المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قالته الفارسية وتنكره العربية - مجلة «الثقافة» السورية - جـ ٧

[خليل مردم بك]

الفصل: ‌قالته الفارسية وتنكره العربية

‌قالته الفارسية وتنكره العربية

(القتل أنفى للقتل)

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

كان كاتب اسمه أو لقبه (السيد) قد نشر شيئاً في جريدة مشهورة نسب فيه هذه العبارة (القتل أنفى للقتل) إلى العرب، وقال - كبرت كلمة تخرج من أفواههم -: إن بلاغتها نفوت بلاغة القول المعجز ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب.

وإن مجسر هذا المقتحم، باعثة مجهول - وستمسي الخافية علانية - وقد رد عليه بهذه المقالة القاصدة اليوم مغلغلة إلى دمشق الشام، لتظهر في مجلتها (النقامة).

أجلّ العربية الرصينة المبينة أن تقول هذا القول:

(القتل أنفى للقتل)

وأنعى على (السيد) هفوة نسبته إياه إليها، أنها لا تعرفه، أنها تنكره.

ولو قالته - وهو يبدو حكمة ومثلاً - لروته رواتها: فلا (الميداني) صاحب (مجمع الأمثال) عرفه - وقد جمع في كتابه أكثر من ستة آلاف مثل، ولا (ابن عبد ربه) سمع به، ولو نما هذا القول في (الجزيرة) لانتظمته (جوهرة أمثاله) ولا (أبو بكر الباقلاني) اشتمل عليه كتابه في (إعجاز القرآن) وجدناه فيه، وما قرأناه في (عيون الأخبار) ل (ابن قتيبة) أو (كامل أبي العباس) وما اجتليناه في تصنيف من تصانيف المائة الثانية أو المائة الثالثة. واترك كلام الذائدين عن (الكتاب) في إيراده معزواً إلى العرب وما سطروا.

إنه لقول ما قالته العربية ولا مولدوها، وإنما هو كلام فارسي نقله الناقل - وربما أخطأ في الترجمة - ورائحتها فيه تكاد تفوح.

ولو قالته العربية ما قالت (القتل أنفى القتل) وهي تعني أن القتل يزيل القتل أو يستأصله، أو يفنيه، ونفى القتل (أي أبعاده) لا يبيده. ونفي (المجرم القاتل) لا يربح الناس منه. ومادة (ن ف ي) كاشفة ما يلتبس. ولم تستعمل العرب هذه المادة - واللغة لغة والعرب عرب - في مثل هذا المقصد، وألفاظ القول لا تستقل بمعناه عند الباحث المحقق.

ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن نقول: (القتل أفنى للقتل) ومن بنى من مثل: (اختصر، وأعطى، وأولى الخ) اسماً للتفضيل بناه من أفنى. وهي العربية ولسانها تصرفه،

ص: 37

تجربه أني شاءت.

ولو قالته العربية لجاز - أن جاز - أن تقول: (القتل أقتل للقتل). فينزل في البيت الأعشوي، الشلشي، أو بيت (المتنبي) القلقي الذي قلقل الحشا وتجيء ثلاث قافات خشنة، كل قاف كجبل قاف - كما قال أحمد بن الحسين الهمذاني - وإن جانب هذا القول الفارسي، أو العربي الدعي، القتل وتوسطه (النفي) أو (الفناء) ففيه، في كلمتين قافان قاتلان. وهو في مجال البلاغة والبيان مصروع ومقتول.

قد يراد بهذا القول ما قصده الشاعر القائل:

بسفك الدما (يا جارتي) تحقن الدما

وبالقتل تنجو كل نفس من القتل

أو القائل (وهو المتنبي)

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم.

أو القائل (وهو أبو تمام):

ما أن ترى الأحساب بيضاً وضحاً

إلا بحيث ترى المنايا سوداً

فهو - والحالة هذه - في وادٍ، والآية المعجزة في وادٍ.

وأن عنى القول الفارسي ما تعنيه الآية فأين خبث الحديد من ذهب الإبريز والماس (أو الألماس) المشع الوهاج؟

وهل الأعجاز بالقلة؟ و (وطن النهى) في قول أبي تمام:

كم صارم عضب أناف على فتى

منهم لأعباء الوغى حمال

سبق المشيب إليه حتى أبتزه

(وطن النهى) من مفرق وقذال

كلمتان، و (الراس) واحدة. وعند أبن الأثير (الأديب) تبيانها.

وأن رمت الإيجاز مع الأعجاز فخذ من (الكتاب) في القصاص حيوة ولولا أنه القرآن لقلت: خذ يا (سيد): القصاص حيوة.

(القتل أنفى للقتل) قول فارسي، نقله المترجم العربي، وفيه ضعف، معناه كريم، ولفظه، سبكه لئيم. قاله إزدشير الملك.

ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب قول عربي، قول معجز قرآني لا يستقل بوصفه - أن احتيج إلى وصفه - إلا بلاغة النبي، بل هو يصف نفسه، ويعلن فضله، وينادي على

ص: 38

أعجازه.

وأنا أورد في هذا المقام ثلاثة أقوال لثلاثة أئمة في شأن القول المعجز، في إيرادها فائدة لمن يطلب الفائدة.

قال الإمام (الزمخشري) في (الكشاف): (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل، وتفويت للحياة وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة.

ومن إصابة محز البلاغة تعريف القصاص وتنكير الحياة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة! أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه فارتدع سلم صاحبه من القتل وسلم هو القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.

وقال الإمام الثعالبي في الإيجاز والإعجاز: من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام (فمن ذلك) قوله ولكم في القصاص حيوة ويحكى عن إزدشير الملك ما ترجمه بعضهم أنه قال (القتل أنفى للقتل) ففي كلام الله (تعالى) كل ما في إزدشير. وزيادة معان حسنة منها: إبانة العدل بذكر القصاص، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله، والجمع بين القصاص والحياة، والبعد من التكرير الذي يشق على النفس، فإن في قوله (القتل أنفى للقتل) تكريراً، غيره أبلغ منه.

وقال الإمام (عبد القاهر الجرجاني) في (دلائل الإعجاز): وينبغي أن تكون (موازنتهم) بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها كموازنتهم بين ولكم في القصاص حياة وبين (قتل البعض أحياء للجميع) - خطأ منهم (إلى أن قال): لولا أن الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن وأنهم بترك النظر، وإهمال التدبر، وضعف النية، وقصر الهمة قد طرقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم كل محال، وكل باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظاً من قبولهم، ويبوئونه مكاناً من قلوبهم - لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة

ص: 39

أن تدخل في تصنيف.

موازنة (السيد) بين تيك الجملة وتلك الآية تذكرنا بهذه الحكاية:

نافر رجل من جرم رجلاً من الأنصار إلى رجل من قريش. فقال القرشي للجرمي: أبا لجاهلية تفاخره أم بالإسلام؟

فقال: بالإسلام

فقال: كيف تفاخره وهم آووا رسول الله، ونصره حتى أظهر الله الإسلام؟!

قال الجرمي: فكيف تكون قلة الحياء؟. . . .

أيها (السيد)، قد عثرت، فتوبوا إلى بارئكم عسى الله أن يتوب عليكم.

محمد إسعاف النشاشيبي

ص: 40