المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الذكر والدعاء - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ١٠

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌باب الذكر والدعاء

‌باب الذكر والدعاء

ص: 315

1 -

عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يقول اللَّه تعالى: أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحَركتْ بى شفتاه" أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البخارى تعليقا.

[المفردات]

الذكر: المراد بالذكر هنا هو الإتيان بالألفاظ التى ورد الترغيب فى قولها والإكثار منها فى تمجيد اللَّه وتقديسه وتسبيحه وتحميده.

والدعاء: يطلق الدعاء على معان منها الطلب والنداء والسؤال والاستغاثة والعبادة، قال الحافظ فى الفتح: وقال الشيخ أبو القاسم القشيرى فى شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: جاء الدعاء فى القرآن على وجوه منها: العبادة {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} ومنها الاستغاثة {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} ومنها السؤال {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ومنها القول {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} والنداء {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} والثناء {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} .

ص: 315

يقول اللَّه تعالى: يعنى فى الحديث القدسى.

أنا مع عبدى: المراد بالمعية هنا معية التأييد والتوفيق إذ أن معية اللَّه لخلقه تأتى على معنيين: معية خاصة ومعية عامة فالمعية الخاصة هى معية النصر والتوفيق والتأييد، وأما المعية العامة فهى بمعنى العلم فهو مع جميع خلقه بعلمه، وأما معيته لعباده الصالحين، فهى بمعنى نصرهم وتأييدهم وتوفيقهم فالأولى كهذا الحديث كقوله تعالى:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ولم تذكر المعية العامة إلا مقرونة بالعلم ليكون ذلك تفسيرا لها حتى يندفع ما قد يجره الشيطان من القول بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا.

ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه: أى اُرشده وأسدده وأوفقه وأؤيده

ص: 316

ما دام يذكرنى وتهتز شفتاه بتمجيدى وتقديسى.

[البحث]

قال البخارى فى كتاب التوحيد (باب قول اللَّه تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} وفعل النبى صلى الله عليه وسلم حيث يُنْزَلُ عليه الوحى، وقال أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم:"قال اللَّه تعالى: أنا مع عبدى حيثما ذكرنى وتحركت بى شفتاه" ويقرب من معنى هذا الحديث ما رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى حيث قال: حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبى حدثنا الأعمش سمعت أبا صالح عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم، وإن تقرب إلىَّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتانى يمشى أتيته هرولة" وقد ظن الصنعانى رحمه الله فى سبل السلام أن المراد بما ذكره البخارى تعليقا عن أبى هريرة هو حديث "أنا عند ظن عبدى بى" وهو وهم فإن هذا الحديث قد أخرجه البخارى بسند متصل كما رأيت، وقد سقت لك فى صدر هذا البحث لفظ حديث البخارى المعلق، واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

الحض على ذكر اللَّه عز وجل.

2 -

أن ذكر اللَّه عز وجل يجلب للعبد تأييد اللَّه وتوفيقه وإعانته ورضاه.

ص: 317

2 -

وعن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما عمل ابن آدم عملا أنْجَى له من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه" أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى بإسناد حسن.

[المفردات]

ما عمل ابن آدم عملا: أى ما قدم الإِنسان شيئًا للنجاة من عذاب اللَّه.

أنجى له من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه: أى أعظم تنجية له وتخليصا من عذاب اللَّه من تمجيد اللَّه وتقديسه.

[البحث]

قد قرن اللَّه تبارك وتعالى فلاح العبد ونصره على عدوه بذكر اللَّه عز وجل حيث يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن ذكر اللَّه يجلب الفلاح والفوز للذاكر فى الدنيا والآخرة.

2 -

أن ذكر اللَّه أعظم الوسائل للنجاة من النار.

ص: 318

3 -

وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلسا يذكرون اللَّه فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده" أخرجه مسلم.

ص: 318

[المفردات]

ما جلس قوم مجلسا: أى ما قعد جماعة فى مكان.

يذكرون اللَّه فيه: أى يمجدون اللَّه ويقدسونه ويعظمونه ويحمدونه ويشكرونه ويتلون كتابه ويتدارسونه بينهم فى مجلسهم هذا، وهو يشمل تدريس الحديث والفقه وكل علم يذكر باللَّه عز وجل.

إلا حفتهم الملائكة: أى إلا أحاطت بهم الملائكة تكريما لهم وإعلاء لقدرهم.

وغشيتهم الرحمة: أى وشملتهم رحمة اللَّه وإحسانه وجوده وفضله ونعمته وغَطَّتْهُم.

وذكرهم اللَّه فيمن عنده: أى وأعلى اللَّه قدرهم وشرَّفهم بذكرهم فى الملأ الأعلى.

[البحث]

أخرج مسلم من طريق أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نَفسَ عن مؤمن كربة عن كرب الدنيا نفَّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره اللَّه فى الدنيا والآخرة واللَّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة

ص: 319

وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم أخرج مسلم من طريق الأغر أبى مسلم أنه قال: أشهد على أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى أنهما شهدا على النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة وذكرهم اللَّه فيمن عنده".

[ما يفيده الحديث]

1 -

شَرَف ذكر اللَّه وفضله.

2 -

تكريم الملائكة للذين يذكرون اللَّه عز وجل ويمجدونه ويقدسونه ويتلون كتابه.

3 -

بشارة أهل الذكر بنزول رحمة اللَّه عليهم.

ص: 320

4 -

وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما قعد قوم مَقْعَدًا لم يذكروا اللَّه فيه، ولم يُصَلُّوا على النبى صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة" أخرجه الترمذى وقال: حسن.

[المفردات]

ما قعد قوم مقعدا: أى ما جلس جماعة مجلسا.

لم يذكروا اللَّه فيه: أى لم يمجدوا اللَّه ويقدسونه فى هذا المقعد.

ولم يصلوا على النبى صلى الله عليه وسلم: أى ولم يعطروه بالصلاة على

ص: 320

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأى لفظ من ألفاظ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.

إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة: أى إلا كان هذا المجلس سببا لندامتهم وتلهفهم على ضياعه وترة ونقصا عليهم فى الدار الآخرة.

[البحث]

قال الترمذى: حدثنا محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا اللَّه فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" هذا حديث حسن وقد روى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه اهـ والترة بكسر التاء وفتح الراء هى الحسرة أو النقص أو النار أو العذاب، وقد أشار اللَّه عز وجل إلى فضل الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم وأن ملائكته يصلون على النبى صلى الله عليه وسلم وأمر المؤمنين بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حيث يقول:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وتجب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فى مواضع منها عند ذكره صلى الله عليه وسلم وتتأكد بعد التشهد فى الصلاة، وعقب إجابة المؤذن فقد أمر رسول اللَّه على صلى الله عليه وسلم من سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول ثم يصلى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة لأن من فعل ذلك حلت له شفاعة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

ص: 321

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

2 -

فضل الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

3 -

شرف المجلس الذى يذكر فيه اللَّه ويصلى فيه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

4 -

سوء المجلس الذى لا يذكر فيه اللَّه ولا يصلى فيه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 322

5 -

وعن أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" متفق عليه.

