الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قصة موسى في سورتي النمل والقصص
قال لي أحدهم مرة، لو كتبتَ في قصة موسى في سورتي النمل والقصص، فإن بينهما تشابهاً كبيراً ولا يتبيّن سِرُّ الاختلاف في التعبير بينهما من نحو قوله تعالى:{فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ} و {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ} .
وقوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} و {اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} وما إلى ذلك.
فأنهدني قوله إلى أن أكتب في ذلك، وطلبت من الله أن يعينني على ما عزمتُ عليه، وأن يُبَصِّرني بمرامي التعبير في كتابه الحكيم، وأن يفتح عليّ من كنوز علمه الواسع الذي لا يُحدُّ فتحاً مباركاً، إنه سميع مجيب.
من سورة النمل
من سورة القصص
{فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ
تَصْطَلُونَ * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين * اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} .
***
من هذين النصين تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أُدوّنُ أظهرها:
النمل القصص
{إني آنَسْتُ نَاراً} {آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً}
- {امكثوا}
{سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}
{أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار}
{فَلَمَّا جَآءَهَا} {فَلَمَّآ أَتَاهَا}
{نُودِيَ أَن بُورِكَ} {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن}
{وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين} -
{ياموسى} {أَن ياموسى}
{إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم} {إني أَنَا الله رَبُّ العالمين}
{وَأَلْقِ عَصَاكَ} {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}
{ياموسى لَا تَخَفْ} {ياموسى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ}
{إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} {إِنَّكَ مِنَ الآمنين}
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} {اسلك يَدَكَ}
{فِي تِسْعِ آيَاتٍ} {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ}
- {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب}
{إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}
***
إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد من قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص، فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصةُ مُفصَّلةً ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليمِّ والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرقِ فرعون في اليمّ، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.
فالقصة في سورة القصص، إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل مُوجَزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.
هذا أمر، والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريمٍ لموسى أوضح مما هو في القصص، ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعاً بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى، عليه السلام، بل إن جو الخوف كان مقترناً بولادة موسى، عليه السلام، فقد خافت أمه فرعون عليه، فقد قال تعالى:{وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلَا تَخَافِي وَلَا تحزني} .
ويستبدُّ بها الخوفُ أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا} .
ثم ينتقل الخوفُ إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري:{فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} . فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} ،
وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين} .. فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقَصَّ عليه القصص فطمأنه قائلاً:{لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين} .
وهذا الطابع - أعني طابع الخوف - يبقى ملازماً للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} . وطلب أخاه ظهيراً له يُعِينُه ويصدّقه لأنه يخاف أن يكذّبوه: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} .
في حين ليس الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذِكْرٌ للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.
فاقتضى أن يكون التعبير مناسباً للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:
1-
قال تعالى في سورة النمل: {إني آنَسْتُ نَاراً} وقال في سورة القصص: {آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً} ، فزاد {مِن جَانِبِ الطور} وذلك لمقامِ التفصيلِ الذي بُنيت عليه القصة في سورة القصص.
2-
قال في سورة النمل: {إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً} وقال في سورة القصص: {قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً} بزيادة {امكثوا} . وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفاً أعني مناسبة لمقامِ التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.
3-
قال في النمل: {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} . وقال في القصص: {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} . فبنى الكلام في النمل على القطع {سَآتِيكُمْ} وفي القصص على الترجي {لعلي آتِيكُمْ} . وذلك أن مقام الخوف في
القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.
ومن ناحية ثالثة، إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى:{عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وهو ترجٍّ. وقال: {عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} . وهو تَرَجٍّ أيضاً. وقال: {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} ، وقال:{لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} ، وقال:{لعلي أَطَّلِعُ إلى إلاه موسى} ، وقال:{لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ، ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال:{فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين} ، وقال:{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وهذا كله ترجٍّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يَرِد الترجي في سورة النمل إلا في موطنين وهما قوله:{لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} ، وقوله:{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد:{أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان:{أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} . وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} .
فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.
ثم انظر بعد ذلك قوله تعالى في القصة: {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} ومناسبته لقوله تعالى في آخر السورة: {الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} ، وانظر مناسبة {سَآتِيكُمْ} لـ {سَيُرِيكُمْ} .
