الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثقافة
تشرين الثاني 1933
فقيد العرب فيصل
للتاريخ والذكرى
بقلم الفريق رضا باشا الركابي
رئيس وزراء الملك فيصل في سورية
لقد مات فيصل شهيداً في سبيل واجبه وإعلاء شأن أمته فأحدث موته فراغاً في العالم العربي من الصعب إملاؤه وحزنت عليه الأمة العربية حزناً شديداً وبكته والعالم الإسلامي بكاء مراً ورئته بما أوتيت من فصاحة وبلاغة حتى لم يبق من زيادة لمستزيد ولعل الجراح التي أصابتني بفقد جلالته هي أكبر وأعظم من أي جرح أصاب غيري وذلك لما كان بينه وبيني من الروابط الوثيقة منذ أمد بعيد قبل الحرب العامة وفي عضونها وبعد فقد كنا من أعضاء (الجمعية العربية الفتاة) نشتغل سوية في تجديد الكيان العربي بما يتفق مع ماضي الأمة العربية المجيد وكنت على اتصال دائم به يوم قلدت منصب الحاكم العسكري العام على المنطقة الشرقية (سورية الداخلية) في البلاد العربية ويوم قيامي بمنصب رئاسة الوزارة في أوائل ملكه على سورية مما جعلني أن أكون في مقدمة المطلعين على نواياه الحسنة ومساعيه الجبارة في سبيل تأسيس مملكة عربية عامة لها شأنها ومركزها بين الممالك كما أتيح لي أن أكون في طليعة الواقفين أيضاً على أخلاقه الرضية ومزاياه الشريفة التي قلما اجتمعت في بشر غيره مهما علت منزلته والتي من أهمها أنه كان رحمه الله ينظر كلل فرد من أفراد الأمة العربية نظره إلى أخوته وأبنائه ويعتبر البلاد العربية كلها وطناً له فيبحها ويضحي في سبيلها أعز شيء لديه لذلك كله اعتقد أنه من واجبي أن أقدم لقراء العربية هذه السطور أذيع فيها بعض الحقائق خدمة للتاريخ وتوطئة لمذكراتي التي سأنشرها فيما بعد.
لقد أدمى موت فيصل العرب رمز الأماني القومية قلوب جميع أبناء أمته على أن هنالك حتى بين الباكين عليه أناساً ممن لا خلاق لهم كانوا يضعون العراقيل في طريقه لا يجوز أن يبقى أمرهم بعد الآن مكتوماً فإن نجاح الأمة في مستقبلها يوجب إماطة اللئام عن حقيقة
تلك الأعمال الخفية أو الاكتفاء بالإشارة إليها ليظهر ما اتصف به رحمه الله من شريف الخصال وحسن النية وما امتاز به من كرم الخلق وبعد النظر وعلو الهمة.
لقد بلغت الأمة العربية قبل الحرب العامة مبلغاً كبيراً من التأخر والانحطاط بعد أن كانت في عصورها الغابرة مثالاً للعظمة والمجد بما اتبعته من حسن السياسة ومشت عليه من قواعد الحرية والعدل والمساواة ولقد ساقها ما تسرب إلهيا من الوهن والضعف والهرم إلى الجمود والتدهور في هاوبة فساد الأخلاق فجثت على نفسها بنفسها وبلغت ما بلغته بتقصيرها وتقاعسها فكانت مصادقاً لقوى تعالى (وما كنا لتلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).
وما زالت وهذا شأنها حتى أراد الله إنقاذها مما هي عليه فأدركها برحمة منه وقبض لها رجلاً منها هو أمير الحجاز آنئذ جلالة المغفور له ساكن الجنان ملك العربي الحسين بن علي يساعده على العمل أنجال الكرام وفي مقدمتهم فقيدنا العظيم فيصل العرب الذي لا بد لنا قبل الاسترسال في الموضوع من ذكر نبذة عن تاريخ حياته المملوء بجلائل الأعمال في سبيل هذه النهضة العربية الجديدة.