[المفردات]

من قال لا إله إلا اللَّه الخ: أى من ذكر اللَّه بهذا الذكر.

عشر مرات: أى وَرَدَّدَه وكَرَّرَه عشر مرات.

كان كمن أعتق أربعة أنفس: أى صار فى الفضل مثل من حَرَّرَ أربعة من المماليك.

من ولد إسماعيل: أى من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

[البحث]

هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو لفظ مسلم فقد قال رحمه الله: حدثنا سليمان بن عبيد اللَّه أبو أيوب الغيْلَانِىُّ حدثنا أبو عامر (يعنى العَقَدِىّ) حدثنا عمر (وهو ابن أبى زائدة) عن أبى إسحاق عن عمرو

ص: 322

ابن ميمون قال: "من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير عَشْر مِرَار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" وقال سليمان: حدثنا أبو عامر حدثنا عُمر حدثنا عبد اللَّه بن أبى السَّفَر عن الشعبى عن ربيع بن خُثيم بمثل ذلك قال: فقلت للربيع: ممن سمعته؟ قال: من عَمْرو بن ميمون فأتيت عمرو بن ميمون فقلت ممن سمعته؟ قال: من ابن أبى ليلى قال: فأتيت ابن أبى ليلى فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبى أيوب الأنصارى يحدثه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. أما البخارى فقد قال: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة عن مالك عن سُمَىّ عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير فى يوم مائة مرة كانت له عَدْل عشر رقاب، كتِبَ له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمْسى، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه" حدثنا عبد اللَّه بن محمَّد حدثنا عبد الملك ابن عَمْرو حدثنا عُمَرُ بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: من قال عَشْرًا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل. قال عُمَرُ ابن أبى زائدة: وحدثنا عبد اللَّه بن أبى السَّفَر عن الشعبى عن ربيع بن خُثيم مثله فقلت للربيع: ممن سمعته؟ فقال: من عمرو بن ميمون، فأتيت عمرو بن ميمون فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من ابن أبى ليلى، فأتيت ابن أبى ليلى فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من أبى أيوب الأنصارى

ص: 323

يحدثه عن النبى صلى الله عليه وسلم اهـ وقد أخرج مسلم حديث أبى هريرة من طريق مالك عن سُمَىِّ عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير فى يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان اللَّه وبحمده فى يوم مائة مرة حُطَّتْ خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر" اهـ وقد لوحظ أن بعض الروايات جعل تكرير هذا الذكر عشر مرات كعتق رقبة من ولد إسماعيل وبعضها جعله كعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وبعضها جعل تكرير هذا الذكر مائة مرة تعتق عشر رقاب مطلقة لم تتقيد بكونها من ولد إسماعيل فيكون على هذا من كررها عشر مرات كمن أعتق رقبة واحدة. قال الحافظ فى الفتح: وسمع القرطبى فى المفهم بين الاختلاف على اختلاف أحوال الذاكرين فقال: إنما يحصل الثواب الجسيم لمن قام بحق هذه الكلمات فاستحضر معانيها بقلبه وتأملها بفهمه، ثم لما كان الذاكرون فى إدراكاتهم وفهومهم مختلفين كان ثوابهم بحسب ذلك، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الثواب فى الأحاديث فإن فى بعضها ثوابا معينا ونجد ذلك الذكر بعينه فى رواية أخرى أكثر أو أقل كما اتفق فى حديث أبى هريرة وأبى أيوب اهـ.

ص: 324

[ما يفيده الحديث]

1 -

فضل هذه الصيغة من صيغ ذكر اللَّه عز وجل.

2 -

ينبغى الإكثار من هذه الصيغة.

ص: 325

6 -

وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من قال سبحان اللَّه وبحمده مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه وإن كانت مثل زيد البحر" متفق عليه.

[المفردات]

سبحان اللَّه: أى أنزه اللَّه عما لا يليق به من الشريك والصاحب والولد وجميع الصفات التى لا تليق باللَّه عز وجل وأعتقد أنه بعيد عن كل نقص، متصف بكل كمال وجمال يليق به.

بحمده: أى والحال أنى متلبس بحمده وقت تسبيحى لأنه وفقنى لهذا التسبيح، وحمد اللَّه هو الثناء عليه بما هو أهله والرضا به فى السراء والضراء والشكر له على النعماء.

مائة مرة: أى كرر هذه الصيغة من صيغ ذكر اللَّه مائة مرة.

حطت عنه خطاياه: أى محيت عنه سيئاته وَوُضِعَتْ عنه ذنوبه.

وإن كانت مثل زيد البحر: أى وإن كانت ذنوبه وخطاياه فى الكثرة مثل زيد البحر وهو ما يعلو فوق الماء من الرغوة التى تحدث عند اضطراب موج البحر.

ص: 325

[البحث]

أورد البخارى هذا الحديث من طريق مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة باللفظ الذى ساقه المصنف، وأخرجه مسلم من طريق مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة طرفا من حديث، وقد سقته فى بحث الحديث الخامس من أحاديث هذا الباب بتمامه.

[ما يفيده الحديث]

1 -

الترغيب فى ذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

2 -

سعة فضل اللَّه ورحمته ومغفرته.

ص: 326

7 -

وعن جويرية بنت الحارث رضى اللَّه عنها قالت: قال لى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لقد قلتُ بعدك أربع كلمات لو وُزِنَتْ بما قلتِ مُنْدُ اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ: سبحان اللَّه وبحمده عَدَدَ خَلْقِه ورِضَاء نفسه وزنة عرشه ومِدَادَ كلماته" أخرجه مسلم.

[المفردات]

قلت بعدك أربع كلمات: أى ذكرت اللَّه عز وجل بعد خروجى من عندك فى الصباح بأربع جمل فقط.

لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ: أى لو وضعت فى كفة ميزان ووضعت الصيغ التى ذكرت اللَّه عز وجل بها من وقت خروجى من عندك فى الصباح إلى الآن فى

ص: 326

كفة لرجح الكلمات الأربع على جميع ما ذكرت اللَّه به.

عدد خلقه: أى بعدد كل واحد من مخلوقاته وعدد منصوب على نزع الخافض أى بعدد.

ورضاء نفسه: أى وبقدر رضاء نفسه ورضاه سبحانه لا ينقطع ولا ينقضى.

وزنة عرشه: أى وبقدر زنة عرشه وهو من الكِبَر والعِظَم بحيث لا يعلم قدر وزنه إلا اللَّه.

