الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب البِرِّ والصِّلَةِ
1 -
عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يبسط له فى رزقه، وأن يُنْسَأ فى أثره فليصل رَحمَه" أخرجه البخارى.
[المفردات]
البر: تقدم تعريفه فى الحديث الثالث من أحاديث باب الأدب.
والصلة: المراد بها هنا: الإِحسان إلى الأقربين والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم والابتعاد عن كل ما يقطع الرحم.
من أحب أن يبسط له فى رزقه: أى من رغب وسره أن يوسع اللَّه عليه فى رزقه ويبارك له فيه.
وأن ينسأ فى أثره: أى وأن يؤخر فى أجله بأن يبارك فى عمره، ويبقى ذكره الصالح بعد موته إما بذرية صالحة أو علوم نافعة أو صدقة جارية.
فليصل رحمه: أى فليحسن إلى أقاربه وليبذل جهده فى إيصال ما أمكن من الخير لهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم.
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى كتاب الأدب فى (باب من بُسط له فى الرزق لصلة الرحم) من طريق سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه قال: سمعت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "من سره أن يبسط له فى رزقه، وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه" ثم ساق من طريق ابن شهاب قال: أخبرنى أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له فى رزقه وينسأ له فى أثره فليصل رحمه" وليس المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: "وأن ينسأ له فى أثره" أن أجله يطول عما قدره اللَّه عز وجل له فإن الآجال المضروبة لا تتقدم ولا تتأخر على حد قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} بل المقصود هو ما أشرت إليه فى مفردات هذا الحديث بأن يبارك له فى عمره ويبقى ذكره الصالح بعد موته على حد قول اللَّه تعالى فى ما ذكره عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} .
[ما يفيده الحديث]
1 -
الحض على صلة الرحم.
2 -
التحذير من قطيعة الرحم.
3 -
أن صلة الرحم تجلب للواصل سعة الرزق.
4 -
أن صلة الرحم تجلب للواصل بركة العمر.
2 -
وعن جبير بن مطعم رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قاطع" يعنى قاطع رحم. متفق عليه.
[المفردات]
لا يدخل الجنة قاطع: أى لا تفتح أبواب الجنة لمن يسئ إلى أقاربه.
[البحث]
هذا الحديث من أحاديث الوعيد وقد سبق الكلام على أن أحاديث الوعيد قد تفسر فيحمل مثل هذا الحديث على المستحل لقطيعة الرحم بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها وقد يترك تفسيرها ليشتد الحذر والخوف من الوقوع فيها وقد أشار اللَّه تبارك تعالى إلى خطورة قطيعة الرحم وأن المعرضين عن الأخذ بتعاليم الإسلام إنما يعرضون عن ذلك لحرصهم على الفساد فى الأرض وقطيعة الرحم حيث يقول: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} حتى يكاد يجعل أهم مقاصد الرسالة بعد التوحيد هو صلة الأرحام وفى ذلك يقول: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أى لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة شيئا سوى أن تحبوا أقاربكم وأن تصلوا أرحامكم على ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أهل التفسير والتأويل.
هذا وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك عن الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلفظ "لا يدخل الجنة قاطع رحم".
[ما يفيده الحديث]
1 -
التحذير الشديد من قطيعة الرحم.
2 -
أن الإِساءة إلى الأقارب من الكبائر.
3 -
وعن المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأدَ البنات ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" متفق عليه.
[المفردات]
عقوق الأمهات: العقوق مأخوذ من العقِّ وهو القطع وعقوق الأمهات هو قصد إيذائهن وعصيانهن وترك الإِحسان إليهن، وتخصيص الأمهات بالذكر هنا مع أن عقوق الأب من كبائر الذنوب أيضا لأن أكثر العقوق إنما يقع على الأمهات لضعفهن، على أن حرمهن آكد من حرمة الآباء. والأمهات جمع أمهة وهى لمن يعقل. أما لفظ الأم فيستعمل فيمن يعقل وغيره.