وبعد كل ذلك، انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.
4-
كرر فعل الإتيان في النمل، فقال:{سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ} ، ولم يكرره في القصص، بل قال:{لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ} فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة.
وتكرر في القصص ست مرات فناسب تكرار {آتِيكُمْ} في النمل من كل وجه.
5-
وقال في سورة النمل: {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} .
وقال في القصص: {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} .
فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس، والشهاب: هو شعلة من النار ساطعة.
ومعنى (القَبَس) شعلة نار تقتبس من معظم النار، كالمقباس يقال: قبس يقبس منه ناراً، أي: أخذ منه ناراً، وقبس العلمَ استفادَه.
وأما (الجذوة) فهي الجمرة أو القبسة من النار وقيل: هي ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه ما قيل: هي عود فيه نار بلا لهب.
والمجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفىء أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضاً. فهو أحسنُ من الجذوة في الاستضاءة والدفء.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ذكر أنه سيأتي بالشهاب مقبوساً من النار، وليس مُخْتلَساً أو محمولاً منها، لأن الشهاب يكون مقبوساً وغير مقبوس، وهذا أدلّ على القوة وثبات الجنان، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار ويقبس منها شعلة ساطعة.
أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار، ولم يقل إنه سيقبسها منها.
والجذوة قد تكون قبساً وغير قبس. ولا شك أن الحالة الأولى أكمل وأتم لما فيها من زيادة نفع الشهاب على الجذوة، ولما فيها من الدلالة على الثبات وقوة الجنان.
وقد وضع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف، ذكر الجمرة وفي غير موطن الخوف، ذكر الشهاب القبس.
6-
قال في سورة النمل: {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ} .
وقال في سورة القصص: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ} .
فما الفرقُ بينهما؟
قال الراغب الأصفهاني مفرقاً بين الإتيان والمجيء: "الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتي". وقال: "المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيءٌ بسهولة".
ولم يذكر أهل المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون واحداً بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدلُّ على السهولة، فيقولون مثلاً في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره. ويقولون:"كل سيل سهلته لماء، أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه
…
ويقال: أتّيت للسيل، فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه
…
وأتّيت الماء تأتيةٌ وتأتّياً، أي: سَهَّلتُ سبيله ليخرج إلى موضع".
والذي استبان لي أن القرآن الكريم، يستعملُ المجيءَ لما فيه صعوبةٌ ومشقة، أو لما هو صعب وأشق مما تُستعمل له (أتى) فهو يقول مثلاً:{فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور} [المؤمنون: 27]، وذلك لأنّ المجيء فيه مشقة وشدة. وقال:{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19] . وقال {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} [الكهف: 71] . وقال: {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} [الكهف: 74] . وقال: {قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [مريم: 27] . وقال: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمان وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً} [مريم: 88-90] . وقال: {وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ
الباطل كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81] . وقال: {فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة * يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ} [عبس: 33-34] . وقال: {فَإِذَا جَآءَتِ الطآمة الكبرى} [النازعات: 34] .
وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.
وقد تقول: وقد قال أيضاً: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية} [الغاشية: 1] .
والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث وليس الغاشية في حين أن الذي جاء هناك هو الطَّامةُ والصاخَّة ونحوهما مما ذكر.
ويتضح الاختلاف بينهما في الآيات المتشابهة التي يختلف فيها الفعلان، وذلك نحو قوله تعالى:{أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1] . وقوله: {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله} [غافر: 78]، ونحو قوله:{جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110] و {أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام: 34]، ونحو قوله:{لَّجَآءَهُمُ العذاب} [العنكبوت: 53]{وَأَتَاهُمُ العذاب} [النحل: 26] وما إلى ذلك.
فإنه يتضح الفرق في اختيار أحدهما على الآخر، وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {أتى أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1] . وقال: {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون} [غافر: 78] . فقد قال في النحل: {أتى أَمْرُ الله} ، وقال في غافر:{جَآءَ أَمْرُ الله} ، وبأدنى نظر يتضح الفرق بين التعبيرين، فإن المجيء الثاني، أَشَقُّ وأصعبُ لما فيه من قضاءٍ وخسران، في حين لم يزد في الآية الأولى على الإتيان. فاختار لما هو أصعب وأشق (جاء) ولما هو أيسر (أتى) .