فقيد العرب فيصل
ولد رحمه الله بمكة المكرمة سنة 1302 هجرية ودرس وأخوته مبادئ العلوم على أساتذة خصوصيين في قصر والدهم تبعاً لعادات أشراف مكة وقد كانون يتمرنون أيضاً على ركوب الجياد وممارسة ما تتطلبه الفروسية من استعمال السيوف وقذف الرماح وإطلاق النار فترعرع وهو يحسن الرماية والفروسية وحينما عين والده عضواً في مجلس الشورى في الآستانة صحبه معه وكان له من العمر إذ ذاك ست سنين ثم لما تعين والده أميراً على الحجاز في سنة 1908 عاد معه إلى مسقط رأسه وله من العمر خس وعشرون سنة وبالنظر لما فطر عليه من الذكاء والشجاعة فكثيراً ما كان يوليه والده القيادة لإخضاع المتمردين من قبائل الأعراب فذاع صيته واشتهر اسمه بعد أن أصبح قائداً مدرباً خبر الأيام وعركته الوقائع. ولقد كان من جملة الأهداف السياسية التي رمت إلهيا الحكومة العثمانية في أواخر عهدها وعلى رأسها جمعية الاتحاد والترقي القضاء على القوميات غير التركية وبصورة خاصة على القومية العربية التي بدأت تنمو وتتجدد ومن المعلوم أن
سورية هي دماغ جزيرة العرب المفكر وعرقها النابض ولذلك فقد كانت البلاد العربية وفي مقدمتها سورية تكابد وتتحمل من المظالم أنواعها وأشدها ومن المؤسف جداً وجود من عملوا على ترويج سياسة الحكومة العثمانية وتحقيق برنامج جمعية الاتحاد والترقي بشأن قتل الفكرة القومية ذلك البرنامج القائم على قاعدة (فرق تسد). ولما ضاقت الأمة العربية ذرعا بهذه السياسة الغاشية وذهب مساعيها في سبيل تخفيف ويلاتها سدى أرسلت في 1913 وفداً من منوريها وقادة الرأي فيها إلى باريز لتقرير الخطة الواجب اتباعها والعمل لأج ذلك في جو مشبع بالسكون والحرية مع السعي لدى الدول العظمى لتخفيف ما يكابده العرب من مظالم الحكومة العثمانية وإيصالهم إلى ما يبتغونه من الاستقلال على الشكل الأمر كزي تبعاً لبرنامج الجمعية العربية الفتاة. وقد خشيت الحكومة العثمانية أمر استفحال هذه الحركة وخافت جمعية الاتحاد والترقي سوء نتائجها فأرسلت إلى باريز من يفاوض الوفد ويتمكن من إقناعه وتعليله بالأكاذيب لاعتقادها أن ذلك يؤمن عودة الوفد إلى البلاد وقد أرادت الحكومة أن تقدم البرهان على حسن نواياها وصدق وعودها المقطوعة فشرعت بتولية معظم أعضاء الوفد وظائف مختلفة كبيرة فانخدع الوفد وذهب إلى أن الحكومة العثمانية قد بدلت خطتها وأحسنت نيتها بشأن العرب ولذلك فقد انفض المؤتمر وعاد أعضاءه إلى البلاد ليتولوا الوظائف التي عينوا لها ولله في خلقه شؤون.
وظلت الأمة العربية تنتظر تحقيق الوعود التي قطعتها لها الحكومة العثمانية غير أن هذا الانتظار لم يأت بشيء وظلت الحكومة العثمانية على ما كانت عليه من اضطهادها للعرب وهضمها لحقوقهم المشروعة ودام ذلك حتى دخلت غمار الحرب العاملة إلى جانب الألمان مغتنمة هذه الفرصة لتنفيذ غايتها الأولية من الفتك برجالات الأمة العربية والقضاء على أحرارها وقادة الرأي فيها، ولقد كان في شدة حذر جلالة المغفور له الملك حسين بن علي أمير الحجاز حينئذ وخوفه من دسائس الحكومة المركزية بشأن العرب ولهذا السبب فقد عين المغفور له الملك فيصل سنة 1909 نائباً عن لواء جدة من أعمال الحجاز في مجلس النواب العثمانية في الآستانة التي كثيراً ما كان يمر بطريقه إليها على دمشق وقد تعرف في دمشق خلال تردده إليها بكثير من رجالها ووجهائها وعلمائها وفي مقدمتهم دعاة الجامعة العربية من أبناء البلاد السوريين وبعد أن خاضت الحكومة العثمانية غمار الحرب أراد
