المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌تاريخ السل يجدر بنا والسل متفش تفشياً راعباً في سورية والأفكار - مجلة «الثقافة» السورية - جـ ٤

[خليل مردم بك]

الفصل: ‌ ‌تاريخ السل يجدر بنا والسل متفش تفشياً راعباً في سورية والأفكار

‌تاريخ السل

يجدر بنا والسل متفش تفشياً راعباً في سورية والأفكار قلقة لشره المستفحل أن نكتب تاريخ هذا الداء مبينين تطور الأفكار فيه منذ أن عرفه الطب حتى يومنا.

في سورية ولبنان اليوم نهضة مباركة لمكافحة هذا الداء وصد هجماته وهي أشد في لبنان منها في سورية مع إن السل أشد فتكاً وأكثر انتشارً هنا منه هناك:

غير أن جمعية مقاومة السل في دمشق قد أخذت على عاتقها بناء مصح تتوفر قيه جميع الشروط لإيواء من غضهم هذا الداء بنابه. وهي دائبة على العمل وربما أوفدت أحد الاختصاصيين إلى بلاد الغرب لدرس المصحات فيها وستباشر البناء قي القريب العاجل لأن المال قد توفر لها

كما أن الآنسة دوكره هذه المرأة التي لا تثني المصاعب عزيمتها قد شمرت عن ساعد الجد بعد أن هالها مار أته في عيادات المستشفى الوطني من جيش المسلولين فجمعت مبلغاً كافياً من المال من سورية وفرنسة لإنشاء مستوصف يعاين فيه المرضى فيعالج منه من لا يحتاج إلى استشفاء ويبعث بالآخرين إلى المصحة. وقد افتتحت هذا المستوصف في السادس عشر من حزيران المنصرم في إحدى دور الجامعة والهمة مبذولة لإتقان هذين المشروعين اللذين يخففان من وطأة هذا الداء العقام ويقيان مئات الأطفال منه بعد أن يعم التلقيح بلقاح ع. ك. غ.

فداءٌ كهذا يمرح بيننا ويذبل ألوفاً من زهرات أبنائنا وبناتنا في السنة الواحدة يليق بنا أن نكتب تاريخه ليطلع عليه قراء هذه المجلة الزاهرة ولعلنا نخصص مقالاً آخر للبحث في طرق اتقائه:

لن نجد للسل ذكراً إلا في السنة 1800 ق. م. عند الهنود الأقدمين الذين كانوا يعدون المسلول كالمجذوم خطراً على من يساكنه ويجاوره وكانوا يتجنبونه تجنب الأفعى وقد منع البراهمة في ذلك العهد التزوج بالفتيات المتحدرات من سلالة فيها بعض المسلولين مهما كان ثراؤهن ونبل محتدهن. غير أننا لم نقف على وصف مسهب للسل ذكرت به أعراضه وبعض عراقيله إلى في زمن اليونانيين منذ 500 سنة ق. م. فقد ورد أن أوريفونوس الكنيدي كانا يعالج المسلولين بلبن النساء والكي وكان يظن كالمصريين القدماء أن الأمراض مسببة من الإفراط في الغذاء ولعل أوريفونوس هذا مؤلف كتاب (الحكم الكنيدية

ص: 27

والحمية النافعة في الأمراض الباطنة) الذي ورد ذكره في قانون أبقراط ولم يعثر على نسخة منه حتى الآن على ما أعلم.

وكان السل مرضاً شائعاً فتاكاً في عهد أبقراط أبي الطب الذي ولدفي جزيرة كوس من جزر بحر إيجه سنة 460 ق. م. ومات في مدينة لريسه اليونانية وله من العمر تسعون سنة. فكان يقال في أسبابه أنه ينجم من النزلة التي تنحدر إلى الصدر ومن انبثاق الأوردة ومن الخراجات الكائنة في الصدر ومن الجناب المتقيح الذي انفتح في الرئة ولم يذكر أبقراط شيئاً عن العدوى ولعل السبب في إهماله لهذا الأمر شيوع الاعتقاد بعدواه غير أننا متى عرفنا أنا لطب الهنود أثراً في الطب اليوناني وان الهنود كانوا يتجنبون المسلول كالمجذوم فهمنا أن العدوى كانت أمراً مسلماً به عند اليونانيين.