ووَأْدَ البنات: أى دفنهن وهن على قيد الحياة حتى يمتن تحت
التراب وتخصيص البنات بالذكر هنا مع أن وأد الأولاد من أكبر الكبائر أيضا لأن الوأد غالبا كان يقع على البنات من أهل الجاهلية خوف العار، مع أن بعض أهل الجاهلية كانوا يئدون البنين والبنات خشية الفقر والإِملاق.
ومنعا وهات: أى ومنع ذى الحق من حقه وطلب الشئ غير المستحق، فالمنحرف عن تعاليم الإسلام يمنع ما لزمه من الحقوق، ويطلب ما لا يستحقه فهو مناع للخير شغوف بما فى أيدى الناس، وأصل هات: آت فقلبت الألف هاء أى آت وأعط.
وكره لكم: أى وأبغض من أفعالكم.
قيل وقال: أى أن يكون أكبر همكم وشغلكم هو فى الخوض فى أخبار الناس وحكايات أحوالهم ونقل ما يسئ إليهم وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع.
وكثرة السؤال: أى والإِلحاف على الناس فى طلب ما بأيديهم من أموالهم فإن المسئلة تجئ بصاحبها يوم القيامة وليس فى وجهه مزعة لحم كما أن كثرة السؤال لتتبع أخبار الناس وأحوالهم كشف عوراتهم مما يكرهه الإسلام.
وإضاعة المال: أى وكره لكم إضاعة أموالكم بإنفاقها فى غير وجه شرعى وإتلافها ببذل الكثير منها فى غرض تافه حقير
وقد جعلها اللَّه تبارك وتعالى قياما للناس حيث يقول: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} كما أن من إضاعة المال تعطيله وترك القيام عليه، واللَّه أعلم.
[البحث]
أورد البخارى ومسلم هذا الحديث من طريق وراد كاتب المغيرة عن المغيرة باللفظ الذى ساقه المصنف، وأورده البخارى فى كتاب الرقاق من طريق ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إلىّ بحديث سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: فكتب إليه المغيرة: إنى سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير" ثلاث مرات قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، ومنع وهات وعقوق الأمهات ووأد البنات اهـ وفى لفظ لمسلم أنه قال: وحرَّم عليكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم يقل: إن اللَّه حرم عليكم. وفى لفظ لمسلم من طريق كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلى بشئ سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكتب إليه إنى سمعت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن اللَّه كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" وفى لفظ عن وراد قال: كتب المغيرة إلى معاوية: سلام عليك أما بعد فإنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن اللَّه حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث: حرم عقوق الوالد ووأد البنات ولا وهات ونهى عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال" اهـ وقوله فى الحديث: "ولا" يعنى الامتناع عن أداء ما لزمه من الحقوق فهو بمعنى قوله فى الرواية الأخرى: "ومنعا".
[ما يفيده الحديث]
1 -
تحريم عقوق الأمهات.
2 -
الحض على البر بالأمهات.
3 -
تحريم وأد البنات والقضاء على عادة أهل الجاهلية فى ذلك.
4 -
التحذير من منع صاحب الحق من حقه وتحريم المماطلة.
5 -
التحذير من محاولة الاستيلاء على حق الغير.
6 -
التحذير من الخوض فى أخبار الناس ونقل ما يسئ إليهم وأن يتحدث الإِنسان بكل ما سمع.
7 -
النهى عن كثرة السؤال.
8 -
التحذير من إضاعة المال.
9 -
الحض على الأخلاق الحميدة والخلال الطيبة الجميلة التى تسبب للإِنسان صلاح معاشه ومعاده.
4 -
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "رِضا اللَّه فى رِضَا الوالدين، وسخط اللَّه فى سُخط الوالدين" أخرجه الترمذى وصححه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
رضا اللَّه فى رضا الوالدين: أى محبة اللَّه للعبد يجلبها بره بوالديه ورضاهما عنه.
سخط اللَّه: أى غضب اللَّه.