جمال السفاح الذي عين قائداً عاماً للجيش الرابع في سورية المباشرة في تنفيذ الخطة التي رسمتها له الوزارة الثمانية بالقضاء على زعماء العرب ومحو فكرة القومية العربية والفتك بالحسين وأنجاله وهذا ما دعاه لأن يبذل العسكري لإقناع المرحوم الملك فيصل بأن يقبل فيبقى بجانبه كموظف كبير في الجيش الرابع وغايته من ذلك الاحتفاظ به كوديعة منتظراً سنوح الفرص لتنفيذ الخطة المرسومة التي كان اهتمامه بها أعظم بكثير من اهتمامه بالشؤون الحربية وأمور الجيش وإدارته، وكان الملك فيصل لا يترك فرصة تمر إلا وينتهزها لتخفيف وقع ما يحاول ذلك الطاغية إنزاله بأبناء العرب ورجالهم من ويلات ومصائب على أنه لما تحقق أنه لم يبق من فائدة من بقائه إلى جانب جمال السفاح وأنه أصبح من اللازم مغادرة سورية إلى الحجاز للعمل هنالك والتوسل بما يجب لخلاص أبناء قومه مما يعانونه من ظلم وجور، توفق لإقناع القائد التركي بلزوم السماح له بالسفر ليتمكن من جمع عدد كبير من متطوعي العرب وجعلهم تحت أمرة الجيش التركي في سورية وعوناً له وقد أرسل جمال السفاح يستأذن الحكومة المركزية في الآستانة بشأن سفر الملك فيصل إلى مكة فلم تتردد الحكومة بالموافقة على ذلك بعد أن أقنعها الملك حسين الذي كان علي صلات سرية مع ولده في دمشق بأنه مستعد لن يقدم لها عداً وافراً من المتطوعين لينضموا على الجيش التركي وقد أرسلت إليه أيضاً مالاً وسلاحاً احتفظ به مستعداً للطوارئ ومنتظراً سنوح الفرص. ولم يكد الملك فيصل يصل مكة ويقص على والده ما عرفه وشاهده من المظالم التي يوقعها جمال السفاح بأبناء العرب في سورية من نفي وقتل وتعذيب حتى ثار ثائرة وصمم النية على القيام وفي وجه الحكومة التركية ومناوئتها العداء انتصاراً لأبناء قومه. ومن حسن الحظ أن الحلفاء كانوا حينئذ بأشد الحاجة لمن يساعدهم وينضم إليهم ضد الأتراك وحلفائهم فبدأوا بمفاوضة الملك الحسين الذي وجد في ذلك فرصة سانحة لم يشأن أن يضيعها فدخل الحرب إلى جانبهم وذلك بعد أن ربطهم بمواثيق وأخذ منهم عهداً يتضمن اعترافهم باستقلال البلاد العربية ووحدتها وعلى هذا الأساس أعلن الثورة ضد الأتراك وذلك في النصف الأول من سنة 1916 وعهد إلى ولده الأمير فيصل بقيادة الجيش العربي المتجه إلى سورية وقد أبدى من المهارة الحربية والمقدرة والشجاعة ما كان داعياً لنصرة جيشه وتمام الظفر للعرب ولقد كان هذا النصر أحد الأسباب لهامة
الداعية لتقهقر الجيش التركي وتقلص ظل الجيش الألماني والنمساوي في جميع الجهات الحربية في البلاد العربية وهنا يجب أن لا ننسى الأعمال الجليلة الهامة لتي أبدت هذا الظفر والتي قام بها إخوان الملك فيصل جلالة الملك علي وسموا الأمير عبد الله في الجهات الحربية الشرقية والغربية وكذلك شقيقه الأمير زيد الذي كان لجانبه في أصعب الموافق الحربية ولقد شاء الله أن يكون ظفر العرب مستمراً في تلك المواقع فتقدمت الجيوش العربية من الجهة الغربية والشرقية على أن الجهة الشمالية التي يقودها الملك فيصل كانت سريعة في تقدمها مما زاد في أمله وجعله يطلب أن ينضم إلى جيشه أفراد العرب الذين وقعوا أسرى بأيدي الحلفاء من الجيش التركي والذين جيء بهم إلى مصر فأرسل وفداً لهذه الغاية مؤلفاً ممن كمان يظن بهم الإخلاص والأمانة من أفراد حاشيته وذلك بعد أن جهزهم بما يلزم من الأموال والوسائل التي تسهل عليهم سبيل المهمة التي انتدبهم إليها بشأن انتخاب من يتوسمون فيه الكفاءة والإخلاص غير أن هؤلاء لم يوفوا الأمانة حقها بل نكثوا العهد وبدلاً من أن يقوموا بعملهم بإخلاص فقد حاولوا أن يقنعوا الحلفاء في مصر بلزوم أبعاد الملك