ومداد كلماته: المداد ما يغمس فيه القلم من حبر ونحوه ليكتب به، أى وبمقدار مداد كلام اللَّه، وقد أشار اللَّه عز وجل إلى أن جميع مياه البحار الموجودة على الأرض يمدها من بعدها سبعة أبحر لتكون مدادا يكتب به كلام اللَّه لنفدت هذه المياه ولم تنفد كلمات اللَّه حيث قال:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} .

[البحث]

أخرج مسلم هذا الحديث من طريق غريب عن ابن عباس عن جويرية أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بُكرة حين صلى الصبح وهى فى مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهى جالسة، فقال:"ما زلت على الحال التى فارقتك عليها" قالت: نعم، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لَوْ وُزِنَتْ بما قلت منذ اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ: سبحان اللَّه وبحمده عدد خلقه ورضا

ص: 327

نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" ثم أخرج مسلم من طريق أبى رِشْدِين عن ابن عباس عن جويرية قالت: مرَّ بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الغداة أو بعد ما صلى صلاة الغداة فذكر نحوه غير أنه قال: "سبحان اللَّه عدد خلقه، سبحان اللَّه رضا نفسه سبحان اللَّه زنة عرشه سبحان اللَّه مداد كلماته".

[ما يفيده الحديث]

1 -

فضل ذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

2 -

أن بعض الذكر القليل الألفاظ قد يغنى عن بعض الذكر الكثير الألفاظ.

3 -

الإِرشاد إلى ما أعطاه اللَّه لرسوله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم.

ص: 328

8 -

وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الباقيات الصالحات لا إله إلا اللَّه وسبحان اللَّه واللَّه أكبر والحمد للَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه" أخرجه النسائى وصححه ابن حبان والحاكم.

[المفردات]

الباقيات الصالحات: أى المراد بالباقيات الصالحات فى قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} أى هذه هى التى

ص: 328

تبقى آثارها العظيمة ونفعها الكبير للإِنسان بعد موته.

لا إله إلا اللَّه: أى كلمة التوحيد والمراد ذكر اللَّه عز وجل بها.

وسبحان اللَّه: أى وذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

واللَّه أكبر: أى وذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

والحمد للَّه: أى وذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

ولا حول ولا قوة إلا باللَّه: أى وذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

[البحث]

قال ابن جرير رحمه الله: وجدت فى كتابى عن الحسن بن الصباح البزار عن أبى نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمَّد ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر هن الباقيات الصالحات" قال: وحدثنى يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبى الهيثم عن أبى سعيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هى يا رسول اللَّه؟ قال: "الملة" قيل وما هى يا رسول اللَّه؟ قال: "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد للَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه" اهـ ولا شك أن هذه من الباقيات الصالحات. غير أن عموم قوله تعالى: "والباقيات الصالحات" أعم من ذلك فهى تشمل كل عمل صالح كالصلاة والصيام والزكاة والحج والعتق والجهاد وصلة الرحم.

ص: 329

9 -

وعن سمرة بن جندب رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى اللَّه أربع: لا يضرك بأيهن بدأت؟ سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر" أخرجه مسلم.

[المفردات]

أحب الكلام إلى اللَّه: أى أفضل صيغ ذكر اللَّه عز وجل عند اللَّه تبارك وتعالى وأعظمها سببا للازدلاف إليه والمراد بالكلام هنا كلام البشر.

أربع: أى أربع كلمات والكلمات واحدها كلمة والمراد بالكلمة هنا الكلام.

لا يضرك: أى لا يضيع عليك شيئًا من ثمرتها المباركة.

بأيهن بدأت: أى بتقديم بعض هذ الكلمات على بعض أو تأخير بعضها عن بعض، ففضلها لا يتوقف على ذكرها مرتبة بحسب ورودها فى الحديث لاستقلال كل واحدة من الجمل.

ولا إله إلا اللَّه: أى ولا معبود بحق إلا اللَّه وحده فلا يستحق العبادة أحد سواه.

واللَّه أكبر: أى واللَّه أعظم وأجل.

[البحث]

أخرج مسلم هذا الحديث من طريق ربيع بن عُمَيْلَة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى اللَّه أربع سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت، ولا تُسَمِّيَنَّ غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول:

ص: 330

أثَمَّ هو؟ فلا يكون فيقول: لا".

كما أخرج مسلم من حديث أبى ذر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: سئل أى الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى اللَّه لملائكته أو لعباده: سبحان اللَّه وبحمده".

وأخرج مسلم من طريق أبى عبد اللَّه الجِسْرِىِّ من عَنَزَة عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك بأحب الكلام إلى اللَّه؟ " قلت: يا رسول اللَّه أخبرنى بأحب الكلام إلى اللَّه فقال: "إن أحب الكلام إلى اللَّه سبحان اللَّه وبحمده" وقد أخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن هذه الكلمات أحب إليه مما طلعت عليه الشمس فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه. قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لأن أقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر أحبُّ إلَىَّ مما طلعت عليه الشمس".

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن هذه الصيغة من صيغ ذكر اللَّه هى أحب صيغ الذكر عند اللَّه عز وجل.

2 -

أن بعض صيغ الذكر أحب إلى اللَّه من بعض الصيغ الأخرى.

ص: 331

10 -

وعن أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه قال: قال لى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا عبد اللَّه بن قيس ألا

ص: 331

أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا باللَّه" متفق عليه. زاد النسائى: "ولا ملجأ من اللَّه إلا إليه".

[المفردات]

ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة: أى ألا أعلمك وأرشدك إلى مدّخر عظيم تَدّخِرُه لنفسك فى الجنة فتسعد به فيها.

لا حول ولا قوة إلا باللَّه: أى لا حركة ولا سكون ولا قدرة على التصرف ولا استطاعة ولا حيلة، ولا تحول عن معصية ولا قدرة على طاعة إلا بمشيئة اللَّه وقدرته.

ولا ملجأ: أى ولا مهرب ولا مفر.

من اللَّه إلا إليه: أى من عذاب اللَّه وسخطه إلا بالالتجاء إلى اللَّه والفرار إليه والتحصن برضاه.

[البحث]

لفظ هذا الحديث عند البخارى من طريق أبى عثمان عن أبى موسى قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا، ثم أتى علىَّ وأنا أقول فى نفسى: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال: "يا عبد اللَّه بن قيس قل لا حول ولا قوة إلا باللَّه فإنها كنز من كنوز الجنة أو قال: ألا أدلك على كلمة هى كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا باللَّه" ولفظ مسلم من طريق أبى عثمان

ص: 332

عن أبى موسى قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولاغائبا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم" قال: وأنا خلفه؟ وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه فقال: يا عبد اللَّه بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول اللَّه قال: "قل لا حول ولا قوة إلا باللَّه".