ونحو ذلك قوله تعالى: {حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين} [يوسف: 110] . وقوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين} [الانعام: 34] .
فقال في آية
يوسف: {جَآءَهُمْ نَصْرُنَا} وفي آية الأنعام: {أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} ومن الواضح أن الحالة الأولى أشق وأصعب وذلك أن الرُّسُلَ بلغوا درجة الاستيئاس وهي أبعدُ وأبلغ، وذهب بهم الظن إلى أنهم كُذبوا، أي: أن الله سبحانه وتعالى كذبهم ولم يصدُقهم فيما وَعَدَهم به وهذا أبلغ درجات اليأس وأبعدها وعند ذاك جاءهم نصره سبحانه فنجّي من شاء وعوقب المجرمون.
في حين ذكر في الآية الأخرى أنهم كُذّبوا، أي: كذبهم الكافرون، وأُوذوا فصبروا. وفرقٌ بعيد بعيد بين الحالتين، فلقد يكذَّب الرسلُ وأتباعهم ويؤذَون ولكن الوصول إلى درجة اليأس والظن بالله الظنون البعيدة أمرٌ كبير.
ثم انظر إلى خاتمة الآيتين تر الفرق واضحاً، فما ذكره من نجاة للمؤمنين ونزول اليأس على الكافرين في آية يوسف مما لا تجده في آية الأنعام يدلك على الفرق بينهما.
ومن ذلك قوله تعالى: {كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 25-26] .
فقال في الآيتين: {وَأَتَاهُمُ العذاب} في حين قال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 53-55] .
فقال: {لَّجَآءَهُمُ العذاب} وذلك أن الآيتين الأوليين في عذاب الدنيا بدليل قوله في آية النحل: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ} وقوله في آية الزمر: {فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} في حين أن آية العنكبوت في عذاب الآخرة، وحتى لو كانت في عذاب الدنيا فإن ما ذكر فيها من العذاب أشق وأشد مما في الآيتين الأخريين بدليل قوله:{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين} وقوله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} فجاء لما هو أشق وأشد بالفعل (جاء) ولما هو أيسر بـ (أتى) .
وقد تقول: ولكنه قال: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} فاستعمل مضارع (أتى) .
والجواب: أن القرآن لم يستعمل مضارعاً للفعل جاء. ولذلك كلُّ ما كان من هذا المعنى مضارعاً، استعمل له مضارع (أتى) فلا يدخل المضارع في الموازنة وسيأتي بيان ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مَدْيَنَ والمؤتفكات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة} [التوبة: 70-71] .
فقال: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات} وهو الموطن الوحيد الذي جاء فيه نحو هذا التعبير في القرآن في حين قال في المواطن الأخرى كلها: {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} [الأعراف: 101] .
ولو نظرت في هذه التعبيرات، ودققت فيها لوجدت أن كل التعبيرات التي جاءت بالفعل (جاء) أشق وأصعب مما جاء بـ (أتى) ، وإليك بيان ذلك.
فانظر كيف قال في آية التوبة: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولم يذكر أنهم كفروا أو عوقبوا، في حين قال في آيات الأعراف:{فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} فذكر عدم إيمانهم، وأنهم طُبع على قلوبهم:{كذلك يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين} وذكر أنه وجد أكثرهم فاسقين، وأنه لم يجد لأكثرهم عهداً، وذكر بعد ذلك ظُلْمَ فرعون وقومه لموسى وتكذيبهم بآيات الله وعاقبتهم.
فانظر موقف الأمم من الرسل في الحالتين وانظر استعمال كُلٍّ من الفعلين جاء وأتى، يتبين لك الفرق واضحاً بينهما.
ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين} [يونس: 13] .
فقال: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} وذلك أنه ذكر إهلاك القرون لظلمهم وذكر تكذيبهم وعدم إيمانهم وذكر جزاء المجرمين.
إلى أن يقول: {وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ على مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون * وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ
الظالمين} [إبراهيم: 12-13] .
ويمضي في وصف عذاب الكفرة عذاباً غليظاً: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 16-17] .
فقال أيضاً: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} ، وأنا في غنى عن أن أبيّن موقف الأمم من رسلهم، وكفرهم بما أرسلوا به، وتهديدهم لهم بإخراجهم من الأرض، وعن ذكر عذاب الكافرين في الدنيا بإهلاكهم وفي الآخرة بما وصفه أفظع الوصف.