فى سخط الوالدين: أى فى غضب الوالدين على ولدهما بسبب عقوقه لهما.
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا أبو حفص عمرو بن على ثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "رضا الرَّبِّ فى رضا الوالد وسخط الرب فى سخط الوالد" حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو نحوه ولم يرفعه وهذا أصح وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفا، ولا نعلم أحدا رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون، سمعت محمد بن المثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثل خالد بن الحارث ولا بالكوفة مثل عبد اللَّه بن إدريس اهـ.
5 -
وعن أنس رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "والذى نفسى بيده لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه.
[المفردات]
والذى نفسى بيده: أى واللَّه الذى روحى بقبضته.
لا يؤمن عبد: أى لا يبلغ إنسان درجة المؤمنين الكملة، ولا يكمل يقينه.
حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه: أى حتى يفرح لما يناله المجاور له فى الدار أو أخوه المسلم من الخير والعافية مثل ما يفرح لنفسه.
[البحث]
هذا الحديث بهذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو رواية مسلم ولم يروه البخارى بهذا اللفظ، فقوله:"والذى نفسى بيده" ليست فى رواية البخارى لهذا الحديث، فقد أخرجه البخارى بدون هذه الزيادة فقال:(باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه، وعن حسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" قال الحافظ فى الفتح: "وعن حسين المعلم" هو معطوف على شعبة فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعها لأن شيخه أفردهما، ثم قال الحافظ: تنبيه: المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التى ذكرناها فهو:"لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره" وزاد مسلم فى أوله عن أبى خيثمة عن يحيى القطان: "والذى نفسى بيده" اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
وجوب رعاية الجار وحب الخير له حتى ولو كان كافرا.
2 -
وجوب رعاية الأخ المسلم وحب الخير له.
3 -
لا يبلغ عبد كمال الإِيمان حتى يترك الحسد والغل والحقد والغش.
4 -
الإِضرار بالجار من الكبائر.
6 -
وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَىُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خَلَقَكَ" قلتُ: ثم أَىُّ؟ قال: "أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خشية أن يأكل معك" قلتُ: ثم أَىُّ؟ قال: "أن تُزَانِىَ حليلة جارك" متفق عليه.
[المفردات]
أى الذنب أعظم: أى أىُّ الإِثم أكبر وأشد وأفظع.
أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك: أى أن تتخذ للَّه شريكا ونظيرا، واللَّه هو ربك الذى أنشأك وأوجدك وحده لا شريك له، ولا ند له ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل.
ثم أىُّ؟ : أى ثم أَىُّ الذنب أعظم بعد الشرك باللَّه؟ .
تقتل ولدك خشية أن يأكل معك: أى إن أعظم الذنوب بعد الشرك باللَّه هو أن يقتل الإِنسان ولده من خوف الفقر والإِملاق.
ثم أَىُّ: أى ثم أَىُّ الذنب أعظم بعد قتل الولد خوف الفاقة.
تُزَانِىَ حليلة جارك: أى إن أعظم الذنوب وأفحشها بعد ذنب قتل الولد هو مسافحة زوجة الجار.
[البحث]
أورد البخارى فى كتاب الأدب هذا الحديث باللفظ الذى ساقه المصنف وفى آخره: وأنزل اللَّه تصديق قول النبى صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} وأورده البخارى فى كتاب التوحيد بلفظ قال: سألت النبى صلى الله عليه وسلم أى الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أى؟ قال: ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أى؟ قال: "ثم أن تزانى بحليلة جارك".
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن أعظم المعاصى هو الشرك باللَّه عز وجل.
2 -
ثم القتل بغير حق وبخاصة من يقتل ولده خشية الفقر.
3 -
ثم الزنا وبخاصة الزنا بحليلة الجار.
4 -
وجوب صيانة الجار من جميع البوائق.
5 -
وجوب القضاء على عادات أهل الجاهلية.
7 -
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه" قيل: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: "نعم، يَسُبُّ أبا الرجل فَيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أمَّهُ" متفق عليه.