فيصل عن القيادة واستلام مركزه مؤكدين أنهم هم أنفسهم جديرون بهذا العمل وأهل له أكثر من سواهم. . غير أنهم باءوا بالفشل وكان مسعاهم وبالاً عليهم فعادوا دون أن يحسنوا القيام بما كلفوا به وائتمنوا عليه ولقد كان من مزاياه رحمه الله ومما اتصف به من كرم الخلق ورحابة الصدر أن أحسن مثواهم ووفادتهم بعد عودتهم ولم يفاتحهم بشيء مما علمه عنهم واتصل به من أخبارهم ولم تكن هذه المصاعب مما يفل في عزيمته رحمه الله فما برح يحارب بكل ثبات وإقدام فتتقدم جيوشه تباعاً نحو الشمال حتى بلغت الوجه وتبوك ثم العقبة ووادي موسى ومعان وبلاد شرق الأردن ودرعا ولقد كان جميع من مرت بهم جيوشه من أعراب ومتحضرين ينضمون إليه مندفعين إلى ذلك بما قام في نفسهم من حبه واحترامه لما رأوه منه من الجشاعة والإقدام والصدق والإخلاص والكرم والحفاوة في سبيل نهضة الأمة العربية وإعلاء شأنها وما زال وهذا شأنه حتى اضطر الأتراك إلى التقهقر والانسحاب من دمشق أيضاً وذلك في أواخر شهر أيلول 1918 ثم من جميع البلاد السورية في الداخل والساحل فدخل الجيش العربي بقيادته إلى دمشق ظافراً وكذلك جيوش الحلفاء التي كان يقودها إذ ذاك الفيلد مارشال اللورد اللنبي الإنكليزي. وقد
تألفت عقب ذلك في سورية ثلاث مناطق: المنطقة الجنوبية ومركزها القدس وحاكمها انكليزي والمنطقة الغربية ومركزها بيروت وحاكمها أفرنسي والمنطقة الشرقية ومركزها دمشق وحاكمها عربي الأمر الذي دل على نية الحلفاء منذ دخولهم سورية والغاية الت يرموا إلهيا - وفي العشر الأول من شهر تشرين الأول سنة 918 أرسل المرحوم الملك فيصل قسماً من جيشه نحو الشمال فاحتل هذا الجيش حمص وحماه ثم حلب وما جاور هذه المدن في البلاد العربي وهكذا فلقد تقلص ظل الأتراك عن جميع الأقطار العربية التي كانوا فيها وبدأت المساعي بتأسيس مملكة عربية مستقلة في سورية يكون ملكها المرحوم الملك فيصل وتأسيس ممالك أخرى في فلسطين والعراق يتولى شؤونها أشقاؤه على أن يكونوا جميعهم على صلة وارتباط بملك العرب المرحوم جلالة الحسين.
فود جلالته تأمين هذه الغاية فسافر من دمشق إلى أوروبا لحضور مؤتمر الصلح ولم يستقر به المقام هناك حتى طلب من الحلفاء أن تكون بلاد العرب مستقلة على الصورة التي ذكرناها وأن تؤخذ سياستها الخارجية على أن يساعد حكوماتها في وضعها الجديد خبراء من رجال الحلفاء، فأعجب أعضاء المؤتمر بزيه العربي وجرأته الأدبية وبلاغة بيانه وصراحة طلبه فعلق هو أيضاً بدوره مستقبل البلاد وتحقيق أمانيه على هذا العجاب، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لأن فرنسا وانكلترا كانتا متعاهدتين سراً منذ سنة 1916 ومتفقتين على تقسيم البلاد العربية إذا تم لهما الظفر. فكليكيا والموصل وسوريا لفرنسا والعراق وفلسطين وسائر الشرق العربي لانكلترا. كل ذلك قبل إن يدخل جلالة الملك حسين والعرب معارك الحرب فلما دخل العرب الحرب تحت قيادة المرحوم صاحب الجلالة عدل الحلفاء عن تقسيم البلاد واستبدلوا به سياسة الانتداب.
غير أن انكلترا أخذت تسعى بعد أن وضعت الحرب أوزارها لإخراج الموصل من نصيب فرنسا وإلحاقها بالعراق لتكون تحت سيطرتها وذلك لاحتوائها على ينابيع البترول وكنوز وثروات مختلفة لا تقدر. فوجدت أن اتفاقها القديم مع فراسنة يحول بينها وبين هذه الغاية ففكرت في الأمر واحتالت له وأوجدت في مؤتمر الصلح فكرة استفتاء العرب عن الانتداب ورغبتهم في الاستقلال التام وأرسلوا إلى سورية بعثة أميركية حيادية برئاسة المستر (كراين) فأتى إلى سوريا وباشر الاستفتاء.