[ما يفيده الحديث]

1 -

فضل ذكر اللَّه عز وجل بهذه الصيغة.

2 -

استحباب خفض الصوت بالذكر.

ص: 333

11 -

وعن النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء هو العبادة" رواه الأربعة وصححه الترمذى، وله من حديث أنس مرفوعًا بلفظ:"الدعاء مخ العبادة" وله من حديث أبى هريرة رفعه "ليس شئ أكرم على اللَّه من الدعاء" وصححه ابن حبان والحاكم.

[المفردات]

الدعاء: أى سؤال اللَّه والضراعة إليه والطلب منه والإِلحاح عليه فى الطلب، وقد تقدمت المعانى التى تراد من كلمة الدعاء فى مفردات الحديث الأول من أحاديث

ص: 333

هذا الباب.

هو العبادة: أى هو من أبرز مظاهر العبادة، والعبادة هى بذل أقصى غاية الحب مع أقصى غاية الذل للمعبود ولها مراسيم قد حددتها شريعة الإسلام فى توحيد اللَّه عز وجل والطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج وجميع ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّه عز وجل.

وله من حديث أنس: أى وللترمذى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه.

مخ العبادة: أى أصلها وخالصها.

وله من حديث أبى هريرة: أى وللترمذى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه.

أكرم على اللَّه: أى أفضل عند اللَّه وأحب إليه.

[البحث]

حديث النعمان بن بشير أخرجه الترمذى فقال: حدثنا أحمد بن منيع نا مروان بن معاوية عن الأعمش عن ذرّ عن يُسَيْع عن النعمان ابن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} هذا حديث حسن صحيح وقد رواه منصور والأعمش عن ذَرٍّ ولا نعرفه إلا من حديث ذر اهـ أما حديث أنس فقد قال الترمذى: حدثنا على بن حجر أنا الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة

ص: 334

عن عبيد اللَّه بن أبى جعفر عن أبان بن صالح عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء مخ العبادة" هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة اهـ أما حديث أبى هريرة فقد قال الترمذى: حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى أنا أبو داود الطيالسى نا عمران القطان عن قتادة عن سعيد بن أبى الحسن عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ليس شئ أكرم على اللَّه من الدعاء" هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمران القطان، حدثنا محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدى عن عمران القطان بنحوه اهـ.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن الدعاء من أبرز مظاهر العبادة.

2 -

وأن من دعا غير اللَّه وسأله بما لا يقدر عليه إلا اللَّه كان مشركا.

3 -

وأن دعاء الموتى وسؤالهم قضاء الحاجات من الشرك أكبر.

ص: 335

12 -

وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الدعاء بين الأذان والإِقامة لا يُرَدُّ" أخرجه النسائى وغيره وصححه ابن حبان وغيره.

ص: 335

[المفردات]

الدعاء: أى سؤال العبد ربه.

بين الأذان والإقامة: أى فى الوقت الذى يقع بين الأذان وبين إقامة الصلاة.

لا يرد: أى لا يُخَيِّبُ اللَّه الدَّاعِىَ بل يستجيب له.

[البحث]

تقدم هذا الحديث فى باب الأذان برقم 18 بلفظ: "لا يرد الدعاء بين الأذان والإِقامة" وقد قال المصنف هناك: رواه النسائى وصححه ابن خزيمة وقد ذكرت هناك من أخرجه وبينت أن الترمذى حسنه، وتقدم بحثه هناك.

ص: 336

13 -

وعن سلمان رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حَيىٌّ كريم يستحيى من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صِفْرًا" أخرجه الأربعة إلا النسائى وصححه الحاكم.

[المفردات]

حيى كريم: هما وصفان للَّه تعالى يليقان بجلاله وجماله وعظمته.

يستحيى من عبده الخ: أى يأبى إذا رفع إليه عبده يديه فى دعائه أن يردهما صِفْرًا: أى أن يرجعهما خاليتين خائبتين.

ص: 336

[البحث]

قد ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رفع اليدين فى الدعاء، وجاء فى صحيح مسلم ما يؤيد جواز رفع اليدين عند الدعاء مطلقا فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"أيها الناس إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبا وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وقال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب" الحديث وأما ما روى عن أنس رضى اللَّه عنه: لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى شئ من الدعاء إلا فى الاستسقاء، فالمراد به الرفع البليغ حتى يرى بياض إبطه. أما حديث الباب فقد قال الترمذى: حدثنا محمَّد ابن بشار نا ابن أبى عدى قال: أنبأنا جعفر بن ميمون صاحب الأنماط عن أبى عثمان النهدى عن سلمان الفارسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه حيى كريم يستحى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفْرًا خائبتين" هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم ولم يرفعه اهـ وقال أبو داود حدثنا مؤمل بن الفضل الحرَّانى أخبرنا عيسى -يعنى ابن يونس- أخبرنا جعفر يعنى بن ميمون صاحب الأنماط حدثنى أبو عثمان عن سلمان قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حيى كريم يستحيى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" اهـ وفى إسناده أبو على جعفر بن ميمون قال يحيى بن معين: صالح، وقال

ص: 337

مرة: ليس بذاك، وقال مرة: ليس بثقة، وقال أبو حاتم الرازى: صالح، وقال أحمد بن حنبل: ليس بقوى فى الحديث. وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بشر بكر بن خلف ثنا ابن أبى عدى عن جعفر ابن ميمون عن أبى عثمان عن سلمان عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربكم حَيي كريم يستحيى من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صِفْرًا" أو قال "خائبتين" اهـ.

ص: 338

14 -

وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا مَدَّ يديه فى الدعاء لم يرُدَّهُمَا حتى يَمْسَحَ بهما وَجْهَهُ، أخرجه الترمذى. وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبى داود، وَغيرُه، ومجموعها يقضى، بأنه حديث حسن.

[المفردات]

إذا مَدَّ يديه فى الدعاء: أى إذا رفع يديه عند سؤاله ربَّه عز وجل.

لم يردهما: أى لم يرجعهما إلى ما كانا عليه قبل الرفع بعد فراغه من الدعاء ولم يحطهما.

حتى يمسح بهما وجهه: أى حتى يُمِرَّهُما على وجهه.

وله شواهد: أى ولحديث عمر عند الترمذى شواهد تؤيده.

منها: أى من هذه الشواهد.

وغيره: أى وغير حديث ابن عباس عند أبى داود.

ص: 338

ومجموعها: أى ومجموع هذه الشواهد.

يقضى: أى يفيد ويقطع.

بأنه: أى بأن حديث عمر عند الترمذى.

[البحث]

قال الترمذى: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى وإبراهيم بن يعقوب وغير واحد قالوا: نا حماد بن عيسى الجهنى عن حنظة بن أبى سفيان الجمحى عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال محمد بن المثنى فى حديثه: لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن عيسى وقد تفرد به وهو قليل الحديث وقد حدَّث عنه الناس، وحنظلة بن أبى سفيان الجمحى ثقة وثقه يحيى بن سعيد القطان اهـ أما شاهد ابن عباس عند أبى داود فقد قال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه ابن مسلمة أخبرنا عبد الملك بن محمد بن أيمن عن عبد اللَّه بن يعقوب ابن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظى حدثنى عبد اللَّه ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: لا تستروا الجدر، من نظر فى كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر فى النار، سلوا اللَّه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" قال أبو داود: روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا اهـ ومن الشواهد التى أشار إليها

ص: 339

المصنف ما رواه أبو داود فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد أخبرنا ابن لهيعة عن حفص بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص عن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه اهـ وهذا الشاهد ضعيفٌ أيضًا بسبب ابن لهيعة، واللَّه أعلم.

وقول المصنف (ومجموعها يقضى بأنه حديث حسن) يدل على أن حديث الباب لم يرو بسند صحيح قط، وقد ذكر السفارينى فى شرح ثلاثيات المسند أن البخارى أخرج فى صحيحه من حديث أنس رضى اللَّه عنه: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه فى الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه، وهذا وهم من السفارينى عجيب رحمه الله.

ص: 340

15 -

وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم علىَّ صلاة" أخرجه الترمذى وصححه ابن حبان.

[المفردات]

إن أولى الناس بى يوم القيامة: أى إن أحق الناس بشفاعتى يوم القيامة أو أقربهم منى منزلة يوم القيامة.

[البحث]

قال الترمذى حدثنا محمد بن بشار نا محمد بن خالد بن عثمة قال: ثنا موسى بن يعقوب الزمعى حدثنى عبد اللَّه بن كيسان أن

ص: 340

عبد اللَّه بن شداد أخبره عن عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه: وسلم قال: "أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب اهـ ومحمد بن خالد ابن عَثْمَةَ صدوق يخطئ وموسى بن يعقوب بن عبد اللَّه بن وهب بن ربيعة المطلبى الزمعى صدوق سئ الحفظ.

ص: 341

16 -

وعن شداد بن أوس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعتُ أبوء لك بنعمتك علىَّ وأبوء بذنبى فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" أخرجه البخارى.

[المفردات]

سيد الاستغفار: أى أفضل صيغ الاستغفار وأعظمها، والاستغفار طلب المغفرة من اللَّه عز وجل ولما كانت هذه الصيغة جامعة لمعانى التوبة كلها صارت كأنها سيدة صيغ باب الاستغفار ومرجعها.

اللهم أنت ربى: أى يا اللَّه أنت سيدى ومالكى ومصلح شأنى ومدبر أمرى.

خلقتنى: أى أوجدتنى من العدم.

وأنا عبدك: أى وأنا مملوكك الذى يتحتم عليه عبادتك والخضوع

ص: 341

والذلة لك.

وأنا على عهدك ووعدك: أى وأنا على ما عاهدتك عليه والتزمت به من الإِيمان بك والإِخلاص لك ما استطعت آملا حسن مثوبتك التى وعدت بها عبادك المؤمنين.

ما استطعت: أى ما تمكنت من ذلك وقدرت عليه بتوفيقك وفضلك.

أبوء لك بنعمتك على: أى أقر وأعترف بجميل إحسانك وفضلك وترادف آلائك التى لا تعد ولا تحصى وقد غمزتنى بها.

وأبوء بذنبى: أى وأقر وأعترف بتقصيرى فى القيام بحقك العظيم.

فاغفر لى: أى فاصفح عنى وتجاوز عن سيئاتى.

فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: أى فإنه لا يعفو عن السيئات إلا أنت يا أرحم الراحمين، ومن يغفر الذنوب إلا اللَّه.

[البحث]

تمام هذا الحديث عند البخارى قال: "ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" والاستغفار من أعظم أسباب عز الدنيا وسعادة الآخرة فإنه من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل ضيق فرجا ومن كل شدة مخرجا، وإلى ذلك يشير اللَّه عز وجل حيث يقول:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ} وكما

ص: 342

قال عز وجل: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} وكما قال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} .

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن هذه الصيغة هى أفضل صيغ الاستغفار.

2 -

أن بعض صيغ الاستغفار أفضل من بعض.

3 -

استحباب تقديم الوسائل من الضراعة والذلة للَّه عز وجل والاعتراف بنعمته بين يدى السؤال.

4 -

أن أعظم الوسائل التى يقدمها العبد بين يدى سؤاله هى الإِقرار للَّه عز وجل بالربوبية والألوهية وإخلاص التوحيد له مع الإِقرار بالعجز والتقصير عن الوفاء بشكر نعمه.

ص: 343

17 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الكلمات حين يُمسى وحين يُصبح "اللهم إنى أسألك العافية فى دينى ودنياى، وأهلى ومالى، اللهم استر عوراتى، وآمِنْ رَوعاتى، واحفطنى من بين يَدَىَّ ومِنْ خَلْفِى، وعن يمينى وعن شمالى، ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك أن أغتال مِنْ تَحْتِى" أخرجه النسائى وابن ماجه وصححه الحاكم.

ص: 343

[المفردات]

يَدَعُ: أى يترك.

حين يمسى وحين يصبح: أى يقولها عند دخول المساء وعند دخول الصباح.

أسألك العافية فى دينى: أى أطلب منك سلامة دينى من المعاصى والآثام والانحراف.

ودنياى: أى وأسألك سلامة دنياى من الشرور والمصائب والنكبات.

وأهلى: أى وأسألك سلامة أهلى من الأمراض والأسقام وسوء العشرة.

ومالى: أى وأسألك سلامة مالى من الآفات.

استر عوراتى: أى اغفر زلاتى ولا تفضحنى فى الدنيا والآخرة.

وآمن روعاتى: أى واحفظنى من كل ما يفزعنى.

واحفظنى من بين يَدَىَّ ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى: أى احفظنى فلا يصلنى شر من أى جهة من الجهات.

وأعوذ بعظمتك: أى وأستجير وأتحصن بعظمتك وجلالك.

أن أغتال من تحتى: أى أن أوخذ خفية من تحت رِجْلى بخسف أو نحوه.