[المفردات]
من الكبائر: أى من الذنوب العظيمة.
شتم الرجل والديه: أى سب الرجل والديه.
هل يسب الرجل والديه: أى هل يحدث أن يسب الرجل والديه؟ فهذا فى غاية الغرابة والاستبعاد، لا يكاد يتصور وقوعه من إنسان سَوِيِّ.
قال: نعم: أى يقع هذا ولكن بطريق غير مباشر.
يسب أبا الرجل فيسب أباه: أى يشتم الإِنسان والد إنسان آخر فيشتم هذا الآخر أبا الذى سب أباه، فيكون قد تسبب فى سب والده هو، ويقع فى إثم من سب والده.
[البحث]
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو لفظ مسلم أما لفظ البخارى فهو "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجلُ والديه" قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" قال الحافظ فى الفتح: قال ابن بطال: هذا الحديث أصل فى سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل فى هذا الحديث قوله تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
عظم حق الأبوين.
2 -
أنه إذا كان التسبب فى لعن الوالدين من أكبر الكبائر فإن التصريح بلعنهما أشد وأفحش.
3 -
وجوب سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات.
4 -
تحريم التسبب إلى أذية الوالدين.
5 -
أن الحكم قد يبنى على غالب الظن.
8 -
وعن أبى أيوب رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام" متفق عليه.
[المفردات]
لا يحل لمسلم: أى لا يجوز لمن انقاد إلى أمر اللَّه وشرعه.
أن يهجر أخاه: أى أن يترك مكالمة أخيه إذا تلاقيا، والمراد بالأخ هنا هو المسلم.
فوق ثلاث ليال: أى أكثر من ثلاث ليال بأيامها أو ثلاثة أيام بلياليها.
يلتقيان: أى يتقابلان فى طريق أو غيره.
فيعرض هذا ويعرض هذا: أى فيتدابران ولا يقبل أحدهما على الآخر، ويصد كل واحد منهما عن صاحبه.
وخيرهما الذى يبدأ بالسلام: أى وأحب الرجلين المتهاجرين إلى
اللَّه تعالى من يسارع إلى مصالحة أخيه المسلم وبدئه بالسلام.
[البحث]
من أهم مقاصد الإسلام تكوين المجتمع المتماسك المترابط المتحاب المتعاطف المتراحم، ومن أهم مقاصد الشيطان تشتيت شمل المسلمين وتفريق كلمتهم فقد روى مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثم يجئ أحدهم فيقول ما زلت حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت. ولذلك حذر الإسلام أشد التحذير من أسباب تصدع المجتمع وتشتت الشمل، والتدابر بين المسلمين. فحرم التهاجر، والتنازع وبين أنه سبب الفشل وذهاب الريح حيث يقول: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا" كما روى البخارى ومسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" ولفظ
البخارى "فوق ثلاثة أيام" وقد أخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن اللَّه لا يغفر ذنوب المتهاجرين حتى يصطلحا فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا" وفى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه رفعه قال: تُعرض الأعمال فى كل يوم خميس واثنين فيغفر اللَّه عز وجل فى ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك باللَّه شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: ارْكُوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال:"تعرَضُ أعمال الناس فى كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا أو اركُوا هذين حتى يفيئا" وقد أشار حديث الباب إلى أنه يجوز الهجران فى حدود ثلاثة أيام فقط، وإنما عفى عن ذلك لأن الإِنسان مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض.
[ما يفيده الحديث]
1 -
لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام.
2 -
يجوز الهجر فى ثلاثة أيام فقط.
3 -
أن الذى يبدأ بالسلام والمصالحة هو خير الرجلين وأحبهما عند اللَّه عز وجل.
4 -
حرص الإسلام على تماسك المسلمين.
5 -
دقة نظام الإسلام وشموله.
9 -
وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ معروف صدقة" أخرجه البخارى.