ولم يصعب على انكلترا أن تكيد لفرنسا في الخفاء وأن تحمل رجالها وعيونها من السوريين على جعل سكان البلاد يطلبون الاستقلال التام الناجز، دون حماية ولا وصاية، فقالوا لهم الاستقلال قبل كل شيء، وإذا لم يكن من الانتداب بد فأميركا أولاً، وإن لم تكن أميركا فانكلترا أما فرنسا فلا ترضى بها أبداً، بل ترفضها رفضاً باتاً. وقد وافق هذا الكلام هوى من نفوس السوريين فقبلوه وأصغوا إليه واتبعوه في الساحل كما في الداخل.
وهكذا فقد ألحق الموصل بالعراق واعترفت الأمة السورية بالانتداب من حيث لا تشعر إلا أن هذا الانتداب أسند إلى فرنسا خلافاً لرأي السوريين فلم يعبأ برأيهم بل كان بعض رجال السوريين آلة صماء بيد الانكليز فسيروا الاستفتاء حسب رغائبهم.
ولما كان جلالته بباريز اتصل بالمسيو (كلمنصو) رئيس الوزارة الإفرنسية فلقى منه احتراماً ومحبة فأطلعه المرحوم على رغبته في إعلان استقلال البلاد السورية تحت الانتداب الإفرنسي فوافقه المسيو كلمنصو على اقتراحه وعقد اتفاقاً سمي اتفاق فيصل - كلمنصو. ولما تم هذا الاتفاق غادر رحمه الله فرنسا وكان في طريقه إلى سوريا يثني الثناء الجميل على المسيو كلمنصو ويصرح للجماهير التي كانت تستقبله أنه يجب على العرب عامة وعلى السوريين خاصة أن يعتمدوا على فرنسا التي مافتئت تظهر استعدادها في مختلف الظروف لمساعدة العرب وتحقيق أمانيهم. ولم ينتشر الاتفاق المذكور حتى قام بعض رجالات لبنان الذين أعمتهم النعرة الطائفية - وربما كان هناك إيعاز خارجي - يسعون للتفريق بين الساحل والداخل، فازدادت الصعوبات والمشاكل في طريق جلالته ولم يفتر عزمه ولا تقاعست همته بل بقي مع ذلك محافظاً على خطة السلم مع فرنسا كما بقيت هي مثابرة على مجاملته. وكان المؤتمر السورية المنتخب من بعض وجوه الداخل والساحل وفلسطين والعراق مجتمعاً وقتئذ في دمشق فنادى بالأمير فيسل ملكاً على سوريا فوافقته فرنسا على ذلك ولم تمانعه رغبة في المحافظة على ولائه.
فاستدعاني يوم عرض عليه هذا القرار واستشارني فقلت له هل من ضرورة لهذه المجلة وبينت له أن الحكمة تقتضي الانتظار وتدعو لأن يؤجل إعلان التتويج إلى أن تمهد السبل هنا وهناك فقال لي رحمه الله إذا كانت الغاية من هذا التأجيل التفاهم إلى أن تمهد السبل هنا وهناك فقال لي رحمه الله إذا كانت الغاية من هذا التأجيل التفاهم مع الإفرنسيين فقد
اتفقت معهم على ذلك. فأعلن الملك وأقيمت حفلة التتويج يوم 8 آذار سنة 1920 وحضرها ممثلو فرنسا بصورة رسمية.
