المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الفاتحة نفتتح الكتاب بسورة الفاتحة تَبَرُّكاً. {الحمد للَّهِ} . معنى {الحمد} : - لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - كتاب

[فاضل صالح السامرائي]

الفصل: ‌ ‌سورة الفاتحة نفتتح الكتاب بسورة الفاتحة تَبَرُّكاً. {الحمد للَّهِ} . معنى {الحمد} :

‌سورة الفاتحة

نفتتح الكتاب بسورة الفاتحة تَبَرُّكاً.

{الحمد للَّهِ} .

معنى {الحمد} : الثناءُ على الجميل من نعمةٍ أو غيرها مع المحبة والإجلال. فالحمد: أنْ تذكر محاسنَ الغير، سواء كان ذلك الثناءُ على صفةٍ من صفاتهِ الذاتية كالعلم والصبر والرحمة والشجاعة، أم على عطائه وتَفضُّلهِ على الآخرين. ولا يكون {الحمد} إلا للحَيِّ العاقل.

وهذا من أشهر ما فُرِّقَ بينه وبين المدح. فإنك قد تمدح جماداً، وقد تمدح حيواناً ولكن لا تحمده، فقد تقولُ كلاماً في مدح الديك، وفي مدح البقر، وفي مدح الكلب، وفي مدح الذهب، وفي مدح اللؤلؤ وغير ذلك، ولكن لا تحمده.

جاء في تفسير الرازي: "إن المدحَ قد يحصل للحي ولغير الحي، ألا ترى أن مَنْ رأى لؤلؤة في غاية الحُسْنِ أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ويستحيل أن يحمدها فثبت أنَّ المدح أَعمُّ من الحمد".

ص: 11

ومما ذكر في الفرق بينهما أيضاً:

"إن المدحَ قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، أما الحمد فإنه لا يكونُ إلا بعد الإحسان". فإن الحمد يكون لما هو حاصلٌ من المحاسن في الصفات، أو الفعل، فلا يُحمَدُ مَنْ ليس في صفاته ما يستحق الحمد، ولا يُحمَدُ مَنْ لم يفعل جميلاً. أما المدح، فقد يكون قبل ذلك، فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن والجميل، ولذا كان المدح مَنْهياً عنه، بخلاف الحمد، فإنه مأمورٌ به، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"احثُوا الترابَ في وجوه المَدَّاحين". في حين قال: "مَنْ لم يَحمدِ الناسَ لم يحمدِ الله"

وبذا علمنا من قوله: {الحمد للَّهِ} أنَّ الله حَيٌّ، له الصفات الحسنى والفعل الجميل، فحمدناه على صفاته، وعلى فِعْلِه وإنعامه. ولو قال:(المدح لله) لم يُفِدْ شيئاً من ذلك.

وهناك فرقٌ آخر بين الحمد والمدح، وهو أنَّ في الحمد تعظيماً وإجلالاً ومحبة، ما ليس في المدح.

فكان اختيار (الحمد) أولى من اختيار (المدح) .

وفَرَّقُوا بين الحمد والشكر، فقالوا:

"إن الحمد يعمُّ ما إذا وصل ذلك الإنعامُ إليكَ أو إلى غيرك، وأما الشكر، فهو مختصٌّ بالإنعام الواصل إليك".

ص: 12

فأنتَ تشكر الشخص إذا أوصلَ إليك نعمةً، وأما الحمدُ فإنه لا يختص بذاك، فإنك تحمدهُ على إنعامه لك، أو لغيرك.

ومن جهة أخرى، إنَّ الشكرَ لا يكون إلا على النعمة، ولا يكون على صفاته الذاتية، فإنك لا تشكرُ الشخصَ على عِلْمِه، أو على قدرته وقد تحمده على ذاك. جاء في (لسان العرب) :"والحمد والشكر متقاربان والحمدُ أعمّهما، لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته".

فكان اختيار الحمد أولى أيضاً من الشكر، لأنه أعَمُّ، فإنك تُثني عليه بنعمه الواصلة إليك، وإلى الخلق أجمعين، وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية، وإن لم يتعلق شيء منها بك. فكان اختيار (الحمد) أولى من المدح والشكر.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه قال:{الحمد للَّهِ} ، ولم يقل:(أحمدُ الله)، أو:(نَحمدُ الله)، وما قاله أولى من وجوه:

منها: أنَّ قولنا "أَحمدُ الله" أو "نحمد الله" مختصٌّ بفاعل معين. ففاعل "أحمد" هو المتكلم، وفاعل:(نحمد) هم المتكلمون، في حين أن عبارة:{الحمد للَّهِ} مطلقة لا تختصُّ بفاعلٍ معين وهذا أولى. فإنك إذا قلت: (أَحمدُ الله) أخبرت عن حمدك أنتَ وحدك، ولم تُفِدْ أن غيركَ حَمِدهُ، وإذا قلت: نحمد الله، أخبرت عن المتكلمين ولم تفد أن غيركم حمده، في حين أن عبارة {الحمد للَّهِ} لا تختص بفاعل معين فهو المحمودُ على وجه الإطلاقِ، منكَ ومِنْ غيركَ.

ص: 13

ومنها: أنك إذا قلت: أحمدُ فلاناً، لا يعني أنه يستحقُّ الحمدَ فقد تُثني على شخصٍ لا يستحقُّ الثناء، وقد يهجو شخصٌ شخصاً، وهو لا يستحق الهجو، ذلك أن الشخص قد يضع المدح في غير موضعه، ويضع الهجو في غير موضعه، ويفعل أفعالاً لا ينبغي أن يفعلها، فأنتَ إذا قلت: أحمدُ الله، أخبرتَ عن فعلك، ولا يعني ذلك أنَّ مَنْ تحمده يستحقُّ الحمد في حين أنك إذا قلت:{الحمد للَّهِ} أفاد ذلك استحقاق الله للحمد وليس ذلك مرتبطاً بفاعلٍ معين.

ومنها: أن قولك: (أحمد الله)، أو:(نحمد الله) ، مرتبطٌ بزمن معين، لأن الفِعْلَ له دلالة زمنية معينة، فالفعل المضارع يدل على الحال، أو الاستقبال، ومعنى ذلك أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمان الذي تحمده فيه. ولا شك أن الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمدَ فيه محدود، وهكذا كلُّ فِعْلٍ يقوم به الشخصُ محدود الزمن، فإن أقصى ما يستطيع أن يفعله، أن يكون مرتبطاً بعمره، ولا يكون قبل ذاك وبعده فِعْلٌ فيكون الحمد أقل مما ينبغي، فإنَّ حمدَ الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يُحَدَّ بفاعل، أو بزمان في حين أن عبارة:{الحمد للَّهِ} مُطلقة غير مقيدة بزمن معين، ولا بفاعل معين، فالحمد فيها مستمرٌّ غير منقطع.

جاء في (تفسير الرازي) : "إنه لو قال: (أحمدُ الله) ، أفاد ذلك كون ذلك القائل قادراً على حمده، أما لما قال: {الحمد للَّهِ} فقد أفاد ذلك، أنه كان محموداً قبلَ حمدِ الحامدين، وقبلَ شُكْرِ الشاكرين. فهؤلاء سواء حمدوا، أم لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا، فهو تعالى محمودٌ من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم".

ص: 14

ومن ذلك أن: (أحمد الله) ، جملة فعلية، و {الحمد للَّهِ} جملة اسمية، والجملة الفعلية دالة على الحدوث والتجدد، في حين أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت، كما هو معلوم، وهي أقوى وأدوم من الفعلية، فقولك:(متبصّر)، أقوى وأثبت من:(يتبصّر)، و:(مثقف)، أقوى وأثبت من:(يتثقف)، و:(متدرب) أقوى وأثبت من: (يتدرب) ، فاختيار الجملة الاسمية أوْلى من اختيار الجملة الفعلية ههنا، إذ هو أدلُّ على ثبات الحمد واستمراره.

ومنها: "أن قولنا: {الحمد للَّهِ} معناه: أن الحمد والثناء حقٌّ لله وملكه فإنه تعالى، هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد. فقولنا: {الحمد للَّهِ} معناه: إن الحمد لله حقٌّ يستحقه لذاته ولو قال: (أحمد الله) لم يدلّ ذلك على كونه مستحقاً للحمد لذاته. ومعلوم أنَّ اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحداً حمده".

ومنها: "أن الحمدَ عبارة عن صفة القلب، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود مُتفضِّلاً منعماً مستحقاً للتعظيم والإجلال. فإذا تَلفَّظَ الإنسانُ بقوله:(أحمدُ الله) ، مع أنه كان قلبه غافلاً عن معنى التعظيم اللائقِ بجلال الله، كان كاذباً لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامداً مع أنه ليس كذلك. أما إذا قال: الحمد لله، سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم، فإنه يكونُ صادقاً لأن معناه: أن الحمد حقٌّ لله، وملكه، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والإجلال، أو لم يكن. فثبت أن قوله:{الحمد للَّهِ} أَوْلى من قوله: أحمد الله. ونظيره قولنا: (لا إله إلا الله)، فإنه لا يَدْخلُه التكذيبُ بخلاف قولنا:(أشهدُ أن لا إله إلا الله) ، لأنه قد

ص: 15

يكون كاذباً في قوله: (أشهد) ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: {والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ".

فثبت أن: {الحمد للَّهِ} أولى من: (أحمد الله) أو: (نحمد الله) .

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن عبارة الحمد هذه يمكن أن تُقالَ بالرفع، أي:(الحمدُ لله) ، ويمكن أن تقال بالنصب، أي:(الحمدَ لله) ، فأي العبارتين أَوْلى بالاختيار؟

والجواب: أن قراءة الرفع، أولى من قراءة النصب، ذلك أن قراءة الرفع تدل على أن الجملة اسمية، في حين أن قراءة النصب، تدل على أن الجملة فعليه بتقدير: نحمد، أو أحمد، أو احمدوا، بالأمر. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية، لأنها دالةٌ على الثبوت كما مر إيضاحه.

جاء في (الكشاف) : "والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله تعالى: {فَقَالُواْ سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ} [الذاريات: 25] ، رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم، عليه السلام، حَيَّاهُمْ بتحيةٍ أحسن من تحيتهم، لأن الرفع دالٌّ على معنى ثبات السلام لهم، دون تجدده وحدوثه".

وجاء في (البحر المحيط) : "وقراءة الرفع أمكن في المعنى، ولهذا أجمع عليها السبعةُ، لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى، فيكون قد أخبر بأن الحمدَ مستقرٌّ لله تعالى.. ومَنْ نصب فلا بد من عامل تقديره: أحمد الله أو حمدت الله فيتخصَّصُ الحمدُ بتخصيصِ فاعلهِ وأشعر بالتجدد والحدوث".

ص: 16

وجاء في (تفسير البيضاوي) : "وإنما عدل عنه إلى الرفع، ليدلَّ على عموم الحمد وثباته، دون تَجَدُّدِه وحدوثه".

وقد تقول: أليس تقدير فِعْلِ الأمر في قراءة النصب أقوى من الرفع، بمعنى:(احمدوا الحمدَ لله)، كما تقول:(الإسراع في الأمر) ، بمعنى أسرعوا؟

والجواب: لا، فإن قراءةَ الرفع أولى أيضاً، ذلك لأن الأمر بالشيء، لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل، فقولك: امدحْ زيداً، لا يعني أن زيداً مستحقٌّ للمدح، وقولك: اهجُ خالداً، لا يعني أن خالداً مستحق للهجو. وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أُمِرَ به، فقد يؤمر الإنسانُ بشيء وهو غير مقتنع به، كأن تقول: اذكر فلاناً بخير، وهو لا يستحق أن يُذكر بخير، أو أن المأمور غير مقتنع بذاك بخلاف الرفع، فإنه يفيد ثُبوتَ الشيء، واستقرارَه على جهة الاستحقاق. وحتى لو أفاد الأمر أفاد ذلك على جهة الثبات أيضاً والدوام نحو: صبرٌ جميلٌ يا فتى، بمعنى: اصبر. فكان الحمدُ لله أولى من: الحمدَ لله بالنصب في الإخبار والأمر.

وهي أعني: (الحمد لله)، أَوْلى من:(حمداً لله) .

ذلك أن: (الحمدُ لله) جملة اسمية، كما ذكرنا، و:(حمداً لله) ، فعليه، والجملة الاسمية، أقوى وأثبت من الفعلية، كما ذكرنا قبل قليل.

وإن (الحمد) مُعَرَّفةٌ بأل في حين أن (حمداً) نكرة، والتعريف ههنا يفيد ما لا يفيدهُ التنكير، ذلك أن (ال) قد تكون لتعريف العهد، فيكون المعنى: أن الحمدَ المعروفَ بينكم هو لله. وقد تكون لتعريف الجنس على

ص: 17

سبيل الاستغراق، فيدل على استغراق الأحمدة كلها. وَرجَّحَ بعضهم المعنى الأول، ورجح بعضهم المعنى الثاني، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم لك الحمدُ كلُّه" فدل على استغراق الحمد كله.

والراجحُ فيما يبدو لي، أن المعنيين مرادان، ذلك أن التعبيرَ يحتملهما معاً، فعلى هذا يكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم، هو لله سبيل الاستغراق والإحاطة، فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه.

وعلى أية حال، هو أولى من التنكير الذي ليس فيه دلالة على هذا المعنى.

واختلف في جملة الحمد هذه أعني: (الحمدُ لله) أَخبريةٌ هي، أم إنشائية؟ فذهب معظم العلماء إلى أنها خبرية، وأن القصد هو الإخبار بثبوت الحمد لله، كما تقول:(المال لزيد)، و (الكتاب لخالد) . وقيل: هي إنشائية، فإن القصدُ ذِكْرُ ذلك على جهةِ المدحِ والتعظيم، وقال بعضهم:"هي وأمثالها، إخبارية لغة ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة الأحكام"، وقال بعضهم: هي إخبار يتضمن إنشاء.

جاء في (روح المعاني) : "إن الحمد إخبار عن محاسن الغير، مع المحبة والإجلال. والمدح إخبار عن المحاسن ولذا كان الحمد إخباراً يتضمن إنشاء، والمدح خبراً محضاً".

وهذا هو الراجح في رأيي، فإنها تحتمل الخبر وإنشاء التعظيم، فتجمع المعنيين معاً. وعبارة الحمد الواردة في السورة أعني:(الحمد لله)

ص: 18

أولى من: (إن الحمد لله) ، مِن أكثر مِن وجه، ذلك لأنه ليس المقام مقام شَكٍّ أو إنكار، فيحتاج إلى التوكيد، فإنها توجيه للمؤمنين الذي يُقِرُّونَ ذلك ولا ينكرونه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن عبارة:(الحمد لله) ، تحتمل الخبر وإنشاء التعظيم كما ذكرنا فتجمع المعنيين معاً، ولو قلت:(إن الحمد لله) لأصبحت خبراً محضاً لا تحتمل الإنشاء. ونظير ذلك الدعاء فإنه إنشاءٌ فإذا أدخلت عليه (إن) خرج من الدعاء إلى الخبر فإن قولك: (رحمة الله عليه)، و:(الله يغفر له) ، دعاء فإذا أدخلت (إن) عليه، فقلت:(إن رحمة الله عليه) و (إن الله يغفر له) ، كان الكلامُ خبراً لا دعاء.

فـ (الحمدُ لله) أولى من (إن الحمد لله) لِمَا فيها من جمع مَعْنيي الخبر والإنشاء. كما أن عبارة الحمد هذه أعني: (الحمدُ لله) أولى ههنا من: (لله الحمد) من أكثر من وجه.

من ذلك أن عبارةَ (للهِ الحمدُ) فيها اختصاصٌ، أو إزالةُ شكٍّ عمَّن ادَّعى أنَّ الحمد لغير الله أو ادّعى أنَّ هناك ذاتاً مشتركة معه في الحمد فقدمتَ الجار والمجرور لإزالة هذا الشك أو لقصد الاختصاص، في حين أنَّ المقامَ ليس مقام إزالة شك، ولا أنَّ هناك من ادّعى أن الحمد لغير الله فتقدم الجار والمجرور لقصد الاختصاص.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن الحمد في الدنيا ليس مختصاً لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضاً "فالأستاذ يتسحق الحمدَ من التلميذ، والسلطان العادل، يستحق الحمد من الرعية". وفي الحديث: "مَنْ لم يحمد الناس، لم يحمد الله". ومعنى

ص: 19

ذلك أنْ تعرفَ لكل ذي فضل فضله. وقال الله تعالى، في ذم بعض الناس:{وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} [آل عمران: 188] ، فإن حُمِدُوا بما فَعلوا، فلا بأس في ذلك.

وجاء في تفسير الرازي ذِكْرُ الفرقِ بين قوله: {الحمد للَّهِ} ، وقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، لماذا قدم (الله) في العبادة فقال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ولم يقدمه في (الحمد) فقال: "إن قوله (الحمد) يحتمل أن يكون لله ولغير الله، فإذا قلت (لله) فقد تَقيَّدَ الحمدُ بأن يكون لله. أما لو قدم قوله:(نعبد) احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله، وذلك كفر.

والنكتةُ: "أن الحمدَ لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر، كما جاز لله لا جَرَمَ حَسُنَ تقديمُ الحمد أما ههنا، فالعبادة لما لم تجز لغير الله، لا جرم قَدَّمَ قوله: {إِيَّاكَ} على نعبد".

وقد تقول: ولكن الله سبحانه قال في مكان آخر: {فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين} [الجاثية: 36] . فقدم مستحق الحمد، فما الفرق؟

ونقول: ومَن يُنْكر التقديم والتأخير؟ وإنما يكون ذلك بحسب المقام، فإذا اقتضى المقامُ التقديمَ، قُدِّمَ وإلا فلا.

وفي آية الجاثية، اقتضى المقام التقديم، أعني: تقديم الذات المستحقة للحمد، وتخصيصه بها. فقد ذكرت سورة الجاثية أصنافاً من الكفار، وفَصَّلت في ذكر عقائدهم، ومواقفهم من آيات الله ورسله.

فقد ذكرت أنهم اتخذوا من دون الله أولياء (الآية 10) ، وأنهم اتخذوا الهوى إلهاً لهم (الآية 23) . وأنهم نسبوا الحياةَ والموتَ إلى الدهر، لا

ص: 20

إلى الله {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدهر} [الجاثية: 24] . فلم يعترفوا لله بشيءٍ من خصائص الربوبية والألوهية. ولم يُقِرُّوا له بفضل على الإنسان، ولذا كرر وأعاد القول إنه هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن. وهو الذي يُحيي ويميت وإنه وحده المُتفضِّلُ في هذا الوجود، لا مُتفضِّلَ سواه على الحقيقة، فقال سبحانه:{وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية: 5] .

وقال: {الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 12-13] . {وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق} [الجاثية: 22] . {قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لَا رَيْبَ فِيهِ} [الجاثية: 26] .

فالله هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن، ولم يشاركه في ذلك أحد، وهو الذي خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات، وما في الأرض، وتَفضَّلَ عليه بالنعم، فهو الذي أنزل المطر وأخرج الرزق من الأرض، وسخّر البحر، وفعلَ وفعل، فهو وحده المتفضل على وجه الحقيقة، وهو المستحق الحمد على جهة الحصر والقصر، فقدم الذات الإلهية، وقَصَرَ الحمدَ عليه، لأن المقام يقتضي ذلك بخلاف سورة الفاتحة التي ليس فيها شيء من ذاك، وهي - أعني: سورة الفاتحة - توجيه للمؤمنين الذين يخصون الله بالعبادة ويطلبون منه الثبات على الهدى.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إنَّ جُلَّ التعبيرات في سورة الجاثية، جرت على طريقة الحصر:

{لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الجاثية: 9] .

{مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10] .

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الجاثية: 10] .

{لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] .

ص: 21

{الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر} [الجاثية: 12] .

{إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15] .

{فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية: 17] .

{وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا} [الجاثية: 24] .

{وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدهر} [الجاثية: 24] .

{إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] .

{مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ} [الجاثية: 25] .

{قُلِ الله يُحْيِيكُمْ} [الجاثية: 26] .

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} [الجاثية: 27] .

{يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون} [الجاثية: 27] .

{اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28] .

{ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين} [الجاثية: 30] .

{إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنّاً} [الجاثية: 32] .

{بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الجاثية: 33] .

{وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ} [الجاثية: 34] .

{وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الجاثية: 34] .

{فاليوم لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا} [الجاثية: 35] .

{وَلَا هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} [الجاثية: 35] .

{فَلِلَّهِ الحمد} [الجاثية: 36] .

{وَلَهُ الكبريآء} [الجاثية: 37] .

فاقتضى المقام تقديم الذات، المستحقة للحمد من كل ناحية في سورة الجاثية.

ص: 22

ثم انظر كيف جاء مع الحمد باسمه العَلَم، فقال:{الحمد للَّهِ} ، ولم يأتِ بوصفٍ آخر بدله، فلم يقل مثلاً:(الحمد للخالق) ، أو الرازق أو للحَيِّ، أو للقادر، ونحو ذلك من نعوت الله وصفاته، ذلك أنه لو جاء بأيّ وصفٍ بدل لفظ الجلالة، لأفهمَ ذلك أن الحمدَ إنما استحقه بهذا الوصف دون غيره، فلو قال:(الحمد للعليم) ، لأفهم أن الحمد إنما استحقه بوصف العلم، ولو قال:(الحمد للقادر) ، لأفهم أن الحمد إنما استحقه بوصف القدرة، وهكذا بقية أوصافه الحسنى، فجاء بالذات ليدل على أن الحمد إنما استحقه لذاته هو، لا بوصفٍ دون وصف، فكان ذلك أولى.

جاء في (روح المعاني) : "أتى باسم الذات في الحمدلةِ لئلا يتوهم لو اقتصر على الصفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصفٍ دون وصف، وذلك لأن اللام على ما قيل للاستحقاق، فإذا قيل:(الحمد لله) يفيد استحقاق الذات له، وإذا علق بصفة أفاد استحقاق الذات الموصوفة بتلك الصفة له

ومعنى الاستحقاق الذاتي ما لا يُلاحَظُ معه خصوصيةُ صفة".

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن اسم (الله) مناسب لقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فإن لفظ (الله) مناسبٌ للعبودية، لأن هذا اللفظ على أشهر الأقوال مأخوذ من لفظ (الإله)، أي: المعبود. و (أَلِهَ) معناه: (عبدَ) فكان لفظ (الله) مناسباً للعبادة. فقد اقترنت العبادة أكثر ما اقترنت بلفظ (الله) في القرآن الكريم، فقد اقترنت به أكثر من خمسين مرة، وذلك نحو قوله:{بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين} [الزمر: 66] . وقوله: {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله} [الرعد: 36] . وقوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ} [الزمر: 64] وغير ذلك.

ومن ناحية أخرى، أنه لو جاء بوصف غير اسم العلم، لم يفهم أن المقصود به الله صراحة، فلو قلت:(الحمدُ للحَيِّ) ، كان (الحي) مشتركاً

ص: 23

بين الله وغيره، وكذلك العليم والقادر والسميع. بل حتى لو جئت بما لا يَصحُّ وصفُ غيرِ الله به، فقلتَ مثلاً:(الحمد للبارئ) ، أو للقيوم أو لفاطر السماوات والأرض، أو غير ذلك، لم يفهم أن المقصود به الله صراحة، فكان ذكر (الله) أولى من ذكر أي اسم آخر.

فتبين من هذا أن: {الحمد للَّهِ} أَوْلى من:

المدح لله أو الشكر لله.

وأولى من: أحمدُ الله أو نحمدُ الله، أو احمدِ اللهَ (بالأمر) .

وأولى من، الحمدَ لله.

وأولى من، حمداً لله.

وأولى من، إنَّ الحمدَ لله.

وأولى من، لله الحمد.

وأولى من، الحمدُ للحَيِّ، أو القادر، أو العليم، ونحو ذلك من الصفات والأسماء.

{رَبِّ العالمين} .

الربُّ: المالك، والسيد، والمربّي والقيّم، والمنعم، وربُّ العالمين: مالِكُهم وسيدهم، ومُرَبِّيهم، والمُنْعِم عليهم.

ومالكُ الشخص وسيده، ومربيه والقيم المنعم عليه أَحَقُّ بالحمد وأولى به من غيره "وبُدئ بالرب، لأنه له التصرف في المَسُود والمملوك والعابد بما أراد من خير أو شرّ".

ص: 24

ودخل تحت قوله: {رَبِّ العالمين} كثيرٌ من صفات الله تعالى كالعليم "والسميع والبصير، والقيوم والمريد، والملك وما أشبه ذلك، لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات، يطلب ما يقع عليه".

و {العالمين} : جمع عالمَ، وهو كل موجود سوى الله تعالى، واختلف في دلالة الجمع هذه، فرجَّح بعضهم أنها تفيد ذوي العلم خاصة، أو المُكَلَّفين من الخَلْقِ بدليل قوله تعالى:{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] . وقوله: {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] ، ولا يكون نذيراً للبهائم والجمادات.

وقال بعضهم: إن العالمين هم الإنس بدليل قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين} [الشعراء: 165] . وقوله: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين} [المائدة: 20] .

وقيل: جمع العالم ليشمل كل جنس مما سُمِّيَ به، فإن للعالمين آحاداً كل منها يسمى عالَماً، فهناك عالم الإنسان، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وكل صنف وكل جنس يسمى عالماً أيضاً.

وقيل: كل قرن وكل جيل يسمى عالَماً أيضاً، فأهلُ كل زمانٍ عالَمٌ فَجَمعَهُ، ليشمل كل الأجيال، وأهل كل الأزمنة.

وقيل: جمعه لاحتمال أن ينصرف الذهن بلفظ (العالَم) إلى هذا العالم المحسوس "لأن العالم وإنْ كان موضوعاً للقدر المشترك، إلا أنه شاع استعمالهُ بمعنى المجموع كالوجود في الوجود الخارجي، وقد غلب

ص: 25

استعماله في العرف بهذا المعنى في العالم المحسوس، لإلْفِ النفس بالمحسوسات فجمع ليفيد الشمول قطعاً".

والظاهر أنه يَصحُّ إطلاقُ لفظ (العالمين) على الجيل الواحد، أو الأجيال بدليل قوله تعالى في بني إسرائيل:{يابني إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين} [البقرة: 47] . فإن هذا التفضيل مخصوص بزمانهم، وقوله تعالى في مريم:{وَطَهَّرَكِ واصطفاك على نِسَآءِ العالمين} [آل عمران: 42] . وذلك في زمانها خاصة، وقوله تعالى:{أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين} [الشعراء: 165] . وذلك خاص بالذكور من أهل زمانهم. ومثله قوله تعالى: {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين} [الحجر: 70] وذلك في الذكور خاصة من أهل زمانهم، بل في مجموعة من أهل زمانهم وقد سماهم (عالمين) أيضاً. وقال:{أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} [الأعراف: 80] . وهذا يشمل جميع الإنس من زمن آدم إلى زمانهم.

وقد تشملُ عمومَ المكلفين، أو العقلاء على مر الأجيال، وذلك نحو قوله تعالى:{وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] .

وقد خَصَّ هذه اللفظةَ بعضُ أهل العلم بالمكلفين خاصة، ورُدّ بقوله تعالى:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين * قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} [الشعراء: 23-24] . ففسر رب العالمين بأنه رب السماوات والأرض، وما بينهما وهو عامٌّ شامل لكل ما في الوجود.

والذي يبدو لي أن هذا الاستدلال فيه نظر، فهو لم يشرح كلمة (العالمين) ، بل بَيَّنَ صفة {رَبِّ العالمين} وقد يبيّن بتعبيرات مختلفة كلها صادقة عليه، فقد تقول: ما رَبُّ هذه الدار؟ فيقالُ لكَ: تاجر، أو فقيه، أو

ص: 26

موظف. فليست كلمة (تاجر) أو (فقيه) أو (موظف) تفسيراً لـ (هذه الدار) ، وإنما هي بيانٌ لحقيقةِ ربِّ الدار.

ولو أجاب موسى، عليه السلام، عن سؤال فرعون بقوله: رَبٌّ قادر على كل شيء، حَيٌّ لا يموت، لا يُعْجِزُه شيء، يُجازي المحسنَ بالجنة، والمسيء بالنار، لكان صواباً، ومعلوم أن هذا ليس تفسيراً للعالمين، بل هو بيانٌ لصفة رب العالمين.

إن (العالَم) يُجمَعُ على العوالم وعلى العالمين، والذي يبدو لي: أن العوالم يطلق على جميع العوالم من المكلفين، وغيرهم من جمادات وحيوانات وغير ذلك، وإن (العالمين) لا تطلق إلا على ذوي العلم خاصة، أو على ما اجتمع فيه العقلاء، وغيرهم، فيغلّب العقلاء. ولا يطلق (العالَمون) على غير العقلاء وحدهم، فلا يقال للحشرات والطيور (عالمين) بل عالم أو عوالم، ولكن يقال للبشر أو لجماعة من البشر أو لجيل من البشر، أو للمكلَّفين من خَلْقِ الله من الإنس والجن على مَرِّ العصور (عالمين) كما ورد ذلك في القرآن الكريم. ذلك أن الجمع بالياء والنون خاص بالعقلاء.

فعلى هذا يكون قوله: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} إما أن يعني: رب البشر أو المكلَّفين أو رب الخلق كلهم، وغلّب العقلاء منهم. ولهذا التخصيص أو التغليب سببه ذلك أن الكلام في سورة الفاتحة خاص بالعقلاء، فالعبادةُ والاستعانة وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وتصنيف الخلق إلى مُنْعَمٍ عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين، هو خاصٌّ بالمكلفين. فكان هذا الاختيار أنسب شيء، ولو قال: رب العالم أو رب العوالم، لم يحسن هذا الحُسْنَ لأنه يشملُ غيرَ المكلفين.

ص: 27

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن فيه رداً على المغضوب عليهم، ومنهم اليهود الذين يدّعون أن الله ربُّ بني إسرائيل خاصة، وليس رب الخلق الآخرين من البشر فردَّ عليهم بقوله: إنه ربُّ العالمين جميعاً، من سائر البشر والمكلفين، فحسن اختيار {رَبِّ العالمين} من كل وجه.

وقد تقول، ولِمَ لَمْ يُفصّلْ في ذكر مظاهر الربوبية، كما فعل في مكان آخر، فقد قال تعالى ثمة {فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين * وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم} [الجاثية: 36-37] ؟

والجواب: أنَّ كلَّ مقام اقتضى التعبير الوارد فيه، فقد تردَّدَ ذِكْرُ السماوات والأرض، وما فيهن أكثر من مرة في سورة الجاثية، وذِكْرُ مظاهرِ ربوبيته لها. فقد قال:{إِنَّ فِي السماوات والأرض لأيات لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 3-4] .

وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 13] .

وقال: {وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق} [الجاثية: 22] .

وقال: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} [الجاثية: 27] .

وقال: {فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين} [الجاثية: 36] .

وهذا كله من مظاهر ربوبيته للسماء والأرض.

كما ذكر ربوبيته للعقلاء، وسائر الأحياء الأخرى، فقد قال:{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} [الجاثية: 4] .

وقال: {الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر} [الجاثية: 12] .

وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الجاثية: 13] .

فقد سَخَّرَ اللهُ البحرَ وما في السماوات والأرض للإنسان، وهذا من مظاهر الربوبية له.

وقال: {قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لَا رَيْبَ فِيهِ} [الجاثية: 26] .

ص: 28

{فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} [الجاثية: 30] .

وذكر الشرائع التي أنزلها الله على البشر، وهذا كله من مظاهر الربوبية للعالمين، فناسب هذا التفصيلَ في سورة الجاثية في حين لم يذكر في سورة الفاتحة إلا أصناف المكلفين.

ثم إنه لما خص بالذكر في سورة الفاتحة، أصنافَ الخلق من العقلاء، قال:{رَبِّ العالمين} ولَمَّا فَصَّلَ في سورة الجاثية في ذكر السماوات والأرض، وما فيها من دابة وبشر، قال:{رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين} [الجاثية: 36] .

فناسب كلُّ كلام موضعه.

ثم قال بعد ذلك في سورة الجاثية: {وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض} [الجاثية: 37] فذكر الكبرياء إضافة إلى الحمد، ولم يذكر غير الحمد في الفاتحة، ذلك أنه جرى ذِكْرُ المستكبرين بغير الحق في السورة، فناسب ذِكْر الكبرياء الحق له سبحانه، وأنه مُخْتَصٌّ به. قال تعالى:{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [الجاثية: 7-8] .

وقال: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً} [الجاثية: 9] .

والهزو من مظاهر الاستكبار.

وقال: {أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ فاستكبرتم وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الجاثية: 31] .

وقال: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الجاثية: 33] .

والاستهزاء من مظاهر الاستكبار.

وقال: {ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً} [الجاثية: 35] .

فناسب ذلك أن يذكر أن له الكبرياء في السماوات والأرض.

ص: 29

وقد تقول: ولمِمَ اختار كلمة (رب) ههنا، ولم يختر اسماً أو وصفاً آخر من أسمائه وصفاته كما فعل في مواطن أخرى من الكتاب العزيز، فقد قال في موطن:{الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض} [الأنعام: 1] . وقال في موطن آخر: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض} [فاطر: 1] وقال في موطن ثالث: {الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [سبأ: 1] . وقال في موطن رابع: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] .

والجواب: أن كل اختيارٍ يناسبُ سياقَ السورة التي ورد فيها، غير أن الملاحظ أن هذه الافتتاحات متكاملة، فقد ذكر في سورة فاطر، أنه فطر السماوات والأرض وابتدأها وأحدث ذواتها من العَدَم الصِّرْف، ثم ذكر أنه خلقها، أي: قدّرها وصوّرها على غيرِ مثالٍ سابق. والخَلْق في اللغة، قد "يكون بمعنى الإنشاء، وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود، وهذا لا يكون إلا لله [وقد] يكون بمعنى التقدير والتصوير، ولذلك يسمى صانع الأديم ونحوه الخالق، لأنه يقدر".

قال تعالى على لسان عيسى، عليه السلام {أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [آل عمران: 49] . أي: أصوّر وأصنع.

فاللهُ هو المُوجِدُ للسماوات والأرض، وهو المصوِّر المقدر لها على غير مثال سابق، وهو مالكها ومالك ما فيها، فبعد أن ذكر أنه فطر السماوات والأرض وخلقها، ذكرَ أن له ما فيها أيضاً، فقد يملك شخص داراً ولا يملك ما فيها من أثاث، أما الله فهو مالكها ومالك ما فيها، وذكر ربوبيته لها، أي: تربيتها وحفظها وإصلاحها بعد إيجادها، وذكر إنزاله الكتاب على عبده لهداية الخلق.

ص: 30

وهكذا تكاملت الآياتُ تكاملاً شاملاً، فقد ذكر أنه مُحْدِثُها ومُصَوِّرُها ومالكها، ومالكُ ما فيها، وحافظها والقَيِّمُ عليها، وأنه ينزل الكتب لهداية عقلاء خلق الله إلى طريقه المستقيم.

وهكذا تكون كلُّ آية مُكَمِّلة للآيات الأخرى.

قالوا: وقوله: {رَبِّ العالمين} عمَّ ذلك كلَّه. فالربُّ يشمل كل ما ذكر من صفات الله من ملك وخلق. و (العالمين) تشمل كل ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، فهي حقيقة بأن تُسمى "أم الكتاب".

جاء في (تفسير الرازي) : "أنه تعالى لم يقل: الحمد لله خالق العالمين، بل {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث، مفتقرةٌ إلى المُوجِدِ والمُحْدِثِ حالَ حدوثها، لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها، هل تبقى محتاجة إلى المُبْقي أم لا؟

فقال قوم: الشيءُ حال بقائه يستغني عن السبب، والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حالهِ حالَ بقائه، فقوله:{رَبِّ العالمين} تنبيه على أن جميع العالمين، مفتقرة إليه في حال بقائها، والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها، أمرٌ متفق عليه. أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف، فخصَّه سبحانه بالذكر، تنبيهاً على أن كلّ ما سوى الله فإنه لا يستغني عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه

ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله: {الحمد للَّهِ} . فأولها سورة الأنعام، وهو قوله:{الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] .

واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله: {رَبِّ العالمين} لأن لفظَ العالَمِ يتناول كل ما سوى الله. والسماوات والأرض والنور والظلمة،

ص: 31

قسم من أقسام ما سوى الله. فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة، وأيضاً فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق السماوات والأرض، والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين.

وثانيهما في سورة الكهف، وهو قوله:{الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} [الكهف: 1] والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف

وقوله في أول سورة الفاتحة: {رَبِّ العالمين} إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين

فكان المذكور في أول سورة الكهف، نوعاً من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة.

وثالثها سورة سبأ، وهو:{الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [سبأ: 1] . فَبيَّنَ في أول سورة الأنعام، أن السماوات والأرض له. وبَيَّنَ في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السماوات والأرض له، وهذا أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله:{الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} .

ورابعها قوله: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض} [فاطر: 1] والمذكور في أول سورة الأنعام، كونه خالقاً لها، والخلق هو التقدير، والمذكور في هذه السورة كونه فاطراً لها ومحدثاً لذواتها. وهذا غير الأول، إلا أنه أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله:{الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} .

ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقاً للسماوات والأرض، ذكر كونه جاعلاً للظلمات والنور. أما في سورة فاطر، فلما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض ذكر كونه جاعلاً الملائكة رسلاً.

ص: 32

ففي سورة الأنعام، ذكر بعد خَلْق السماوات والأرض، جَعْلَ الأنوار والظلمات، وذكر في سورة فاطر بعد كونه فاطر السماوات والأرض جعل الروحانيات".

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله:{رَبِّ العالمين} مناسب لقوله فيما بعد: {اهدنا الصراط المستقيم} ، فإن المهمة الأولى للمربي هي الهداية، ولذلك اقترنت الهداية بلفظ الرب في القرآن كثيراً.

من ذلك قوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى * قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 49-50] . وقوله: {ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى} [طه: 122] .

وقوله: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 1-3] .

وقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 161] .

وقوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] .

وقوله: {وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هاذا رَشَداً} [الكهف: 24] .

وقوله: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] . وقوله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] . وقوله: {عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} [القصص: 22] وغير ذلك.

{الرحمان الرحيم} .

{الرحمان} : فَعْلان من الرحمة، و {الرحيم} : فعيل منها. وصيغة (فعلان) تُفِيدُ الدلالةَ على الحدوث والتجدُّد، وذلك نحو: عطشان وجوعان وغضبان، ولا تفيد الدلالة على الثبوت، وتفيد أيضاً الامتلاء بالوصف. جاء في (التفسير القيم) :"ألا ترى أنهم يقولون غضبان، للممتلىء غضباً، وندمان وحيران وسكران ولهفان، لمن مُلِئَ بذلك".

ص: 33

وصيغة (فعيل) تدل على الثبوت في الصفة، نحو: طويل وجميل وقبيح، أو التحول في الوصف إلى ما يقرب من الثبوت، نحو: خطيب وبليغ وكريم.

فجاء بالوصفين للدلالة على أن صفته الثابتة والمتجددة، هي الرحمة للاحتياط في الوصف، فإنه لو وصف نفسه بأنه (رحيم) فقط لوقع في النفس أن هذا وصفه الثابت، ولكن قد يأتي وقت لا يرحم فيه كالكريم والخطيب، ولو قال:(رحمن) فقط لظُنَّ أن هذا وصفٌ غير ثابت، كالغضبان والعطشان وهذا الوصف يتحول فيذهب الغضب ويزول العطش، وكذلك الرحمة فجمع بينهما ليدل على أن وصفه الثابت والمتجدد هو الرحمة، فرحمته دائمة لا تنقطع، وهو من أحسن الجمع بين الوصفين، ولا يؤدي الوصف بأحدهما ما يؤدي اجتماعهما.

ووقوعهما بعد كلمة (الرب) أحسن موقع، فإن هذا الرب الذي لا رَبَّ غيره، والسيد الذي لا سيد سواه رحيمٌ بعباده، فتنبسط نفوسُ العباد، ويقوى أملهم برحمته، وفيه إشارةٌ إلى أن المربي ينبغي أن يتحلى بالرحمة، وأنه لا ينبغي أن يقسو على مَنْ يربيهم ويرشدهم. كما أن فيه إشارة إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون صفة الرب بكل ما تحتملُ من معانٍ. فالمالك ينبغي أن يكون رحيماً بما يملك وبمن يملك، والمربي ينبغي أن يكون رحيماً، والسيد ينبغي أن يكون رحيماً، والمصلح ينبغي أن يكون رحيماً، والقَيِّمُ ينبغي أن يكون رحيماً. فالرحمة ينبغي أن تكون وصف الرب بكل معانيها، وقد وصف الله رسوله، وهو المربي الأعظم والمصلح الأعظم بالرحمة فقال:{لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] .

{مالك يَوْمِ الدين} .

ص: 34

والمعنى: مالك يوم الجزاء. وقرىء (مَلِك) أيضاً وهي قراءة متواترة واختلف في الأوْلى منهما، فرجح بعضهم قراءة:(مالك) ورجح بعضهم قراءة: (ملِك) .

والحق أنْ لا تفاضل ولا ترجيحَ بين القراءتين، فكلتا القراءتين متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل بهما جبريل من عند الرحمن، غير أنّا نقول: إن لكلِّ قراءة معنى كما هو معلوم، وكل قراءة تستدعي أموراً ربما لا تستدعيها القراءة الأخرى.

فالمالك قد يكون ملكاً، وقد لا يكون، والملك قد يكون مالكاً، وقد لا يكون. وتصرّف المالك غير تصرّف الملك، ومما ذكر من الفروق بينهما:

1-

أن المالكيةَ سببٌ لإطلاق التصرف، فالمالك يتصرف فيما يملك ما لا يتصرفه الملك من بيعٍ أو هبة، أو إيجار وغير ذلك، وليس للملك أن يبيع رعاياه.

2-

"أن الملك ملك للرعية والمالك مالِك للعبيد، والعبد أدْوَن حالاً من الرعية فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك". والخلقُ عيالُ الله وعباده وليسوا رعاياه.

3-

"إن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك، باختيار أنفسهم، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية".

ص: 35

4-

"إن الملك يجب عليه رعايةُ حال الرعية، قال صلى الله عليه وسلم: "كلُّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته". ولا يجب على الرعية خدمة الملك. أما المملوك، فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر، إلا بإذن مولاه".

5-

إن قراءة (المالك) أرجى من قراءة (الملك) لأن أقصى ما يُرْجى من الملكِ العدلُ والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس. أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية، فكأنه تعالى يقول: أنا مالكِكُمْ فعليَّ طعامُكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم".

6-

قيل: إن (مالك) أمدحُ لأنه يحسن أن يضاف إلى من لا يضاف الملك إليه نحو: مالك الإنس والطير والحيوان ومالك الجمادات فهو أوسع لشمول العقلاء وغيرهم ولا يقال: هنا ملك.

7-

المالك أكثرُ سلطةً وتصرفاً فيما يملك من الملِك في الرعية ذلك أنَّ المالكية تبقى في يد المالك إذا تصرف فيما يملك بجور أو اعتداء أو سرف. ولا يستطيع أحد انتزاع المملوك من مالكه.

8-

إن المالك أرفقُ بما يملك من المَلِكِ، ذلك أن المالك ينظر في أمرِ ما يملك، ويتعاهد أمره ويُصْلح خَلَلَهُ، فمن كان منهم مريضاً عالجه، ومن كان ضعيفاً أعانه، وإن كان جائعاً أطعمه، وإن وقع في بلاء

ص: 36

خَلَّصه. وإن المالك يدافع عما يملك ويحميه، ويحفظه من الاعتداء عليه، وذلك ما لا يفعله الملك.

وقصارى ما يفعله المَلِكُ إذا عُرِضَ عليه شخص للقيام بواجبٍ ما، وكان مريضاً أن يرده، ولا يكلفه بالواجب، أما المالك فإنه يعالجه ويقوم بأمره.

فالقراءة بها مناسبة للرحمة في قوله تعالى: {الرحمن الرَّحِيمِ} ، ومناسبة ليوم الدين، والخَلْقُ أحوجُ ما يكون آنذاك إلى مالك أمرهم، يرعاهم ويرحمهم. فالقراءة بـ (مالك) كما يقول صاحب (روح المعاني) :"أرفقُ بالمذنبين مثلي وأنسب بما قبله، وإضافته إلى يوم الدين ليكسر حرارته". إلى غير ذلك.

وقيل: إن الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم، ولا يكون إلا واحداً، في حين أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً فيكون الملك أشرف من المالك.

والذي يبدو، إنما أنزلت القراءتان لتجمعا بين معنيي المالك والملك، فيكون مالكاً ملكاً، وذلك نظير قوله تعالى:{مَالِكَ الملك} [آل عمران: 26] . فالمُلك إنما هو لِلمَلِكِ لا لِلمالِكِ، كما قال تعالى على لسان فرعون:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهاذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتيا} [الزخرف: 51] .

فجمع بين المالك والملِك، وأفاد أن المُلك إنما هو مِلْك له ولا يتأتى ذلك في قراءة واحدة.

ص: 37

وقد تقول: ولِمَ خصَّ الملك بيوم الدين، ولم يذكر الدنيا.

والجواب: أنه قال قبلها: {رَبِّ العالمين} وهو يشمل الدنيا. وأن (يوم الدين) يعني: يوم الجزاء، ولا شك أن مالك يوم الجزاء، هو مالك ما قبله من أيام العمل، وإلا فكيف يجزي على ما ليس ملكاً له؟

وقد تقول: ولِمَ قال: (يوم الدين) ولم يقل: (يوم القيامة) ؟

والجواب: أنه قال ذلك "مراعاة للفاصلة وترجيحاً للعموم، فإن الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور، إلى السرمد الدائم بَلْ يكادُ يتناولُ النشأةَ الأولى بأسرها، على أن يوم القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل يوم الدين".

ثم إن (الدين) له معانٍ عدة، كالجزاء والحساب والطاعة والقهر، فيجمعها في المعنى، فذلك اليوم هو يوم الدين كله، فهو يوم الحساب، وهو يوم الجزاء، وهو يوم الطاعة والخضوع لله، وهو يوم يعزُّ فيه أهلَ طاعته، ويقهرُ أهل معصيته، وهو يوم الدين، أي: يوم إعلاء الدين، وإظهار شأنه كما يقال:(اليوم يومك)، أي: أنت صاحبه والظاهر فيه، و (اليوم يوم المُجِدّين) إلى غير ذلك من المعاني التي تحتملها كلمةُ الدين، ولا يؤدي نحو هذه المعاني: يوم القيامة.

جاء في (روح المعاني) : "وأيضاً للدين معانٍ شاع استعماله فيها كالطاعة والشريعة فتذهب نفس السامع إلى كل مذهب سائغ، وقد قال بكلٍّ من هذين المعنيين بعض، والمعنى حينئذ على تقدير مضاف، فعلى الأول، يوم الجزاء الكائن للدين، وعلى الثاني يوم الجزاء الثابت في الدين. وإذا أُريدَ بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك اليوم

ص: 38

ظاهراً وباطناً، وجعل إضافة (يوم) للدين في الثاني، لِمَا بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء لم يحتج إلى تقدير".

وهناك أمر آخر وهو أن (يوم الدين) أنسبُ لقوله: (رب العالمين) لشمول العالمين على المكلفين ولا بد، وأنسبُ لأصناف المكلفين التي ذكرتهم السورة من مُنْعَمٍ عليهم، ومَغْضوب عليهم وضالين، لأن من معنى (الدين) الجزاء والحساب والطاعة والقهر، وهذه كلها إنما تكون لهؤلاء فهو أنسب من يوم القيامة الذي لا يُفْهَمُ من معناه اللغوي ما يفهم من يوم الدين ولشموله على أشياء لا تتعلق بالجزاء.

فيومُ الدين أنسب من يوم القيامة من كل ناحية.

وقد تقول: ولِمَ أضاف الملك إلى اليوم، واليوم لا يملك وإنما يُملك ما فيه؟

والجواب: أن ذلك لقصد العموم، فملك اليوم هو ملكٌ لما فيه ومن فيه. فمالكه مالك لما اشتمل عليه من أمور مادية ومعنوية، فملكية اليوم هي ملكية لكل ما يجري ويحدث في ذلك اليوم ولكل ما في ذلك اليوم، ولكل مَنْ في ذلك اليَوْم، فهي إضافة عامة شاملة لا تقوم مقامها إضافة، ونظيره في كلام الناس:(خليفة العصر والزمان) .

جاء في (روح المعاني) : "وتخصيصُ (اليوم) بالإضافة مع أنه تعالى مالكُ وملكُ جميع الأشياء في كل الأوقات، إما للتعظيم وإما لأن المُلك والمِلك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس، بحسب الظاهر، يزولان، وينسلخ الخلق عنها انسلاخاً ظاهراً في الآخرة: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة

ص: 39

فَرْداً} [مريم: 95] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم انفراداً لا خفاء فيه، ولذلك قال سبحانه:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] و {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .

واقتران الحمد بهذه الصفات أحسن اقتران وأجمله، فالله محمودٌ بذاته وصفاته، فإن (الله) اسم للذات العلية المتصفة بالصفات العليا، فقولك:(الحمد لله) معناه: أنه المستحقُّ للحمد بذاته وجميع صفاته، وأنه محمودٌ بربوبيته للعالمين، فإن من الأرباب مَنْ لا تُحمَدُ ربوبيته، أما الله سبحانه فهو محمود بكل معاني الربوبية، وهو محمود في كونه رحماناً رحيماً، وليست كل رحمة محمودة، فإذا وضعت الرحمة في غير محلها، كانت عيباً في صاحبها، أما الله فمحمود في رحمته يضعها في محلها، ويكتبها لمستحقيها، ولذلك كان من الناس صنف منعَماً عليهم وصنف مغضوباً عليهم.

وهو محمودٌ يوم الدين محمودٌ في مالكيته وملكه لذلك اليوم كله. وقد استغرق هذا الحمد الأزمنة كلها، فقد استغرق الحمد حين كان الله ولم يكن معه شيء وهو قوله:(الحمد لله) . واستغرق الحمد حين خلق العالم وربَّه وأنشأه وذلك قوله: (رب العالمين) ، واستغرق الحمد، وقتَ كانت الرحمة تنزلُ وهي لم تنقطع، ولا تنقطع وذلك قوله:(الرحمن الرحيم) ، واستغرق الحمد يوم الجزاء كله، ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي، فأهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها. وجزاء كل منهم فيها غير مُنْقَضٍ، فذلك هو يوم الدين.

جاء في "حاشية الجرجاني على الكشاف" في قوله: {مالك يَوْمِ الدين} "فإن الجزاء يتناول جميع أحوال الآخرة إلى السرمد".

ص: 40

فاستغرق الحمد الزمان كلَّه من الأزل إلى الأبد، ولم يترك منه شيئاً، فكان كقوله:{لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة} [القصص: 70] . وشمل ذلك قوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين} [الزمر: 75] . وقوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [يونس: 10] . فلم يترك شيئاً من الحمد إلا ذكره، ولم يترك وقتاً منذ الأزل إلى الأبد حيث لا ينقطع الزمن إلا استغرقه فكانت هذه السورة جديرة بأن تسمى أم الكتاب.

جاء في (التفسير القيم) : "في ذِكْرِ هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ربٌّ محمود، ورحمن محمود وملك محمود".

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

قدم مفعولي (نعبد) و (نستعين) لقصد الاختصاص، والمعنى، نَخُصُّكَ بالعبادة ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا تجوز الاستعانة إلا به، وهو نظير قوله تعالى:{بَلِ الله فاعبد} [الزمر: 66] . وقوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون} [الزمر: 64] .

وقوله: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} [الممتحنة: 4] . وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [هود: 88] . وقوله: {وَعَلَى الله فتوكلوا} [المائدة: 23] .

ولو قيل: نعبدك ونستعينك، لم يُفِدْ نفيَ عبادتهم لغيره، ولا الاستعانة بغيره، وذلك نظير قولك:(أكرمتك) و (إياك أكرمت) . فقولك: (أكرمتك)

ص: 41

يفيد أن المتكلمَ أكرمَ المُخاطَبَ، ولا يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام بخلاف قوله:(إياك أكرمت) فإنه يفيد أنه خَصَّهُ بالإكرام فلم يُكْرِمْ أحداً غيره.

وتكرير (إياك) مع فعل الاستعانة يفيد التخصيص على حصر الاستعانة به، فإنه لو قال:(إياك نعبد ونستعين) لأفاد أنه يخصه بالعبادة، ولم يُفِدْ أنه يخصّه بالاستعانة نصّاً، بل لم يعيّن الذات التي يستعين بها أيضاً.

كما أنه لو اقتصر على ضميرٍ واحد فقال: (إياك نعبد ونستعين) لربما أفهم أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة، فلا يعبد من دون استعانة ولا يستعين من دون عبادة وهو غير صحيح، ونظيره أن تقول:(إياك أعطي وأحذر) فإن هذا قد يفهم أن الحذر يكون مع العطاء ولا يكون عطاء على وجه الاستقلال، أو حذر على وجه الاستقلال، وربما أفهم أيضاً الاستقلال في العطاء والحذر. فإن قال:(إياك أُعطي وإياك أحذر) أفاد أنه يخصه بالعطاء، وأنه يخصه بالحذر على كل وجه سواء اجتمع العطاء والحذر أم لم يجتمعا.

جاء في (روح المعاني) : "في سر تكرار (إياك) فقيل: للتخصيص على طلبِ العون منه تعالى، فإنه لو قال سبحانه:(إياك نعبد ونستعين) لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب.

وقيل: لو اقتصر على واحد ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما، والواقع خلافه".

ثم إن في تكرير (إياك) من الاهتمام والقوة ما ليس في الحذف، فقولك:(إياك أحفظ وإياك أرعى) أقوى من (إياك أحفظ وأرعى) .

ص: 42

جاء في (التفسير القيم) : "ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلاً: إياك أحبُّ وإياك أخاف، كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف". فاقتضى التكرار من كل وجه.

ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف أطلق فِعْلَ الاستعانة ولم يقيده بشيء، فإنه قال:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولم يقل: نستعين على كذا، أو على كذا فلم يقل مثلاً:(نستعين على العبادة) أو نستعين على الطاعة، أو ما إلى ذلك، وذلك أنه أراد إطلاق الاستعانة لتشمل كل شيء يريده الإنسان، ولا يخصها بشيء، فهو يستعينُ بالله على العبادة، وعلى طلب الرزق، وعلى النصر على الأعداء، وعلى أن ييسر له أموره، وعلى أن يقضي له حوائجه، فتشمل كل أمور الدنيا والآخرة.

قيل: ولو خصَّ الاستعانة بالعبادة والطاعة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها مجهولاً.

جاء في (روح المعاني) : "في سر إطلاق الاستعانة فقيل: ليتناول كلَّ مُستعانٍ فيه، فالحذف هنا مثله في قولهم: (فلان يعطي) في الدلالة على العموم. وأيضاً لو كان المَرادُ الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، لبقي حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب".

ثم لننظر من ناحية أخرى، كيف عبر عن العبادة والاستعانة بلفظ الجمع، لا الإفراد فقال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولم يقل: (أعبد وأستعين) ، وذلك إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام فالدين

ص: 43

الإسلامي ليس ديناً فردياً، بل هو دينٌ جماعي، وكثيرٌ من مظاهر الجماعية واضحٌ فيه كصلاة الجماعة وهي تَفضُلُ صلاةَ الفرد بسبعٍ وعشرينَ درجة، ولست المساجدُ إلا مظهراً من مظاهر الجماعية، وهذه السورة التي تَتَرَدَّدُ في كل ركعة من ركعات الصلاة فيها إشارة إلى أهمية الجماعة، بكلمة نعبد ونستعين واهدنا. والحج أكبر مظهر جماعي، والزكاة والصدقات من أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي، والجهاد من شؤون الجماعة ويعلنه أمير المؤمنين، والصوم في الإسلام ليس عبادة فردية محضة بل هو عبادة جماعية، فتخصيصه بشهر معين يلتزم به كل المجتمع المسلم وليس كما يرغب الفرد، من أكبر مظاهر الجماعية، وتعيين الأعياد ووجوب الإفطار فيها فلا يشذ فرد واحد عن المجتمع من أكبر مظاهر الجماعية، وعيادة المرضى أمرٌ جماعي، وغير ذلك وغيره كل ذلك من مظاهر الجماعة.

جاء في (تفسير الرازي) : "إن المراد من هذه النون نون الجمع، وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة

الوجه الثالث: إن المؤمنين إخوة، فلو قال:(إياك أعبد) لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره. أما لما قال: (إياك نعبد) كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين، شرقاً وغرباً، فكأنه سعى في إصلاح مهمات المسلمين".

وجاء في (فتح القدير) : "والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه، وعن جنسه من العباد. وقيل: إن المقام لما كان عظيماً لم يستقلّ به الواحد استقصاراً لنفسه واستصغاراً لها، فالمجيء بالنون لقصد التواضع لا لتعظيم النفس".

ص: 44

وقرنت العبادة بالاستعانة ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعباة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه، ولا ينهض بها إلا بالتوكل عليه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه الأمانة الثقيلة، إذا لم يُعِنه الله على ذلك، فالاستعانة بالله علاجٌ لغرور الإنسان وكبريائه وهما داءان قتّالان "وليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته".

وقُدِّمت العبادةُ على الاستعانة لعدة وجوه منها:

إنَّ العبادة هي عِلَّةُ خَلْقِ الإنس والجن {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . وإنها الغايةُ من خَلْقهم، وإن الاستعانة إنما هي وسيلةٌ للقيام بها، فكانت العبادةُ أولى بالتقديم لأنَّ الغاية مقدمة على الوسيلة.

جاء في (روح المعاني) : "إنَّ العبادة واجبةٌ حتماً لا مناص للعباد من الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم".

وجاء في (التفسير القيم) : "إن تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خُلِقُوا لها والاستعانة وسيلة إلَيْها".

ومنها: أن العبادة قَسْمُ الربِّ وحَقُّه، وأن الاستعانة مرادُ العبد، ومن الطبيعي أن يقدم العبد ما يستوجب رضا الرب ويستدعي إجابته قبل أن يطلب منه شيئاً وهو التذلل لله والخضوع بين يديه بالعبادة. فكان القيام بالعبادة مظنة استجابة طلب الاستعانة.

ص: 45

ومنها: أن العبادة حقُّ الله وقسمه والاستعانةُ قسمُ العبد، وحقُّ الله أولى بالتقديم.

ومنها: أنَّ العبادة أكثرُ مناسبةً للجزاء أعني قوله: {مالك يَوْمِ الدين} والاستعانة أنسب لطلب الهداية، فوضعَ كلَّ تعبير مع ما يناسبه.

جاء في (روح المعاني) : "إنها - أي العبادة - أشد مناسبة بذكر الجزاء، والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية".

ومنها: أن " {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} متعلقٌ بألوهيته واسمه (الله) . و {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} متعلق بربويته واسمه الرب، فقدم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كما تقدم اسم الله على الرب في أول السورة".

ومنها: أن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هو قسم الله "فكان مع الشطر الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به. و {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قسم العبد فكان مع الشطر الذي له وهو {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة".

وهذا التعبير هو نظير قوله تعالى: {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] . فقدم العبادة على التوكل.

هذا علاوة على أن في تأخير فعل الاستعانة توافقاً مع خواتيم الآي في السورة. فاقتضى تقديم العبادة من كل وجه.

فإن قلت: كان قياس الكلام أن يقول: (إياه نعبد وإياه نستعين) فَلِمَ قال: (إياك نعبد

) بالخطاب؟

ص: 46

والجواب: أنَّ هذا يسمى التفاتاً في علم البلاغة، والالتفاتُ قد يكون عدولاً من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، ومن ذلك قوله تعالى:{هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22] . فعدل من الخطاب إلى الغيبة.

وللالتفات فائدةُ عامةٌ وفوائد يقتضيها المقام، أما الفائدة العامة فهي "أنَّ الكلامَ إذا نُقِلَ من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد".

ومن فوائده التي اقتضاها المقام "أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تَعلَّقَ العلمُ بمعلومٍ عظيمِ الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا مَنْ هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدلَّ على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به".

ومنها: أنه لما وُصِفَ بأنه رب العالمين عُلِمَ أنه حاضرٌ في كل مكان وزمان وليس غائباً ذلك لأنه رب العالمين جميعاً، فلا يغيب عنهم، ولا يغيبون عنه، فلما علم حضوره نودي بنداء الحاضر المخاطب.

"ونظير هذا أنك تذكر شخصاً متصفاً بأوصاف جليلة مُخْبِراً عنه إخبار الغائب ويكون ذلك الشخص حاضراً معك، فتقول له: إياك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطُّف على بلوغ المقصود ما لا يكون في لفظ (إياه) .

ص: 47

ومنها: أنه "ذكر توطئةً للدعاء في قوله: اهدنا".

ثم إنَّ الطلبَ من الحاضر أقوى من الطلب من الغائب.

"ومنها: أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناءٌ، والثناء في الغيبة أَوْلى، ومن هنا إلى الآخر دعاءٌ، وهو في الحضور أولى، والله تعالى حييٌّ كريم.

وقيل: "إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضوراً، بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن إبراهيم، عليه السلام {فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين} [الأنعام: 76] . لا جَرمَ عَبَّرَ سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة وعنها بطريق الخطاب إعطاء لكلٍّ منهما ما يليقُ من النسق المستطاب".

وقيل غير ذلك، والله أعلم.

{اهدنا الصراط المستقيم} .

معنى الهداية الإرشاد والدلالة والتبيين والإلهام. وفعل الهداية قد يُعدَّى بنفسه نحو قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3] . وقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2]، وقد يُعدَّى بإلى كقوله:{وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] . وقوله: {وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى} [النازعات: 19] . وقد يعدى باللام كقوله: {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} [الأعراف: 43] .

ص: 48

وقيل: إن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية من دون حرف أن التعديةَ بالحرف تقال إذا لم يكن فيه ذلك فيصل بالهداية إليه، وإن التعدية من دون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه، فتقول: هَدَيتهُ إلى الطريق وهديته للطريق لمن لا يكون في الطريق فتوصله إليه، وتقول:(هديته الطريق) لمن كان فيه فَتُبصِّرهُ به وتُبَيِّنهُ له، وتقوله أيضاً لمن لا يكون فيه فتوصله إليه.

قال تعالى على لسان إبراهيم، عليه السلام، قائلاً لأبيه:{فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43] . وأبوه ليس في الصراط، بل هو بعيد عنه. وقال تعالى في المنافقين:{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 66-68] . والمنافقون ليسوا على الصراط.

وقال على لسان رسل الله: {وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12] . وهم في الصراط. وقال مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2] . وهو سالك للصراط.