[المفردات]
كل معروف: أى كل خير وبر ونفع من قول أو فعل يقدمه المسلم لغيره ولو بدفع الأذى عنه مريدا بذلك وجه اللَّه.
صدقة: أى فيه أجر عند اللَّه عز وجل.
[البحث]
أخرج البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير أو قال: "بالمعروف" قال: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر فإنه له صدقة" وهذا الحديث يفسر حديث الباب وأن كل شئ يفعله الإِنسان أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة وليس قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى موسى: "على كل مسلم صدقة" أن ذلك فرض على المسلم قال فى الفتح: "وقوله: على كل مسلم صدقة" أى فى مكارم الأخلاق وليس ذلك بفرض إجماعا اهـ هذا وفى
لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كل سُلامَى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس" قال: "تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل فى دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة" قال: "والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" وفيه أيضا تفسير لحديث جابر رضى اللَّه عنه.
[ما يفيده الحديث]
1 -
الترغيب فى بذل المعروف.
2 -
أن كل خير يفعله الإِنسان بنية صالحة يثيبه اللَّه عز وجل عليه.
3 -
أن الصدقة ليست قاصرة على بذل المال.
10 -
وعن أبى ذر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرَنَّ من المعروف شيئا، ولو أن تَلْقَى أخاك بوجه طلق".
[المفردات]
لا تَحْقِرَنَّ: أى لا تَزْدَرِيَنَّ.
من المعروف: أى من الخير.
شيئا: أى مهما كان قليلا.
ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق: أى ولو لم تجد من المعروف
ما تقدمه لأخيك المسلم إلا أن تتبسم له وتظهر الفرح بلقائه، والوجه المطلق هو السهل المنبسط المستبشر.
[البحث]
هذا الحديث من أيسر قواعد السلوك فى حسن معاملة الناس والعمل على توحيد كلمتهم وجمع شملهم، وطلاقة الوجه وبشاشته مما لا ينبغى للمسلم أن يقصر فيه فهو شئ هين الفعل عظيم الأجر حتى قيل فى المثل: الكرم شئ هين، وجه بشوش وكلام لين.
[ما يفيده الحديث]
1 -
استحباب طلاقة الوجه.
2 -
أن طلاقة الوجه من المعروف الذى يقرب العبد من اللَّه عز وجل.
3 -
لا يجوز للمسلم أن يحتقر شيئا من المعروف مهما كان.
11 -
وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكثر ماءها وتَعَاهَدْ جيرانك" أخرجهما مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى ذر رضى اللَّه عنه.
إذا طبخت مرقة: أى إذا أردت طبخ لحم وإنضاجه فى ماء.
فأكثر ماءها: أى فأكثر الماء الذى تضعه على اللحم لإِنضاجه فى القِدْرِ.
وتعاهد جيرانك: أى وتفقد أحوال جيرانك واغرف لهم من مرق قدرك.
أخرجهما مسلم: أى أخرج هذا الحديث والذى قبله مسلم رحمه الله.
[البحث]
هذا الحديث أورده مسلم رحمه الله من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّىِّ حدثنا أبو عمران الجَوْنَىُّ عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر إذا طَبَختَ مَرَقَةً فَأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" ثم أورده من طريق شعبة عن أبى عمران الجونى عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: إن خليلى صلى الله عليه وسلم أوصانى: "إذا طَبَخْتَ مَرَقًا فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف".
[ما يفيده الحديث]
1 -
الإِرشاد إلى مكارم الأخلاق.
2 -
الحث على بذل المعروف وإن كانت يسيرا.
3 -
حسن معاملة الجيران.
12 -
وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نَفَّسَ عن مسلم كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ اللَّه عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة ومن سَتَرَ مسلما ستره اللَّه فى الدنيا والآخرة، واللَّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه" أخرجه مسلم.
[المفردات]
من نفَّس عن مسلم كُرْبَةً: أى من فَرَّجَ وأزال عن أخيه المسلم ضيقا وشدة وعُسْرًا.