ولم يمض على حفلة التتويج إلا بعضة أسابيع حتى بدأ الأتراك بالتعدي على حدود سوريا فقرر الجنرال غورو أن يوجه إلى الشمال قوة من الجيش الإفرنسي المرابط في الساحل عن طريق الخط الحديد بيروت - رياق - حلب - قطمة وأوعز إلى ممثليه في دمشق أن يطلبوا من حكومة جلالته المساح للجيش الإفرنسي بالمرور في سوريا، فاستدعاني جلالته إذ كنت رئيساً للوزارة، وسألني رأيي فعرضت عليه الموافقة على أن نضم نحن أيضاً قسماً من جيشنا إلى القوة الفرنسية لأن الدفاع عن سوريا يقع في الدرجة الأولى على عاتق السوريين ولولا أن تعدى الأتراك على سوريا يقع في الدرجة الأولى على عاتق السوريين غير كافية لما سمحنا لفرسنا بالدفاع عن بلادنا ولكن فرنسا قد أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن بلادنا كحليفة لنا أو منتدبة علينا فوجب علينا والحالة هذه أن نشكر لها صنيعها ونشاركها في الدفاع بضم قسم من جيشنا إلى جيشها، وربما أدى هذا الأمر في المستقبل إلى حفظ صلاة المودة وروابط الصداقة بيننا. فأظهر سروره لرأيي وارتياحه لفكري. ولكنه أراد في الوقت نفسه أن يستشير بعض رجال السياسة فلما استشارهم أشاورا عليه بعشك ما رأيت وأصروا عليه وتعصبوا لرأيهم فاعتمد رحمه الله على أمانتهم وصدقهم ورفض ما طلبه الإفرنسيون منه فاضطر الجنرال غورو إلى نقل الجيش بحراً إلى شمالي اسكندرون وإلى نقله من هناك براً إلى منطقة الحرب. فانقضى الوقت بدون فائدة ولذلك اضطررت الدولة الفرنسية إلى حل الخلاف بينها وبين تركيا بصورة سلمية على أساس التفاهم فأرسلت معتمدها المسيو (فرانكلين بويون) إلى انقره لينفق مع الأتراك على حسن الجوار فما كان منهم إلا أن أملوا إرادتهم على الفرنسيين فخسرت سوريا بعض بلدان المنطقة الشمالية وتبدل شكل الإدارة في لواء اسكندرون.
إن ثقة جلالته برأي الذين استشارهم وإيمانه بصدقهم واعتماده على حسن نيتهم كل ذلك أدى إلى توتر العلاقات السياسية بينه وبين الإفرنسيين. فازدادت العقبات في سبيل تحقيق أمانينا ووصلنا إلى الوضع الحاضر الذي نحن فيه.
ثم أن توتر هذه العلاقات السياسية جعل الفرنسيين، توطيداً لنفوذهم في الداخل، يطلبون من
حكومة جلالته تعيين ضباط للمرابطة في الأقضية الأربعة بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا. ولم ينشر هذا الطلب حتى قام رجال السياسة يسعون لدى جلالة المرحوم لإخراج الإفرنسيين من الداخل والساحل بالقوة تأميناً للاستقلال التام الناجز على زعمهم. وقد طلبني صاحب الجلالة في ليلة من ليالي شهر مايس الأول سنة 1920 بعد إعلان الملكية بشهرين تقريباً وكان وقتئذ مقيماً بدار المفوض السامي اليوم فملا دخلت عليه وجدت عنده جماعة من السياسيين وهم يلحون عليه بطلب إخراج الإفرنسيين من البلاد بالقوة.
ولما طلب مني رأيي في الأمر ذكرت أنه قبل شهرين عند ما شرحت لجلالته ضرورة التروي في إعلان الملكية كان أجابني بأنه على تفاهم مع الحكومة المنتدبة مما يدل على وجود صداقة متبادلة. فماذا حدث في هذه المدة حتى انقلبت الصداقة إلى عداوة دون علم مني؟ ث قلت له أنه من مقتضى العقل والمنطق أن نقارن بين قوة الخصم وبين قوتنا فنحسب ما يملكه الإفرنسيون من
جيوش وأسلحة ومدافع وذخائر وأموال وتعرف من جهة أخرى ما لدينا من معدات وعتا ولكن بعض الحاضرين قام وصاح يقول: أننا سنقدم قبل انقضاء أسبوعين ما يكفي من الأموال ونحشد جيشاً جراراً.
ولما كنت أعلم أن مثل هذه الأقوال إنما يقصد منها خداع جلالته وإبهامه حتى يكون وسيلة للوصول إلى غايات خفية ويفسح المجال لتنفيذ خطط مرسومة وبما أني رأيت أيضاًَ أن الفوضى ضاربة أطنابها عزمت على اعتزال اعمل وقدمت استقالتي من رئاسة الوزارة.
وقد تألفت وزارة جديدة قائمة على فكرة إخراج الإفرنسيين من البلاد. فأصدرت هذه الوزارة أوامرها بحشد القوات العربية أولاً في مجدل عنجر المشرفة على سهل البقاع ثم ارتأت نقلها إلى ميسلون وهناك التقت القوة العسكرية التي أرسلتها المفوضة الإفرنسية مع القوة العربية وكانت موقعة ميسلون المشهورة عقبها دخول الإفرنسيين إلى دمشق مما اضطر جلالة الملك إلى ترك عرشه بعد البقاء فيه مدة أربعة أشهر فقط.
