يشتري منه السلعة بألف ومائتين مؤجلة فهذا قرض ألف بألف ومائتين، والواسطة هذه السلعة.
(1) بعضها قد تقدم معناه في فتاوي مستقلة.
(2)
وليست هذه هي مسألة (التورق) أو (الوعده) التي تقدمت.
5 ـ رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم، فطالبه وهو معه، فاشترى الطالب بضاعة من صاحب دكان وباعها على المطلوب بزيادة مائة ريال عن ثمنها الحالي، فصبر عليه، وهذه الزيادة في مقابل صبره عنه.
6 ـ رجل باع سلعة على آخر إلى أجل، وتواطئا على أن يأخذها منه بثمن أقل من جنس الثمن الأول، فأخذها منه بذلك.
7 ـ بيع ربوي بنسيئة ويعتاض عن ثمنه مالا يباع به نسيئة، كشراء مائتي صاع من القمح إلى أجل بمائتي ريال، ولما حان الأجل امتنع الذي عليه الدين أن يدفعه لكونه معه، فافترض الذي له الحق دراهم وسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، وهذا يسمى "قلب الدين".
9 ـ يحل الأجل فيكون المدين معه، فيبيعه الدائن ما في ذمته سلماً، لكيلا تمضي مدة على الفلوس وهو لم يستثمرها.
10 ـ يكون للرجل على الرجل الدين فيبيعه عليه قبل حلوله بثمن مؤجل.
إذا علم ذلك فالربا حرام: بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
أما " الكتاب " فقوله تعالى: {وحرم الربا} (1) .
وأما " السنة " فثبت في جامع الترمذي بسند صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه".
(1) سورة البقرة ـ ىية 275.
وأما الإجماع " فقد أجمع العلماء على ذلك.
وأما العقود الموصلة إلى الربا فمعلوم أن الوسائل لها حكم الغايات في المنع والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص ـ ف 2591 ـ 1 في 16/6/1378هـ)
(1638 ـ بيع الريال العربي الورق والفضي بفرانسي)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي
…
أمير الرياض
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فنرفع لسموكم المعاملة المختصة بدعوى عبد العزيز بن ابراهيم القرش ضد محمد بن عبد العزيز الحسين، الواردة منكم برقم 5666 ـ 2 وتاريخ 28/6/1376هـ ونعلمكم أنا وجدنا قبض وكيل عبد العزيز القرش من محمد بن عبد العزيز الولاد ثمانمائة ريال عربي منها خمسمائة ريال عربي ورق والبقية فضة من مائتين وخمسة وثمانين ريال فرنسي قبضاً غير صحيح، لما فيه من الربا. ولذا استلمنا المبلغ المذكور من يد وكيل القرش وعملنا ما يخلص من الربا فصرفنا هاسبعة عشر جنيهاً جوج سعر خمسة وأربعين ريال ونصف وقرش دارج، وفضل منها ستة وعشرون ريال (26) عربي صرفناها قروش عن أربعمائة وستة عشر قرش دارج، ثم سلمنا الجنيهات والقروش المذكورات وفاءً عن الولاد لعبد العزيز القرش بسعر يومها من الفرانسة، فبلغت مائتين وتسعة عشر ريال فرانسي وثلاثة عشر قرش دارج من عين (1) صرف الريال الفرانسي إثنين وستين قرش دارج وبهذا يعتبر أنه لم يصل إلى القرش من الولاد في هذه الدفعة فقط إلا المبلغ الموضح هنا وهو مائتان وتسعة عشر ريال فرانسي وثلاثة عشر
(1) من عين أي سعر.
قرش دارج من عين الصرف المذكور أعلاه والله يحفظكم.
حرر في 22/8/1376هـ) (ص ـ ف 622 في 22/9/76هـ)
(1639 ـ الأوراق نقد نسبي. الاحتياط فيها)
س: بيع ألف ريال فضة بألف ومائتين ورق؟
ج: لا يظهر أنه يسوغ هذه تسمى دراهم، وإن كانت الرغبة فيها أقل، والناس بين لهم في نصيحة المسجد.
والذين يعاملون البنوك أشد، والذين شاركوهم وخالطوهم صاروا يطيرون طيرانهم.
وقيل: لولا الحبس والتأديب لفعلوا ـ يتعاملون بالربا.
ومما يوح لك أنه ربا أنه بيع، وتكون للتجارة، فهو دائر حول الفة، وهو متغانم أن هذا ليس هذا. وهذا لا يفعله ورع ويخاف الربا وجعله عملة يصيره ربا وإن كان دونه.