فانظر إتيانه بالفعل (جاء) وقارنه بالفعل (أتى) في آية التوبة يتضح الفرق بين استعمال الفعلين.
فذكر عاقبة الذين أساؤوا، وأنها السُّوأى تأنيث الأسوأ، أي أسوأ الحالات على الإطلاق، وذكر تكذيب الأمم لرسلهم واستهزاءهم بهم، في حين لم يصرح في آية التوبة بتكذيب ولا استهزاء، ولم يذكر لهم عاقبةً ما.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 25-26] .
فذكر تكذيب الأمم السابقة لرسلهم بعد أن جاؤوهم بكل ما يدعو إلى الإيمان من البَيِّنات والزبر والكتاب المنير، وذكرَ أخذَهُ لهم وعَلَّقَ على ذلك بقوله:{فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .
فقال: {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} ثم ذكر أن أممهم استهزؤوا برسلهم وبقوا على شركهم حتى رأوا بأس الله ينزل بهم. فلم ينفعهم إيمانهم بعد فوات الأوان.
قارن هذه الآيات التي وردت بالفعل (جاء) بالآية التي وردت بالفعل (أتى) وهي آية التوبة، يتبين الفرق بين استعمال الفعلين: جاء وأتى.
وقد تقول: لكن ورد في القرآن (أتتكم الساعة) و (جاءتهم الساعة) والساعة واحدة، فما الفرق؟
وأقول ابتداء أنه لا يصح اقتطاع جزء من الآية للاستدلال، بل ينبغي النظرُ في الآية كلها وفي السياق أيضاً ليصحَّ الاستدلالُ والحكم.
وإليك الآيتين اللتين فيهما ذِكْرُ الساعة.
قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] .
وقال: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمُ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صادقين * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40-41] .
فقال في الآية الأولى: {جَآءَتْهُمُ الساعة} وقال في الثانية: {أَتَتْكُمُ الساعة} .
وبأدنى تأمل يتضح الفرق بين المقامين. فإن الأولى في الآخرة وفي الذين كذبوا باليوم الآخر، وهم نادمون متحسرون على ما فرطوا في الدنيا، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتوضحه الآية قبلها وهي قوله تعالى: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هاذا بالحق قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ
…
} [الأنعام: 30-31] . في حين أن الثانية في الدنيا بدليل قوله: {أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صادقين} وقوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} فذكر أنه يكشف ما يدعون إليه إن شاء، وهذا في الدنيا، وإلا فإن الله لا يكشف عن المشركين شيئاً في الآخرة ولا يستجيب لهم البتة.
فالموقف الأول أشق وأشد مما في الثانية، فجاء بالفعل (جاء) لما هو أصعب وأشق. ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.
ولعل من أسباب ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى) الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء) ، وخِفَّةِ اللفظ وخفة الموقف في (أتى) والله أعلم.
ونعود إلى ما نحن فيه من قصة موسى، فقد قال في سورة النمل:{فَلَمَّا جَآءَهَا} وقال في سورة القصص: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} ذلك أن ما قطعه
موسى على نفسه في النمل أصعب مما في القصص، فقط قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبرٍ أو شهاب قبس، في حين ترجّى ذلك في القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أنْ يأتيهم بشهابٍ قبس، أي: بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجَّى في القصص أن يأتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل، أصعب وأشق مما في القصص، فإنه طُلبَ إليه في النمل، أن يُبلِّغ فرعون وقومه رسالةَ ربه، في حين طلب إليه في القصص، أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغُ القوم أوسعُ وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة طه:{فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى} [طه: 11]، ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون ولم يذكر أحداً آخر:{اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي} [طه: 24-26] .
فانظر كيف لما أرسله إلى فرعون قال: {أَتَاهَا} ، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضاً في حين لما أرسله إلى فرعون وقومه قال:{جَآءَهَا} وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهراً.
7-
ذكر في القصص جهة النداء فقال: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة} ولم يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطنَ القصص موطنُ تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما ذكرت.
8-
قال في النمل: {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين} ولم يذكر مثل ذلك في القصص، بل ذَكَرَ جهة النداء فقط، وذلك لأن الموقف في النمل موقفُ تعظيمٍ كما أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.
9-
قال في النمل: {ياموسى} .