أما الوراثة فقد جاء ذكرها جلياً فقد ورد ما نصه (المسلول يولد من المسلول) وأن هذا الداء يختار البلغميين البيض وأنه كثير الشيوع بين السنوات الرابعة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر وأنه يبدأ بنوافض خفية وسعال جاف وناخس في الصدر والظهر وأن السعال يشتد بعدئذٍ وتبدأ التفلات وتزداد.

وكان يطن أبقراط أن نفث الدم وقياءه سبب المرض وليس عرضاً له. ثم إن المرض يستفحل والجسم جميعه يهزل، أما الساقان فتتورمان وهذا دليل واضح على أن اليونانيين عرفوا الدنف السلي ووصفوه أما أظفار القدمين واليدين فنقف ثم إن الهزال يزداد في ناحية العنق والكتفين ويعود التنفس صغيراً كما لو نفخ في أنبوب ينطفئ الصوت ويشتد الوهن بتناثر الشعر ويبدو الإسهال ويقف التقشع ويموت المريض إنذار السل بحسب أبقراط وخيم جداً غير أنه إذا عولج في بدايته يشفي وقد ذكر في قانون أبقراط السلام العظمي والفصلي ولاسيما ما نسميه اليوم داء بوت فقد جاء فيه ذكر خراجات في الورك والعانة مرافقة لحدبات الطهرية وورد فيه أيضاً ذكر داء بوت العنقيفي المرضى المصابة رئاتهم بعقيدات قاسية صلبةوذكر فيه أيضاً خلع الفصل الحر قفي الفخذي من خراجات ونوا سير. لا عجب فأننا لا نزال نرى حتى اليوم في هذا القرن العشرين الذي بلغ فيه لطب أسمى درجاته، بعض المرضى بالورك وقد أهملت معالجتهم فأفضى مرضهم إلى الخلع المرضى فلا غرابة إذا ذكر أبقراط في عصره ذلك الخلع المنوسر.

ص: 28

وجاء بعد أبقراط أرسطو طاليس (382 - 332ق. م.) وكان فيلسوفاً وطبيباً في آن واحد فلم يضف إلى ما عرفه أبقراط غير شيء واحد هو قوله أن السل والطاعون ينقلان بالهواء وهذا القول الذي نطق به أحد علماء اليونان منذ ثلاثة وعشرين قرناً صحيح لا غبار عليه لأن السل والطاعون الرئويين ينتقلان بالهواء كما يسبب الطب الحاضر. ولم يمضى غير القليل على موت أرسطو حتى ظهر في السنة 330ق. م. ديوكلس فجاءنا بشيء مستحدث لم يذكره من تقدمه وهو مكافحته لنفث الدم لصمغ الثيران أو ما نسميه اليوم الهلام أو الجلاتين.

إن ديوكلس قد أملى هذه الأمثولة على القرون التي تعاقبت بعده ونحن لا نزال نستعمل اله لام شرباً ونلجأ إلى المصل الهلامي حقناً تحت الجلد في مكافحة النزوف ناسيين ذلك العبقري الذي طوته ألوف السنين وهذه الهدية الثمينة التي نفح بها الطب وبنائه ونذكر من أطباء اليونان ساليوس أورليانوس الذي قال عن السل أنه قرحة رئوية مع قيح لا ينضب وكان يصف له الترياق والنوم في أرجوحة والسفر بحراً والقراءة بصوت عالٍ وكان يغذي المسلول بأفضل الأطعمة وأجودها كالبيض والأرز والنشا والخمر واللحوم.

