الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثالث العناية بذوي المكانة]
المبحث الثالث
العناية بذوي المكانة ذوو المكانة هم الكبراء وهم السادة والأشراف من الناس (1) وهم الملأ الذين أشار الله تعالى إليهم في غير ما موضع من كتابه الكريم.
وقد حث الله الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم لهذا الصنف على الرفق واللين والتلطف والتدرج في بيان الحق لهم، قال تعالى مخبرا عن موسى وهارون عليهما السلام:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44](2) فأمرهما الله بدعوة فرعون بكلام رقيق لين سهل، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجح (3) ولما في ذلك من التأثير في الإجابة (4) ذلك أن الكلام الذي فيه شدة وخشونة بادئ ذي بدء من أعظم أسباب النفرة، وعدم الاستجابة، والتصلب في الكفر (5) لا سيما إذا كان المدعو من الكبراء الذين تغلب عليهم صفة الكبر والتجبّر (6) .
وبعد تعرفه صلى الله عليه وسلم على المدعوين، كان يولي ذوي المكانة منهم عناية خاصة، بل لقد كان يولي كبراء قومه عناية خاصة، لمكانتهم في قومهم،
(1) انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 3 / 243.
(2)
سورة طه، الآيتان: 43، 44.
(3)
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 3 / 153.
(4)
انظر: الشوكاني، فتح القدير 3 / 366.
(5)
انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير 22 / 58، وانظر: الشوكاني، فتح القدير 3 / 366.
(6)
انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير 22 / 58.
ومما يدل على ذلك ما رواه ابن كثير: " اجتمع علية من أشراف قريش. . . فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدو، وكان حريصًا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم "(1) .
وهكذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب، وهو كبير قريش، حيث كان يقول له:". . . وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه "(2) .
وكذلك كان موقفه صلى الله عليه وسلم مع عتبة بن ربيعة، وهو أحد سادات قريش، فقد أظهر صلى الله عليه وسلم من العناية به والتلطف في دعوته ما جعله يعود بغير الوجه الذي جاء به، ومما يدل على مكانته في قريش قولهم: صبا أبو الوليد لتصبون قريش كلها (3) .
بل كان يبدأ بعرض الدعوة على ذوي المكانة من الأشراف والسادة، يقول ابن إسحاق:" لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم. . . فدعاهم إلى الله "(4) .
ثم لما عاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة كان لا يسمع بقادم يقدمها من ذوي المكانة
(1) ابن كثير، السيرة النبوية، 1 / 478، 479.
(2)
ابن هشام، السيرة النبوية 1 / 229.
(3)
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 15 / 339.
(4)
ابن هشام، السيرة النبوية، 2 / 47، 48.
والشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده (1) ثم بدأ يعرض دعوته على وفود العرب في موسم الحج وأسواق العرب، وكانت مناسبات هامة للالتقاء بذوي المكانة من رؤساء العرب، وكان يصطحب معه نسابة قريش أبا بكر الصديق رضي الله عنه (2) ليقوم بمهمة تعريفه بذوي المكانة والشرف من هؤلاء الوفود فيبدءوهم بعرض الدعوة عليهم (3) .
و" مصعب بن عمير " وهو أحد تلامذته صلى الله عليه وسلم ومبعوثه إلى يثرب ليقوم بمهمة الدعوة والتعليم، هذا الداعية أظهر عناية عظيمة بذوي المكانة من الأشراف والسادة في المجتمع المدني، فقد استفاد من " أسعد بن زرارة " رضي الله عنه وهو من ذوي المكانة في قومه حيث نزل ضيفًا عليه، وأخذ يصطحبه في جولاته الدعوية (4) ليقوم بمهمة تعريفه بذوي المكانة والشرف ليوليهم عناية خاصة في الدعوة، فحينما دخلا حائط بني عبد الأشهل، وأقبل عليهما أسيد بن حضير لزجرهما، " فلما رآه " أسعد بن زرارة " قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه " (5) .
وحينما أسلم " أسيد بن حضير " وانضم إلى سلك الدعوة قال لهما
(1) انظر: ابن هشام، السيرة النبوية 2 / 52.
(2)
انظر: ابن كثير، السيرة النبوية، 1 / 437.