[البحث]

أورد أبو داود هذا الحديث فى سننه فقال: حدثنا يحيى بن موسى البلخى ثنا وكيع ح وثنا عمان بن أبى شيبة ثنا ابن نمير قالا: ثنا عبادة بن مسلم الفزارى عن جبير بن أبى سليمان بن جبير بن مطعم

ص: 344

قال: سمعت ابن عُمر يقول: لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى وحين يصبح: "اللهم إنى أسألك العافية فى الدنيا والآخرة، اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى دينى ودنياى وأهلى ومالى، اللهم استر عورتى -وقال عثمان: عوراتى- وآمن روعاتى، اللهم احفظنى من بين يدَى ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتى" قال وكيع يعنى الخسف اهـ وقال النسائى: "باب الاستعاذة من الخسف" أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دُكين عن عبادة بن مسلم قال: حدثنى جبير بن أبى سليمان ابن جبير بن مطعم أن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إنى أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتى" قال جبير: وهو الخسف. أخبرنا محمد بن الخليل قال حدثنا مروان وهو ابن معاوية عن على بن عبد العزيز عن عبادة بن مسلم الفزارى عن جبر بن أبى سليمان عن ابن عمر قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم، فذكر الدعاء، وقال فى آخره:"أعوذ بك أن أغتال من تحتى" يعنى بذلك الخسف. وقال ابن ماجه: حدثنا على ابن محمد الطنافسى ثنا وكيع ثنا عبادة بن مسلم ثنا جبير بن أبى سليمان بن جبير بن مطعم قال: سمعت ابن عمر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن يَدَعَ هؤلاء الدعوات.

ص: 345

18 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتَحَوُّلِ عافيتك، وفُجَاءَة نِقْمَتِكَ وجميع سخطك" أخرجه مسلم.

[المفردات]

أعوذ بك: أى أستجبر بك، وإليك ألتجئ، وبك أعتصم.

يا من ألوذ به فيما أؤمله

ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يَجْبُرُ الناس عظما أنت كاسره

ولا يهيضون عظما أنت جابره

من زوال نعمتك: أى من ذهاب نعمتك عنى.

وتحول عافيتك: أى وانتقال عافيتك عنى.

وفجاءة نقمتك: أى وبغتة عقوبتك وفجاءة بضم الفاء ومد الجيم ويجوز فتح الفاء مع القصر.

وجميع سخطك: أى وجميع أسباب غضبك ومقتك.

[البحث]

لفظ هذا الحديث عند مسلم من طريق عبد اللَّه بن دينار عن عبد اللَّه ابن عمر قال: كان من دعاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك".

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الدعاء بهذه الصيغة.

2 -

ينبغى للمسلم أن يحذر عقوبة اللَّه.

ص: 346

19 -

وعن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من غلبة الدَّين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء" رواه النسائى وصححه الحاكم.

[المفردات]

من غلبة الدين: أى أن يصيبنى دَين أعجز عن قضائه ويشتد ويثقل علىَّ.

وغَلَبَة العَدُوِّ: أى وظهور عَدُوَّى علىَّ، وقهره إياى، وتحكمه فِىَّ.

وشماتة الأعداء: أى أن يفرح علىَّ عدوى بسبب ضر ينزل بى.

[البحث]

روى البخارى فى صحيحه واللفظ له ومسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-كان يُكثر أن يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين وغلبة الرجال" وفى لفظ للبخارى من طريق مصعب عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يأمر بخمس ويذكرهن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بهن: "اللهم إنى أعوذ بك من البخل. وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا، يعنى فتنة الدجال -وأعوذ بك من عذاب القبر" وفى رواية للبخارى

ص: 347

من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شر فتنة الغِنى، وأعوذ بك من فتنة القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" وأخرج مسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الدعوات: "اللهم فإنى أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر ومن شر فتنة الغنى ومن شر فتنة الفقر وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال" وأخرج مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من سوء القضاء ومن دَرَكِ الشقاء ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء، وقد أخرج مسلم من طريق سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه عن خولة بنت حكيم السُّلَميَّة أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق فإنه لا يضره شئ حتى يرتحل منه" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: "أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق لم تضرك" وقال النسائى: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال أنبأنا ابن وهب قال: حدثنى حُييَ بن عبد اللَّه قال حدثنى أبو عبد الرحمن الحُبُلى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم إنى أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء".

ص: 348

[ما يفيده الحديث]

1 -

فضل الاستعاذة باللَّه من هذه الأشياء.

2 -

أنه لا يدفع الشرَّ عن العبد إلا اللَّه.

ص: 349

20 -

وعن بريدة رضى اللَّه عنه قال: سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال:"سأل اللَّه باسمه الذى إذا سُئِلَ به أعطى، وإذا دُعِىَ به أجاب" أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان.

[المفردات]

أسألك: أى أدعوك.

بأنى أشهد الخ: أى متوصلا إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وأشهد أى أقر والأحد هو الواحد الذى لا شريك له فى ذاته أو صفاته أو أسمائه. والصمد هو المقصود فى الحوائج الغنى عن جميع خلقه، العلى على خلقه، والحى الذى لا يموت.

لم يلد: أى المنزه عن الحاجة للولد، المتفرد بالكمال، الذى لا يُجانسُه شئ ولا يشبهه شئ، ولا يفتقر إلى ما يعينه.

ولم يولد: أى ولم يسبقه عدم فهو الأول والآخر والظاهر والباطن.

ولم يكن له كفوا أحد: أى وليس أحد يماثله فى شئ من صفات

ص: 349

كماله وجلاله فلا نِدَّ له ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل.

سأل اللَّه: أى دعا اللَّه.

باسمه الذى إذا سئل به أعطى: أى متوسلا باسمه الذى إذا طلب أحد منه شيئا به لا يرده بل يعطيه ويمنحه ما أراد.

وإذا دُعى به أجاب: أى وإذا نودى به استجاب لمن ناداه.

[البحث]

هذا الحديث أخرجه الترمذى من طريق جعفر بن محمد بن عمران الثعلبى الكوفى نا زيد بن حُباب عن مالك بن مغول عن عبد اللَّه بن بريدة الأسلمى عن أبيه قال: سمع النبى صلى الله عليه وسلم-رجلا يدعو وهو يقول وساق الحديث باللفظ الذى ساقه المصنف إلى قوله: "ولم يكن له كفوا أحد" ثم قال: فقال: "والذى نفسى بيده لقد سأل اللَّه باسمه الأعظم الذى إذا دُعى به أجاب وإذا سئل به أعطى" قال زيد: فذكرته لزهير بن معاوية بعد ذلك بسنين فقال: حدثنى أبو إسحاق عن مالك بن مغول قال زيد: ثم ذكرته لسفيان فحدثنى عن مالك هذا حديث حسن غريب، وروى شريك هذا الحديث عن أبى إسحاق عن ابن بريدة عن أبيه وإنما أخذه أبو إسحاق عن مالك بن مغول اهـ وقال أبو داود: حدثنا مسدد أخبرنا يحيى عن مالك بن مغول أخبرنا عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إنى أسألك أنى أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،

ص: 350

فقال: "لقد سألت اللَّه بالإِسم الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب" اهـ وقال ابن ماجه: حدثنا على بن محمد ثنا وكيع عن مالك بن مغول أنه سمعه من عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه وساقه.