لعمري أن في كلام الطبيب اليوناني لمنتهى الحكمة لأننا إذا استثنينا أمراً واحداً مضراً وقد ورد في كلامه وهو القراءة بصوتٍ عالٍ حكمنا أن مانطق به يعد أساساً لمعالجة السل في زمننا. فإن هواء الشواطئ جزيل الفائدة للمسلولين وأشد فائدة منه هواء عرض البحار الخالي من ذرات الغبار حتى من الجراثيم أيضاً.

فضلاً عن أن تغذية المسلول والاعتناء بأمر طعامه جديد في ذلك العهد الذي كان يظن به أن الطعام مجلبة الداء وأن المسلول كسواه من المرضى محظور عليه الإكثار منه. ويجيء بعد ساليوس ذلك النابغة الكبير والعبقري العظيم الذي لم تنجب القرون السالفة أوسع منه علماً ولا أغزر منه معرفةً أعني به جالينوس (130 - 200بعد المسيح) الذي كان له في تاريخ الطب العربي أكبر أثر لأن الأطباء العرب استرشدوا بما تركه هذا النابغة فنقلوا العلوم عن مؤلفاته وأضافوا إليها ونقضوا ما يحتاج إلى نقض وثبتوا ما هو خليق بإثبات غير أن جالينوس الذي كان له التشريح القدح المعلي حتى أن مؤلفاته بقي معمولا بها زهاء 1200سنة،

ص: 29

جالينوس الذي عني قبل كل أحد بعلم الغريزة (الفسيولوجيا) ووضع أسسه الأولى، جالينوس الذي كان للفلسفة من نبوغه القسط الوافر لم يترك شيئاً جديداً عن السل بل اكتفى بان يدقق في ماتركه السلف ويثبت ماوجده حسناً ويمهل مارآه بعيدا عن الصواب ولهذا إذا ذكر اسمه مقرونا بالإجلال ومحفوفاً بالوقار كلما ذكر التشريح أو الغريزة أو الفلسفة فهو قلما يذكر إذا بحث في تاريخ السل.

نصل الآن إلى عهد جدودنا القدماء. إلى أطباء العرب الذين بنوا لنا ذلك المجد الزاهر الذي لا يمحوه كرور الأعوام. إنهم قد برزوا في كثير من فروع الطب والجراحة وكانوا معلمي العالم ما لا يقل عن ستة قرون فإذا كان لنا ما أتفاخر به

فيهم وإذا حق لنا أن نرفع الرأس عالياً متى ذكرت العلوم والفنون فبفضلهم وتفوقهم. كثيرون هم النابغون بين أطبائنا القدماء الذين يطول بنا المقام إذا أتينا على ذكرهم وأخاف أن ينسب إلي التعصب الجنسي إذا ذكرت منهم من تركوا شيئاً عن السل أو لم يتركوا إلا الشيء القليل ولهذا أمر بها رون وبختشوع وحنين والرازي الكبير الذي يعود إليه الفضل في وصف الجدري والحصبة وابن زهر وأبي القاسم وابن القف وكثيرين سواهم.

وأفق عند الإمام ابن سينا (980 - 1076) الذي جاء في قانونه عن السل بكثير من الأمور الجديدة. فقد ذكر فيه أن نفث الدم ربما لا يتأخر بل يقع فيه الابتداء إذا كان السل من الجنس الرديء وهذا الأمر قد أثبته الطب الحاضر فقد يكون نفث الدم العرض الأول الذي يبدونه السل الرئوي قبل أي عرض آخر.

وقال أيضاًوأما قروح الرئة فقد اختلفت الأطباء في أنها تبرأ أو لا تبرأ البتة لأن الالتحام يفتقر إلى السكون هناك.