وعلى أثر هذه الحادثة المؤلمة انكشف الستار عن الخطط السرية المدبرة التي كانت ترمي إلى خلق الأسباب لفصل بلاد شرقي الأردن عن سوريا وإلحاقها بمنطقة الانتداب الانكليزي وتشكيل حكومة خاصة هناك كما انتزعت في الوقت نفسه الأقضية الأربعة عن سوريا
وضمت إلى لبنان الذي كان ألحق به قبلا طرابلس وعكار وصيدا وصور ومرجعيون فسمي لذلك الآن بلبنان الكبير ثم أعقب ذلك تقسيم آخر جعل جبل الدروز وجبل العلويين بشكلهما الحاضر.
وتدل جميع الظواهر دلالة واضحة على أن الذين وضعوا تلك العراقيل في سبيل المرحوم الملك فيصل حيثما كان يجاهد ويسعى لإعلاء شأن الأمة وتأمين استقلالها ووحدتها - إنا كانوا مدفوعين إلى ذلك بمسائق الجهل أو بإيعاز وتغرير غير عائبين بنتائج أعمالهم الهدامة.
ومن الغرائب التي وقعت في ذلك الحين هو أن أعضاء الوزارة التي ألفها المرحوم عند مغادرته البلاد قطعوا له العهود على أنفسهم بانهم لن يأتوا أي عمل دون الاستئذان منه وصدور إرادته بصفته مليك البلاد الشرعي وبأنهم سيسعون جهدهم لإزالة سؤ التفاهم بينه وبين السلطة الإفرنسية معربين عن أملهم القوي في التوفيق لذلك.
ولكنهم هم أنفسهم أسرعوا، بينما كان المرحوم لا يزال في طريقه إلى درعا وأمروا متصرف حوران وقائدها أن يبلغا جلالته لزوم مغادرته سوريا في الحال دون أي توقف في درعا وأن يعيدا جميع الأشخاص السوريين من حاشيته إلى دمشق.
وأغرب من ذلك وأدعى إلى الأسف الذين كانوا يعيشون في نعمته وتحت ظله لم يتأخروا، عندما شعروا بما وقع بينه وبين الإفرنسيين من سوء التفاهم عن تنظيم العرائض يطلبون فيها من الإفرنسيين إخراج جلالته من البلاد لأنه غريب عنها وفي هذا العمل ما فيه من سوء الأخلاق ودناءة الطبع وقد صدق من قال: اتق شر من أحسنت إليه.
وقد غادر جلالة المرحوم درعا إلى مصر ثم إلى أوروبا وصادف آنئذان قامت ثورة خطيرة في العراق ضد الانكليز فطلبت حكومة لندن من جلالته الذهاب إلى العراق تهدئة الثورة فقبل بذلك واقترنت جهوده بالنجاح فنودي به بعد إعادة النظام في آب 1921 ملكاً على العراق. وهناك ظهرت مزاياه السامية وثبتت مقدرته الكبيرة وتمكن في زمن قصير من تأسيس مملكة مستقلة في العراق الذي ارتفع عنه الانتداب أخيراً وأصبح عضواً في جمعية الأمم.
أراد، رحمه الله، أن يعيد مجد الأمويين في سوريا فأبت الحظوظ عليه ذلك ولكنها ساعدته
في العراق لإعادة مجد العباسيين. وتجاه ذلك أليس هم السوريين الذين ينبغي عليهم أن يندبوا حظهم؟
وقد ظل جلالته، رغم ما لقيه من المعاكسة في سوريا لا يترك فرصة إلا ويعرب فيها عن حفظة لذكرى هذه البلاد التي كان يقول أنه لا ولن ينساها وأنه سيسعى جهده لخدمتها مهما اعترضه من الموانع وذلك لعلمه بأن سوريا هي قلب البلاد العربية النابض ودماغها المفكر.
وقد كان وهو على عرش العراق يعمل جميع ما في استطاعته لإزالة سوء التفاهم بينه وبين الإفرنسيين حتى وفق أخيراً بالفصل لتحسين علاقاته معهم.
وكانت فكرة توحيد القطرين من أكبر الشواهد على رغبته وسعيه في خدمة سوريا. وقد حصل التفاهم بينه وبين كبار الساسة الإفرنسيين على هذه الفكرة عندما زار باريس رسمياً في سنة 1931.