وقال في القصص: {أَن ياموسى} .
فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب.
منها: أن المقام في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فَشرَّفه بالنداء المباشر في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه، فهناك فرق بين قولك:(أشرت إليه أن أذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه: أشرت إليه بالذهاب، بأيِّ لفظٍ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له هذا القول نصّاً، ومثله قوله تعالى:{وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين} [الصافات: 104-105] . أي: بما هذا تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: {قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] .
ومنها أن المقام في سورة القصص، مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.
ومنها أن ثقل التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة التكليف كما هو معلوم.
10-
قال في النمل: {إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم} .
وقال في سورة القصص: {إني أَنَا الله رَبُّ العالمين} .
فجاء بضمير الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: {إِنَّهُ أَنَا} ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين:{العزيز الحكيم} في النمل زيادة في التعظيم.
ثم انظر إلى اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعونَ حاكمٌ متجبر يرتدي رداء العزة، ألا ترى كيف أقسم السحرةُ بعزته قائلين:{بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون} [الشعراء: 44] . فاختار من بين أسمائه (العزيز) مُعرَّقاً بالألف واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيزَ سواه، و (الحكيم) للدلالة على أنه لا حاكمَ ولا ذا حكمةٍ سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصراً. وفي تعريف هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال:(عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف أنه لما قال:{أَنَا الله العزيز الحكيم} ، لم يذكر أن موسى سأل ربه أن يعزِّزه ويُقَوِّيه بأخيهِ. ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له رِدْءٌ، يُصدّقه ويقوّيه وهو أخوه (هارون) .
وقد تقول: ولكنه قال في القصص: {إني أَنَا الله رَبُّ العالمين} ، وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى.
ونقول: وقد قال ذلك أيضاً في النمل، فقد قال:{وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين} ، وزاد عليه:{إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم} . فاتضح الفرق بين المقامين.
وقد تقول: ولِمَ قال في سورة طه: {إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ} [طه: 12] بذكر ربوبيته له خصوصاً، ولم يقل كما قال في سورتي النمل والقصص:(رب العالمين) ؟
والجواب: أنه في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولاً فعلّمه وأرشده فقال له: {إنني أَنَا الله لا إلاه إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكري * إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} [طه: 14-15] ، فطلب منه العبادةَ وإقامة الصلاة.
وقال بعد ذلك: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى} [طه: 23] ثم ذكر مِنَّته عليه مرة أخرى فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى * إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى} [طه: 37-38] .
ويمضي في ذكر مِنَّته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل ولا في القصص.
فإنه لم يذكر توجيهاً له أو إرشاداً لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فَصَّلَ في ذِكْرِ ولادته ونشأته وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب:{وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ *
…
فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ *
…
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ *
…
وَدَخَلَ المدينة} في حين كان الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في (طه){أَنَاْ رَبُّكَ} بخلاف ما في النمل والقصص، والله أعلم.
11-
قال في النمل: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} .
وقال في القصص: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} .
فجاء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية. ونظيره ما مر في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) .
فقوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} قولٌ مباشر من رب العزة، وهو دال على التكريم. وأما قوله:{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فإن معناه: أنه ناداه بما تفسيره هذا أو بما معناه هذا. فأنت إذا قلت: (ناديته أن اذهب) كان المعنى ناديته بالذهاب. فقد يكون النداء بهذا اللفظ أو بغيره بخلاف قولك: (ناديته اذهب)، أي: قلت له: اذهب.
وهو نحو ما ذكرناه في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) من أسباب ودواعٍ فلا داعي لتكرارها.
12-
قال في النمل: {ياموسى لَا تَخَفْ} .
وقال في القصص: {ياموسى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ} .
بزيادة (أقبل) على ما في النمل وذلك له أكثر من سبب.
منها: أن مقام الإيجاز في النمل يستدعي عدم الإطالة، بخلاف مقام التفصيل في القصص.
ومنها: أن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف.
فوضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق به.
13-
قال في النمل: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} .
وقال في القصص: {إِنَّكَ مِنَ الآمنين} .
ذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخائف يحتاج إلى الأمن، فأمَّنه قائلاً:{إِنَّكَ مِنَ الآمنين} .