وهناك فتاوى عريضة طويلة: بعضهم يقول إنها عروض، فيجعل من عنده فراد (1) فأموال الناس هذه يقول: أنا ما ملكتها بفعلي، لا بل بإرث. بقيت في يد الوارث سنين ما فيها زكاة على قول هذا
(1) لا زكاة عليه. والفراد هي ما يحمل على الجمال واحدتها فردة الجمل يحمل فردتين.
القائل. وإذا قررت على ما سميت، وسلك فيها (1) صار للمساكين فيها نصيب، وسلم من الربا.
والخلاص هو بيعها بالذهب.
فالربا هو قاصده ولازمه.
ثم إذا كان إنسان يريد براءة ذمته وشكك فيما يقال عمل بالحيطة إذا كان في (باب الزكاة) جعلها من باب النقود، وإذا كان في (البيع) يجعلها من باب الربا. هذا زمن من يعبث بالأموال ويخوض فيها بالباطل.
ولا يظهر لي أنها فلوس، ولا أنها عروض.
الأظهر أنها نقد نسبي، وإن لم تكن نقداً ذاتاً بل نسبة فإن اعتبرها هكذا وإلا فيعتبرها في كل موضع بسلوك الاحتياط.
(تقرير)
س: يقولون ليست جنس الفضة.
ج: لا يختلف أحد أن هذا جنس وهذا جنس بالذات. إذا اشترى داراً قال عندي لك مائة ألف ريال. لكن في العملة يسلكون شراء فضة بفضة بهذا الطريق، نائب الفاعل يقوم مقامه.
إذا كان بعض العلماء يجعل الحريرة أخت العينة فيجعلون ريال آخر يقتصون به أحياناً.
والمنع من هذا هو الذي نرى. وإذا حصل البيان والإنسان ورع اجتنب هذا. والناس ربما جهلة يدخلون عليهم أشياء، وربما طالب علم يقول كلمات، وهم لا يسألون اثنين ثلاثة، بل يبحثون عن
(1) ما ذكر.
واحد يفتح لهم الباب، وإلا لا ضرورة إلا تكديس الدراهم، هي تجارة وجميع مادة " دع ما يريبك إلى مالا يريبك" .
(تقرير)
(1640 ـ بيع حلي الذهب بالريال الورق)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة مساعد رئيس محكمة الدمام سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنعيد لك برفقه هذه المعاملة بقضية منيرة العلي العائض ضد رحمه بنت علي المالكي، الواردة إلينا مع خطابك رقم 1 وتاريخ 6-1-84هـ الذي ذكرت فيه أن المبيع صوغ ذهب، وأنه بيع بريالات من الأوراق المتعامل بها.. وترغب الإفادة عن صحة العقد والحالة ما ذكر.
وعليه نشعرك بأن بيع الصوغ المذكور بهذه الأوراق النقدية لا يصح إلا بشرط الحلول والقبض. والله يتولاكم. والسلام.
رئيس القضاة
(ص-ق 2020 - 3-1 في 8-5-1385هـ)
(1641- بيع الحلي بجنسه من الذهب والفضة)
قوله: ولا ربا فيما لا يوزن عرفاً لصناعة.. غير ذهب وفضة. وفيه قول بأن العلة في الذهب والفضة الثمينة ليست الوزن، فعليه لا ربا بينه وبين الحلي، خواتيم الذهب على هذا القول تشتري بذهب، وخواتيم الفضة تشتري بفضة. وهذا اختيار الشيخين
(1)
ويقولان: غنه كان من المعلوم أن الحلي مستعمل بن نساء الصحابة زمني النبي، ولم يرو أنه لا يباع بعضه ببعض إلا وزناً، ويقولان: الزائد في مقابلة الصنعة.
ولكن الاحتياط الأخذ بقول الأصحاب، وهو الذي تجري عليه الفتوى في هذه البلاد من حين أدركنا وعرفنا المشايخ المنع. أولاً: أنه قول الجمهور، وهم يتمسكون بأنه ربوي، وفي الرخصة في ذلك فتح باب التلاعب، فلو رخص لهم في هذا الجنس سوغوه في كل شيء، وفتح الباب على مصراعيه.
…
(تقرير)
1641-
م- قوله: ولا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالبيض والجوز. والبطيخ بنوعيه الحبحب والجرو، والفثاء، والطروح.
ولكن في كلام الشيخ حمد بن ناصر بن معمر أن ذلك يباع متفاضلاً، لكن لا يباع نسيئة. (تقرير) .
(1624 - يباع التمر المجبول والدبس بالوزن)
لكن التمر المجبول (أي المكنوز المنعبط) فهذا الا يمكن بيعه بالكيل، فيعتبر بالوزن. ومثله دبس التمر؛ فإنه يتحقق فيه التساوي بالوزن.
…
(تقرير)
(1643 - قوله: ولا يصح بيع اللحم بحيوان)
كلام الشيخ بيع اللحم بحيوان من جنسه متفاضلا، ومنعه نساء فهذا هو الذي بنى عليه حمد بن معمر فتواه.
ولعل مسألة "نساء" أغلظ من ربا الفضل كما تقدم فيه البحث والبيان، فينتفي في بعض الأحيان ربا الفضل ويبقى ربا النسيئة ولو غير ربوي، فإذا وجد شيء ما فيه هذه العلة فيمنع فيه النساء.
ومذهب الأربعة أضيقها في (باب الربا) مذهب مالك، فإنه يمنع أشياء كثيرة هنا. (تقرير)
(1644- بيع الحيوان بالحيوان نسأ متفاضلا)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم ناصر بن يحيى الشهراني
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الإطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا منك بخصوص سؤالك من مسألتين (إحداهما) : هل يجوز للمسلم أن يأخذ من أخيه المسلم عشراً من الغنم حالاً على أن يعطيه بعد مدة يتفقان عليها عشرين رأساً من الغنم.
والجواب: إن هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء، والمذهب جواز ذلك. حيث أن علة الربا الكيل والوزن، ولا كيل ولا وزن في الحيوان. فلا بأس ببيع بعضها ببعض نسأ ومتفاضلا، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر " أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى غبل الصدقة" رواه أحمد والدارقطني وصححه. ولما في قصة وفد هوازان أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: طومن لم نطب نفسه فله بكل فريضة ست فرنض من أول ما يفيي الله علينا". ولما روي عن علي رضي الله عنه أنه باع بعيراً يقال له عصيفير بأربعة أبعرة إلى أجل معلوم.
(ص-ف-932-1 في 16-7-1386هـ)
(1645 - والتمر نفسه لا يباع بالدبس، كما لا يباع العنب بعصيره، فإن الدبس عصير التمر حقيقة، صرحوا به في النمر
النجيل، والدبس كذلكن بل بطريق الأولى؛ فإنه يشترك في بيع بعضه ببعض أن يتحقق كيلا.
…
(تقرير)
قوله: أو الخبز بالنشاء
النشاء: هو العجين. هذا ظاهره.
قوله: ولا بيع الهريسة. إلخ.
نوع من الحنطة، وهو يشبه اللقيمي، إلا أن اللقيمي يشلب ويجرش. (تقرير)
(1646 - س: بيع نخلة خضرية تقدر بثلاثين بنخلة حلوة تقدر بعشرين.
جـ: - حرام، ولا فيه خلاف بين أحد.
…
(تقرير)
(1647 - مسألة خرص النخل، وقسمه بالخرص. فيه كلام لأهل العلم. وهو ليس حراماً.
…
(تقرير) .
(1648 - س: خرص النخل في القسمة مثل مقفرية تقدر بعشرين، وخضرية تقدر بأربعين؟
جـ: لا يجوز؛ لعدم التماثل.
(تقرير - أصول الأحكام)
(1649 - التحديد بخمسة أوسق في العرايا)
قوله: فيما دون خمسة أوسق.
تحديده بخمسة أوسق لأجل أنه عادة حاجة الناس في ذلك الوقت، فإن كان للحاجة تقدر بقدرها.
…
(تقرير)
(1650 - قوله: ولا يباع ربوى بجنسه الخ.
واختار شيخ الإسلام جوازه بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه.
والمنع مطلقاً هو الوجه، وهو الذي ينبغي، سدا لباب الربا فلو رخص متى يكون العوام يتقيدون بالشروط.
…
(تقرير)
العجوة
يقال: له بقايا في المدينة، وكان أناس لهم مزيد من الخبرة يقولون إنه معدوم، وإنما يوجد شيء يقرب من العجوة، وليس عجوة يروجونه على الحجاج.
أقرب ما يشابه العجوة النبوت الحمر، والنبوت الحمر قيل: إنها العجوة.
…
(تقرير)
(1651 - إذا قبض أرباحا ربوية تصدق بها)
"المسألة الخامسة": إذا سلمت بضاعة تبع شركة الأسمنت، واشتغلت الشركة في أموالها - فوردت مكائن، وأخذت مقاولات عمارات، وكسب أرباحاً من البنك، وقدموا لك بيان حسابك، ووجدت منه قسماً يختص بأرباح البنك وهي أرباح ربوية: فهل تقبضها وتجعلها مع ملك، أو تردها على البنك، أو تتصدق بها.
والجواب: هذه الزيادة التي أخذت مقابل أرباح البنك تتصدق بها. والله أعلم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف 1354 في 17-6-1388هـ)