ص: 351

21 -

وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-إذا أصبح يقول: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور" وإذا أمسى قال مثل ذلك إلا أنه قال: وإليك المصير" أخرجه الأربعة.

[المفردات]

إذا أصبح: أى إذا دخل فى وقت الصباح وطلع عليه النهار.

بك أصبحنا: أى بقدرتك وقضائك دخلنا فى الصباح وطلع علينا النهار.

وبك أمسينا: أى وبقدرتك وقضائك دخلنا فى المساء فأنت الذى تأتى بالصباح وبالمساء.

وبك نحيا: أى وبقدرتك وقضائك تَدِبُّ فينا الحياة.

وبك نموت: أى وبقدرتك وقضائك نفارق الحياة.

وإليك النشور: أى وأنت وحدك الذى تبعثنا من قبورنا وتحيينا بعد موتنا.

وإذا أمسى: أى وإذا دخل فى وقت المساء وجاء الليل.

ص: 351

قال مثل ذلك: أى ذكر اللَّه بهذه الصيغة التى ذكره بها عند دخوله فى الصباح.

إلا أنه قال: وإليك المصير: أى إلا أنه قال فى صيغة الذكر فى المساء "وإليك المصير" بدل قوله فى صيغة الذكر فى الصباح "وإليك النشور".

[البحث]

أخرج أبو داود هذا الحديث فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور" وإذا أمسى قال: "اللهم بك أمسينا وبك نجيا وبك نموت وإليك النشور" وقال الترمذى: حدثنا على بن حجر نا عبد اللَّه ابن جعفر أنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه يقول: "إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير وإذا أمسى فليقل: اللَّه بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور" هذا حديث حسن اهـ.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب ذكر اللَّه بهذه الصيغة عند الصباح.

2 -

استحباب ذكر اللَّه بهذه الصيغة عند المساء.

ص: 352

22 -

وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: كان أكثر دُعاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" متفق عليه.

[المفردات]

أكثر دعاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى أكثر صيغ الذكر والدعاء التى يدعو بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ربنا آتنا فى الدنيا حسنة: أى يا ربنا وسيدنا ومالك أمورنا ومصلح شئوننا أعطنا فى الدنيا حسنة، قال ابن كثير: الحسنة فى الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوى من عافية ودار رحبة وزوجة حسناء وولد بار ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنى وثياب جميلة إلى غير ذلك اهـ.

وفى الآخرة حسنة: أى وأعطنا فى الدار الآخرة حسنة، وحسنة الآخرة دخول الجنة وأحسنها النظر إلى وجه اللَّه الكريم نسأل اللَّه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم فى جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وقنا عذاب النار: أى وأجرنا واحفظنا من عذاب جهنم.

ص: 353

[البحث]

أخرج البخارى هذا الحديث فى تفسير سورة البقرة قال: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم-يقول: "اللهم (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وأخرجه فى كتاب الدعوات فى (باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: ربنا آتنا فى الدنيا حسنة) قال: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: كان أكثر دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: "اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وهذا لفظ الحديث فى النسخة التى شرح عليها الحافظ فى الفتح وفى بعض نسخ البخارى هنا: "اللهم ربنا" الخ. أما مسلم رحمه الله فقد قال: حدثنى زهير بن حرب حدثنا إسماعيل (يعنى ابن علية) عن عبد العزيز (وهو ابن صهيب) قال: سأل قتادة أنسا: أىُّ دعوة كان يدعو بها النبى صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: "اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ حدثنى أبى حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" اهـ.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الدعاء بهذه الصيغة المباركة.

ص: 354

2 -

استحباب الدعاء بصيغ الدعاء الواردة فى القرآن دون قصد التلاوة.

3 -

يجوز الدعاء بقوله: ربنا آتنا فى الدنيا حسنة الخ فى السجود فى الصلاة دون قصد التلاوة.

ص: 355

23 -

وعن أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدعو: "اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفر لى جدِّى وهزلى وخطئى وعَمْدِى وكل ذلك عندى. اللهم اغفر لى ما قَدَّمتُ وما أخَّرْتُ، وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به منى، أنت المقَدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شئ قدير" متفق عليه.

[المفردات]

خطيئتى: أى ذنبى ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطية بالتشديد.

وجهلى: أى عدم معرفتى والجهل ضد العلم.

وإسرافى فى أمرى: أى مجاوزتى للحد فالإِسراف مجاوزة الحد فى كل شئ.

وجِدى وهزلى: الجد بكسر الجيم ضد الهزل، فالجد القصد إلى العمل والهزل اللعب به والهَزِلُ اللَّعَّاب.

وخطئى: أى وما يقع منى من تقصير بدون قصد.

ص: 355

وعمدى: أى وما يقع منى من تقصير عن قصد.

وكل ذلك عندى: أى وكل ذلك ممكن أو موجود عندى.

أنت المُقَدِّم: أى أنت تقدم من تشاء من خلقك فيتقدم على أقرانه ويعلو ويرتفع بتوفيقك وتأييدك.

وأنت المؤخِّر: أى وأنت تؤخر من تشاء من عبادك بخذلانك فيتأخر ويبتعد عن أفعال الخير وتنحط درجته.

[البحث]

أخرج البخارى هذا الحديث من طريق شيخه محمد بن بشار قال حدثنا عبد الملك بن الصباح حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن ابن أبى مولى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى كله وما أنت أعلم به منى اللهم اغفر لى خطاياى وعمدى وجهلى وجِدى وكل ذلك عندى، اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير، وقال عبيد اللَّه بن معاذ حدثنا أبى حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم بنحوه، حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد حدثنا إسرائيل حدثنا أبو إسحاق عن أبى بكر ابن أبى موسى وأبى بردة أحسبه عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم-أنه كان يدعو: اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفر لى هزلى وجدى وخطئى وعمدى

ص: 356

وكل ذلك عندى اهـ أما مسلم رحمه الله فقد أخرجه من طريق عبيد اللَّه بن معاذ العنبرى حدثنا أبى حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن أبى برده بن أبى موسى الأشعرى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء وساقه باللفظ الذى ساقه المصنف، وصدور هذا الدعاء من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه لما عُلم أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو المعصوم من الخطايا والسيئات صلوات اللَّه وسلامه عليه. وقد يرد مثل هذا الأسلوب لإِرشاد أمته وتعليم الناس أنهم محتاجون لعفو ربهم ومغفرته مهما كانت أعمالهم الصالحة، ومنازلهم العالية، على حد قول القائل:

إياك أعنى واسمعى يا جارة

والعلم عند اللَّه عز وجل.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الدعاء بهذه الصيغة من صيغ الذكر.