أما في سورة النمل فالمقام مقام التكريم والتشريف، فقال:{إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} ، فألمح بذلك إلى أنه منهم، وهذا تكريم وتشريف. ثم انظر كيف قال:{لَدَيَّ} مُشْعِراً بالقُربِ وهو زيادةٌ في التكريم والتشريف.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال في سورة النمل {لَدَيَّ} المفيدة للقرب ناداه بما يفيد القرب فقال: {ياموسى} ولم يقل: {أَن ياموسى} كما قال في القصص، ففصل بين المنادي والمنادَى بما يفيد البعد. وأمره أيضاً بما يفيد القرب بلا فاصل بينهما فقال:{أَلْقِ عَصَاكَ} ولم يقل: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} للدلالة على قرب المأمور منه. فناداه من قُرْبٍ وأمرَهُ من قرب، وذلك لأنه كان منه قريباً، فانظر علو هذا التعبير ورفعته.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} ولم يقل: (إني لا يخاف مني المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"أنا أخشاكم لله" فهو أخوفُ الناس منه، وأخشاهم له.
14-
قال في النمل: {إِلَاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولم يقل مثل ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال:(إنك من الآمنين إلا من ظلم، ثم بدل حسناً بعد سوء..) ولو قال هذا لم يكن كلاماً.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ناسب ذلك قول ملكة سبأ {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين} . فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودِها للشمس من دون الله، ثم بدّلت حُسْناً بعد سوء، فأسلمتْ لله رب العالمين. فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.
وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضاً، وهو قوله تعالى:{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} .
والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافراً بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيباً إلى ربه بعد ما فعل فعلته:{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي} وقوله حين فرَّ من مصر: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين} وقوله: {قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} .
فإن موسى لم يبدّل حُسْناً بعد سوء، ذلك أنه عليه السلام لم يكن سيئاً بخلافِ ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدّلت حسناً بعد سوء. فما جاء من قوله:{إِلَاّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء} أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.
15-
قال في النمل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} .
وقال في القصص: {اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} .
لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلكَ) الذي يستعمل كثيراً في سلوك السُّبُل فيقال: سلك الطريق والمكان سَلْكاً، قال تعالى:{والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً * لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} [نوح: 19-20] . ذلك لأنه تردد سلوكُ الأمكنةِ والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى، وهو مُلقى في اليمّ إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقصُّ أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيلَ إلى العبد الصالح في مدين، وسَير موسى بأهله وسلوكه الطريق إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سَيره بأهله بعد قضاء الأجل، بل إنه طوى كُلَّ ذِكْرٍ للسير والسلوك في القصة. فقال مبتدئاً:{إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال:{فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً} فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات في النمل في حين، لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.
ومن ناحية أخرى، إن الإدخال أخص من السَّلْك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلْك أو السلوك، قد يكون إدخالاً وغير إدخال، تقول: سلكتُ الطريق وسلكت المكان، أي: سرتُ فيه، وتقول:
سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخالُ أَخصُّ وأشقُّ من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلاً ميسوراً، قال تعالى في النحل:{فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} [النحل: 69]، فانظر كيف قال:{ذُلُلاً} ليدلل على سهولته ويُسْرِه، وقال:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض} [الزمر: 21] . وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟
فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله:{سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} وقوله: {فَلَمَّا جَآءَهَا} ومهمةَ التبليغِ إلى فرعون وقومه.
وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع الإدخال في مقام الأمن والثقة.
وناسب أن يوضع الإدخال، وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخَصُّ من الجذوة، وأن يوضع السلوك، وهو أعمُّ من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس.
فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماماً.
16-
قال في القصص: {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب} ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و (الرهب) هو الخوف، وهو مناسبٌ لجو الخوف الذي تردد في القصة. ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.
17-
قال في النمل: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} .
وقال في القصص: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} .
فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثِقةٍ وقوة وسّع المهمة،
فجعلها إلى فرعون وقومه، ووسَّع الآيات فجعلها تسعاً، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة، وقلل من ذكر الآيات.
وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.
ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة، فقد تردد ذِكْرهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النمل، ووضع (البرهان) في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.
18-
قال في النمل: {إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} .
وقال في القصص: {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} .
فوسّع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة.
ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص.
19-
قال في النمل: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هاذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} .
ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص:{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} ، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل. وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام.
وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر.
والله أعلم.