لعمري إن هذه الصفحة لخالدة في تاريخ السل أعني بها حاجة السل إلى السكون وامتناع السل الرئوي عن الشفاء لتحرك الرئة حركة مستمرة ألا نرى أن المفصل متى سل يثبت ويحكم عليه بالجمود والقسط؟ ألم نلاحظ أن أفكار الاختصاصيين بالسل قد اتجهت في جميع أقطار العالم إلى إيجاد طريقة يثبتون بها الرئة ليقربوا منها الشفاء وأن الربح الصدرية أو طريقة فورلانيني ليست غايتها إلا منع الرئة موقتاً عن الحركة كما أن قطع عصب الحجاب يرمي إلى هذه الغاية أيضاً فهل أقررنا لذلك النابغة العربي الذي جاءنا منذ

ص: 30

عشرة قرون بالشريعة التي لم يبدلها العلم بل لم يزل جاداً وراء تحقيقها؟

وجاء أيضاً في قانونه ما حرفهوقد يعرض للمسلول أن يمتد به السل ممهلا إياه برهة من الزمن وكذلك ربما امتدا من الشباب إلى الكهولة وقد رأيت امرأة عاشت في السل قريبا من ثلاث وعشرين سنة أو أكثر قليلا

والبرهة لغة الوقت الطويل لاكما يظن البعض أنها الوقت القصير فيكون أمامنا قد ذكر الشكل المزمن من السل الأمر الذي لم يصرح به أحد من قبله.

وقد عرف ابن سينا السوس والزرنيخ والقطران والأقيون المستخرج من الخشخاش والكافور في معالجة السل وقال أن امرأة مسلولة بلغ من أمرها أن علتها طالت وأضنتها واستدعيت من تهيئ لها جهاز الموت فقام أخ على رأسها عالجها بأقراص الكافور مدة طويلة فعاشت وعوفيت فهو يشير باستعمال الكافور ويصف منه الجرعات الكبيرة ونحن نرى أن أطباء القرن العشرين وجراحيه قد عادوا إلى استعمال الكميات الكبيرة من الكافور وقرروا ما كان ذكره النابغة في بدء القرن الحادي عشر وقد أشار ابن سينا في معالجة السل بلبن الأتن النيئ وبين فائدته ولم يكن يعلم حينئذ أن في ذالك اللبن النيئ المواد التي لقبها الطب الحاضر بالحيوين أو الفيتامين ونسب إليها تلك الخواص الناجعة.

واتبع الأوربيون بعد أن انتقل الطب إليهم من العرب خطة ابن سينا في معالجة المسلولين بمضارة الحليب فأنشئت في النمسا وسو يسرة مراكز عديدة لهذه الغاية كان يؤمها المسلولون من جميع أقطار أوربة لتناول هذه المضارة فيها تناولاً منتظماً وكان يأتي المصل بفوائد جليلة يقر بها المسلولون. غير أنه أيحق لنا أن ننسب تلك الفوائد إلى مصل الحليب أم إلى السكن في تلك البلاد الجبلية المطلقة الهواء المعرضة لنور الشمس؟ ووضع ابن سينا شروطاً لتناول اللبن فقال ما نصه:

لو أمكن أن يمص اللبن من المرضع (وهو يعني ضرع لاتان) لكان أولىوقال أيضاًيختار من الأتن ما وضعت منذ أربعة أو خمسة أشهر وقالتغسل العلبة بالماء الحار ولاسيما إذا كان قد حلب فيها من قبل فتنقع فيه حتى يتحلل ما كان فيهاوفي هذا القول منتهى الحكمة لأنه لوحظ أن الحليب يختمر ويتبدل تركيبه ويعود مضراً وأن العلبة التي كان يحلب اللبن فيها قبل أن تغسل جيداً أداة ضرر شديد إذا ما جمع الحليب فيها فأشار بغسلها بالماء الحار

ص: 31

ولم يقل بالماء البارد لأنه عرف أن الماء الحار أفضل في تنظيف ما علق بتلك العلبة من فضلات الحليب.

ولا يجوز لنا أن ننسب كلام ابن سينا في ذلك العصر مهما جاشت في قلوبنا النزعة العربية إلى أنه كان يرمي باستعماله الماء الحار للتعقيم والتطهير فما كان التعقيم ليخطر له ببال ووصف ابن سينا طريقة إعطاء اللبن وكميته ونصح للمسلول بالإكثار من اللحوم على أنواعها.

مرشد خاطر

ص: 32