الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اتهام حسّان بالجُبْن
قال ابن إسحاق: "وحدثني يحي بن عبّاد بن عبد الله بن الزبيرعن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمرّ بنا رجل من يهود، فجعل يُطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آتٍ. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي، كما ترى يُطيف بالحصن، وأني والله ما آمنة أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأنزل إليه فاقتله، قال. يغفر الله لكِ يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت: فلما قال لي ذلك، ولم أَرَ عنده شيئًا، احتجزتُ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلته من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: مالي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (1) ".
ويحي بن عبّاد وأبوه ثقتان، لكن الأب تابعي، فالخبر مرسل.
ورواه ابن سعد مختصرًا والحاكم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن صفية بنت عبد المطلب، قال عروة: "وسمعتها تقول
…
" ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله:"عروة لم يدرك صفية (2) ". ورواه من طريق آخر عن إسحاق بن إبراهيم الفروي قال: حدثتنا أم فروة بنت جعفر بن الزبير، عن أبيها، عن جدّها الزبير، عن أمّه صفية بنت عبد المطلب .. فذكر نحوه، ثم قال: "هذا حديث كبير
(1) الروض الأنف (6/ 276)
(2)
طبقات ابن سعد (8/ 41)، المستدرك (4/ 56).
غريب الإسناد، وقد رُوي بإسناد صحيح" وقال الذهبي في (التلخيص):"غريّب، وقد رُوي بإسناد صحيح (3) ".
وأم فروة لم أقف لها عن ترجمة، وفي:(سير أعلام النبلاء): أم عروة بنت جعفر. قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "لا تُعرف، وأبوها جعفر ذكره ابن أبي حاتم: 2/ 478، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (4) ".
وذكر الهيثمي القصة في (المجمع) وقال عن حديث الزبير: "رواه البزار وأبو يعلى باختصار
…
وإسنادهما ضعيف". وقال عن حديث عروة: "رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح ولكنه مرسل (5) ".
وعزاه الحافظ ابن حجر في (الفتح) إلى أحمد عن عبد الله بن الزبير، وقال عن إسناده:"قوي (6) ". ولم أجده في (المسند) في مظنّته من ترتيب الشيخ الساعاتي (الفتح الرباني) في "باب ما جاء في غزوة الخندق أو الأحزاب (7) ". ولا في "باب فرض خمس الغنيمة (8) ".
قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة حسان رضي الله عنه: "وقال أكثر أهل الأخبار والسير إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جُبنه أشياء مستبشعة رووها عن ابن الزبير أنه حكاها عنه كَرهتُ ذكرها لنكارتها، ومَنْ ذكرها قال: إن حسان لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من مشاهده لجبنه (*). وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك وقالوا: لو كان حقًا لهجي به،
(3) المستدرك (4/ 56).
(4)
سير أعلام النبلاء (2/ 522).
(5)
مجمع الزوائد (6/ 134).
(6)
فتح الباري (6/ 134).
(7)
الفتح الرباني (21/ 76).
(8)
الفتح الرباني (14/ 74)
(*) في الأصل: لحيته وهو تصحيف.
فإنه قد هجا قومًا فلم يهجه أحد منهم بالجبن، ولو كان كذلك لهجي به (9) ". قال السهيلي في (الروض الأنف):"ومحمل هذا الحديث عند الناس على أن حسانًا كان جبانًا شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أنه حديث منقطع الإسناد، وقال: لو صح هذا لهجي به حسان، فإنه كان يُهاجي الشعراء، كضرار، وابن الزِّبْعرى، وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويرودُّن عليه، فما عيّره أحد منهم بجبن، ولا وَسَمَه به، فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق، وإنْ صحّ فلعل حسان أن يكون معتلًا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال، وهذا أولى ما تُأول عليه، وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عمر [بن عبد البر] في كتاب (الدرر) له (10) ".
ومن هنا يتبين براءة هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه من هذه التهمة، فهي لا تصح سندًا ولا متنًا، وأدلة ذلك ما يلي:
1 -
من ناحية السند فهي لم تروَ بسند صحيح متصل، كما سبق بيانه.
2 -
من ناحية المتن: فإن الجبن مما تعيّر به العرب بعضها بعضًا في الجاهلية والإِسلام، ولو عُرف ذلك من حسان رضي الله عنه لهجاه شعراء المشركين، كما سبق ذلك في كلام الإمامين: ابن عبد البر، والسهيلي.
3 -
لم يُذكر تخلف حسان رضي الله عنه عن شيء من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان فيه القتال مباشرًا، كبدر، وأحد، وحنين، وغيرها.
4 -
لم يكن في غزوة الخندق قتال مباشر بين الطرفين؛ للخطة المحكمة
بحفر الخندق وحجز الأحزاب، فلم يكن بينهما إلا المراماة، ومنها أصيب
(9) الاستيعاب في أسماء الأصحاب بهامش الإصابة (1/ 340)
(10)
الروض الأنف (6/ 324).
سعد بن معاذ رضي الله عنه فلم يكن هناك حاجة للتخلف في مثل هذا الموطن، وشهود المواطن التي فيها بارقة السيوف.
5 -
ومما ينبغي أن يُعلم أن حسان بن ثابت رضي الله عنه كان له من العمر في غزوة الخندق ما بين إحدى وسبعين إلى خمسٍ وثمانين سنة (11)، وهي سنّ يُعذر صاحبها عن التخلف عن مثل هذه المحافل.
(11) وهذا مبني على الخلاف في سنة وفاته، وعمره عند الوفاة رضي الله عنه قال الحافظ في الإصابة:"مات حسان قبل الأربعين في قول خليفة، وقيل سنة أربعين، وقيل خمسين، وقيل: أربع وخمسين وهو قول ابن هشام رحمه الله، والجمهور على أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل مائة وأربع سنين". (1/ 325)