الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله عز وجل هي مهمة الأنبياء والرسل، وواجب المؤمنين عامة وأهل العلم منهم خاصة، قال تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]
إن المكانة الرفيعة للدعوة الإسلامية هي التي جعلت مركز البحوث والدراسات الإسلامية يستهل بها سلسلة " الكتاب الإسلامي "، فكان موضوع الكتاب الأول من هذه السلسلة:" مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية "، وها هو المركز يواصل اهتمامه بأمر الدعوة إلى الإسلام، فيصدر كتاب:" التدرج في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم " الذي يبحث في قضية عظيمة الأهمية في فقه الدعوة أسيء فهمها على أيدي بعض المشتغلين بالدعوة الإسلامية، ممن يفتقرون إلى التأهيل العلمي والسلوكي، فهؤلاء يجهلون - أو يتجاهلون - أن الخير كل الخير في اتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن الشر كل الشر في الابتداع وتنكب الهدي النبوي الكريم.
وإن من يتأمل في رسالة الإسلام منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى أن اختاره الله عز وجل إلى جواره يتضح له أن التدرج كان السمة البارزة في مسار الرسالة، فالقرآن الكريم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما، قال تعالى:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] فلقد بدأ الإسلام بأركان الإيمان لإفراد الله عز وجل بالعبودية ونبذ الشرك والوثنية، وبعد بضع سنوات من تثبيت عقيدة التوحيد في نفوس الجماعة المؤمنة فرضت الصلاة ثم الصيام والزكاة والجهاد والحج، وبالتدرج نفسه جرى تحريم المنكرات، فتحريم الخمر - للتمثيل لا الحصر - تم على مراحل، بدأت بالتحذير من مضاره وآثامه، ثم انتهت إلى تحريمه على وجه القطع. وأما في المدعوين أنفسهم فقد تدرجت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ بدأ بمحيطه القريب جدا " زوجته خديجة، وصاحبه أبي بكر، وابن عمه علي بن أبي طالب، وغلامه زيد بن حارثة "، ثم اتسعت الدائرة لتشمل محيطًا من أقاربه أوسع من ذي قبل عملًا بقوله عز وجل:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]
وبعد أن أنذر صلى الله عليه وسلم أهل مكة وصبر على أذاهم طويلًا دعا أهل الطائف ثم أعيان قبائل العرب ممن يقدمون على بيت الله الحرام.
وبعد الإذن بالهجرة إلى المدينة دعا صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، ثم أزال بالجهاد الذين كانوا يعيقون إبلاغ الدعوة إلى الناس، ثم أرسل الكتب إلى زعماء الروم والفرس والحبشة وغيرهم يدعوهم إلى الدخول في دين الله، وعلى النهج ذاته سار
خلفاؤه الراشدون، إذ لم يجاهدوا خارج جزيرة العرب إلا بعد أن أكمل الله على أيديهم تطهير الجزيرة من براثن الشرك والوثنية.
وهكذا فإن الدعاة في حاجة دائمة إلى التزود من فقه النبوة في الدعوة إلى الله، ليحوز عملهم - بإذن الله - شَرْطَيِ القبول وهما: الِإخلاص لله، والصواب بموافقة الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
أ. د عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
والمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية