الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من سورتي المعارج وعبس
من سورة المعارج
من سورة عبس
***
بدأ في سورة (عبس) بذِكْرِ الأخِ فالأم فالأب فالصاحبة ثم الأبناء في الأخير.
وفي سورة المعارج على عكس ذلك، فقد بدأ بالأبناء، فالصاحبة فالأخ فالفصيلة، ثم انتهى بأهل الأرض أجمعين.
وسبب ذلك والله أعلم أن المقام في (عبس) مقام الفرار والهرب، قال تعالى:{يَوْمَ يَفِرُّ المرء} والإنسان يفرّ من الأباعد أولاً، ثم ينتهي بألصقِ الناس به وأقربهم إليه، فيكونون آخر مَن يفر منهم. والأخ أبعد المذكورين في الآية من المرء. وإنَّ ألصقهم به زوجهُ وأبناؤه، فنحن ملتصقون في حياتنا بأزواجنا وأبنائنا أكثر من التصاقنا بإخواننا وآبائنا وأمهاتنا. فقد تمر شهور بل ربما أعوام ونحن لا نرى إخواننا في حين نأوي كل يوم إلى أزواجنا وأبنائنا.
والإنسان قد يترك أمه وأباه ليعيش مع زوجه وأبنائه وهو ألصق بأبنائه من زوجه، فقد يفارق زوجه ويسرحها ولكن لا يترك ابنه.
فالأبناء آخر مَنْ يَفرُّ منهم المرءُ ويهرب.
وهكذا رتب المذكورين في الفرار بحسب العلائق، فأقواهم به علاقة هو آخر من يفر منه، فبدأ بالأخ ثم الأم ثم الأب. وقدم الأم على الأب، ذلك أن الأب أقدر على النصر والمعاونة من الأم. وهو أقدر منها على الإعانة في الرأي والمشورة، وأقدر منها على النفع والدفع. فالأم في الغالب ضعيفة تحتاج إلى الإعانة بخلاف الأب. والإنسان هنا في موقف خوف وفرار وهرب، فهو أكثر التصاقاً في مثل هذه الظروف بالأب لحاجته إليه، ولذا قدم الفرار من الأم على الفرار من الأب، وقدم الفرار من الأب على الفرار من الزوجة، لمكانةِ الزوجةِ من قلب الرجل وشدة علاقته بها، فهي حافظة سره وشريكته في حياته، ثم ذكر الفرار من الأبناء في آخر المطاف، ذلك لأنه ألصق بهم وهم مرجوون لنصرته ودفع السوء عنه أكثر من كل المذكورين.
هذا هو السياقُ في (عبس) سياقُ الفرار من المعارف وأصحاب العلائق أجمعين لِلْخُلُوِّ إلى النفس، فإنَّ لكل امرىء شأناً يشغله وهمّاً يُغْنيه.
أما السياق في سورة المعارج، فهو مختلف عما في (عبس) ذلك أنه مشهد من مشاهد العذاب الذي لا يُطاق، فقد جيء بالمجرم، لِيُقذفَ به في هذا الجحيم المستعر، وهذا المجرم يودُّ النجاةَ بكل سبيل ولو أدى ذلك إلى أنْ يبدأ بابنه، فيضعه في دركات لظى. فرتب المذكورين ترتيباً آخر يقتضيه السياق، وهو البدء بالأقربِ إلى القلب والأعلقِ بالنفس فيفتدي به فضلاً عن الآخرين.
لقد وردت في السياق جملة أمور تقتضي هذا الترتيب منها:
1-
إنه ذكر أن هذا المفتدي (مجرم) وليس امرءاً اعتيادياً، والمجرمُ مستعدٌّ لِفعْلِ أيِّ شيء لينجو ولو أن يبدأ بأقرب المُقَرَّبين إليه وأحبهم إلى قلبه فيضعه في السعير. وهو لا يهمه أن يفتدي بالناس أجمعين فيضعهم مكانه في أطباق النيران بذنب لم يرتكبوه وإنما ارتكبه هو.
2-
جرى ذِكْرُ القرابات قبل هذا المشهد فقال: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} . والحميم القريب، فبدأ بأقرب القرابة وهم الأبناء، ثم انتهى إلى الأباعد وهم من في الأرض عموماً.
3-
ذكر بعد هذه الآيات أن الإنسان {خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً} فلما أدرك المجرم العقاب وأيقن أنه مُواقِعهُ لا مَحالةَ أدركه الهلعُ والجزع، ومن أظهر مظاهر هذا الهلع والجزع أن يبدأ بأقرب الناس وأحبِّهم إليه فيفتدي به.
4-
إن البدء بأقرب الناس وأحبهم إليه وألصقهم بقلبه ليفتدي به، يدل على أن العذاب فوق التصور، وهولُهُ أبعدُ من الخيال بحيث جعله يبدأ بأقرب الناس إليه، وأن يتخلى عن كل مساومة.
جاء في (أنوار التنزيل) في قوله تعالى: {يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} : "إن ذلك لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ به إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه، فضلاً عن أن يهتم بحاله ويسأل عنها".
فرتَّبهن ترتيباً آخر مبتدئاً بالأبناء فالزوجة فالأخ فالفصيلة، وفيهم الأبوان ثم انتهى بأهل الأرض أجمعين، فلا يبقى أحد غيره.
وهناك جانب فني آخر، غير التقديم والتأخير، وهو اختيار لفظ (المرء) في آية (عبس) على (الإنسان) فقال:{يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ} في حين قال قبل هذه الآيات: {قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ} وقال: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ} ، ذلك أن الأصل في كلمة (المرء) أن تطلق على الرجل، وقد تُؤنَّثُ هذه الكلمة فيقال:(المرأة) وجَمْعُ المرء الرجال من غير لفظه، وقد تطلق على الإنسان أيضاً.
فاختيار (المرء) ههنا أوفق من (الإنسان) ذلك أنه ذكر الفرار من الصاحبة، وهي الزوجة فقال:{وصاحبته وَبَنِيهِ} فناسب ههنا ذكر (المرء) لأن (الإنسان) كلمة تشمل الذكر والأنثى، في حين أن الفارّ من الصاحبة هو الرجل.
ثم إن اختيار كلمة (المرء) أوفق لسبب آخر ذلك أن مشهد الفرار يوم القيامة لا يختص بالإنسان، بل هو عام يشمل رجال الثقلين من الجن والإنس، وأن كلمة رجل ورجال تطلق على هذا الجنس من الثقلين، قال تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن: 1] .
فكلمة (مرء) أعمُّ من كلمة (إنسان) من ناحية وأخصُّ منها من ناحية أخرى، فهي قد تستعمل للرجل خاصة فتكون أخص من كلمة (إنسان) التي تشمل عموم البشر من الذكور والإناث، وقد تستعمل لغير الإنسان، أعني الجن الذين يشملهم الفرار في الآخرة، فتكون أعم بهذا المعنى في حين أن المَعْنيَّ بالآيات السابقة هو (الإنسان) فقط {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً} إلخ وهذا خاص بالإنسان.
ثم إن اختيار كلمة (مرء) أنسب من كلمة (رجل) أيضاً ذلك أن (المرء) يشمل الصغار والكبار فهي أعم من كلمة (رجل) التي تشمل الكبار من هذا الجنس في حين أن مشهد الفرار ينتظم الثقلين أجمعين.
فانظر كيف اختار كلمة (مرء) بدل (إنسان) و (رجل) لاعتبارات متعددة. فهي أعني (المرء) تعني الإنسان، وتعني الرجل، ثم هي لا تخص رجال الإنس، بل تَعمُّهم وتَعمُّ رجالَ الجن، ولا تختص الكبار بل تشمل الكبار والصغار.
فانظر كيف اختار أوفقَ كلمةٍ وأنسبها لهذا المقام.
وثمة لمسة فنية أخرى، وهي وضع كل مشهد في السورة المناسبة له. فقد وضع مشهد الفرار في السورة التي تبدأ بـ {عَبَسَ وتولى} . والتولّي نوع من أنواع الفرار من الشيء والانصراف عنه. والعبوس أيضاً هو نوع من أنواع الفرار النفسي من الشيء بعكس الألفة والانشراح له.
والتلهِّي عن الشيء، هو الفرار منه بصورة ما، أعني ما ورد في قوله تعالى:{وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى * وَهُوَ يخشى * فَأَنتَ عَنْهُ تلهى} .
فوضعُ مشهدِ الفرار الأكبر في الآخرة في (عبس) مناسبٌ لجو السورة أيَّما مناسبة.
ووضعُ مشهد العذاب الأكبر الذي ذكره بقوله: {كَلَاّ إِنَّهَا لظى * نَزَّاعَةً للشوى * تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى * وَجَمَعَ فأوعى} في سورة المعارج التي تبدأ بقوله: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أنسبُ شيء وأحسنه.
فوضعَ مشهدَ العذاب في السورة التي تبدأُ بالعذاب.
ووضعَ مشهدَ الفرار في السورة التي تبدأ بنوعٍ من أنواع الفرار.
فما أحسنَ التناسب والاختيار في الموطنين!