فتعديةُ الفعل بنفسه تقال لمن كان فيه أي في الصراط ولمن لم يكن فيه.

أما التعدية باللام وإلى فتكون لمن لم يكن فيه، وذلك نحو قوله تعالى على لسان الخصمين اللذين جاءا داود، عليه السلام، ليحكم بينهما:{فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلَا تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط} [ص: 22] . وقوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق} [يونس: 35] . أي: يوصل إليه.

ص: 49

جاء في تفسير ابن كثير: "وقد تُعدَّى الهداية بنفسها كما هنا: {اهدنا الصراط المستقيم} فتضمن معنى ألهمنا أو وَفِّقنا أو ارزقنا أو أعطنا {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 10] أي: بيّنا له الخيرَ والشر".

وقد تُعدى بإلى كقوله تعالى: {اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 121] . {فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} [الصافات: 23] . وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله: {وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة: {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} [الأعراف: 43] . أي وفَّقنا لهذا وجعلنا له أهلاً".

وفي اللسان: "هديته الطريق والبيت هداية، أي: عَرَّفته، لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق، وإلى الدار، حكاها الأخفش".

قال ابن بري: يقال: هديته الطريق بمعنى عرّفته فيعدى إلى مفعولين، ويقال: هديته إلى الطريق، وللطريق على معنى أرشدته إليها. فيعدى بحرف الجرِّ كأرشدت قال: ويقال: هديت له الطريق على معنى بَيَّنتُ له الطريق".

وفيه أيضاً أن "هديت لك في معنى (بينت لك) وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [السجدة: 26] . قال أبو عمرو: أَوَ لم يُبَيِّنْ لهم".

فعلى هذا يكون: (هداه الطريق) بمعنى عرّفه الطريق، و (هداه إلى الطريق وللطريق) بمعنى أرشده إليه، ويقال:(هداه للطريق) بمعنى بيّنه له أيضاً.

ص: 50

ويبدو أن الهداية على مراتب، فالبعيدُ الضالُّ عن الطريق، يحتاج إلى هادٍ يدلّه على الطريق، ويوصله إليه، فهنا نستعمل (يهدي إلى) أي: يوصل إلى ويرشد إلى.

والذي يصل إلى الطريق يحتاج إلى هادٍ يعرّفه بأحوال الطريق ومراحلها، وما فيها من مخاوف وأماكن الهلكة والأمن ويعرّفه بما يحتاجه السالك في هذه الطريق، وهنا نستعمل (هداه الطريق) .

أما اللام فإنها تستعمل في اللغة للتعليل، أي: لبيان الغاية من الحدث، وقد تستعمل لانتهاء الغاية أيضاً كأن تقول (جئتُ لطلبِ العلم) أي إنَّ طَلَبَ العلم غاية المجيء وعِلَّته، و (جئت للدار) بمعنى: جئت إليها.

وقد تستعمل اللام مع الهداية لبيان الغاية من الحدث، فسالك السبيل يريد الوصول إلى غاية وليس الطريق غاية في نفسه، فيؤتى باللام عند هذه الغاية فيقال:(هداه لكذا) أي: أبلغه لها، فكانت غاية سلوكه وسيره.

والإنسان محتاج إلى هذه الهدايات كلها، فإن ضلَّ احتاج من يهديه إلى الطريق، وإن وصل احتاج مَنْ يُعرّفهُ بالطريق، وإن سلك احتاج الوصول إلى الهدف، وألاّ ينقطع في الطريق، وإن قطع الطريق، احتاج إلى من يبلغه غايته، وأن ينيله مرامه ويهديه له.

وعند ذلك يقول كما قال أصحاب الجنة، بعد أن قطعوا الطريق وبلغوا مرادهم {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} [الأعراف: 43] . أي: وفقنا لهذا في خاتمة المطاف، وهي خاتمة الهدايات.

ولذا لم نجد استعمال (هدى) مُعَدَّى باللام في القرآن الكريم مع السبيل أو الصراط فلا تجد مثل (هداه لصراط مستقيم) أو (هداه لسبيل مستبين) لأن الصراط ليس هو الغاية؛ بل هو طريقٌ يُوصِلُ إلى الغاية فهو

ص: 51

مطلوب لغيره فيقال: هداه إلى الصراط وهداه الصراط. قال تعالى: {بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ} [الحجرات: 17] . فجعل الإيمان غاية، ذلك أن الإيمان من الأمن، وهو استقرار النفس وطمأنينتها، وأكثر ما يرهق الإنسان فَقْدُ أمنه النفسي فبلوغه غاية من أعظم الغايات.

وقال: {قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35] . وقال: {إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] . وقال: {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} [الأعراف: 43] . وقال: {يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [النور: 35] . ولم يَرِدْ ذِكْرٌ للسبيل أو نحوه مع اللام كما ترى بل هذه كلها غايات، فالإيمان والحق والتي هي أقوم والنورُ والجنة، كلها غاياتٌ مُرادةٌ مطلوبة، وقد استعملت اللام معها.

والملاحظ أيضاً أن هذه الهداية، وهي الهداية للغاية والانتهاء إليها اختصَّها اللهُ لنفسه أو لقرآنه، فلم يستعمل (هدى لكذا) إلاّ له سبحانه أو لكتابه فهو المبلغ للغايات بخلاف هداه كذا أو هداه إلى كذا، فقد استعمله له ولغيره، قال تعالى:{وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] . وقال: {فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43] .

وقد تقول: لكن القرآن استعمل تعبيرين أحياناً في سياق واحد، مما يدل على أنهما بمعنى واحد، وذلك نحو قوله تعالى:{قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15-16] .

ص: 52

فقال: {يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} فَعدَّى الفِعْلَ بنفسه إلى {سُبُلَ السلام} ثم قال: {وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فعدَّاه بالحرف (إلى) مما يدل على أنهما بمعنى واحد.

ونحو قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يهدي إِلَاّ أَن يهدى} [يونس: 35] .

فعداه مرة بإلى ومرة باللام فقال: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق} فعدّاه بإلى ثم قال: {قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ} فعداه باللام، ثم قال:{أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} فجعلها بمعنى واحد.

والحق أنها ليست بمعنى واحد، وأن هناك ما يقتضي هذا الاختلاف، فبالنسبة إلى الآية الأولى وهي قوله تعالى:{يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فإن الذي اتَّبعَ رضوانَ الله ليس ضالاً ولا مبتعداً عن الصراط بل هو فيه، فهو محتاج إذن إلى مَنْ يهديه الطريق ويعرّفه إياه، وليس محتاجاً إلى من يوصله إليه، وأما الذي في الظلمات فيحتاج إلى من يخرجه منها ويدلّه على الطريق ويوصله إليه فهو ليس في الطريق الصحيح ولذا قال:{وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: يوصلهم إليه.

فاقتضى كل موضع التعبير الذي ورد فيه.

فاقتضى الأمر بالنِّسبة إلى الآية الثانية، وهي قوله تعالى:{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يهدي إِلَاّ أَن يهدى} [يونس: 35] . فإن الشركاء لا يستطيعون الدلالة على الحق والإرشاد إليه أصلاً. ولكن الله يهدي إلى الحق وللحق، فالله يرشد إليه ثم

ص: 53

يوصلك إلى المنتهى ويُبلِّغك المراد فهو لا يكتفي بأن يقول لك إنّ الطريق من هنا بل يعرّفك به ويوصلك إلى طلبتك، إنك قد تسأل شخصاً عن الطريق فيرشدك إليه ويقول لك: الطريق من هنا، أو ذلك هو الطريق، ولكنه لا يعرف مراحل الطريق ولا يدري ما فيه بَلْه إيصالكَ إلى المنتهى وتنويلك المبتغى، فآلهتهم لا تهدي إلى الحق، أي: لا تُرشد إليه لأنها لا تعرف أين هو بَلْه التعريفَ به والإيصال إلى خاتمته لحين تنويل المراد.

إن الله سبحانه وتعالى لا يهدي إلى الحق فقط، بل يعرّفك إياه ويبيّنه لك، ويبلّغك إياه، وأما شركاؤهم فلا يدرون الحق أين هو؟ وفرقٌ بعيد بين الحالين فشركاؤهم لا يعرفون مبتدأ الطريق، والله يوصلك إلى الخاتمة ويبلغك المراد.

فالفرق واضح بين التعبيرين.

ونعود إلى قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} فقد عَدَّى فِعْلَ الهداية بنفسه، ولم يُعَدِّهِ بالحرف وذلك ليجمع عدة معانٍ في آن واحد، ذلك أن التعديةَ من دون حرفٍ تُقالُ لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه، فهنا نطلب الهداية لمن كان في الطريق فيعرّفه به ويبصّره بشأنه، ولمن ضل وانحرف من المؤمنين عن الجادّة فيرده إلى الجادة فشمل القسمين.

ولما كان هؤلاء من الموحدين الحامدين لله كان المعنى علاوةً على ما مَرَّ طلب استمرار الهداية على الطريق المستقيم، والتثبيت على الهدى والزيادة فيه كما قال تعالى:{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] . "فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهدى ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها".

ص: 54

فيكون معنى {1649;هْدِنَا الصراط المستقيم} عرِّفنا الطريقَ الحق وردّنا إليه ردّاً جميلاً إذا ما ضللنا أو انحرفنا، وثَبِّتنا على الهدى وزِدْنا هدى.

جاء في (البحر المحيط) : ومضمون هذه الجملة طلب استمرار الهداية إلى طريق مَنْ أنعم الله عليهم، لأن مَن صَدَر منه حمد الله وأخبر بأنه يعبده ويستعينه، فقد حصلت له الهداية، لكن يسأل دوامها واستمرارها".

وجاء في (روح المعاني) : "وللمحققين في معنى (اهدنا) وجوه

أحدها: أن معناه ثَبِّتنا على الدين كيلا تزلزلنا الشُّبَه وفي القرآن {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] . وفي الحديث: "اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلوبنا دينك"

وثانيها: أعطنا زيادة الهدى، كما قال تعالى:{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .

وثالثها: أن الهداية الثواب، كقوله تعالى:{يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] .

ورابعها: أن المراد دُلَّنا على الحق في مستقبل عمرنا، كما دَلَلْتنا عليه في ماضيه".

وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقدم المفعول مع الهداية كما فعل مع العبادة والاستعانة؟ لِمَ لم يقل: (إيَّانا اهدِ) كما قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؟

والجواب: أنه لا يصح التقديم لأنه لا يصلح طلب التخصيص بالهداية دون سائر الناس فلا يصح أن تقول: (اللهم اهدني ولا تهدِ أحداً سواي)

ص: 55

أو: (اللهم ارحمني ولا ترحم أحداً غيري) بل لكَ أنْ تسأل الهداية لنفسك ولا تَقْصرها عليكَ، فلو قلت:(إيانا اهد) لكان المعنى: اهدنا ولا تهدِ أحداً سوانا، وهذا لا يصح.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: (اهدنا) ولم يقل: (اهدني) ؟

وذلك لأكثر من سبب:

منها: أنه مناسبٌ للجمع في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، "لأنه لما أخبر المتكلم أنه هو ومن معه يعبدون الله ويستعينونه سأل له ولهم الهداية إلى الطريق الواضح، لأنهم بالهداية إليه تَصحُّ منهم العبادة. ألا ترى أن من لم يهتد إلى السبيل الموصلة لمقصوده لا يصح له بلوغ مقصوده".

وجاء في (تفسير الرازي) : "كأن العبد يقول: سمعت رسولك يقول: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت: (الحمد لله)، ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت: {اهدنا الصراط المستقيم} ، ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت:{صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت:{غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} .

ومنها: "أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب".

ص: 56

ومنها: أن فيه أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك فيغسل ما في النفس من درن الأَثَرة ونوازع الانفراد بالخير، ويشيع عند المسلم حب التعاون.

ومنها: إشاعة الروح الجماعية بين الأفراد.

ومنها: أن الاجتماع على الهدى، تثبيتٌ وقوة، وأن كثرة السائرين على الطريق تورث الأُنس وتهوِّن مشقة السير بخلاف الانفراد في السير فإنه يورث الوحشة ويستجلب الملل، إن الإنسان إذا كان معه سالكون لم يستوحش، وكلما كثر السالكون شاع الأمن ورسخت الطمأنينة، أما السالك وحده فإنه قد يستوحش وقد يضعف وقد يسقط، وقد تأكله الذئاب، ويد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية.

وهذا الأمر حاصل لمن سلك سبل الدنيا ولمن سلك سبل المبادىء والقيم سواء بسواء، وهو في الثانية أظهر وأخطر.