(3)
انظر: د. زيد بن عبد الكريم الزيد، وقفات دعوية في رحلة سفير الدعوة الأول مصعب بن عمير إلى المدينة ص 36.
(4)
انظر: المرجع نفسه ص 27، 28.
(5)
ابن هشام، السيرة النبوية 2 / 59.
مبينًا مكانة " سعد بن معاذ " في قومه: " إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ "(1) فلما أقبل سعد قال أسعد بن زرارة لمصعب: " أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان "(2) .
فكان لهذه العناية بهذين الرجلين الأثر البالغ حيث أسلم بإسلامهما جميع دور بني الأشهل (3) .
ويبين صلى الله عليه وسلم الحكمة في العناية بذوي المكانة بقوله: «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن اليهود» (4) .
يقول ابن حجر: " والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود ومن عداهم كان تبعًا لهم "(5) .
فهؤلاء العشرة الذين هم من علماء اليهود ورؤسائهم والذين يقتدي بهم اليهود، لو أسلموا لقادوا سائرهم إلى الإسلام (6) وتأمل موقفه صلى الله عليه وسلم مع سيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال رضي الله عنه يتبين لك مدى عنايته صلى الله عليه وسلم بذوي المكانة من الأشراف والسادة الذين يرجى بإسلامهم إسلام أتباعهم.
(1) ابن هشام، المرجع السابق 2 / 59.
(2)
ابن هشام، السيرة النبوية 2 / 59.
(3)
انظر: ابن هشام، المرجع السابق 2 / 60.
(4)
صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة (ك 66 ح 3725) 3 / 1434.
(5)
ابن حجر، فتح الباري 7 ص 695.
(6)
انظر: أحمد البنا، الفتح الرباني 1 / 102.
يقول ابن حجر مبينًا فائدة جليلة في عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بثمامة: " وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه "(1) .
وفي هذا الصدد يعلّق النووي قائلا: " هذا من تأليف القلوب، وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير "(2) .
فما السر في عنايته صلى الله عليه وسلم بهذا الرجل، وهو من أكبر أعداء الدعوة في عهدها المدني؟
يشير ابن حجر إلى السر في ذلك بقوله: " قال الخطابي: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم "(4) .
ولو تأملت رسائله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الإسلام لوجدتها تصدر لمن لهم المكانة والتعظيم من قبل أقوامهم: «من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عظيم
(1) ابن حجر، فتح الباري 8 / 421.
(2)
النووي، شرح صحيح مسلم 12 / 89.
(3)
سورة التوبة، الآية:84.
(4)
ابن حجر: فتح الباري 9 / 235.
الروم» (1) والمراد من تعظمه الروم، وتقدمه للرياسة عليها (2) .
فدل على عنايته صلى الله عليه وسلم بذوي المكانة والرياسة وتقديمهم في الدعوة والمخاطبة، ويشير ابن تيمية إلى نكتة في هذا الشأن فيقول:" وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقّا "(3) .
ومما يدل على عنايته صلى الله عليه وسلم بهذا الصنف من المدعوين أنه كان يجزل العطاء لبعض ضعفاء الإيمان ممن لهم المكانة في أقوامهم، ويعلل ذلك بقوله:«إنه رأس قومه، فأنا أتألفهم به» (4) .
وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم في حنين، وقد دانت له العرب فقد أجزل العطاء لبعض ذوي المكانة من الأشراف والسادة، فقد روى البخاري رحمه الله عن عبد الله بن مسعود قال:«لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة» . . . " (5) .
فآثر صلى الله عليه وسلم هؤلاء السادة بهذا العطاء ترغيبًا لهم ولأقوامهم في الإسلام، لما لهم من مكانة وسيادة تجعل أقوامهم تبعا لهم (6) .
(1) البخاري، صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء (68 ح 4278) 4 / 1657.
(2)
ابن حجر، فتح الباري 9 / 86.
(3)
ابن تيمية، مجموع فتاوى 10 / 599.
(4)
انظر: ابن حجر: فتح الباري 1 / 144.
(5)
البخاري، صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (ك 61 ح 2981) 3 / 1148.
(6)
انظر: أحمد البنا، الفتح الرباني 9 / 62.