2 -

أن الناس محتاجون إلى عَفْوِ ربهم ومغفرته مهما كانت أعمالهم الصالحة ومنازلهم الرفيعة.

3 -

يجوز الدعاء بهذا الذكر فى سائر مواضع الدعاء فى الصلاة وغيرها.

ص: 357

24 -

وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى إليها معادى، واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر" أخرجه مسلم.

[المفردات]

أصلح لى دينى: أى احفظ لى دينى وعقيدتى من الفساد وصُنْهُ لى من كل سوء.

هو عصمة أمرى: أى هو مِلاك أمرى.

فيها معاشى: أى حياتى.

معادى: أى مرجعى.

واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير: أى واجعل مدة بقائى على الأرض سببا لى فى الازدياد من الأعمال الصالحة.

والموت راحة لى من كل شر: أى واجعل انقضاء أجلى على هذه الأرض سببا لاستراحتى من كل أذى.

[البحث]

أخرج مسلم هذا الحديث من طريق أبى صالح السمان عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى،

ص: 358

وأصلح لى آخرتى التى فيها معادى واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير واجعل الموت راحة لى من كل شر" ولا معارضة بين قوله صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث: "واجعل الموت راحة لى من كل شر وبين النهى عن تمنى الموت حيث يقول رسول صلى الله عليه وسلم فى حديث أنس عند مسلم: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به. فإن كان لابد متمنيا فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى" وفى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-قال: "لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب" فإن حديث الباب ليس فيه تمنٍّ للموت ولا دعاء به، وإنما فيه إرجاع الأمر للَّه وحده، وأسعد خلق اللَّه باللَّه من أرجع أمره كله للَّه، ولم يتعلق بأحد سواه، على حد قول الشاعر:

وقائلة مات الكرام فمن لنا

إذا عضَّنا الدهر الشديد بنابه

فقلت لها من كان غاية هَمِّه

سؤالا لخلوق فليس بنابه

لئن مات من يُرجى فمعطيهم الذى

يُرَجُّونه باقٍ فلوذوا ببابه

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الدعاء بهذه الصيغة.

2 -

رَدُّ الأمر إلى اللَّه عز وجل فى جميع الشئون.

ص: 359

25 -

وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى وارزقنى علما ينفعنى" رواه النسائى والحاكم، وللترمذى من حديث أبى هريرة نحوه، وقال فى آخره:"وزدنى علما، الحمد للَّه على كل حال وأعوذ باللَّه من حال أهل النار" وإسناده حسن.

[المفردات]

انفعنى بما علمتنى: أى اجعل لى خيرا ونصيبا حسنا بما عرفتنيه من العلم.

وعلمنى ما ينفعنى: أى وعَرِّفْنى ما يفيدنى.

وارزقنى علما ينفعنى: أى وَهَبْ لى معرفة تفيدنى.

نحوه: أى نحو حديث أنس عند النسائى والحاكم.

وزدنى علما: أى وامنحنى علما فوق ما علمتنى.

الحمد للَّه على كل حال: أى الثناء على اللَّه فى السراء والضراء.

وأعوذ باللَّه من حال أهل النار: أى وأستجير باللَّه من صفات أهل جهنم وما يحل بهم.

[البحث]

حديث أبى هريرة عند الترمذى لفظه: حدثنا أبو كريب نا عبد اللَّه ابن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما، الحمد للَّه على كل حال، وأعوذ باللَّه من حال

ص: 360

أهل النار" هذا حديث غريب من هذا الوجه اهـ وقد أخرجه ابن ماجه من طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن عبد اللَّه بن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبى هريرة وساقه بلفظ الترمذى إلا أنه قال فى آخره: "وأعوذ باللَّه من عذاب النار" بدل لفظ الترمذى: وأعوذ باللَّه من حال أهل النار".

ص: 361

26 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم عَلَّمهَا هذا الدعاء: "اللهم إنى أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إنى أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لى خيرا" أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.

[المفردات]

عاجله وآجله: أى حاضره ومستقبله.

منه: أى من الخير.

أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك: أى أدعوك وأطلب منك أن تعطينى من الفضل الذى سألك رسولك محمد صلى الله عليه وسلم أن تعطيه إياه.

ص: 361

وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك: أى وأستجير بك من كل شر استجار بك منه رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.

أسألك الجنة: أى أدعوك وأتضرع إليك أن تجعلنى من أهل الجنة.

وما قرب إليها من قول وعمل: أى وأسألك أن توفقنى لكل عمل أو قول يدنينى من الجنة ويدخلنى فيها.

وأعوذ بك من النار: أى وأستجير بك من جهنم.

وما قرب إليها من قول أو عمل: أى وأستجيربك من كل فعل أو كلام يدنينى من النار ويدخلنى فيها.

وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لى خيرا: أى وأضرع إليك أن تجعل الخير لى فيما قضيته فى شأنى.

[البحث]

قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أخبرنى جبر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبى بكر عن عائشة وساقه. قال فى الزوائد: فى إسناده مقال.

ص: 362

27 -

وأخرج الشيخان عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان: سبحان اللَّه وبحمده سبحان اللَّه العظيم".

[المفردات]

كلمتان: أى جملتان.

حبيبتان إلى الرحمن: أى يحبهما اللَّه تعالى ويحب أن يرددهما العبد.

خفيفتان على اللسان: أى لا يثقل النطق بهما فهما سهلتان.

ثقيلتان فى الميزان: أى ترجحان كفة الميزان يوم القيامة.

ص: 362

سبحان اللَّه وبحمده: أى أنزه اللَّه تنزيها حالة كونى متلبسا بحمده والثناء عليه.

سبحان اللَّه العظيم: أى أنزه اللَّه العظيم الجليل تنزيها واصفا له بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات العلى.

[البحث]

ختم البخارى رحمه الله صحيحه بهذا الحديث وأورده من طريق أحمد بن إشكاب حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم باللفظ الذى ساقه المصنف، وأورده فى كتاب الدعوات فقال: حدثنا زهير بن حرب حدثنا ابن فضيل، عن عمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم-قال "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللَّه العظيم سبحان اللَّه وبحمده" أما مسلم فقد قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير وزهير بن حرب وأبو كريب ومحمد بن طريف البجلى قالوا: حدثنا ابن فضيل عن عمارة ابن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم".

[ما يفيده الحديث]

1 -

فضل التسبيح والتحميد.

2 -

تيسير سبل ذكر اللَّه عز وجل.

3 -

تفضل اللَّه عز وجل بمنح العطاء الجزيل على الكلام القليل.

4 -

دعوة الأنام إلى اغتنام أسباب دخول الجنة دار السلام.

ص: 363