ولأجل تحقيق هذه الفكرة رأى الطرفان أنه من الضروري المباشرة في تمهيد الطريق وتهيئة الوسائل لها في القطرين. وأخذ جلالته رحمه الله، على نفسه القيام بهذه المهمة في العراق. وعهد بأمر سوريا إلى الرجال السوريين الذين كانوا حوله إذ ذاك في أوروبا والذين كان يظن فيهم الإخلاص والأمانة. على أنه بينما كان هؤلاء يحبذون من جهة فكرة جلالته ويقطعون العهود بالدعوة إليها إذا بهم من جهة أخرى يسعون في سوريا لمعارضتها وبذلك اقترفوا سيئة جديدة لا تغتفر تضاف إلى ما سبق لهم من الأعمال في معاكسة جلالته ووضع العراقيل والموانع في طريقه.
كان رحمه الله متشبعاً بالفكرة العربية وروح النهضة وظل رغم الحوادث التي مر ذكرها والعراقيل والموانع التي صادفها يعتري همته الوهن ولا يتسرب إلى قلبه اليأس. لقد كان شديد العزيمة، ثابت العقيدة، قوي الإيمان كبير الأمل يعمل بكليته للوحدة العربية ويسعى لتذليل جميع الصعاب التي تعترض هذه الغاية الشريفة. وكانت جميع أعماله تتم عن إخلاص وجد وحسن نية، وكان يعتبر عرش العراق ليس إلا كواسطة لتحقيق فكرة الوحدة العربية.
وإن أنسى لا أنسى اليوم الذي استدعاني فيه جلالته قبل سنتين إلى عمان بعد عودته من
أوروبا وهو في طريقه إلى العراق فلما حظيت بالمثول بين يديه بادرني بتعداد الخطيئات التي ارتكبت في سوريا وكانت سبباً في اعتزال رئاسة الوزارة.
قائلاً أنه لا يزال يذكر بألم عظيم قيام بعض زعماء البلاد الذين وضعوا العقبات فطريقه، وإن هذا الألم كان أشد وقعاً عليه من الصدمات التي تلقاها من الغرباء فقلت له أن الحياة دروس وعبر فلا يأس بمثل هذه الصدمات. وقد أجاب على ذلك قائلاً أن الدرس الذي تلقاه في سوريا قد نفعه كثيراً في العراق وأنه يأمل من إخوانه السوريين أن يكونوا بعد الآن على أتم الوفاق والاتحاد واليقظة في أعتمالهم وليعلموا أن الشعب وديمة الله في أيدي زعمائه وقادة الرأي فيه وأن هؤلاء، مسؤولون عن هذه الوديعة التي يجب أن يحسنوا الخدمة لها والاحتفاظ بها حتى لا يقعوا رمة ثانية في هوة سخيفة، ثم صرح جلالته أنه رغم ما صادفه من المعاكسة سيظل يبذل كل جهده لخدمة سوريا وفكرة الوحدة العربية على قدر طاقته.
وقبل أن أختم هذه الذكريات أريد أن أقول أن موت فيصل فقدان عظيم للأمة العربية وضربة مؤلمة لأمانيها القومية ويجب أن لا ننسى أنه رحمه الله، كان أعظم شخصية في العرب وأكثر الزعماء نباهة وفطنة كما أصبح بعد ممارسته السياسة ردحاً غير قليل من الزمن ذا حنكة سياسية كبيرة يفضل ماله من الذكاء الطبيعية وقد شهد له كبار رجال السياسة الأجانب أيضاً أنه رجل مخلص وجندي صادق وصديق وفي وسياسي قدير شديد العزيمة كثير الحزم ذو شخصية جذابة.
وبهذه المزايا قد استطاع أن يصبح رمز الاستقلال وممثل النهضة العربية ورسول وحدتها وداعية السلام في الشرق.
أنه عاش للشعب ومات شهيداً وضحية في سبيل القضية العربية.
والألم العظيم الذي أصابني لفقد جلالته يدفعني لدعوة بني قومي إلى الانتباه واليقظة ويجب أن يعلموا أن الأمة العربية حبة لن تموت تطلب منهم العمل بإخلاص وعزم وحزم وجرأة وتضحية في سبيل القضية العامة متمسكين بالمبادئ السامية التي سار عليها المرحوم فيصل والخطط القويمة التي رسمها والقواعد القيمة التي وضعها. وينبغي أن يكون رائدهم مصلحة العرب فقط فلا يخشون إلا حساب التاريخ ولا يعتمدون إلى على الله وعلى
أنفسهم.
بذلك تتحقق آمال فيصل الكبير وتطمئن روحه الكريمة في مرقدها الأخير رحمه الله رحمة واسعة وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الركابي
وافتح بالشباب من جيلك
…
الوثاب عصر المغامرين القشاعم
يتفانون تحت راية (غاز)
…
عبقري للمجد لا للغنائم
الأخطل الصغير