من كُرَب الدنيا: أى من شدائد الدنيا وبلاياها.
نَفَّسَ اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة: أى فَرَّجَ اللَّه عنه شدة من شدائد يوم القيامة وخفف عليه من أهوالها.
ومن يسَّر على معسر: أى ومن وسع على محتاج إما بإنظاره إن كان مدينا له أو بوضع الدين عنه أو بمساعدته بما يزيل عسره ويُذْهِبُ همه.
يسَّر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة: أى سهل اللَّه له سُبُلَ سعادته فى معاشه ومعاده ووسَّع عليه.
ومن ستر مسلما: أى ومن حال دون فضيحة المسلم ولم يكشف سوءته، ولم يظهر عورته.
ستره اللَّه فى الدنيا والآخرة: أى لا يفضحه اللَّه فى الدنيا والآخرة
بل يغفر ذنبه ويستر عورته ويحفظه عن كل ما يخزيه فى دنياه وأخراه.
واللَّه فى عون العبد: أى واللَّه فى مساعدة العبد وتأييده.
ما كان العبد فى عون أخيه: أى ما دام هذا العبد يسعى فى مساعدة أخيه المسلم وتأييده.
[البحث]
أورد مسلم هذا الحديث فى صحيحه فى سياق أحاديث فضل الذكر والدعاء والاجتماع على تلاوة القرآن من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس اللَّه عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يَسَّر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستر اللَّه فى الدنيا والآخرة واللَّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتس فيه علما سَهَّلَ اللَّه له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بَطَّأ به عمله لم يُسْرِعْ به نسبُه" ويظهر أن الصنعانى رحمه الله لم يطلع على هذا الحديث فى صحيح مسلم فقال: هذا ليس فى مسلم كما قال الشارح وقد أخرجه غيره اهـ وقول الصنعانى رحمه الله: لفظ مسلم: "من فرج" يشعر أن الصنعانى
رحمه اللَّه هو والشارح لما يطلعا على هذا الحديث وإنما اطلعا على لفظ مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ، من كان فى حاجة أخيه كان اللَّه فى حاجته ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره اللَّه يوم القيامة" وهو غير حديث الباب، ولكنه حسبه هو. وهذا الحديث -كما قال النووى- حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب.
[ما يفيده الحديث]
1 -
فضل قضاء حوائج المسلمين.
2 -
الحض على نفع المسلمين بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك.
3 -
فضل الستر على المسلمين.
4 -
فضل إنظار المعسر.
5 -
الحض على التعاون بين المسلمين على الخير.
13 -
وعن أبى مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من دَلَّ على خير فَلَهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" أخرجه مسلم.
[المفردات]
دل على خير: أى هدى إلى عمل من أعمال البر والخير وأرشد
إلى من يعين عليه.
فله مثل أجر فاعله: أى فإن اللَّه عز وجل يثيبه كما يثيب الذى يفعل هذا الخير.
[البحث]
فى نسخة بلوغ المرام التى شرح عليها الصنعانى رحمه الله: وعن ابن مسعود، وهو خطأ صوابه وعن أبى مسعود وهو الأنصارى البدرى رضى اللَّه عنه وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن أبى عمرو الشيبانى عن أبى مسعود الأنصارى قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنى أُبْدِعَ بى فاحملنى فقال: "ما عندى" فقال رجل: يا رسول اللَّه أنا أدُلُّهُ على من يحمله. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" وقوله: (أبدع بى) أى هلكت دابتى وهى مركوبى يقال: أُبدع بفلان بالبناء للمجهول إذا عطبت ركابه وبقى منقطعابه" وكما جعل اللَّه عز وجل لمن دل على الخير مثل أجر فاعله، فكذلك من دعا إلى هدى أو سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم، كما أن من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ففى لفظ لمسلم من حديث جرير بن عبد اللَّه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليهم الصُّوفُ فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطؤا عنه حتى رُؤىَ ذلك فى وجهه قال: ثم إن رجلا من
الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرقِ ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السُّرور فى وجهه فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من سَنَّ فى الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شئ، ومن سَنَّ فى الإسلام سنة سيئة فَعُمِلَ بها بعده كُتِبَ عليه مِثْلُ وِزْرِ من عمل بها ولا يَنْقُصُ من أوزارهم شئ".