ثم انظر من ناحية أخرى، كيف ارتبط قوله تعالى:{اهدنا الصراط المستقيم} بأول السورة ووسطها وآخرها. فارتبط بقوله: {رَبِّ العالمين} في أول السورة، لأن من معاني الرب المربي، وأول مهامّ المربي هي الهداية كما ذكرنا.

وارتبط بقوله: {الرحمن الرَّحِيمِ} لأن مَنْ هداه الله فقد رحمه، فإنك تطلبُ من الرحمن الرحيم أن لا يتركك ضالاًّ لا تهتدي إلى الطريق، فإن رحمته تأبى أن يترك مَنْ سأله الهداية والنجاة من الضلال والضياع ضالاً مُضيَّعاً.

وارتبط بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأن العبادة ينبغي أن تكون على الطريقة الصحيحة التي يرتضيها الله، ولا تتحقق العبادة إلا بالهداية إلى الطريق المستقيم، فلا يمكن أن تعبده عبادة صحيحة وأنت ضال.

ص: 57

وارتبط بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ومن الاستعانة أن تطلب منه الهداية والثبات عليها.

وارتبط بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأن المُنْعَمَ عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم.

وارتبط بقوله: {وَلَا الضآلين} في آخر السورة لأن الضالين هم التائهون عن الطريق، السالكون غيرَ جادةِ الحق، والهدى ضد الضلال، وكثيراً ما يجمع القرآن بين الهدى والضلال على أنهما متضادان، قال تعالى:{يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [النحل: 93] وقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26] .

وغير ذلك كثير.

واختيارُ كلمة (صراط) دون كلمة (طريق) أو (سبيل) له سببه، ذلك أن (صراط) على وزن (فِعال) من (صراط) وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالرباط والشِّداد، فيشتمل على كل السالكين، ولا يضيق بهم فهو واسع رَحْبٌ بخلاف كلمة (طريق) فإنها (فعيل) بمعنى (مفعول) من (طرق) بمعنى مطروق، وهذا لا يدل في صيغته على الاشتمال، فقد يضيق بالسالكين ولا يستوعبهم.

وكذلك كلمة (السبيل) فهي كأنها (فعيل) بمعنى (مفعول) من أسبلَتِ الطريقُ إذا كثرت سابِلَتُها كالحكيم بمعنى المُحكَم. والسابلة من الطريق المسلوكةُ يقال: سبيل سابلة، أي: مسلوكة.

وقد جاء بالصراط مفرداً مُعَرَّفاً بتعريفين: بالألف واللام والإضافة، وموصوفاً بالاستقامة مما يدل على أنه صراط واحد، ليس ثمة صراط

ص: 58

غيره، فإنه ليس بين النقطتين أكثر من مستقيم واحد. فالصراط المستقيم هو طريق الإسلام وهو دين الله، ووصفه بالاستقامة ليدلّ على أنه أقصر الطرق وأقربها إلى المطلوب فلا يشق على السالك، وما عداه من الطرق معوجٌّ، ولا يوصل إلى المقصود فإنه لا يوصل أكثر من مستقيم واحد بين نقطتين.

إن المراد من السلوك على الصراط، هو الوصول إلى الله تعالى كما قال:{إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29] . وربنا على صراط مستقيم والذي يوصل إليه صراط مستقيم كما قال: {إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56] . وقال: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41] . فتعين السلوك على هذا الصراط للوصول إليه. والوصول إليه معناه الوصول إلى رضاه، وإلاّ فكلنا مردودون إليه وملاقوه.

جاء في (تفسير الرازي) : "اعلم أن أهل الهندسة قالوا: الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين. فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجّة، فكان العبد يقول:{اهدنا الصراط المستقيم} لوجوه:

الأول: أنه أقرب الخطوط وأقصرها، وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم.

الثاني: أن المستقيم واحد وما عداه معوجة، وبعضها يشبه بعضاً في الاعوجاج، فَيَشْتَبِهُ الطريقُ عليَّ. أما المستقيم فلا يشابهه غيره، فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان.

الثالث: الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود، والمعوج لا يوصل إليه.

الرابع: المستقيم لا يتغير، والمعوج يتغير".

ص: 59

وجاء في (التفسير القيم) : "وذكر الصراط المستقيم منفرداً مُعَرَّفاً بتعريفين، تعريفاً باللام، وتعريفاً بالإضافة، وذلك يفيد تعيينه واختصاصه، وأنه صراط واحد. وأما طرق أهل الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله:{وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] . فوحَّد لفظ الصراط وسبيله وجمع السبل المخالفة له

وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رُسُلَهُ وأنزل به كتبه لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد".

والملاحظ أن القرآن لم يأت بكلمة الصراط، إلا مُفْرَدَةً فلم يستعملها مجموعة بخلاف السبيل فإنه يفردها ويجمعها، ذلك أن الصراط هو أوسع السبل، وهو الذي تُفضي إليه السبل. قال تعالى:{وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فجعله صراطاً واحداً وهو صراطٌ مستقيم ثم قال: {وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل} .

وقال: {يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} [المائدة: 16] . فذكر السبل بالجمع، وهي طرق الخير المتعددة في الإسلام.

وقال: {والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] . فجعل له سبلاً متعددة، في حين لم يجعل له إلا صراطاً واحداً، وهو الصراط المستقيم.

ثم زاد هذا الصراط بياناً وتوضيحاً، فقال:{صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} فذكر أنه صراط الذين أنعم الله عليهم، وسَلِمُوا من الغضب والضلال. وقد جمع الله أصناف المكلفين في هذه الآية وانتظمهم كلهم.

ص: 60

فهم إما أهل السعادة، وهم الذين أنعم الله عليهم. وإما أهل الشقاوة وهم صنفان:

صنف عرف الحق، وخالفه فلم يعمل بمقتضاه وهم المغضوب عليهم.

وصنف لم يعرف الحق، وهم الضالون، لأن مَنْ لم يعلم الحق ضال، قال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً * الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [الكهف: 103-104] .

جاء في (تفسير البيضاوي) : "ويتجه أن يقال: المغضوب عليهم: العصاة، والضالين: الجاهلون بالله".

ولا يخرج أصناف المكلفين عن هؤلاء، فالسعداء هم أهل الطاعة الذين عرفوا الحق، وعملوا بمقتضاه وهم الذين أنعم الله عليهم.

والأشقياء هم الصنفان الآخران، فجمعهم أحسنَ جمعٍ وأوجزه.

جاء في (تفسير الرازي) : "دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق:

أهل الطاعة وإليهم الإشارة بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .

وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} .

وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله: {وَلَا الضآلين}

في الآية سؤال آخر: ما الحكمةُ في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة، وهم الذين أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين: المغضوب عليهم والضالين؟

ص: 61

والجواب: أن الذين كملت نِعَمُ الله عليهم، هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فهؤلاء هم المرادون بقول:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، فإن اختلّ قيدُ العمل فهم الفَسَقة، وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى:{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93] .

وإن اختلَّ قيدُ العلم، فهم الضالون لقوله تعالى:{فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلَاّ الضلال} [يونس: 32] ".

وجاء في (التفسير القيم) : "مِنْ ذِكْرِ المُنْعَمِ عليهم وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال، فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة. لأن العبد إما أن يكون عالماً بالحق أو جاهلاً به، والعالم بالحق إما أن يكون عاملاً بموجبه أو مخالفاً له. فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة. فالعالمُ بالحق العاملُ به هو المُنْعَمُ عليه

والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه. والجاهل بالحق هو الضال، والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل. والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكلٌّ منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصفِ الغضب وأحق به".

وجاء فيه أيضاً: "فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب.

فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد. وهذان المرضان هما ملاكُ أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم يتضمنُ الشفاء من مرضِ الضلال

ص: 62

والتحقق بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} علماً ومعرفة وعملاً وحالاً يتضمنُ الشفاءَ من مرضِ فساد القلب والقصد

ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما: الرياء والكبر. فدواء الرياء بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ودواء الكبر بـ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

فإذا عوفي من مرض الرياء بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ومن مرض الكبر والعجب بـ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ومن مرض الجهل بـ {اهدنا الصراط المستقيم} عُوفيَ من أمراضه وأسقامه ورَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المُنْعَم عليهم غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين، وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه".

ثم لننظر من ناحية أخرى كيف قال: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فعبر عن المنعم عليهم بالفعل الماضي، ثم قال:{غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} فعبر عنهم بالصورة الاسمية.

أما جعل فعل الإنعام فعلاً ماضياً فذلك ليتعيَّنَ زمانُه، وليبين أن المقصود صراط الذين ثَبتَ إنعامُ الله عليهم وتَحقَّقَ وهم الأنبياء والصِّدِّيقون والشهداء والصالحون كما قال تعالى:{فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً} [النساء: 69] .

ولو قال: (صراطَ الذين تُنعِمُ عليهم) لأغفلَ كُلَّ مَنْ مضى من رسل الله والصالحين، لأن الفعل المضارع أكثر ما يدل على الحال. بل لم يدل

ص: 63

على أنه أنعم على أحدٍ فيما مضى، ونحو ذلك أن تقول:(أعطني ما أعطيتَ أمثالي) أو تقول: (أعطني ما تُعطي أمثالي) فإن العبارة الأولى تفيد أنه أعطى قبله من أعطى، وأما الثانية، فلا تفيد أنه أعطى أحداً من قبل، بل قد يكون ذلك العطاء ابتداء، ولاحتمل أن يكون صراط الأولين غير صراط الآخرين، ولم يُفِد التواصلَ بين زمر المؤمنين من لدن آدم عليه السلام، إلى قيام الساعة، ولم يفهم أن هذا الطريق، إنما هو طريقٌ مسلوكٌ سلكه من قبلنا الرسل وأتباعهم، ولكان صراط الذين ينعم عليهم، أقل شأناً من صراط الذين أنعم عليهم، لأن الذين أنعم الله عليهم، فيهم أولو العزم من الرسل، وفيهم الأنبياء وأتباعهم، وأما من ينعم عليهم بعد ذلك، فليس فيهم نبيٌّ ولا رسول.

ثم إن الإتيان بالفعل الماضي، يدل على أنه كلما مر الزمن كثر عددُ الذين أنعم الله عليهم، لأن الحاضر يلتحق بالماضي، وهكذا تتسع دائرة المنعَم عليهم بمرور الزمن بخلاف قولنا:(صراط الذين ينعم الله عليهم) ، فقد يخص الوقت الذي طلب فيه الداعي الهداية، ولربما كان عدد المهديين آنذاك قليلاً.

فانظر الفرق بين قوله: (أنعمت عليهم) والقول: (تنعم عليهم) .

وأما قوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} بالاسم، فليشمل سائر الأزمنة.

فإن قلت: ولِمَ لمْ يقل: (صراط المنعَمِ عليهم) ليشمل سائر الأزمنة أيضاً؟

فالجواب: أن كل تعبير في مكانه أمثل وأحسن.

فلو قال: (المنعَم عليهم) لم يبيّن المُنعِم الذي أنعم عليهم، والنعمة إنما تقدر بقدر المنعِم، فإن كان المنعم صديقاً يختلف عما إذا كان أميراً أو

ص: 64

سلطاناً، وذلك من حيث مقدار النعمة، ومن حيث التكريم لمن نالها، فإن كان المنعِم عظيماً عَظُمتْ نعمتهُ، وإن كان أدنى من ذلك كانت على قدر صاحبها، وكذلك من حيث التكريم، فالذي ينعم عليه السلطان غير الذي ينعم عليه أحد أفراد الرعية، فإن قولك:(فلان أنعم عليه الخليفة) فيه من التعظيم والتكريم ما ليس في قولك: فلان أنعم عليه رئيس البلدية أو المحافظ.

ففي قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} من التكريم وعظم النعمة ما ليس في (المنعَم عليهم) .

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الله سبحانه ينسب الخير والفضل إلى نفسه، ولا ينسب إلى نفسه الشر والسوء، قال تعالى:{وَأَنَّا لَا ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10] . فبنى الشرَّ للمجهول ونسبَ الخيرَ إلى ذاته الكريمة.

وقال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً} [الإسراء: 83] . فنسب النعمة إلى نفسه ولم ينسب إلى نفسه الشر، فلم يقل:(وإذا مسسناه بالشر) كما قال صلى الله عليه وسلم: "والخيرُ كلُّه في يديك، والشر ليس إليك"

والنعمة تَفضُّلٌ وخير، فهو ينسبها إلى نفسه وليس أحدٌ مُولى نعمة على الحقيقة إلا الله كما قال:{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل: 53] .

ولذلك ينسب النعم كلها إلى نفسه، ولم يَرِدْ فِعْلُ النعمة مسنداً إلى غير الله في القرآن الكريم قال:{قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً} [النساء: 72] . وقال: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] . وقال: {إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] .

ص: 65

ولم يسند فعل النعمة إلى غير الله، إلا في قوله تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] . فقد أسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أسنده إلى الله أولاً، وهي نعمةٌ خاصة أنعم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على زيد بن حارثة الذي رباه، وجعله بمنزلة ابنه.

فنسبة النعمة والفضل إلى الله أمثلُ وأكمل.

وأما المغضوب عليهم، فقد بناه للمفعول ليعم الغضب عليهم: غضب الله، وغضب الغاضبين لله ولا يتخصص بغاضبٍ معين، فهم مغضوبٌ عليهم من كل الجهات. بل إن هؤلاء سيغضب عليهم أخلصُ أصدقائهم وأقرب المقربين إليهم، يوم ينقطع حبلُ كل مودّةٍ في الآخرة غير حبل المودّة في الله، وتنقطع كل العلائق غير العلائق في الله، كما قال تعالى:{لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] . وقال: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت: 25] . فيغضب بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض حتى يتبرأ الإنسان من جلده وجوارحه التي تشهد عليه، فهم مغضوبٌ عليهم من كل شيء، ومن كل أحد.

فانظر هذا العموم في الغضب وهذا الإطلاق.

وقيل: "إنما بناه للمفعول لأن من طُلب منه الهداية ونُسب الإنعام إليه لا يناسبه نِسبةُ الغضب إليه، لأنه مقام تَلطُّفٍ وترَفُّقٍ وتذلل لطلب الإحسان، فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام وليكون المغضوب عليهم توطئةً لختم السورة بالضالين لعطف موصولٍ على موصول مثله لتوافق آخر الآي".

وجاء في (التفسير القيم) : "وأضاف النعمة إليه وحذف فاعل الغضب لوجوه:

ص: 66

منها: أن النعمةَ هي الخير والفضل، والغضب من باب الانتقام، والعدل والرحمة تغلب الغضب فأضاف إلى نفسه أكملَ الأمرين وأسبقهما وأقواهما. وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه، وحذف الفاعل في مقابلتهما كقول مؤمني الجن:{وَأَنَّا لَا ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10] .

الوجه الثاني: إن الله سبحانه هو المُتفرد بالنعم: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل: 53] . فأضيف إليه ما هو متفرد به، وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقاً ومجرى للنعمة. وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه، يغضبون لغضبه، فكان في لفظة {المغضوب عَلَيْهِم} بموافقة أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام وأن النعمة المطلقة منه وحده، هو المتفرد بها ما ليس في لفظة (المنعم عليهم) .

الوجه الثالث: إن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه، وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذِكْرِ فاعلِ النعمة من إكرام المُنعَمِ عليه والإشادة بذكره، ورفع قدره ما ليس في حذفه. فإذا رأيتَ مَنْ قد أكرمه ملك وشَرَّفه ورفع قدره فقلت: هذا الذي أكرمه السلطان، وخلع عليه وأعطاه ما تمناه كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أُكرم وخُلع عليه وشُرّف وأُعطي".

ثم انظر من ناحية أخرى، كيف جعل كُلاًّ من المغضوب عليهم والضالين اسماً، وذلك للدلالة على الثبوت، فيكون الغضب عليهم دائماً ثابتاً لا يزول واتصافهم بالضلال على وجه الثبوت أيضاً. فلا يُرْجى لهم خيرٌ ولا هدى، فلم يقل صراط الذين غُضب عليهم وضلوا فيجعل الغضب أو الضلال في زمنٍ دون زمن؛ بل إن هذا الوصف لازم لهم إلى يوم القيامة ثابت لا يزول فهم

ص: 67

مغضوب عليهم في الدنيا والآخرة، وضالون في الدنيا والآخرة كما قال تعالى:{وَمَن كَانَ فِي هاذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] .

ثم انظر كيف قال: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} فذكر (لا) بينهما، ولم يقل (غير المغضوب عليهم والضالين) لئلا يُفْهَمَ أنَّ المباينة لمن جمع الغضب والضلال دون من لم يجمعهما، فإنه لو قال:(غير المغضوب عليهم والضالين) لتوهم أن المباينة لمن جمع الغضب والضلال. فلما ذكر (لا) جعل المباينة لكل صنف منهما. ونظير ذلك أن تقول: (أنا لا أحب مَنْ تكبر وبخل) أو (أنا لا أحب من تكبر ولا من بخل) فإن الجملة الأولى تحتمل أنه لا يحب هذين الصنفين، وتحتمل أنه لا يحب مَنْ جمع بين هذين الوصفين دون مَنْ لم يجمعهما، فمن تكبر ولم يبخل أو بخل ولم يتكبر، لم يكن داخلاً في الحكم بخلاف قولك:(أنا لا أحب من تكبر ولا من بخل) فإنك نَصصتَ فيه على أنك لا تحب مَن اتصف بأي صفة منهما.

جاء في (حاشية الجرجاني على الكشاف) : "لمَ دخلت (لا) في (ولا الضالين) ؟ سؤال الكشاف يعني أن (لا) المسماة بالمزيدة عند البصريين، إنما تقع بعد الواو العاطفة في سياق النّفي للتأكيد والتصريح بتعليق النفي بكل من المعطوف والمعطوف عليه كيلا يتوهم أن المنفي هو المجموع من حيث هو مجموع فيجوز حينئذٍ ثبوت أحدهما".

وقد تقول: ولمَ قدّم الغضبَ على الضلال، فقال:{غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} ولِمَ لَمْ يقدم الضالين على المغضوب عليهم؟

والجواب إن المقام يقتضي تقديم المغضوب عليهم من أوجه: منها: أن المغضوب عليه أشد ضلالاً وجرماً وعقوبة لأنه علم وجحد، وليس من علم كمن لا يعلم، ولذا قيل: في العقائد:

ص: 68

وعالم بعلمه لم يَعْمَلَنْ

معذّب من قَبْلِ عُبّاد الوثَنْ

فهو أولى بالسؤال والمباعدة عنه، فإنَّ الضالَّ إذا علم الحق، فربما اتبعه وربما خالفه فيكون من المغضوب عليهم.

ومنها: أنه جاء في الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى. واليهود أسبق من النصارى فناسب أن يبدأ بهم.

ومنها: أن صفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود وأقدمها على الإطلاق، وهي معصية إبليس، ذلك أنه كان عالماً بالحق عارفاً له، فعصى ربه وخالف أمره، فغضب الله عليه ولعنه، ثم قطع إبليس عهداً على نفسه أن يُضلَّ بني آدم فقال:{وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} [النساء: 119] . فناسب أن يبدأ بذكر أولى المعاصي على الإطلاق وأن يتبعها بما قطع إبليس على نفسه أن يفعله وهو الإضلال.

ومنها: أن هذه الصفة، أعني صفة المغضوب عليهم، هي أول معصية ظهرت على الأرض، وهي قتل ابن آدم أخاه، بعد أن قَرَّبا قرباناً، فتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، فقتله متعمداً ظالماً له.

وبذا تبين أن صفة المغضوب عليهم، هي أقدم صفة من صفات المعاصي، ظهرت في الوجود في الملأ الأعلى، وبعدها على الأرض، فناسبَ أن يبدأ بها.

ومنها: أن المغضوب عليه، يقابل المُنْعَم عليه، ولا يقابل الضال، فإنك تقول:(فلان أنعم عليه الخليفة، وفلان غضب عليه) ولا تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة وفلان ضل) . فناسب أن يضع بجنب الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم.

ومنها: أن المغضوب عليه، يقابل المُنْعَم عليه، ولا يقابل الضال، فإنك تقول:(فلان أنعم عليه الخليفة، وفلان غضب عليه) ولا تقول: (فلان أنعم عليه الخليفة وفلان ضل) . فناسب أن يضع بجنب الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم.

ومنها: أن تقديم المغضوب عليهم، هو المناسب لِمُفْتَتَحِ السورة وما بعده، ذلك أن الحامد لله العارف بصفاته الخاصَّ إياهُ بالعبادة والاستعانة

ص: 69

إذا زاغ كان من المغضوب عليهم، لأنه علم وخالف، فكان من المناسب أن يسأل الله المباعدة عن ذلك أولاً بخلافِ مَنْ لا يعلم، وكان ضالاً، وأما سؤال الهداية بعد ذلك وهو قوله:{اهدنا الصراط المستقيم} فهو المناسبُ للسؤال بالمباعدة عن الضلال.

فلما قَدَّم الحمدَ وما إليه ناسب السؤال بالمباعدة عن الغضب، ولما طلب بعد ذلك الهداية، ناسب أن يذكر بعد ذلك، المباعدة عن الضلال. ومنها: أن ذلك هو المناسب لخواتيم الآي أيضاً.

جاء في (البحر المحيط) : "وقدم الغضب على الضلال، وإن كان الغضب من نتيجة الضلال، ضل عن الحق فغضب عليه لمجاوزة الإنعام، ومناسبة ذكره قرينة لأن الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل الضلال الإنعام. فالإنعامُ إيصالُ الخير إلى المنعم عليه، والانتقام إيصال الشر إلى المغضوب عليه فبينهما تطابقٌ معنوي.

وفيه أيضاً تناسب التسجيع لأن قوله: (ولا الضالين) تمام السورة فناسب أواخر الآي".

ثم انظر كيف تناسب قوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضآلين} وقوله: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} فإن الحمدَ مُطْلَقٌ غير مقيدٍ بزمن ولا بفاعلٍ معين، وهو دائم ثابت، وهؤلاء مغضوب عليهم وضالون على جهة الثبوت والدوام.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أنَّ مَنْ لم يحمد الله، فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يقرّ بأن الله رب العالمين، فهو مغضوب عليه وضال.

ومَنْ لم تُدْركه رحمةُ الله الرحمن الرحيم فهو مغضوبٌ عليه وضال.

ص: 70

ومن لم يؤمن بيوم الدين، وأن الله مالك ذلك اليوم، فهو مغضوب عليه وضال.

ومَنْ لم يَخُصَّ اللهَ بالعبادة والاستعانة، فهو مغضوبٌ عليه وضال.

ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، فهو مغضوب عليه وضال.

فما أجلَّ هذا الارتباط!

إن هذه السورة جمعت أصول العقيدة الإسلامية.

وأولها: الإقرار بوجود الله، وأن له صفات الكمال وهو المستحق للحمد، ذاتاً وصفات، منها الإقرار بالتوحيد، وهو قوله:{رَبِّ العالمين} وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن كونه رباً للعالمين جميعاً، يعني: أنه لا رَبَّ سواه، وأن تخصيصه بالعبادة والاستعانة معناه: أنه لا إله سواه، فقد شملت توحيد الألوهية والربوبية.

وقوله: {مالك يَوْمِ الدين} يعني: الإقرار باليوم الآخر والجزاء.

وقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يعني: الإقرار بقدرته التي لا تُحَدُّ.

وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يعني: الإقرار بالرسل، وما أنزل إليهم من كتب. فإن الصراط المستقيم الذي يريده الله إنما يُعْرَفُ من طريق الأنبياء والرسل. والعبادة التي يرتضيها الله لا تُؤخذ إلا عن طريق الرسل، فإنه ليس للإنسان أن يعبد الله كما يشتهي، بل كما يريد الله ويحب.

فتضمنت السورة أصول العقيدة وأمهاتها. وتضمنت دين الإسلام بركنيه، الإيمان والعمل الصالح.

أما الإيمان فقد ذكرت أركانه، من إيمان بالله ورسله واليوم الآخر.

ص: 71

وأما العمل الصالح فقد دخل في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلى آخر السورة.

جاء في (تفسير الرازي) : "فقوله {الحمد للَّهِ} يدل على وجود الصانع، وعلى علمه وقدرته.. وعلى كونه مستحقاً للحمد والثناء والتعظيم.. وأما قوله:{رَبِّ العالمين} فهو يدل على أن ذلك الإله واحد، وأن كل العالمين مُلكه ومِلكه، وليس في العالم إله سواه ولا معبود غيره. أما قوله:{الرحمان الرحيم} فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه، موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان. وأما قوله:{مالك يَوْمِ الدين} فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته، أن يحصل بعد هذا اليوم، يومٌ آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء، ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين، ولو لم يحصل هذا البعث والحشر، لقدح ذلك في كونه رحماناً رحيماً.

وإذا عرفتَ هذا ظهر أن قوله: {الحمد للَّهِ} يدل على وجود الصانع المختار.

وقوله: {رَبِّ العالمين} يدل على وحدانيته.

وقوله: {الرحمان الرحيم} يدل على رحمته في الدنيا والآخرة.

وقوله: {مالك يَوْمِ الدين} يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة

أما الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان:

أحدهما: إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .

والثاني: علمه بأنه لا يمكنه الإتيان بها، إلا بإعانةِ الله، وإليه الإشارة بقوله:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ". فهذه السورة هي أم الكتاب حقاً.

ص: 72