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
2 -
تيسير سبل اكتساب الأجر الحسن من اللَّه عز وجل.
14 -
وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له" أخرجه البيهقى.
[المفردات]
من استعاذكم باللَّه: أى من استجار باللَّه منكم.
فأعيذوه: أى فأجيروه ولا تعتدوا على جوار اللَّه عز وجل.
ومن سألكم باللَّه فأعطوه: أى ومن طلب منكم قضاء حاجة له وقال وهو يطلب حاجته منكم: أسألكم باللَّه فلا تحرموه من قضاء حاجته وأعطوه ما يطلب.
ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه: أى ومن صنع لكم معروفا وأسدى إليكم يدًا فامنحوه مكافأة منكم على صنيعه
الحسن لكم.
فإن لم تجدوا فادعوا له: أى فإن لم يكن لديكم من المال أو نحوه ما تكافئونه به فادعوا اللَّه له أن يجزيه من عنده جزاء حسنا ليكون ذلك مكافأة له منكم.
[البحث]
قال أبو داود فى سننه: (باب فى الرجل يستعيذ من الرجل) حدثنا نصر بن على وعبيد اللَّه بن عمر قالا: ثنا خالد بن الحارث ثنا سعيد -قال نصر: ابن أبى عروبة- عن قتادة عن أبى نهيك عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من استعاذ باللَّه فأعيذاوه، ومن سألكم بوجه اللَّه فأعطوه" قال عبيد اللَّه: "من سألكم باللَّه" حدثنا مسدد وسهل بن بكار قالا: ثنا أبو عوانة ح وثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير المعنى عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه ومن سألكم باللَّه فأعطوه" وقال سهل وعثمان: "ومن دعاكم فأجيبوه" ثم اتفقوا: "ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه" قال مسدد وعثمان: "فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" وقال البيهقى: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن ابن فورك أنبأ عبد اللَّه بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود الطيالسى ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه" وقد أشار اللَّه تبارك وتعالى إلى نحو ما دل عليه هذا الحديث من جواز السؤال باللَّه حيث قال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} وقال فى قصة مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} وقد روى
البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: إن ثلاثة فى بنى إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بَدَا للَّه أن يبتليهم فبعث إليهم مَلَكًا -الحديث، وفيه: ثم إنه أتى الأبرص فى صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بى الحبال فى سفرى، فلا بلاغ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذى أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه فى سفرى فقال له: إن الحقوق كثيرة فقال له: كأنى أعرفك ألم تكن أبرص يَقْذَرُكَ الناسُ فقيرا فأعطاك اللَّه؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر فقال: إن كنت كاذبا فصَيَّرَك اللَّه إلى ما كنت -وأتى الأقرع فى صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما ردَّ عليه هذا فقال:"إن كنت كاذبا فصيرك اللَّه إلى ما كنت" وأتى الأعمى فى صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بى الحبال فى سفرى فلا بلاغ اليوم إلا باللَّه ثم بك أسألك بالذى رَدَّ عليك بصرك شاة أتبلغ بها فى سفرى، فقال: قد كنت أعمى فرد اللَّه بصرى، وفقيرا فأغنانى فخذ ما شئت فواللَّه لا أجهدك اليوم بشئ أخذته للَّه، فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضى اللَّه عنك وسَخِطَ على صاحبيك".
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن من استعاذ باللَّه من شخص ينبغى له أن يعيذه.
2 -
جواز السؤال باللَّه تعالى.
3 -
ينبغى لمن سئل باللَّه أن يعطى السائل ما سأل إن كان قادرا على ذلك.
4 -
ينبغى مكافأة من أسدى إليك معروفا.